Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:132–135
2:132Page 20
وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢
And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."
صفحة 389
﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ مَدْحٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَكْمِيلِهِ غَيْرَهُ إثْرَ مَدْحِهِ بِكَمالِهِ في نَفْسِهِ، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِوُجُودِ الرَّغْبَةِ في مِلَّتِهِ، والتَّوْصِيَةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِفِعْلٍ فِيهِ صَلاحٌ وقُرْبَةٌ، سَواءٌ كانَ حالَةُ الِاحْتِضارِ أوَّلًا، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ التَّقَدُّمُ بِالقَوْلِ، أوِ الدِّلالَةِ، وإنْ كانَ الشّائِعُ في العُرْفِ اسْتِعْمالُها في القَوْلِ المَخْصُوصِ حالَةَ الِاحْتِضارِ، وأصْلُها الوَصْلُ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ واصِيَةٌ، أيْ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ، ويُقالُ: وصّاهُ إذا وصَلَهُ، وفَصّاهُ إذا فَصَلَهُ، كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فَعْلُهُ بِفِعْلِ الوَصِيِّ، والضَّمِيرُ في (بِها) إمّا لِلْمِلَّةِ، أوْ لِقَوْلِهِ: أسْلَمْتُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ، أوِ الجُمْلَةِ، ويُرَجِّحُ الأوَّلَ كَوْنُ المَرْجِعِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، وكَذا تَرْكُ المُضْمَرِ إلى المُظْهَرِ، وعَطْفُ (يَعْقُوبَ) عَلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ شُرُوعٌ في كَلامٍ آخَرَ لِبَيانِ تَواصِي الأنْبِياءِ بِاسْتِمْساكِ الدِّينِ الحَقِّ الجامِعِ لِجَمِيعِ أحْكامِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، لِيَتَوارَثُوا المِلَّةَ القَوِيمَةَ، والشَّرْعَ المُسْتَقِيمَ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، وذَكَرَ يَعْقُوبُ الدِّينَ في تَوْصِيَتِهِ لِبَنِيهِ، وهو والمِلَّةُ أخَوانِ، ولَوْ كانَ الضَّمِيرُ لِلثّانِي لَكانَ الإسْلامُ بَدَلَهُ، ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ كَوْنُ المُوصى بِهِ مُطابِقًا في اللَّفْظِ لِأسْلَمْتُ، وقُرِّبَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قالَ أسْلَمْتُ، أيْ ما اكْتَفى بِالِامْتِثالِ بَلْ ضَمَّ تَوْصِيَةَ بَنِيهِ بِالسَّلامِ بِخِلافِ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (مَن يَرْغَبُ)، لِأنَّهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في مَعْنى النَّفْيِ، وخَصَّ البَنِينَ لِأنَّهُ عَلَيْهِمْ أشْفَقَ، وهم بِقَبُولِ وصِيَّتِهِ أجْدَرُ، ولِأنَّ النَّفْعَ بِهِمْ أكْثَرُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ (أوْصى)، ولا دِلالَةَ فِيها عَلى التَّكْثِيرِ كالأُولى الدّالَّةِ عَلَيْهِ لِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ.
﴿ويَعْقُوبُ﴾ عُطِفَ عَلى إبْراهِيمَ، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، وحُذِفَ الخَبَرُ، أيْ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وجَعْلُهُ فاعِلًا لِوَصّى مُضْمَرًا بَعِيدٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، والمُرادُ بِهِمْ أبْناءُ الصُّلْبِ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ نافِلَةً، وإنَّما سُمِّيَ يَعْقُوبَ لِأنَّهُ وعِيصًا كانا تَوْأمَيْنِ فَتَقَدَّمَ عِيصٌ وخَرَجَ يَعْقُوبُ عَلى أثَرِهِ آخِذًا بِعَقِبِهِ، كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا أظُنُّ صِحَّتَهُ، ﴿يا بَنِيَّ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ويُقَدَّرُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِ يَعْقُوبَ، أيْ قالَ أوْ قائِلًا، وبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ، ووُقُوعُ الجُمْلَةِ بَعْدَ القَوْلِ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الحِكايَةِ، والكَلامُ المَحْكِيُّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ، وإنْ كانَ المُخاطَبُونَ في الحالَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى عَدَمِ الإضْمارِ، لِأنَّ التَّوْصِيَةَ لِاشْتِمالِها عَلى مَعْنى القَوْلِ بَلْ هي القَوْلُ المَخْصُوصُ كانَ حُكْمُها حُكْمَهُ، فَيَجُوزُ وُقُوعُ الجُمْلَةِ في حَيِّزِ مَفْعُولِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (أنْ يا بَنِيَّ)، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهم عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وبَنُو إبْراهِيمَ عَلى ما في الإتْقانِ اثْنا عَشَرَ وهُمْ: إسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومَدْيَنُ، وزَمْزانُ، وسَرْحٌ، ونَقْشٌ، ونَقْشانُ، وأُمَيْمٌ، وكَيْسانُ، وسَوْرَجُ، ولَوْطانُ، ونافِسُ، وبَنُو يَعْقُوبَ أيْضًا كَذَلِكَ، وهم يُوسُفُ، ورُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ودانِي، وتَفْتانِي، وكادُ، وأسْبَرُ، وإيساجِرُ، ورايْكُونُ، وبِنْيامِينُ.
﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أيْ جَعَلَ لَكُمُ الدِّينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ بِأنْ شَرَعَهُ لَكُمْ، ووَفَّقَكم لِلْأخْذِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ دِينُ الإسْلامِ الَّذِي بِهِ الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى، والِانْقِيادُ لَهُ، ولَيْسَ المُرادُ ما يَتَراءى مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ صَفْوَةَ الأدْيانِ لَكُمْ، لِأنَّ هَذا الدِّينَ صَفْوَةٌ في نَفْسِهِ، لا اخْتِصاصَ لَهُ بِأحَدٍ، ولَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُهُ، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ دِينِنا، لَكِنَّ العُرْفَ خَصَّصَهُ بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم عَدَمَ الإطْلاقِ، وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً تَكَلَّفَ بِها غايَةَ التَّكَلُّفِ:
﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ نَهْيٌ عَنِ الِاتِّصافِ بِخِلافِ حالِ الإسْلامِ وقْتَ المَوْتِ، والمَفْهُومُ
صفحة 390
مِنَ الآيَةِ، فَظاهِرًا النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ تِلْكَ الحالِ، ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وإنَّما المَقْدُورُ قَيْدُهُ، فَيَعُودُ النَّهْيُ إلَيْهِ، كَما سَمِعْتَ، لِما أنَّ الِامْتِناعَ عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الحالِ يَسْتَتْبِعُ الِامْتِناعَ عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ الحالِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِلْأوَّلِ في الثّانِي فَيَكُونُ مَجازًا، أوْ يُقالُ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ في مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى مَلْزُومِهِ، فَيَكُونُ كِنايَةً، وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّ هَذا كِنايَةٌ بِنَفْيِ الذّاتِ عَنْ نَفْيِ الحالِ، عَلى عَكْسِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ مِن أنَّهُ كِنايَةٌ بِنَفْيِ الحالِ عَنْ نَفْيِ الذّاتِ، وفِيهِ أنَّ نَفْيَ الذّاتِ إنَّما يَصِيرُ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ جَمِيعِ الصِّفاتِ، لا عَنْ صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فافْهَمْ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ ذَلِكَ النَّهْيُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ، لِأنَّهُ اللّازِمُ لَهُ، والمَقْصُودُ مِنَ التَّوْصِيَةِ، ولِأنَّ أصْلَ الإسْلامِ كانَ حاصِلًا لَهُمْ، وإنَّما أُدْخِلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى الفِعْلِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مَنهِيًّا عَنْهُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّ حَقَّهُ أنْ لا يَحِلَّ بِهِمْ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَحْذَرُوهُ غايَةَ الحَذَرِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الإسْلامَ المَأْمُورَ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِالقَلْبِ دُونَ العَمَلِ بِالجَوارِحِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَكادُ يُمْكِنُ عِنْدَ المَوْتِ، ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ: «(اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ، ومَن تَوَفَّيْتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلى الإيمانِ)،» ولا يَخْفى ما فِيهِ،
2:133Page 20
أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣
Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God.1 And we are Muslims [in submission] to Him."
﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ الخِطابُ لِجِنْسِ اليَهُودِ، أوِ المَوْجُودِينَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا ماتَ أوْصى بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ، (وأمْ) إمّا مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ، وهَمْزَةِ الإنْكارِ، ومَعْنى بَلِ الإضْرابُ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وهو بَيانُ التَّوْصِيَةِ إلى تَوْبِيخِ اليَهُودِ عَلى ادِّعائِهِمُ اليَهُودِيَّةَ عَلى يَعْقُوبَ وأبْنائِهِ، وفائِدَتُهُ الِانْتِقالُ مِن جُمْلَةٍ إلى أُخْرى أهَمَّ مِنها، أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ حِينَ احْتِضارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسُؤالِهِ بَنِيهِ عَنِ الدِّينِ، فَلِمَ تَدَّعُونَ ما تَدَّعُونَ؟! ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ كانَتْ أوائِلُكم حاضِرِينَ حِينَ وصّى بَنِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، وأنْتُمْ عالِمُونَ بِذَلِكَ، فَما لَكم تَدَّعُونَ عَلَيْهِ خِلافَ ما تَعْلَمُونَ؟! فَيَكُونُ قَدْ نَزَلَ عِلْمُهم بِشَهادَةِ أوائِلِهِمْ مَنزِلَةَ الشَّهادَةِ، فَخُوطِبُوا بِما خُوطِبُوا، وإمّا مُتَّصِلَةٌ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أكُنْتُمْ غائِبِينَ أمْ كُنْتُمْ شاهِدِينَ، ولَيْسَ الِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ لِلْعِلْمِ بِتَحَقُّقِ الأوَّلِ، وانْتِفاءِ الثّانِي، بَلْ هو لِلْإلْزامِ، والتَّبْكِيتِ، أيْ أيُّ الأمْرَيْنِ كانَ فَمُدَّعاكم باطِلٌ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ، واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ عَلى هَذا الوَجْهِ: بِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا أجازَ حَذْفَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها في (أمِ) المُتَّصِلَةِ، وإنَّما سُمِعَ حَذْفُ (أمْ) مَعَ المَعْطُوفِ، لِأنَّ الثَّوانِيَ تَحْتَمِلُ ما لا تَحْتَمِلُ الأوائِلُ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَعْنى بَلِ الإضْرابُ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، والأخْذُ فِيما هو الأهَمُّ، وهو التَّحْرِيضُ عَلى اتِّباعِهِ ﷺ بِإثْباتِ بَعْضِ مُعْجِزاتِهِ، وهو الإخْبارُ عَنْ أحْوالِ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ، وقِراءَةٍ مِن كِتابٍ، كَأنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ ما تَقَدَّمَ التَفَتَ إلى مُؤْمِنِي الأُمَّةِ، أما شَهِدْتُمْ ما جَرى، وأما عَلِمْتُمْ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، وإخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، فَعَلَيْكم بِاتِّباعِهِ، إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ مُقاوَلَةِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، لِيُعْلَمَ عَدَمُ حُضُورِهِمْ حِينَ تَوْصِيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ الأوْلى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القائِلَ لَمْ يَعْتَبِرْ سَبَبَ النُّزُولِ، ولَعَلَّهُ لِما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ حَتّى قالَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، (والشُّهَداءُ) جَمْعُ شَهِيدٍ أوْ شاهِدٍ، بِمَعْنى حاضِرٍ، وحَضَرَ مِن بابِ قَعَدَ، وقُرِئَ (حَضِرَ) بِالكَسْرِ ومُضارِعُهُ أيْضًا يَحْضُرُ بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وقِيلَ: إنَّها عَلى التَّداخُلِ ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ حَضَرَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وكِلاهُما مَقْصُودانِ، كَما هو المُقَرَّرُ في إبْدالِ الجُمَلِ، إلّا أنَّ في البَدَلِ زِيادَةَ بَيانٍ لَيْسَتْ في المُبْدَلِ مِنهُ، ولَوْ تَعَلَّقَتْ (إذْ) هُنا (بِقالُوا) لَمْ يَنْتَظِمِ الكَلامُ
صفحة 391
﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي، (ما) في مَحَلِّ رَفْعٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وكَوْنُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مُفَوِّتٌ لِلتَّقْوى المُناسِبِ لِمَقامِ: ويُسْألُ بِها عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَإذا عُرِّفَ خُصَّ العُقَلاءُ (بِمَن) إذا سُئِلَ عَنْ تَعَيُّنِهِ، فَيُجابُ بِما يُفِيدُهُ، وإذا سَألَ عَنْ وصْفِهِ قِيلَ: ما زَيْدٌ أكاتِبٌ أمْ شاعِرٌ، وفي السُّؤالِ عَنْ حالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغَرَضَ حَثُّهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ حالَ حَياتِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ وأخْذِ المِيثاقِ مِنهم عَلَيْهِ، فَلَيْسَ الِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيًّا، وكانَ هَذا بَعْدَ أنْ دَخَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ ورَأى فِيها مَن يَعْبُدُ النّارَ، فَخافَ عَلى ولَدِهِ فَحَثَّهم عَلى ما حَثَّهُمْ، ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ عَنْ حِكايَةِ السُّؤالِ، وفي إضافَةِ الإلَهِ إلى المُتَعَدِّدِ إشارَةٌ إلى الِاتِّفاقِ عَلى وُجُودِهِ، وأُلُوهِيَّتِهِ، وقُدِّمَ إسْماعِيلُ في الذِّكْرِ عَلى إسْحاقَ لِكَوْنِهِ أسَنَّ مِنهُ، وعَدَّهُ مِن آباءِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ عَمُّهُ تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ، أوْ لِأنَّهُ شَبَّهَ العَمَّ بِالأبِ لِانْخِراطِهِما في سِلْكٍ واحِدٍ، وهو الأُخُوَّةُ، فَأطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ: «(عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ)،» وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ بِآبائِكَ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ كَيْلا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ، والمَجازِ، والآيَةُ عَلى حَدِّ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (احْفَظُونِي في العَبّاسِ، فَإنَّهُ بَقِيَّةُ آبائِي)، وقَرَأ الحَسَنُ (أبِيكَ)، وهو إمّا مُفْرَدٌ، وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ عَطْفُ نَسَقٍ عَلَيْهِ، وإبْراهِيمُ وحْدَهُ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ جَمْعٍ، وسَقَطَتْ نُونُهُ لِلْإضافَةِ، كَما في قَوْلِهِ:
فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتُنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبْيَنا
﴿إلَهًا واحِدًا﴾ بَدَلٌ مِن ”إلَهِ آبائِك“ والنَّكِرَةُ تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ بِشَرْطِ أنْ تُوصَفَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ والبَصْرِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ فِيها ذَلِكَ، وفائِدَةُ الإبْدالِ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّعَدُّدِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ الإلَهِ مَرَّتَيْنِ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِ المُوَطِّئَةِ كَما في البَحْرِ، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُذْعِنُونَ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: خاضِعُونَ مُنْقادُونَ مُسْتَسْلِمُونَ لِنَهْيِهِ وأمْرِهِ قَوْلًا وعَقْدًا، وقِيلَ: داخِلُونَ في الإسْلامِ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ، أوْ مِنهُما لِوُجُودِ ضَمِيرَيْهِما، أوِ اعْتِراضِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ في آخِرِ الكَلامِ بِلا كَلامٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الأبْلَغُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (نَعْبُدُ) فَيَكُونُوا قَدْ أجابُوا بِشَيْئَيْنِ، وهو مِن بابِ الجَوابِ المُرَبّى عَنِ السُّؤالِ
2:134Page 20
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤
That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأوْلادِهِ، والأُمَّةُ أتَتْ بِمَعانٍ، والمُرادُ بِها هُنا الجَماعَةُ مِن أمَّ بِمَعْنى قَصَدَ، وسُمِّيَتْ كُلُّ جَماعَةٍ يَجْمَعُهم أمْرٌ ما إمّا دِينٌ واحِدٌ أوْ زَمانٌ واحِدٌ أوْ مَكانٌ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَقْصِدُهُ، والخُلُوُّ المُضِيُّ وأصْلُهُ الِانْفِرادُ.
﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (خَلَتْ) لِأنَّها بِمَعْنى لا تُشارِكُونَهُمْ، وهي كَغَيْرِ الوافِيَةِ، وهَذِهِ وافِيَةٌ بِتَمامِ المُرادِ أوِ الأُولى صِفَةٌ أُخْرى (لِأُمَّةٌ)، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (خَلَتْ) والثّانِيَةُ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، إذْ لا رابِطَ فِيها، ولا مُقارَنَةَ في الزَّمانِ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ لِكُلٍّ أجْرُ عَمَلِهِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ لِقَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمَعْنى أنَّ انْتِسابَكم إلَيْهِمْ لا يُوجِبُ انْتِفاعَكم بِأعْمالِهِمْ، وإنَّما تَنْتَفِعُونَ بِمُوافَقَتِهِمْ، واتِّباعِهِمْ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ أوْلى أُناسٍ بِالنَّبِيِّ المُتَّقُونَ، فَكُونُوا بِسَبِيلٍ مِن ذَلِكَ، فانْظُرُوا أنْ لا يَلْقانِي النّاسُ يَحْمِلُونَ الأعْمالَ وتَلْقَوْنِي بِالدُّنْيا فَأصُدُّ عَنْكم بِوَجْهِي)،» ولَكَ أنْ تَحْمِلَ الجُمْلَةَ الأُولى عَلى مَعْنى: لَها ما كَسَبَتْهُ، لا يَتَخَطّاها إلى غَيْرِها، والثّانِيَةَ عَلى مَعْنى:
صفحة 392
ولَكم ما كَسَبْتُمُوهُ لا ما كَسَبَهُ غَيْرُهُمْ، فَيَخْتَلِفُ القَصْرانِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذَلِكَ.
﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إنْ أُجْرِيَ السُّؤالُ عَلى ظاهِرِهِ فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ مُسَبَّبُهُ أعْنِي الجَزاءَ فَهو تَذْيِيلٌ لِتَتْمِيمِ ما قَبْلَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ، والمُرادُ تَخْيِيبُ المُخاطَبِينَ، وقَطْعُ أطْماعِهِمْ مِنَ الِانْتِفاعِ بِحَسَناتِ مَن مَضى مِنهُمْ، وإنَّما أطْلَقَ العَمَلَ لِإثْباتِ الحُكْمِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ في ضِمْنِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ عَلى مَعْنى: لا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ، كَما لا تُثابُونَ بِحَسَناتِهِمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ، كَيْفَ لا، وهم مُنَزَّهُونَ عَنْ كَسْبِ السَّيِّئاتِ، فَمِن أيْنَ يُتَصَوَّرُ تَحْمِيلُها عَلى غَيْرِهِمْ، حَتّى يَتَصَدّى لِبَيانِ انْتِفائِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ سَوْقَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ كُلِّيٍّ بُرْهانِيٍّ لا يُتَوَهَّمُ ما ذُكِرَ.
هَذا ومِنَ الغَرِيبِ حَمْلُ الإشارَةِ عَلى كُلٍّ مِن إبْراهِيمَ، وإسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، وأنَّ المَعْنى: كُلُّ واحِدٍ مِنهم أُمَّةٌ، أيْ بِمَنزِلَتِها في الشَّرَفِ والبَهاءِ، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ، ولَسْتُمْ مَأْمُورِينَ بِمُتابَعَتِهِمْ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ وهو ما أمَرَها اللَّهُ تَعالى بِهِ، ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ مِمّا يَأْمُرُكم بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَنْفَعُكم مُكْتَسَبُهم لِأنَّهُ لَيْسَ مَقْبُولًا مِنكُمْ، لِأنَّهُ لَيْسَ في حَقِّكُمْ، إنَّما يَنْفَعُكم ما يَجِبُ عَلَيْكم كَسْبُهُ، ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَلْ عَمِلْتُمْ بِهِ؟ وإنَّما تُسْألُونَ عَمّا كانَ يَعْمَلُ نَبِيُّكُمُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِمُتابَعَتِهِ، فَإنَّ أعْمالَهُ ما هو كَسْبُكُمُ المَسْؤُولُ عَنْهُ، فَدَعُوا أنَّ هَذا ما أمَرَ بِهِ إبْراهِيمُ أوْ غَيْرُهُ وتَمَسَّكُوا بِما أمَرَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، واعْتَبِرُوا إضافَةَ العَمَلِ إلَيْهِ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كَلامَ هَذا المُفَسِّرِ لَأمْكَنَ حَمْلُها عَلى هَذا التَّفْسِيرِ الَّذِي لا فَرْعَ ولا أصْلَ لَهُ، لَكِنَّها كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي يَجِلُّ عَنِ الحَمْلِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ في الآياتِ السّابِقَةِ إلى هُنا، ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ أيْ بِمَراتِبِ الرُّوحانِيّاتِ كالقَلْبِ، والسِّرِّ، والرُّوحِ، والخَفاءِ، والوَحْدَةِ، والأحْوالِ، والمَقاماتِ الَّتِي يَعْبُرُ بِها عَلى تِلْكَ المَراتِبِ كالتَّسْلِيمِ، والتَّوَكُّلِ، والرِّضا، وعُلُومِها، ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ بِالسُّلُوكِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي اللَّهِ تَعالى، حَتّى الفَناءِ فِيهِ، ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى الخَلْقِ مِنَ الحَقِّ تَؤُمُّهم وتَهْدِيهِمْ سُلُوكَ سَبِيلِي، ويَقْتَدُونَ بِكَ فَيَهْتَدُونَ، ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَلا يَكُونُونَ خُلَفائِي مَعَ ظُلْمِهِمْ، وظُلْمَتِهِمْ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ ومُجاوَزَةِ الحُدُودِ، ﴿وإذْ جَعَلْنا﴾ بَيْتَ القَلْبِ مَرْجِعًا لِلنّاسِ، ومَحَلَّ أمْنٍ وسَلامَةٍ لَهم إذا وصَلُوا إلَيْهِ، وسَكَنُوا فِيهِ، مِن شَرِّ غَوائِلِ صِفاتِ النَّفْسِ، وفَتْكِ قِتالِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ، وإفْسادِها، وتَخْيِيلِ شَياطِينِ الوَهْمِ والخَيالِ، وإغْوائِهِمْ، ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِي هو مَقامُ الرُّوحِ والخُلَّةِ مَوْطِنًا لِلصَّلاةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هي المُشاهَدَةُ والخُلَّةُ الذَّوْقِيَّةُ، ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أمَرْناهُما بِتَطْهِيرِ بَيْتِ القَلْبِ مِن قاذُوراتِ أحادِيثِ النَّفْسِ، ونَجاساتِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، وأرْجاسِ دَواعِي الهَوى، وأدْناسِ صِفاتِ القُوى لِلسّالِكِينَ المُشْتاقِينَ الَّذِينَ يَدُورُونَ حَوْلَ القَلْبِ في سَيْرِهِمْ، والواصِلِينَ إلى مَقامِهِ بِالتَّوَكُّلِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ الأفْعالِ والخاضِعِينَ الَّذِينَ بَلَغُوا إلى مَقامِ تَجَلِّي الصِّفاتِ، وكَمالِ مَرْتَبَةِ الرِّضا الغائِبِينَ في الوَحْدَةِ الفانِينَ فِيها، ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا﴾ الصَّدْرَ الَّذِي هو حَرِيمُ القَلْبِ ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ مِنَ اسْتِيلاءِ صِفاتِ النَّفْسِ، واغْتِيالِ العَدُوِّ اللَّعِينِ وتَخَطُّفِ جِنِّ القُوى البَدَنِيَّةِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ﴾ ثَمَراتِ مَعارِفِ الرُّوحِ مَن وحَّدَ اللَّهَ تَعالى مِنهم وعَلِمَ المَعادَ إلَيْهِ، قالَ ومَنِ احْتَجَبَ أيْضًا مِنَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الصَّدْرَ ولا يُجاوِزُونَ حَدَّهُ بِالتَّرَقِّي إلى مَقامِ
صفحة 393
العَيْنِ لِاحْتِجاجِهِمْ بِالعِلْمِ الَّذِي وِعاؤُهُ الصَّدْرُ ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ مِنَ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، والمَعْلُوماتِ الكُلِّيَّةِ النّازِلَةِ إلَيْهِمْ مِن عالَمِ الرُّوحِ عَلى حَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ، ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ﴾ نارِ الحِرْمانِ والحِجابِ، ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ مَصِيرُهم لِتَعْذِيبِهِمْ بِنُقْصانِهِمْ، وعَدَمِ تَكْمِيلِ نَشْأتِهِمْ، ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ عَلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلُ، وإسْماعِيلُ كَذَلِكَ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ مُجاهَداتِنا ومَساعِيَنا في السُّلُوكِ إلَيْكَ بِإمْدادِ التَّوْفِيقِ ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِهَواجِسِ خَواطِرِنا فِيكَ، ﴿العَلِيمُ﴾ بِنِيّاتِنا وأسْرارِنا، ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ لا تَكِلْنا إلى أنْفُسِنا، ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ المُنْتَمِينَ إلَيْنا ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا﴾ طُرُقَ الوُصُولِ إلى نَفْيِ ما سِواكَ، ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ لِنَفْنى فِيكَ عَنْ أنْفُسِنا وفَنائِنا، ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ﴾ المُوَفِّقُ لِلرُّجُوعِ إلَيْكَ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بِمَن عَوَّلَ دُونَ السِّوى عَلَيْكَ، ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ وهو الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّةُ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ الدّالَّةَ عَلَيْكَ، ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ كِتابَ العَقْلِ الجامِعِ لِصِفاتِكَ ﴿والحِكْمَةَ﴾ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ غَيْرِكَ، ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ ويُطَهِّرُهم عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ، ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ فَأنّى يَظْهَرُ سِواكَ، المُحْكِمُ لِما ظَهَرْتَ فِيهِ، فَلا يُرى إلّا إيّاكَ، ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ وهي التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ إلّا مَنِ احْتَجَبَ عَنْ نُورِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ، وبَقِيَ في ظُلْمَةِ نَفْسِهِ، ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ فَكانَ مِنَ المَحْبُوبِينَ المُرادِينَ بِالسّابِقَةِ الأزَلِيَّةِ في عالَمِ المُلْكِ، وأنَّهُ في عالَمِ المَلَكُوتِ مِن أهْلِ الِاسْتِقامَةِ الصّالِحُ لِتَدْبِيرِ النِّظامِ، وتَكْمِيلِ النَّوْعِ، ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ أيْ وحِّدْ، وأسْلِمْ لِلَّهِ تَعالى ذاتَكَ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفَنِيتُ فِيهِ، ووَصّى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إبْراهِيمُ بَنِيهِ السّالِكِينَ عَلى يَدِهِ، وكَذَلِكَ يَعْقُوبُ ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ﴾ دِينَهُ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَهُ، ﴿فَلا تَمُوتُنَّ﴾ بِالمَوْتِ الطَّبِيعِيِّ ومَوْتِ الجَهْلِ بَلْ كُونُوا مَيِّتِينَ بِأنْفُسِكم أحْياءَ بِاللَّهِ أبَدًا، فَيُدْرِكُكم مَوْتُ البَدَنِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ فَلا تَكُونُوا مُقَيَّدِينَ بِالتَّقْلِيدِ البَحْتِ لَهُمْ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ إلّا ما كَسَبَ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، والِاعْتِقادِ والسِّيرَةِ، فَكُونُوا عَلى بَصِيرَةٍ في أمْرِكُمْ، واطْلُبُوا ما طَلَبُوا لِتَنالُوا ما نالُوا، ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ ومَن دَقَّ بابَ الكَرِيمِ ولَجَّ ولَجَ.
2:135Page 21
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥
They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1
﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ الضَّمِيرُ الغائِبُ لِأهْلِ الكِتابِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمُرادُ مِنها رَدُّ دَعْوَتِهِمْ إلى دِينِهِمُ الباطِلِ إثْرَ رَدِّ ادِّعائِهِمُ اليَهُودِيَّةَ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، (وأوْ) لِتَنْوِيعِ المَقالِ، لا لِلتَّخْيِيرِ بِدَلِيلِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يُكَفِّرُ الآخَرَ أيْ قالَ اليَهُودُ لِلْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا هُودًا، وقالَتِ النَّصارى لَهُمْ: كُونُوا نَصارى، (وتَهْتَدُوا) جَوابُ الأمْرِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ تَهْتَدُوا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في رُؤُوسِ يَهُودِ المَدِينَةِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، وأبِي ياسِرِ بْنِ أحْطَبَ، وفي نَصارى أهْلِ نَجْرانَ، وذَلِكَ أنَّهم خاصَمُوا المُسْلِمِينَ في الدِّينِ، كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أنَّها أحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ مِن غَيْرِها، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَبِيُّنا مُوسى أفْضَلُ الأنْبِياءِ، وكِتابُنا التَّوْراةُ أفْضَلُ الكُتُبِ، ودِينُنا أفْضَلُ الأدْيانِ، وكَفَرَتْ بِعِيسى والإنْجِيلِ ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، وقالَتِ النَّصارى: نَبِيُّنا عِيسى أفْضَلُ الأنْبِياءِ، وكِتابُنا الإنْجِيلُ أفْضَلُ الكُتُبِ، ودِينُنا أفْضَلُ الأدْيانِ، وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، وقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا عَلى دِينِنا فَلا دِينَ إلّا ذَلِكَ، في رِوايَةِ ابْنِ إسْحاقَ وابْنِ جَرِيرٍ، وغَيْرِهِما عَنْهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيا الأعْوَرَ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ الآيَةَ، (قُلْ) خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أيْ قُلْ لِأُولَئِكَ القائِلِينَ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ
صفحة 394
وتَبْيِينِ ما هو الحَقُّ لَدَيْهِمْ، وإرْشادِهِمْ إلَيْهِ، ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ لا نَكُونُ كَما تَقُولُونَ بَلْ نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، أوْ بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، والأوَّلُ يَقْتَضِيهِ رِعايَةُ جانِبِ لَفْظِ ما تَقَدَّمَ، وإنِ احْتاجَ إلى حَذْفِ المُضافِ، والثّانِي يَقْتَضِيهِ المَيْلُ إلى جانِبِ المَعْنى، إذْ يُؤَوَّلُ الأوَّلُ إلى: اتَّبِعُوا مِلَّةَ اليَهُودِ، أوِ النَّصارى، مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى التَّقْدِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بَلِ اتَّبِعُوا أنْتُمْ مِلَّتَهُ أوْ كُونُوا أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ بَلْ نُؤْتى مِلَّةَ إبْراهِيمَ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُهُ، وقُرِئَ (بَلْ مِلَّةُ) بِالرَّفْعِ، أيْ بَلْ مِلَّتُنا، أوْ أمْرُنا مِلَّتُهُ، أوْ نَحْنُ مِلَّتُهُ، أيْ أهْلُها، وقِيلَ: بَلِ الهِدايَةُ أوْ تَهْدِي مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وهو كَما تَرى، ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مُسْتَقِيمًا، أوْ مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، ويُوصَفُ بِهِ المُتَدَيِّنُ، والدِّينُ، وهو حالٌ، إمّا مِنَ المُضافِ بِتَأْوِيلِ الدِّينِ، أوْ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ، وتَقْدِيرِ: نَتَّبِعُ، ظاهِرٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: تَكُونُ عَلَيْها، فَلِأنَّ ﴿مِلَّةَ﴾ فاعِلُ الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِنَ الإضافَةِ، أيْ تَكُونُ مِلَّةً ثَبَتَتْ لِإبْراهِيمَ، وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ تَكُونُ الحالُ مُؤَكِّدَةٌ لِوُقُوعِها بَعْدَ جُمَلٍ اسْمِيَّةٍ جُزْآها جامِدانِ مَعْرِفَتانِ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِها لِاشْتِهارِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ، فالنَّظْمُ عَلى حَدِّ: أنا حاتِمٌ جَوادًا، أوْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ بِناءً عَلى ما ارْتَضَوْهُ مِن أنَّهُ يَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ في ثَلاثِ صُوَرٍ: إذا كانَ المُضافُ مُشْتَقًّا عامِلًا، أوْ جُزْءًا، أوْ بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ في صِحَّةِ حَذْفِهِ، كَما هُنا، فَإنَّهُ يَصِحُّ: اتَّبِعُوا إبْراهِيمَ، بِمَعْنى: اتَّبِعُوا مِلَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي سَوَّغَ وُقُوعَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِمَعْنى الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِنَ الإضافَةِ أوِ اللّامِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ أبِي البَقاءِ، ولَعَلَّهُ أوْلى لِاطِّرادِهِ في التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ: أعْنِي، ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿حَنِيفًا﴾ عَلى طِبْقِ ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ فَهو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، لا مِنَ المُضافِ، إلّا أنْ يُقَدَّرَ: وما كانَ دِينُ المُشْرِكِينَ، وهو تَكَلُّفٌ، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأهْلِ الكِتابِ، والعَرَبِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ اتِّباعَهُ، ويَدِينُونَ بِشَرائِعَ مَخْصُوصَةٍ بِهِ مِن حَجِّ البَيْتِ، والخِتانِ، وغَيْرِهِما، فَإنَّ في كُلِّ طائِفَةٍ مِنهم شُرَكاءَ، فاليَهُودُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والعَرَبُ عَبَدُوا الأصْنامَ، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences