Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:125–126

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:125–126

2:125Page 19

وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥

And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ والبَيْتُ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ لِلْكَعْبَةِ، كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ مَجْمَعًا لَهُمْ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقَتادَةُ، أوْ مَعاذًا ومَلْجَأً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوْ مَرْجِعًا يَثُوبُ إلَيْهِ أعْيانُ الزُّوّارِ، أوْ أمْثالُهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وجُبَيْرٌ، أوْ مَرْجِعًا يَحِقُّ أنْ يُرْجَعَ ويُلْجَأ إلَيْهِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، أوْ مَوْضِعُ ثَوابٍ يُثابُونَ بِحَجِّهِ، واعْتِمارِهِ، قالَهُ عَطاءٌ وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، والتّاءُ فِيهِ، وتَرْكُهُ لُغَتانِ كَما في مَقامٍ ومَقامَةٍ، وهي لِتَأْنِيثِ البُقْعَةِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التّاءَ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في نَسّابَةٍ وعَلّامَةٍ، وأصْلُهُ مَثْوَبَةٌ عَلى وزْنِ مَفْعَلَةٌ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ، واللّامُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ، وهو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ حَمْلُهُ عَلى العَهْدِ، أوِ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ (مَثاباتٍ) عَلى الجَمْعِ، لِأنَّهُ مَثابَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، لا يَخْتَصُّ بِهِ أحَدٌ مِنهُمْ، ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ فَهو وإنْ كانَ واحِدًا بِالذّاتِ إلّا أنَّهُ مُتَعَدِّدٌ بِاعْتِبارِ الإضافاتِ، وقِيلَ: إنَّ الجَمْعَ بِتَنْزِيلِ تَعَدُّدِ الرُّجُوعِ مَنزِلَةَ تَعَدُّدِ المَحَلِّ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ مَثابَةٌ، واخْتارَ بَعْضُهم ذَلِكَ زَعْمًا مِنهُ أنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ عَنْ غُلامِ جَماعَةٍ بِالمَمْلُوكِينَ، ولَمْ يُعْرَفْ، وفِيهِ أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، إذْ لَهُ إضافَةُ المَمْلُوكِيَّةِ إلى كُلِّهِمْ لا إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، ﴿وأمْنًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَثابَةً﴾ وهو مَصْدَرٌ، وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ مَوْضِعُ أمْنٍ، إمّا لِسُكّانِهِ مِنَ الخَطْفِ، أوْ لِحِجاجِهِ مِنَ العَذابِ، حَيْثُ إنَّ الحَجَّ يُزِيلُ ويَمْحُو ما قَبْلَهُ، غَيْرَ حُقُوقِ العِبادِ، والحُقُوقِ المالِيَّةِ كالكَفّارَةِ عَلى الصَّحِيحِ، أوْ لِلْجانِي المُلْتَجِئِ إلَيْهِ مِنَ القَتْلِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، إذْ عِنْدَهُ لا يُسْتَوْفى قِصاصُ النَّفْسِ في الحَرَمِ لَكِنْ يُضَيَّقُ عَلى الجانِي، ولا يُكَلَّمُ، ولا يُطْعَمُ، ولا يُعامَلُ حَتّى يَخْرُجَ فَيُقْتَلَ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ والتَجَأ إلَيْهِ، يَأْمُرُ الإمامُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِهِ، فَإذا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ في الحِلِّ، فَإنْ لَمْ يَخْرُجْ جازَ قَتْلُهُ فِيهِ،

صفحة 379

وعِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا يُسْتَوْفى مِنَ المُلْتَجِئِ قِصاصٌ مُطْلَقًا، ولَوْ قِصاصُ الأطْرافِ، حَتّى يَخْرُجَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ أمْنًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِمَحْذُوفٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ، أيْ واجْعَلُوهُ أمْنًا، كَما جَعَلْناهُ مَثابَةً، وهو بَعِيدٌ عَنْ ظاهِرِ النَّظْمِ، ولَمْ يَذْكُرْ لِلنّاسِ هُنا كَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ اكْتِفاءً بِهِ، أوْ إشارَةً إلى العُمُومِ، أيْ أنَّهُ أمْنٌ لِكُلِّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ حَتّى الطَّيْرِ والوَحْشِ إلّا الخَمْسَ الفَواسِقَ، فَإنَّها خُصَّتْ مِن ذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَدْخُلُ فِيهِ أمْنُ النّاسِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿جَعَلْنا﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُمُ اتَّخِذُوا، والمَأْمُورُ بِهِ النّاسُ كَما هو الظّاهِرُ، أوْإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأوْلادُهُ كَما قِيلَ، أوْ عَطْفٌ عَلى اذْكُرِ المُقَدَّرِ عامِلًا لِإذْ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ثُوبُوا إلَيْهِ، واتَّخِذُوا، وهو مُعْتَرِضٌ بِاعْتِبارِ نِيابَتِهِ عَنْ ذَلِكَ بَيْنَ ﴿جَعَلْنا﴾ و﴿عَهِدْنا﴾ ولَمْ يُعْتَبَرِ الِاعْتِراضُ مِن دُونِ عَطْفٍ مَعَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ لِيَكُونَ الِارْتِباطُ مَعَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أظْهَرَ، والخِطابُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأْسُ المُخاطَبِينَ، (ومِن) إمّا لِلتَّبْعِيضِ، أوْ بِمَعْنى (فِي) أوْ زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، والأظْهَرُ الأوَّلُ، وقالَ القَفّالُ: هي مِثْلُ اتَّخَذْتُ مِن فُلانٍ صَدِيقًا، وأعْطانِي اللَّهُ تَعالى مِن فُلانٍ أخًا صالِحًا، دَخَلَتْ لِبَيانِ المُتَّخَذِ المَوْهُوبِ وتَمْيِيزِهِ، والمَقامُ مَفْعَلٍ مِنَ القِيامِ، يُرادُ بِهِ المَكانُ، أيْ مَكانُ قِيامِهِ، وهو الحَجْرُ الَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ضَعُفَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ الَّتِي كانَ ولَدُهُ إسْماعِيلُ يُناوِلُهُ إيّاها في بِناءِ البَيْتِ، وفِيهِ أثَرُ قَدَمَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ، وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي وضَعَتْهُ زَوْجَةُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْتَ إحْدى رِجْلَيْهِ، وهو راكِبٌ، فَغَسَلَتْ أحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ، ثُمَّ رَفَعَتْهُ مِن تَحْتِها، وقَدْ غاصَتْ فِيهِ ووَضَعَتْهُ تَحْتَ رِجْلِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ الآخَرَ وغاصَتْ رِجْلُهُ الأُخْرى فِيهِ أيْضًا، أوِ المَوْضِعُ الَّذِي كانَ فِيهِ الحَجَرُ حِينَ قامَ عَلَيْهِ، ودَعا النّاسَ إلى الحَجِّ، ورَفَعَ بِناءَ البَيْتِ، وهو مَوْضِعُهُ اليَوْمَ، فالمَقامُ في أحَدِ المَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وفي الآخَرِ مَجازٌ مُتَعارَفٌ، ويَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى كُلٍّ مِنهُما، كَذا قالُوا، إلّا أنَّهُ اسْتَشْكَلَ تَعْيِينُ المَوْضِعِ بِما هو المَوْضِعُ اليَوْمَ، لِما في فَتْحِ البارِي مِن أنَّهُ كانَ المَقامُ أيِ الحَجَرُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَزِيقَ البَيْتِ إلى أنْ أخَّرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ الآنَ، أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي حَوَّلَهُ، فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى تَغايُرِ المَوْضِعَيْنِ، سَواءٌ كانَ المُحَوِّلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأيْضًا كَيْفَ يُمْكِنُ رَفْعُ البِناءِ حِينَ القِيامِ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ في مَوْضِعِهِ اليَوْمَ ! وهو بَعِيدٌ مِنَ الحَجَرِ الأسْوَدِ بِسَبْعَةٍ وعِشْرِينَ ذِراعًا، وأيْضًا المَشْهُورُ أنَّ دَعْوَةَ النّاسِ إلى الحَجِّ كانَتْ فَوْقَ أبِي قُبَيْسٍ، فَإنَّهُ صَعِدَهُ بَعْدَ الفَراغِ مِن عِمارَةِ البَيْتِ، ونادى: أيُّها النّاسُ، حُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ الحَجَرُ مَعَهُ حِينَئِذٍ أشْكَلَ القَوْلُ بِأنَّهُ قامَ عَلَيْهِ ودَعا، وإنْ كانَ مَعَهُ وكانَ الوُقُوفُ عَلَيْهِ فَوْقَ الجَبَلِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ رَوْضَةِ الأحْبابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ أشْكَلَ التَّعْيِينُ بِما هو اليَوْمَ، وغايَةُ التَّوْجِيهِ أنْ يُقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحَوِّلُ الحَجَرَ حِينَ البِناءِ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، ويَقُومُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ، وكَذا حِينَ الدَّعْوَةِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَيْتِ، بَلْ فَوْقَ أبِي قُبَيْسٍ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ عِباراتِهِمْ عَنْ ظاهِرِها، بِأنْ يُقالَ: المَوْضِعُ الَّذِي كانَ ذَلِكَ الحَجَرُ في أثْناءِ زَمانِ قِيامِهِ عَلَيْهِ، واشْتِغالِهِ بِالدَّعْوَةِ، أوْ رَفْعِ البِناءِ لا حالَةَ القِيامِ عَلَيْهِ، ووَقَعَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ هَذا المَقامَ الَّذِي فِيهِ الحَجَرُ الآنَ كانَ بَيْتَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ يَنْقُلُ هَذا الحَجَرَ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ العَمَلِ إلَيْهِ، وأنَّ الحَجَرَ

صفحة 380

بَعْدَ إبْراهِيمَ كانَ مَوْضُوعًا في جَوْفِ الكَعْبَةِ، ولَعَلَّ هَذا هو الوَجْهُ في تَخْصِيصِ هَذا المَوْضِعِ بِالتَّحْوِيلِ، وما وقَعَ في الفَتْحِ مِن أنَّهُ كانَ المَقامُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ لَزِيقَ البَيْتِ، مَعْناهُ بَعْدَ إتْمامِ العِمارَةِ، فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ في أثْنائِها في المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ اليَوْمَ، كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، فَلْيُفْهَمْ، وسَبَبُ النُّزُولِ ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: (يا عُمَرُ هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقالَ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ)،» والأمْرُ فِيها لِلِاسْتِحْبابِ، إذِ المُتَبادِرُ مِنَ المُصَلّى مَوْضِعُ الصَّلاةِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ بِرَكْعَتَيِ الطَّوافِ، لِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ عَمِدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، وقَرَأ الآيَةَ،» فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، لِأنَّ فِيهِ التَّقْيِيدَ بِصَلاةٍ مَخْصُوصَةٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وقِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الآيَةَ حِينَ أداءِ الرَّكْعَتَيْنِ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِهِما، وذَهَبَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ المُرادَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ، وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ إلى أنَّهُ مَواقِفُ الحَجِّ كُلُّها، والشَّعْبِيُّ إلى أنَّهُ عَرَفَةُ ومُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، ومَعْنى اتِّخاذِها مُصَلًّى أنْ يُدْعى فِيها، ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَها، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو ما قَدَّمْناهُ أوَّلًا، وهو المُوافِقُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ، ولِعُرْفِ النّاسِ اليَوْمَ، وظَواهِرُ الأخْبارِ تُؤَيِّدُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ (واتَّخَذُوا) بِفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وهو حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى (جَعْلِنا) أيْ واتَّخَذَ النّاسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي عُرِفَ بِهِ، وأسْكَنَ ذُرِّيَّتَهُ عِنْدَهُ، وهو الكَعْبَةُ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها، فالمَقامُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ المَحَلِّ، وكَذا المُصَلّى بِمَعْنى القِبْلَةِ مَجازٌ عَنِ المَحَلِّ الَّذِي يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ في الصَّلاةِ بِعَلاقَةِ القُرْبِ والمُجاوَرَةِ، ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أيْ وصَّيْنا، أوْ أمَرْنا، أوْ أوْحَيْنا، أوْ قُلْنا، والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّ العَهْدَ إذا تَعَدّى بِإلى يَكُونُ بِمَعْنى التَّوْصِيَةِ، ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الأمْرِ، وإسْماعِيلُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ قِيلَ: مَعْناهُ بِالعَرَبِيَّةِ مُطِيعُ اللَّهِ، وحُكِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى ولَدًا ويَقُولَ: اسْمَعْ إيلُ، أيِ اسْتَجِبْ دُعائِي يا اللَّهُ، فَلَمّا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ سَمّاهُ بِتِلْكَ الجُمْلَةِ، وأُراهُ في غايَةِ البُعْدِ، ولِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتانِ اللّامُ والنُّونُ، ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ أيْ بِأنْ طَهِّرا عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، وُصِلَتْ بِفِعْلِ الأمْرِ بَيانًا لِلْمُوصى المَأْمُورِ بِهِ، وسِيبَوَيْهِ، وأبُو عَلِيٍّ جَوَّزا كَوْنَ صِلَةِ الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ أمْرًا أوْ نَهْيًا، والجُمْهُورُ مَنَعُوا ذَلِكَ مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّهُ إذا سُبِكَ مِنهُ مَصْدَرٌ فاتَ مَعْنى الأمْرِ، وبِأنَّهُ يَجِبُ في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ كَوْنُ صِلَتِهِ خَبَرِيَّةً، والمَوْصُولُ الحَرْفِيُّ مِثْلُهُ، وقَدَّرُوا هُنا قُلْنا، لِيَكُونَ مَدْخُولُ الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ خَبَرًا، ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ أوَّلًا: أنَّ كَوْنَهُ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ لا يَسْتَدْعِي اتِّحادَ مَعْناهُما ضَرُورَةَ عَدَمِ دِلالَةِ المَصْدَرِ عَلى الزَّمانِ مَعَ دِلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وثانِيًا أنَّ وُجُوبَ كَوْنِ الصِّلَةِ خَبَرِيَّةً في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ، إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، وهي لا تُوصَفُ بِها، إلّا إذا كانَتْ خَبَرِيَّةً، وأمّا المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وثالِثًا أنَّ تَقْدِيرَ قُلْنا يُفْضِي إلى أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ القَوْلَ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (أنْ) هَذِهِ مُفَسِّرَةً لِتَقَدُّمِ ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وهو العَهْدُ، ويَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ، إذْ يُشْتَرَطُ مَعَ تَقَدُّمِ ما ذُكِرَ كَوْنُ مَدْخُولِها مُفَسِّرًا لِمَفْعُولٍ مُقَدَّرٍ، أوْ مَلْفُوظٍ، أيْ قُلْنا لَهُما شَيْئًا هو أنْ طَهِّرا، والمُرادُ مِنَ التَّطْهِيرِ التَّنْظِيفُ مِن كُلِّ ما لا يُطِيقُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْثانُ والأنْجاسُ وجَمِيعُ الخَبائِثِ، وما يُمْنَعُ مِنهُ شَرْعًا، كالحائِضِ، وخَصَّ مُجاهِدٌ وابْنُ عَطاءٍ ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ التَّطْهِيرَ بِإزالَةِ الأوْثانِ، وذَكَرُوا أنَّ البَيْتَ كانَ عامِرًا عَلى عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ كانَ فِيهِ أصْنامٌ عَلى أشْكالِ صالِحِيهِمْ، وأنَّهُ طالَ

صفحة 381

العَهْدُ فَعُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَطْهِيرِهِ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بَخِّراهُ، ونَظِّفاهُ، وخَلِّقاهُ، وارْفَعا عَنْهُ الفَرْثَ والدَّمَ الَّذِي كانَ يُطْرَحُ فِيهِ، وقِيلَ: أخْلِصاهُ لِمَن ذُكِرَ بِحَيْثُ لا يَغْشاهُ غَيْرُهُمْ، فالتَّطْهِيرُ عِبارَةٌ عَنْ لازِمِهِ، ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ البِناءُ والتَّأْسِيسُ عَلى الطَّهارَةِ، والتَّوْحِيدِ، وهو بَعِيدٌ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ هُنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ لا يُنافِي ما في سُورَةِ الحَجِّ مِن تَخْصِيصِهِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ واقِعٌ قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وكانَ إسْماعِيلُ حِينَئِذٍ بِمَعْزِلٍ مِن مَثابَةِ الخِطابِ، وظاهِرٌ أنَّ هَذا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَبْلَغَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وتَمامِ البِناءِ بِمُباشَرَتِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيرادُهُ إثْرَ حِكايَةِ جَعْلِهِ مَثابَةً، وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّشْرِيفِ: كَناقَةِ اللَّهِ، لا إنَّهُ مَكانٌ لَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، فاللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، وإنْ فُسِّرَ التَّطْهِيرُ بِلازِمِهِ كانَتْ صِلَةً لَهُ، والطّائِفُ اسْمُ فاعِلٍ مِن طافَ بِهِ، إذا دارَ حَوْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ كُلُّ مَن يَطُوفُ مِن حاضَرٍ أوْ بادٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ الغُرَباءُ الوافِدُونَ مَكَّةَ حُجّاجًا وزُوّارًا،

﴿والعاكِفِينَ﴾ وهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ المُقِيمُونَ عِنْدَ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ الجالِسُونَ مِن غَيْرِ طَوافٍ مِن بَلَدِيٍّ، وغَرِيبٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُجاوِرُونَ لَهُ مِنَ الغُرَباءِ، وقِيلَ: هُمُ المُعْتَكِفُونَ فِيهِ، ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وهُمُ المُصَلُّونَ جَمْعُ راكِعٍ وساجِدٍ، وخُصَّ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ بِالذِّكْرِ مِن جَمِيعِ أحْوالِ المُصَلِّي لِأنَّهُما أقْرَبُ أحْوالِهِ إلَيْهِ تَعالى، وهُما الرُّكْنانِ الأعْظَمانِ، وكَثِيرًا ما يُكَنّى عَنِ الصَّلاةِ بِهِما، ولِذا تُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمُصَلِّينَ مَعَ اخْتِصارِهِ إيذانًا بِأنَّ المُعْتَبَرَ صَلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، لا صَلاةُ اليَهُودِ، وقَدَّمَ الرُّكُوعَ لِتَقَدُّمِهِ في الزَّمانِ، وجُمِعا جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِتَغَيُّرِ هَيْئَةِ المُفْرَدِ مَعَ مُقابَلَتِهِما ما قَبْلَهُما مِن جَمْعَيِ السَّلامَةِ، وفي ذَلِكَ تَنْوِيعٌ في الفَصاحَةِ، وخالَفَ بَيْنَ وزْنَيْ تَكْسِيرِهِما لِلتَّنْوِيعِ مَعَ المُخالَفَةِ في الهَيْآتِ، وكانَ آخِرُهُما عَلى فُعُولٍ، لِأجْلِ كَوْنِهِ فاصِلَةً، والفَواصِلُ قَبْلَ وبَعْدَ آخِرِها حَرْفٌ قَبْلَهُ حَرْفٌ مَدٍّ، ولِينٍ.

2:126Page 19

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ الإشارَةُ إلى الوادِي المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ اجْعَلْ هَذا المَكانَ القَفْرَ بَلَدًا إلَخْ، فالمَدْعُوُّ بِهِ البَلَدِيَّةُ مَعَ الأمْنِ، وهَذا بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ ولَعَلَّ السُّؤالَ مُتَكَرِّرٌ، وما في تِلْكَ السُّورَةِ كانَ بَعْدُ، والأمْنُ المَسْؤُولُ فِيها إمّا هو الأوَّلُ، وأعادَ سُؤالَهُ دُونَ البَلَدِيَّةِ رَغْبَةً في اسْتِمْرارِهِ لِأنَّهُ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ، أوْ لِأنَّ المُعْتادَ في البَلَدِيَّةِ الِاسْتِمْرارُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِخِلافِهِ، وإمّا غَيْرُهُ بِأنْ يَكُونَ المَسْؤُولُ أوَّلًا مُجَرَّدُ الأمْنِ المُصَحِّحِ لِلسُّكْنى، وثانِيًا الأمْنُ المَعْهُودُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذا البَلَدَ في تِلْكَ السُّورَةِ إشارَةً إلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ إلَخْ، فَتَطابَقُ الدَّعْوَتانِ حِينَئِذٍ، وإنْ جُعِلَتِ الإشارَةُ هُنا إلى البَلَدِ تَكُونُ الدَّعْوَةُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ بَلَدًا، والمَطْلُوبُ كَوْنُهُ آمِنًا عَلى طِبْقِ ما في السُّورَةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ، إلّا أنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ أيْ بَلَدًا كامِلًا في الأمْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْهُ بَلَدًا مَعْلُومَ الِاتِّصافِ بِالأمْنِ مَشْهُورًا بِهِ، كَقَوْلِكَ: كانَ هَذا اليَوْمُ يَوْمًا حارًّا، والوَصْفُ بِآمِنٍ إمّا عَلى مَعْنى النَّسَبِ أيْ ذا أمْنٍ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وإمّا عَلى الِاتِّساعِ، والإسْنادِ المَجازِيِّ، والأصْلُ آمِنًا أهْلُهُ، فَأُسْنِدَ ما لِلْحالِ لِلْمَحَلِّ، لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ مِن صِفاتِ ذَوِي الإدْراكِ، وهَلِ الدُّعاءُ بِأنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُتَغَلِّبِينَ، أوْ مِن أنْ يَعُودَ حَرَمُهُ حَلالًا، أوْ مِن أنْ يَخْلُوَ مِن أهْلِهِ، أوْ مِنَ الخَسْفِ والقَذْفِ، أوْ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، أوْ مِن دُخُولِ الدَّجّالِ، أوْ مِن دُخُولِ أصْحابِ الفِيلِ؟ أقْوالٌ، والواقِعُ يَرُدُّ بَعْضَها، فَإنَّ الجَبابِرَةَ دَخَلَتْهُ، وقَتَلُوا فِيهِ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الجُرْهُمِيِّ، والحَجّاجِ الثَّقَفِيِّ، والقَرامِطَةِ وغَيْرِهِمْ، وكَوْنُ البَعْضِ لَمْ يَدْخُلْهُ لِلتَّخْرِيبِ بَلْ كانَ

صفحة 382

غَرَضُهُ شَيْئًا آخَرَ لا يُجْدِي نَفْعًا، كالقَوْلِ بِأنَّهُ ما آذى أهْلَهُ جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَفي المَثَلِ:

إذا مُتُّ عَطْشانًا فَلا نَزَلَ القَطْرُ.

وكانَ النِّداءُ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُضافًا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّلَطُّفِ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى قَبُولِ السّائِلِ، وإجابَةِ ضَراعَتِهِ، وقَدْ أشَرْنا مِن قَبْلُ إلى ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ.

﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيْ مِن أنْواعِها بِأنْ تَجْعَلَ قَرِيبًا مِنهُ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ، أوْ تَجِيءُ إلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ، وقَدْ حَصَلَ كِلاهُما حَتّى أنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ والصَّيْفِيَّةُ والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ، رُوِيَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ أمَرَ جِبْرِيلَ فاقْتَلَعَ بُقْعَةً مِن فِلَسْطِينَ وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، فَوَضَعَها حَيْثُ وضَعَها رِزْقًا لِلْحَرَمِ، وهي الأرْضُ المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِالطّائِفِ، وسُمِّيَتْ بِهِ لِذَلِكَ الطَّوافِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْ قُدْرَةِ المَلِكِ القادِرِ جَلَّ جَلالُهُ، وإنْ أبَيْتَ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ فَبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وجَمْعُ القِلَّةِ إظْهارًا لِلْقَناعَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقُومُ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بَدَلٌ مِن (أهْلَهُ) بَدَلُ البَعْضِ، وهو مُخَصِّصٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، واقْتُصِرَ في مُتَعَلِّقِ الإيمانِ بِذِكْرِ المَبْدَإ والمَعادِ لِتَضَمُّنِ الإيمانِ بِهِما الإيمانَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، قالَ: أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن كَفَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَن آمَنَ﴾ أيْ وارْزُقْ مَن كَفَرَ أيْضًا، فالطَّلَبُ بِمَعْنى الخَبَرِ عَلى عَكْسِ، ومِن ذُرِّيَّتِي، وفائِدَةُ العُدُولِ تَعْلِيمُ تَعْمِيمِ دُعاءِ الرِّزْقِ، وأنْ لا يُحْجَرَ في طَلَبِ اللُّطْفِ، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قاسَ الرِّزْقَ عَلى الإمامَةِ، فَنَبَّهَهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ رَحْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا تَخُصُّ المُؤْمِنَ بِخِلافِ الإمامَةِ، أوْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ﴿لا يَنالُ﴾ إلَخِ، احْتَرَزَ مِنَ الدُّعاءِ لِمَن لَيْسَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى، فَأرْشَدَهُ إلى كَرَمِهِ الشّامِلِ، وبِما ذَكَرْنا انْدَفَعَ ما في البَحْرِ مِن أنَّ هَذا العَطْفَ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ في العامِلِ، فَيَصِيرُ قالَ إبْراهِيمُ: وارْزُقْ فِينا فِيهِ ما بَعْدُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ عَلى مَحْذُوفٍ، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَن لا يَقُولُ بِالعَطْفِ التَّلْقِينِيِّ يُوجِبُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ عَلى الأوَّلِ مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرَ)، وعَلى الثّانِي خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَإ مَعْنى الشَّرْطِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ أنا، لِأنَّ ابْنَ الحاجِبِ نَصَّ عَلى أنَّ المُضارِعَ في الجَزاءِ يَصِحُّ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ، إلّا أنْ يَكُونَ اسْتِحْسانًا، وإلى عَدَمِ التَّقْدِيرِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وُجُوبُ التَّقْدِيرِ، وأُيِّدَ بِأنَّ المُضارِعَ صالِحٌ لِلْجَزاءِ بِنَفْسِهِ، فَلَوْلا أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ الفاءُ، ثُمَّ الكُفْرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلتَّمَتُّعِ المُطْلَقِ لَكِنَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَقْلِيلِهِ، وكَوْنِهِ مَوْصُولًا بِعَذابِ النّارِ، (وقَلِيلًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ مَتاعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَأُمْتِعُهُ) مُخَفَّفًا عَلى الخَبَرِ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ أُبَيٌّ (فَنُمَتِّعُهُ) بِالنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ (فَأمْتِعْهُ) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (قالَ) عائِدًا إلى إبْراهِيمَ، وحَسَّنَ إعادَةَ (قالَ) طُولُ الكَلامِ، وأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ الدُّعاءِ لِقَوْمٍ إلى الدُّعاءِ عَلى آخَرِينَ، فَكَأنَّهُ أخَذَ في كَلامٍ آخَرَ، وكَوْنُهُ عائِدًا إلَيْهِ تَعالى، أيْ قالَ اللَّهُ: فَأمْتِعْهُ يا قادِرُ يا رَزّاقُ، خِطابًا لِنَفْسِهِ عَلى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ، بَعِيدٌ جِدًّا، لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.

﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ الِاضْطِرارُ ضِدُّ الِاخْتِيارِ، وهو حَقِيقَةٌ في كَوْنِ الفِعْلِ صادِرًا مِنَ الشَّخْصِ مِن غَيْرِ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِهِ، كَمَن أُلْقِيَ مِنَ السَّطْحِ مَثَلًا، مَجازٌ في كَوْنِ الفِعْلِ بِاخْتِيارِهِ لَكِنْ بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ الِامْتِناعَ عَنْهُ، بِأنْ عَرَضَ لَهُ عارِضٌ يَقْسِرُهُ عَلى اخْتِيارِهِ كَمَن أكَلَ المَيْتَةَ حالَ المَخْمَصَةِ، وبِكِلا المَعْنَيَيْنِ قالَ بَعْضٌ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى:

صفحة 383

﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ و﴿يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ و﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ الآيَةَ و﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ والتَّحْقِيقُ أنَّ أحْوالَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ إدْخالِهِمُ النّارَ شَتّى، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الآياتِ، وإنَّ الِاضْطِرارَ مَجازٌ عَنْ كَوْنِ العَذابِ واقِعًا بِهِ وُقُوعًا مُحَقَّقًا، حَتّى كَأنَّهُ مَرْبُوطٌ بِهِ، قِيلَ: إنَّ هَذا الِاضْطِرارَ في الدُّنْيا، وهو مَجازٌ أيْضًا، كَأنَّهُ شَبَّهَ حالَ الكافِرِ الَّذِي أدَرَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ النِّعْمَةَ الَّتِي اسْتَدْناهُ بِها قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهُ بِحالِ مَن لا يَمْلِكُ الِامْتِناعَ مِمّا اضْطُرَّ إلَيْهِ، فاسْتَعْمَلَ في المُشَبَّهِ ما اسْتَعْمَلَ في المُشَبَّهِ بِهِ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، لَوْلا أنَّهُ يَسْتَدْعِي ظاهِرًا حَمْلَ ثُمَّ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (إضْطَرُّهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ (أضْطُرُّهُ) بِضَمِّ الطّاءِ، وأُبَيٌّ (نَضْطَرُّهُ) بِالنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ (أطَّرُّهُ) بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ خَبَرًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي لُغَةٌ مَرْذُولَةٌ، لِأنَّ حُرُوفَ (ضُمَّ شَفَرَ)، يُدْغَمُ فِيها ما يُجاوِرُها دُونَ العَكْسِ، وفِيهِ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ أُدْغِمَتْ في غَيْرِها، فَأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو الرّاءَ في اللّامِ في ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ والضّادَ في الشِّينِ في ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ والشِّينَ في السِّينِ في ﴿العَرْشِ سَبِيلا﴾ والكِسائِيُّ: الفاءُ في الباءِ في ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ ونَقَلَ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ أنَّهم قالُوا: مُضْطَجِعٌ ومُطَّجِعٌ، إلّا أنَّ عَدَمَ الإدْغامِ أكْثَرُ، وأصْلُ اضْطَرَّ عَلى هَذا عَلى ما قِيلَ: اضْتَرَّ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً ثُمَّ وقَعَ الإدْغامُ، ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ وبِئْسَ المَصِيرُ النّارُ، إنْ كانَ المَصِيرُ اسْمَ مَكانٍ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا عَلى مَن أجازَ ذَلِكَ، فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَتِ الصَّيْرُورَةُ صَيْرُورَتُهُ إلى العَذابِ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском