Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:127–131

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:127–131

2:127Page 20

وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ وإذْ لِلْمُضِيِّ، وآثَرَ صِيغَةَ المُضارِعِ مَعَ أنَّ القِصَّةَ ماضِيَةٌ اسْتِحْضارًا لِهَذا الأمْرِ لِيَقْتَدِيَ النّاسُ بِهِ في إتْيانِ الطّاعاتِ الشّاقَّةِ مَعَ الِابْتِهالِ في قَبُولِها، ولِيَعْلَمُوا عَظَمَةَ البَيْتِ المَبْنِيِّ، فَيُعَظِّمُوهُ، ﴿القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ القَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، كَما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ صِفَةٌ صارَتْ بِالغَلَبَةِ مِن قَبِيلِ الأسْماءِ الجامِدَةِ، بِحَيْثُ لا يُذْكَرُ لَها مَوْصُوفٌ، ولا يُقَدَّرُ مِنَ القُعُودِ بِمَعْنى الثَّباتِ، ولَعَلَّهُ مَجازٌ مِنَ المُقابِلِ لِلْقِيامِ، ومِنهُ: قَعَّدَكَ اللَّهُ تَعالى، في الدُّعاءِ، بِمَعْنى أدامَكَ اللَّهُ تَعالى وثَبَّتَكَ، ورَفْعُ القَواعِدِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ عَنِ البِناءِ عَلَيْها، إذِ الظّاهِرُ مِن رَفْعِ الشَّيْءِ جَعْلُهُ عالِيًا مُرْتَفِعًا، والأساسُ لا يَرْتَفِعُ بَلْ يَبْقى بِحالِهِ، لَكِنْ ما كانَتْ هَيْئَتُهُ قَبْلَ البِناءِ عَلَيْهِ الِانْخِفاضَ، ولَمّا بُنِيَ عَلَيْهِ انْتَقَلَ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ بِمَعْنى أنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَعَ ما بُنِيَ عَلَيْهِ تِلْكَ الهَيْئَةُ صارَ البِناءُ عَلَيْهِ سَبَبًا لِلْحُصُولِ كالرَّفْعِ، فاسْتُعْمِلَ الرَّفْعُ في البِناءِ عَلَيْهِ، واشْتُقَّ مِن ذَلِكَ يَرْفَعُ بِمَعْنى يَبْنِي عَلَيْها، وقِيلَ: القَواعِدُ ساقاتُ البِناءِ، وكُلُّ ساقٍ قاعِدَةٌ لِما فَوْقَهُ، فالمُرادُ بِرَفْعِها عَلى هَذا بِناؤُها نَفْسِها، ووَجْهُ الجَمْعِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وعَلى الأوَّلِ لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ، ولِكُلِّ حائِطٍ أساسٌ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ فِيهِ صَرْفُ لَفْظِ القَواعِدِ عَنْ مَعْناهُ المُتَبادِرِ، ولَيْسَ هو كَصَرْفِ الرَّفْعِ في الأوَّلِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ والشَّرَفِ، والقَواعِدُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ السّابِقِ، فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وفِيهِ بُعْدٌ، إذْ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ فائِدَةٌ لِذِكْرِ القَواعِدِ، (ومِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ (بِيَرْفَعُ)، أوْ حالٌ مِنَ القَواعِدِ، ولَمْ يَقُلْ: قَواعِدَ البَيْتِ، لِما في الإبْهامِ والتَّبْيِينِ مِنَ الِاعْتِناءِ الدّالِّ عَلى التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى.

" و َإسْماعِيل عَطْفٌ عَلى إبْراهِيمَ، وفي تَأْخِيرِهِ عَنِ المَفْعُولِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ رُتْبَةً إشارَةٌ إلى أنَّ مَدْخَلِيَّتَهُ في رَفْعِ البِناءِ والعَمَلِ دُونَ مَدْخَلِيَّةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ ورَدَ أنَّهُ كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وقِيلَ: كانا يَبْنِيانِ في طَرَفَيْنِ، أوْ عَلى التَّناوُبِ، وأبْعَدَ بَعْضُهُمْ، فَزَعَمَ أنَّ إسْماعِيلَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَقُولُ: رَبَّنا، وهَذا مَيْلٌ

صفحة 384

إلى القَوْلِ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو المُتَفَرِّدُ بِالبِناءِ، ولا مَدْخَلِيَّةَ لِإسْماعِيلَ فِيهِ أصْلًا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ طِفْلًا صَغِيرًا، والصَّحِيحُ أنَّ الأثَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ، هَذا وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ الأخْبارِ في ماهِيَّةِ هَذا البَيْتِ وقِدَمِهِ وحُدُوثِهِ، ومِن أيِّ شَيْءٍ كانَ باباهُ، وكَمْ مَرَّةً حَجَّهُ آدَمُ، ومِن أيِّ شَيْءٍ بَناهُ إبْراهِيمُ، ومَن ساعَدَهُ عَلى بِنائِهِ، ومِن أيْنَ أتى بِالحَجَرِ الأسْوَدِ أشْياءَ لَمْ يَتَضَمَّنْها القُرْآنُ العَظِيمُ، ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وبَعْضُها يُناقِضُ بَعْضًا، وذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في نَقْلِ ما دَبَّ ودَرَجَ، ومِن مَشْهُورِ ذَلِكَ أنَّ الكَعْبَةَ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ في زَمانِ آدَمَ، ولَها بابانِ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَحَجَّ آدَمُ مِن أرْضِ الهِنْدِ واسْتَقْبَلَتْهُ المَلائِكَةُ أرْبَعِينَ فَرْسَخًا، فَطافَ بِالبَيْتِ، ودَخَلَهُ، ثُمَّ رُفِعَتْ في زَمَنِ طُوفانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ، ثُمَّ أُنْزِلَتْ مَرَّةً أُخْرى في زَمَنِ إبْراهِيمَ فَزارَها، ورَفَعَ قَواعِدَها، وجَعَلَ بابَيْها بابًا واحِدًا، ثُمَّ تَمَخَّضَ أبُو قُبَيْسٍ، فانْشَقَّ عَنِ الحَجَرِ الأسْوَدِ وكانَ ياقُوتَةً بَيْضاءَ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ، نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ، فَخُبِّئَتْ في زَمانِ الطُّوفانِ إلى زَمَنِ إبْراهِيمَ، فَوَضَعَهُ إبْراهِيمُ مَكانَهُ، ثُمَّ اسْوَدَّ بِمُلامَسَةِ النِّساءِ الحُيَّضِ، وهَذا الخَبَرُ وأمْثالُهُ إنْ صَحَّ عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى إشاراتٌ ورُمُوزٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، فَنُزُولُها في زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ عالَمِ المَبْدَإ والمَعادِ، ومَعْرِفَةِ عالَمِ النُّورِ وعالَمِ الظُّلْمَةِ في زَمانِهِ دُونَ عالَمِ التَّوْحِيدِ، وقَصْدُهُ زِيارَتَها مِن أرْضِ الهِنْدِ إشارَةٌ إلى تَوَجُّهِهِ بِالتَّكْوِينِ والِاعْتِدالِ مِن عالَمِ الطَّبِيعَةِ الجِسْمانِيَّةِ المُظْلِمَةِ إلى مَقامِ القَلْبِ، واسْتِقْبالُ المَلائِكَةِ إشارَةٌ إلى تَعَلُّقِ القُوى النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ بِالبَدَنِ، وظُهُورِ آثارِها فِيهِ قَبْلَ آثارِ القَلْبِ في الأرْبَعِينَ الَّتِي تَكَوَّنَتْ فِيها بِنْيَتُهُ، وتَخَمَّرَتْ طِينَتُهُ، أوْ تَوَجُّهِهِ بِالسَّيْرِ والسُّلُوكِ مِن عالَمِ النَّفْسِ الظَّلَمانِيِّ إلى مَقامِ القَلْبِ، واسْتِقْبالُ المَلائِكَةِ تَلَقِّي القُوى النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ إيّاهُ بِقَبُولِ الآدابِ والأخْلاقِ الجَمِيلَةِ والمَلَكاتِ الفاضِلَةِ والتَّمَرُّنِ والتَّنَقُّلِ في المَقاماتِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى مَقامِ القَلْبِ، وطَوافُهُ بِالبَيْتِ إشارَةٌ إلى وُصُولِهِ إلى مَقامِ القَلْبِ وسُلُوكِهِ فِيهِ مَعَ التَّلْوِينِ، ودُخُولُهُ إشارَةٌ إلى تَمْكِينِهِ واسْتِقامَتِهِ فِيهِ، ورَفْعُهُ في زَمَنِ الطُّوفانِ إلى السَّماءِ إشارَةٌ إلى احْتِجابِ النّاسِ بِغَلَبَةِ الهَوى، وطُوفانِ الجَهْلِ في زَمَنِ نُوحٍ عَنْ مَقامِ القَلْبِ، وبَقاؤُهُ في السَّماءِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي هو قَلْبُ العالَمِ ونُزُولُهُ مَرَّةً أُخْرى في زَمانِ إبْراهِيمَ إشارَةٌ إلى اهْتِداءِ النّاسِ في زَمانِهِ إلى مَقامِ القَلْبِ بِهِدايَتِهِ، ورَفْعُ إبْراهِيمَ قَواعِدَهُ وجَعْلُهُ ذا بابٍ واحِدٍ إشارَةٌ إلى تَرَقِّي القَلْبِ إلى مَقامِ التَّوْحِيدِ، إذْ هو أوَّلُ مَن أظْهَرَ التَّوْحِيدَ الذّاتِيَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ والحَجَرُ الأسْوَدُ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّتِي هي أمْرُ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ ويَمِينُهُ، ومَوْضِعُ سِرِّهِ، وتَمَخُّضُ أبِي قُبَيْسٍ وانْشِقاقُهُ عَنْهُ إشارَةٌ إلى ظُهُورِهِ بِالرِّياضَةِ وتَحَرُّكِ آلاتِ البَدَنِ بِاسْتِعْمالِها في التَّفَكُّرِ والتَّعَبُّدِ في طَلَبِ ظُهُورِهِ، ولِهَذا قِيلَ: خُبِّئَتْ أيِ احْتَجَبَتْ بِالبَدَنِ، واسْوِدادُهُ بِمُلامَسَةِ الحُيَّضِ إشارَةٌ إلى تَكَدُّرِهِ بِغَلَبَةِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ عَلى القَلْبِ، واسْتِيلائِها عَلَيْهِ وتَسْوِيدِها الوَجْهَ النُّورانِيَّ الَّذِي يَلِي الرُّوحَ مِنهُ.

ولَوْ تُرِكَ القَطا لَيْلًا لَناما.

﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أيْ يَقُولانِ رَبَّنا، وبِهِ قَرَأ أُبَيٌّ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (يَرْفَعُ)، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِجَعْلِ القَوْلِ مُتَعَلِّقًا (لِإذْ)، والتَّقَبُّلُ مَجازٌ عَنِ الإثابَةِ، والرِّضا، لِأنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَقْبَلُهُ اللَّهُ تَعالى فَهو يُثِيبُ صاحِبَهُ ويَرْضاهُ مِنهُ، وفي سُؤالِ الثَّوابِ عَلى العَمَلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ واجِبًا، وإلّا لَمْ يُطْلَبْ، وفي اخْتِيارِ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ اعْتِرافٌ بِالقُصُورِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالتَّكَلُّفِ في القَبُولِ، وإنْ كانَ التَّقَبُّلُ والقَبُولُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى عَلى السَّواءِ، إذْ لا يُمْكِنُ تَعَقُّلُ التَّكَلُّفِ في شَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ التَّقَبُّلِ الرِّضا فَقَطْ، دُونَ الإثابَةِ، لِأنَّ غايَةَ ما يَقْصِدُهُ المُخْلِصُونَ مِنَ الخَدَمِ

صفحة 385

لِوُقُوعِ أفْعالِهِمْ مَوْضِعَ القَبُولِ والرِّضا عِنْدَ المَخْدُومِ، ولَيْسَ الثَّوابُ مِمّا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ، ولَعَلَّ هَذا هو الأنْسَبُ بِحالِ الخَلِيلِ وابْنِهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعاءِ التَّقَبُّلِ، والمُرادُ السَّمِيعُ لِدُعائِنا، والعَلِيمُ بِنِيّاتِنا، وبِذَلِكَ يَصِحُّ الحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدَيْنِ، ويُفِيدُ نَفْيَ السُّمْعَةِ والرِّياءِ في الدُّعاءِ والعَمَلِ الَّذِي هو شَرْطُ القَبُولِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإظْهارِ كَمالِ قُوَّةِ يَقِينِهِما بِمَضْمُونِها، وتَقْدِيمُ صِفَةِ السَّمْعِ وإنْ كانَ سُؤالُ التَّقَبُّلِ مُتَأخِّرًا عَنِ العَمَلِ لِلْمُجاوَرَةِ، ولِأنَّها لَيْسَتْ مِثْلَ العِلْمِ شُمُولًا.

2:128Page 20

رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.

﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيْ مُنْقادَيْنِ قائِمَيْنِ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، أوْ مُخْلِصَيْنِ مُوَحِّدَيْنِ لَكَ، فَمُسْلِمَيْنِ إمّا مِنِ اسْتَسْلَمَ إذا انْقادَ أوْ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ إذا أخْلَصَ نَفْسَهُ، أوْ قَصْدَهُ، ولِكُلٍّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ عَرْضٌ عَرِيضٌ، فالمُرادُ طَلَبُ الزِّيادَةِ فِيهِما، أوِ الثَّباتُ عَلَيْهِما، والأوَّلُ أوْلى نَظَرًا إلى مَنصِبِهِما، وإنْ كانَ الثّانِي أوْلى بِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ أتَمُّ في إظْهارِ الِانْقِطاعِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (مُسْلِمِينَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ عَلى أنَّ المُرادَ أنْفُسُهُما، والمَوْجُودُ مِن أهْلِهِما كَهاجَرَ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ لَفْظِ الجَمْعِ مُرادًا بِهِ التَّثْنِيَةُ، وقَدْ قِيلَ بِهِ هُنا، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (اجْعَلْنا) وهو في مَحَلِّ المَفْعُولِ الأوَّلِ، و ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، مَعْطُوفٌ عَلى ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ولَوِ اعْتُبِرَ حَذْفُ الجَعْلِ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى التَّصْيِيرِ، لا الإيجادِ، لِأنَّهُ وإنْ صَحَّ مِن جِهَةِ المَعْنى، إلّا أنَّ الأوَّلَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنَّما خَصّا الذُّرِّيَّةَ بِالدُّعاءِ لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ ولِأنَّهم أوْلادُ الأنْبِياءِ وبِصَلاحِهِمْ صَلاحُ كُلِّ النّاسِ، فَكانَ الِاهْتِمامُ بِصَلاحِهِمْ أكْثَرَ، وخَصّا البَعْضَ لِما عَلِما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ بِاعْتِبارِ السِّياقِ إنَّ في ذُرِّيَّتِهِما ظَلَمَةً، وأنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ تَسْتَدْعِي الِانْقِسامَ، إذْ لَوْلاهُ ما دارَتْ أفْلاكُ الأسْماءِ، ولا كانَ ما كانَ مِن أمْلاكِ السَّماءِ، والمُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ، أوِ الجِيلُ، وخَصَّها بَعْضُهم بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحُمِلَ التَّنْكِيرُ عَلى التَّنْوِيعِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: (وابْعَثْ) إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، واسْتِدْلالٌ بِما لا يَدُلُّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أُمَّةً) المَفْعُولَ الأوَّلَ، (ومِن ذُرِّيَّتِنا) حالٌ، لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها، (ومُسْلِمَةً)، المَفْعُولُ الثّانِي، وكانَ الأصْلُ: واجْعَلْ أُمَّةً مِن ذُرِّيَّتِنا مُسْلِمَةً لَكَ، فالواوُ داخِلَةٌ في الأصْلِ عَلى (أُمَّةً)، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِالجارِّ والمَجْرُورِ، (ومِن) عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلى هَذا بَيانِيَّةٌ عَلى حَدِّ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ ونَظَرَ فِيهِ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أبا عَلِيٍّ وغَيْرَهُ مَنَعُوا أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، والفَصْلُ بِالحالِ أبْعَدُ مِنَ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ، وجَعَلُوا ما ورَدَ مِن ذَلِكَ ضَرُورَةً وبِأنَّ كَوْنَ (مِن) لِلتَّبْيِينِ مِمّا يَأْباهُ الأصْحابُ، ويَتَأوَّلُونَ ما فُهِمَ ذَلِكَ مِن ظاهِرِهِ، ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ، وما ذَكَرَهُ مَذْهَبُ البَعْضِ، وهو لا يَقُومُ حُجَّةً عَلى البَعْضِ الآخَرِ، ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ قالَ قَتادَةُ: مَعالِمُ الحَجِّ، وقالَ عَطاءٌ وجُرَيْجٌ: مَواضِعُ الذَّبْحِ، وقِيلَ: أعْمالُنا الَّتِي نَعْمَلُها إذا حَجَجْنا، فالمَنسَكُ بِفَتْحِ السِّينِ، والكَسْرِ شاذٌّ، إمّا مَصْدَرٌ أوْ مَكانٌ، وأصْلُ النُّسُكِ بِضَمَّتَيْنِ غايَةُ العِبادَةِ وشاعَ في الحَجِّ، لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ غالِبًا، والبُعْدِ عَنِ العادَةِ، (وأرِنا) مِن رَأى البَصَرِيَّةِ ولِهَمْزَةِ الأفْعالِ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ مِن رَأى القَلْبِيَّةِ بِمَعْنى عَرَفَ، لا عَلِمَ، وإلّا لَتَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةٍ، وأنْكَرَ ابْنُ الحاجِبِ، وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ ثُبُوتَ رَأْيٍ بِمَعْنى عَرَفَ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ، والرّاغِبُ

صفحة 386

فِي مُفْرَداتِهِ، وهُما مِنَ الثِّقاتِ، فَلا عِبْرَةَ بِإنْكارِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (وأرِهِمْ مَناسِكَهُمْ) بِإعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الذُّرِّيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (وأرْنا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وقَدْ شُبِّهَ فِيهِ المُنْفَصِلُ بِالمُتَّصِلِ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ (فَخُذْ)، في إسْكانِهِ لِلتَّخْفِيفِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

أرِنا إداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُها مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا

وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ قَدِ اسْتُرْذِلَتْ لِأنَّ الكَسْرَةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ دَلِيلٌ عَلَيْها، فَإسْقاطُها إجْحافٌ مِمّا لا يَنْبَغِي، لِأنَّ القِراءَةَ مِنَ المُتَواتِراتِ، ومِثْلُها أيْضًا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ العَرْباءِ، ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ أيْ وفِّقْنا لِلتَّوْبَةِ، أوِ اقْبَلْها مِنّا، والتَّوْبَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ التّائِبِينَ، فَتَوْبَةُ سائِرِ المُسْلِمِينَ النَّدَمُ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، ورَدُّ المَظالِمِ، إذا أمْكَنَ، ونِيَّةُ الرَّدِّ إذا لَمْ يُمْكِنْ، وتَوْبَةُ الخَواصِّ الرُّجُوعُ عَنِ المَكْرُوهاتِ مِن خَواطِرِ السُّوءِ، والفُتُورِ في الأعْمالِ، والإتْيانِ بِالعِبادَةِ عَلى غَيْرِ وجْهِ الكَمالِ، وتَوْبَةُ خَواصِّ الخَواصِّ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ والتَّرَقِّي في المَقاماتِ، فَإنْ كانَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ طَلَبا التَّوْبَةَ لِأنْفُسِهِما خاصَّةً، فالمُرادُ بِها ما هو مِن تَوْبَةِ القِسْمِ الأخِيرِ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ شامِلًا لَهُما، ولِلذُّرِّيَّةِ كانَ الدُّعاءُ بِها مُنْصَرِفًا لِمَن هو مِن أهْلِها، مِمَّنْ يَصِحُّ صُدُورُ الذَّنْبِ المُخِلِّ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ مِنهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّ الطَّلَبَ لِلذُّرِّيَّةِ فَقَطْ، وارْتُكِبَ التَّجَوُّزُ في النِّسْبَةِ إجْراءً لِلْوَلَدِ مَجْرى النَّفْسِ بِعَلاقَةِ البَعْضِيَّةِ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى الإجابَةِ، أوْ في الطَّرَفِ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الفَرْعِ بِاسْمِ الأصْلِ أوْ قِيلَ: بِحَذْفِ المُضافِ أيْ عَلى عُصاتِنا زالَ الإشْكالُ كَما إذا قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ عَمّا فَرَطَ مِنهُما مِنَ الصَّغائِرِ سَهْوًا، والقَوْلُ بِأنَّهُما لَمْ يَقْصِدا الطَّلَبَ حَقِيقَةً وإنَّما ذَكَرا ذَلِكَ لِلتَّشْرِيعِ، وتَعْلِيمِ النّاسِ إنَّ تِلْكَ المَواضِعَ مَواضِعُ التَّنَصُّلِ، وطَلَبِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، بَعِيدٌ جِدًّا، وجَعْلُ الطَّلَبِ لِلتَّثْبِيتِ لا أراهُ هُنا يُجْدِي نَفْعًا، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وتُبْ عَلَيْهِمْ) بِضَمِيرِ جَمْعِ الغَيْبَةِ أيْضًا، ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ، ومَزِيدُ اسْتِدْعاءٍ لِلْإجابَةِ، وتَقْدِيمُ التَّوْبَةِ لِلْمُجاوَرَةِ، وتَأْخِيرُ الرَّحْمَةِ لِعُمُومِها، ولِكَوْنِها أنْسَبَ بِالفَواصِلِ.

2:129Page 20

رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أيْ أرْسِلْ في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ، وقِيلَ: في الذُّرِّيَّةِ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أهْلِ مَكَّةَ بَعِيدٌ، ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أنْفُسِهِمْ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أشْفَقَ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُوا أعَزَّ بِهِ، وأشْرَفَ وأقْرَبَ لِلْإجابَةِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَنشَأهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ، ولَمْ يُبْعَثْ مِن ذُرِّيَّةِ كِلَيْهِما سِوى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجَمِيعُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا مِن ذُرِّيَّتِهِما، فَهو المُجابُ بِهِ دَعْوَتُهُما كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ وشارِحُ السُّنَّةِ، عَنِ العِرْباضِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(سَأُخْبِرُكم بِأوَّلِ أمْرِي، أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ حِينَ وضَعَتْنِي)،» وأرادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أثَرَ دَعْوَتِهِ، أوْ مَدْعُوَّهُ، أوْ عَيْنَ دَعْوَتِهِ، عَلى المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرِيكًا في الدَّعْوَةِ كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَعْوَةَ إسْماعِيلَ أيْضًا، إلّا أنَّهُ خَصَّ إبْراهِيمَ لِشَرافَتِهِ وكَوْنِهِ أصْلًا في الدُّعاءِ، ووَهِمَ مَن قالَ: إنَّ الِاقْتِصارَ في الحَدِيثِ عَلى إبْراهِيمَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُجابَ مِنَ الدَّعْوَتَيْنِ كانَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ دُونَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ أُبَيٌّ (وابْعَثْ فِيهِمْ في آخِرِهِمْ رَسُولًا)، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِهِ نَبِيُّنا، وفي الأثَرِ أنَّهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ قِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، وهو يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ.

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ أيْ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ ما تُوحِي إلَيْهِ مِنَ العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وغَيْرِهِما

صفحة 387

وقِيلَ: خَبَرُ مَن مَضى ومَن يَأْتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والجُمْلَةِ صِفَةُ (رَسُولًا)، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ.

﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ بِأنْ يُفْهِمَهم ألْفاظَهُ ويُبَيِّنَ لَهم كَيْفِيَّةَ أدائِهِ، ويُوقِفَهم عَلى حَقائِقِهِ وأسْرارِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ مَقْصُودَهُما مِن هَذِهِ الدَّعْوَةِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صاحِبَ كِتابٍ يُخْرِجُهم مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ، وقَدْ أجابَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ بِالقُرْآنِ، وكَوْنُهُ بِخُصُوصِهِ كانَ مَدْعُوًّا بِهِ غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبَيَّنٍ.

﴿والحِكْمَةَ﴾ أيْ وضْعُ الأشْياءِ مَواضِعَها، أوْ ما يُزِيلُ مِنَ القُلُوبِ وهْجَ حُبِّ الدُّنْيا، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، أوِ السُّنَّةِ المُبَيِّنَةِ لِلْكِتابِ، أوِ الكِتابُ، وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِها حَقائِقُ الكِتابِ ودَقائِقُهُ وسائِرُ ما أُودِعَ فِيهِ، ويَكُونُ تَعْلِيمُ الكِتابِ عِبارَةٌ عَنْ تَفْهِيمِ ألْفاظِهِ وبَيانِ كَيْفِيَّةِ أدائِهِ، وتَعْلِيمُ الحِكْمَةِ الإيقافُ عَلى ما أُودِعَ فِيهِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِما تَكْمُلُ بِهِ النُّفُوسُ مِنَ المَعارِفِ والأحْكامِ، فَتَشْمَلُ الحِكْمَةَ النَّظَرِيَّةَ والعَمَلِيَّةَ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ ما في الكِتابِ عُمُومٌ مِن وجْهٍ لِاشْتِمالِ القُرْآنِ عَلى القِصَصِ والمَواعِيدِ، وكَوْنُ بَعْضِ الأُمُورِ الَّذِي يُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ عِلْمًا وعَمَلًا غَيْرُ مَذْكُورٍ في الكِتابِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ سَماعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: سُبْحانَهُ ﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ النِّسْبَةُ بَيْنَ ما في الكِتابِ الَّذِي في الدَّعْوَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا أُجِيبَتْ بِهِ، وبَيْنَ الحِكْمَةِ، فَتَدَبَّرْ، ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ وأنْجاسِ الشَّكِّ، وقاذُوراتِ المَعاصِي، وهو إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ، كَما أنَّ التَّعْلِيمَ إشارَةٌ إلى التَّحْلِيَةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِشَرافَتِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي هي سَبَبٌ لِطُهْرَتِهِمْ، أوْ يَشْهَدُ لَهم بِالتَّزْكِيَةِ والعَدالَةِ بَعِيدٌ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ الغالِبُ المُحْكِمُ لِما يُرِيدُ، فَلَكَ أنْ تُخَصِّصَ واحِدًا مِنهم بِالرِّسالَةِ الجامِعَةِ لِهَذِهِ الصِّفاتِ، بِإرادَتِهِ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وحَمْلُ العَزِيزِ هُنا عَلى مَن لا مِثْلَ لَهُ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ المُنْتَقِمِ كَما قالَهُ الكَلْبِيِّ، والحَكِيمِ عَلى العالِمِ كَما قِيلَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

2:130Page 20

وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ، وهي الحَقُّ الواضِحُ غايَةَ الوُضُوحِ، أيْ لا يَرْغَبُ عَنْ ذَلِكَ أحَدٌ ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ جَعَلَها مُهانَةً ذَلِيلَةً، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، ومِنهُ زِمامٌ سَفِيهٌ أيْ خَفِيفٌ، وسَفِهَ بِالكَسْرِ كَما قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ: مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، (ونَفْسَهُ) مَفْعُولٌ بِهِ، وأمّا سَفُهَ بِالضَّمِّ فَلازِمٌ، ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «(الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِطَ النّاسَ)،» وقِيلَ: إنَّهُ لازِمٌ أيْضًا، وتَعَدّى إلى المَفْعُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ما يَتَعَدّى إلَيْهِ، أيْ جَهِلَ نَفْسَهُ لِخِفَّةِ عَقْلِهِ، وعَدَمِ تَفَكُّرِهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، أوْ أهْلَكَها، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ في نَفْسِهِ، فَلا يُنافِي اللُّزُومَ، وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ كَما في قَوْلِ نابِغَةَ الذُّبْيانِيِّ:

ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ

وقِيلَ: عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، واعْتَرَضَ الجَمِيعَ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ التَّضْمِينَ والنَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ لا يَنْقاسانِ، وإنَّ التَّشْبِيهَ بِالمَفْعُولِ بِهِ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ بِالصِّفَةِ، كَما قِيلَ بِهِ في البَيْتِ، وأنَّ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مَجِيءَ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً، فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُتَعَدّى، القَوْلُ بِالتَّعَدِّي، (ومَن) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى المُخْتارِ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَرْغَبُ، لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ

صفحة 388

ابْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ سَلَمَةَ ومُهاجِرًا إلى الإسْلامِ فَقالَ لَهُما: قَدْ عَلِمْتُما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في التَّوْراةِ: إنِّي باعِثٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أحْمَدُ، فَمَن آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدى ورَشَدَ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو مَلْعُونٌ، فَأسْلَمَ سَلَمَةُ وأبى مُهاجِرٌ، فَنَزَلَتْ، ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ أيِ اخْتَرْناهُ بِالرِّسالَةِ بِتِلْكَ المِلَّةِ واجْتَبَيْناهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ، وأصْلُهُ اتِّخاذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ، أيْ خالِصِهِ، ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ المَشْهُودِ لَهم بِالثَّباتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، والخَيْرِ والصَّلاحِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وذَلِكَ مِن حَيْثُ المَعْنى دَلِيلٌ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ الرّاغِبِ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ سَفِيهًا، إذِ الِاصْطِفاءُ والعِزُّ في الدُّنْيا غايَةُ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والصَّلاحُ جامِعٌ لِلْكَمالاتِ الأُخْرَوِيَّةِ، ولا مَقْصِدَ لِلْإنْسانِ الغَيْرِ السَّفِيهِ سِوى خَيْرِ الدّارَيْنِ، وأمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَرِّرَةً لِجِهَةِ الإنْكارِ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، أيْ أيَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ، ومَعَهُ ما يُوجِبُ عَكْسَ ذَلِكَ، وهو الظّاهِرُ لَفْظًا لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى تَقْدِيرِ القَسَمِ، وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، أوِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ، وهو الظّاهِرُ مَعْنًى، لِأنَّ الأصْلَ في الجُمَلِ الِاسْتِقْلالُ، ولِإفادَةِ زِيادَةِ التَّأْكِيدِ المَطْلُوبِ في المَقامِ والإشْعارِ بِأنَّ المُدَّعِيَ لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ، والمَقْصُودُ مَدْحُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الأُولى ماضَوِيَّةً لِمُضِيِّها مِن وقْتِ الإخْبارِ، والثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِعَدَمِ تَقْيِيدِها بِالزَّمانِ، لِأنَّ انْتِظامَهُ في زُمْرَةِ صالِحِي أهْلِ الآخِرَةِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارَيْنِ، لا أنَّهُ يَحْدُثُ في الآخِرَةِ، والتَّأْكِيدُ بِإنَّ، واللّامِ لِما أنَّ الأُمُورَ الأُخْرَوِيَّةَ خَفِيَّةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ، فَحاجَتُها إلى التَّأْكِيدِ أشَدُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي نُشاهِدُ آثارَها، وكَلِمَةُ (فِي) مُتَعَلِّقَةٌ (بِالصّالِحِينَ)، عَلى أنَّ ألْ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ لا مَوْصُولَةٌ، لِيَلْزَمَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الصِّلَةِ عَلَيْها، عَلى أنَّهُ قَدْ يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ صالِحٍ، أوْ أعْنِي، وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا (بِاصْطَفَيْناهُ)، وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الوَصْفِ بَعِيدٌ.

2:131Page 20

إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١

When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."

﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ظَرْفٌ (لِاصْطَفَيْناهُ)، والمُتَوَسِّطُ المَعْطُوفُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، لِأنَّهُ لِتَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ المَعْطُوفِ تَأْكِيدُهُ، لِأنَّ اصْطِفاءَهُ في الدُّنْيا إنَّما هو لِلرِّسالَةِ، وما يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ الآخِرَةِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُجْعَلَ اعْتِراضًا أوْ حالًا مُقَدَّرَةً كَما قِيلَ بِهِ، أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ (بِاذْكُرْ) كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِتَقِفَ عَلى أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ وأنَّهُ ما نالَ ما نالَ إلّا بِالمُبادَرَةِ والِانْقِيادِ إلى ما أُمِرَ بِهِ، وإخْلاصِ سِرِّهِ حِينَ دَعاهُ رَبُّهُ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ ظَرْفًا لِقالَ، ولَيْسَ الأمْرُ وما في جَوابِهِ عَلى حَقِيقَتِهِما، بَلْ هو تَمْثِيلٌ، والمَعْنى: أخَطَرَ بِبالِهِ الدَّلائِلُ المُؤَيِّدَةُ إلى المَعْرِفَةِ، واسْتَدَلَّ بِها، وأذْعَنَ بِمَدْلُولاتِها، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلَيْنِ تَصْوِيرًا لِسُرْعَةِ الِانْتِقالِ بِسُرْعَةِ الإجابَةِ، فَهو إشارَةٌ إلى اسْتِدْلالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكَوْكَبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ، واطِّلاعِهِ عَلى أماراتِ الحُدُوثِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الحَسَنِ، وابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَبْلَ البُلُوغِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ قالَ: المُرادُ الأمْرُ بِالطّاعَةِ، والإذْعانُ لِجُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، والِاسْتِقامَةُ، والثَّباتُ عَلى التَّوْحِيدِ عَلى حَدِّ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ ولا يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ أعْنِي إحْداثَ الإسْلامِ والإيمانِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنِ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، ولِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الوَحْيُ، والِاسْتِنْباءُ قَبْلَ الإسْلامِ، نَعَمْ إذا حُمِلَ الإسْلامُ عَلى العَمَلِ بِالجَوارِحِ لا عَلى مَعْنى الإيمانِ أمْكَنَ الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ كَما قِيلَ بِهِ، وفي الِالتِفاتِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارٌ لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ، والِاعْتِناءِ بِتَرْبِيَتِهِ، وإضافَةُ الرَّبِّ في الجَوابِ إلى العامِلِينَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُوَّةِ إسْلامِهِ حَيْثُ أتْقَنَ حِينَ النَّظَرِ شُمُولَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ قاطِبَةً لا لِنَفْسِهِ فَقَطْ، كَما هو المَأْمُورُ بِهِ ظاهِرًا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском