Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:140–142
2:140Page 21
أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠
Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.
﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ (أمْ) إمّا مُتَّصِلَةٌ مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الأمْرِ، والمُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ إنْكارُهُما مَعًا بِمَعْنى: كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مُنْكَرٌ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقامَةُ الحُجَّةِ، وتَنْوِيرُ البُرْهانِ عَلى حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والحالُ ما ذُكِرَ، والتَّشَبُّثُ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ والِافْتِراءِ
صفحة 400
عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ مَعَ أنَّ العِلْمَ حاصِلٌ بِثُبُوتِ الأمْرَيْنِ الإشارَةُ إلى أنَّ أحَدَهُما كافٍ في الذَّمِّ، فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، كَما تَقُولُ لِمَن أخْطَأ تَدْبِيرًا ومَقالًا: أتَدْبِيرُكَ أمْ تَقْرِيرُكَ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّ الِاتِّصالَ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ، والسُّؤالَ عَنْ تَعْيِينِ إحْداهُما، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، إذْ وقَعَتا مَعًا، وإمّا مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ، والهَمْزَةُ دالَّةٌ عَلى الإضْرابِ، والِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى المُحاجَّةِ إلى التَّوْبِيخِ عَلى الِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ غَيْرُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ (أمْ يَقُولُونَ) بِالياءِ، ويَتَعَيَّنُ كَوْنُ (أمْ) حِينَئِذٍ مُنْقَطِعَةً لِما فِيها مِنَ الإضْرابِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ولا يَحْسُنُ في المُتَّصِلَةِ أنْ يَخْتَلِفَ الخِطابُ مِن مُخاطَبٍ إلى غَيْرِهِ، كَما يَحْسُنُ في المُنْقَطِعَةِ، ويَكُونُ الكَلامُ اسْتِئْنافًا غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، بَلْ وارِدٌ مِنهُ تَعالى تَوْبِيخًا لَهُمْ، وإنْكارًا عَلَيْهِمْ، وحَكى أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ جَوازَ الِاتِّصالِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَقُومُ يا زَيْدُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو، صَحَّ الِاتِّصالُ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ المِثالَ غَيْرُ جَيِّدٍ، لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ والمُخاطَبَ واحِدٌ، والقَوْلُ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، والمُخاطَبُ اثْنانِ غَيْرَ أنْ يَتَّجِهَ مُعادَلَةُ (أمْ) لِلْهَمْزَةِ عَلى الحُكْمِ المَعْنَوِيِّ كانَ مَعْنى ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ يُحاجُّونَ يا مُحَمَّدُ أمْ يَقُولُونَ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالِانْقِطاعِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ أوْلى.
﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أيْ لَسْتُمْ أعْلَمَ بِحالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بابِ الدِّينِ بَلِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِذَلِكَ، وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِنَفْيِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ عَنْهُ، واحْتُجَّ عَلى انْتِفائِهِما عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ وهَؤُلاءِ المَعْطُوفُونَ عَلَيْهِ أتْباعُهُ في الدِّينِ وِفاقًا، فَحالُهم حالُهُ، فَلِمَ تَدْعُونَ لَهُ ولَهم ما نَفى اللَّهُ تَعالى؟ فَما ذَلِكَ إلّا جَهْلٌ غالٍ، ولَجاجٌ مَحْضٌ، ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ ثابِتَةً عِنْدَهُ، واصِلَةً ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إلَيْهِ، وهي شَهادَتُهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَنِيفِيَّةِ والبَراءَةِ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ حَسْبَما تُلِيَ آنِفًا، وجِيءَ بِالوَصْفَيْنِ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَأْكِيدِهِ، فَإنَّ ثُبُوتَ الشَّهادَةِ عِنْدَهُ وكَوْنُها مِن جانِبِ جَنابِ العَلِيِّ الأعْلى عَزَّ شَأْنُهُ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى إقامَتِها، وأشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ كِتْمانِها، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ مَعَ أنَّهُ مُتَأخِّرٌ في الوُجُودِ لِمُراعاةِ طَرِيقِ التَّرَقِّي، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ، وأثْبَتُوا نَقِيضَها بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ يُقَرِّرُ ما أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مِنَ ادِّعاءِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وتَعْلِيقُ الأظْلَمِيَّةِ بِمُطْلَقِ الكِتْمانِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مَرْتَبَةَ مَن يَرُدُّها ويَشْهَدُ بِخِلافِها في الظُّلْمِ خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ، أوْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنّا لَوْ كَتَمْنا هَذِهِ الشَّهادَةَ، ولَمْ نُقِمْها في مَقامِ المُحاجَّةِ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ ما أُوقِعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ مِن أنَّهم شاهِدُونَ بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، مُصَدِّقُونَهُ بِما أعْلَمَهُمْ، وجَعَلَها عَلى هَذا مِن تَتِمَّةِ ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى إظْهارِ الشَّهادَةِ، وعَلى الأوَّلِ مِن تَتِمَّةِ ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى كِتْمانِها ظاهِرُ التَّعَسُّفِ، ولا يَخْفى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى نَحْوِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وفي إطْلاقِ الشَّهادَةِ مَعَ أنَّ المُرادَ بِها ما تَقَدَّمَ مِنَ الشَّهادَةِ المُعَيَّنَةِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي (رَيِّ الظَّمْآنِ) أنَّ (مَن) صِلَةُ (أظْلَمَ)، والكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن أظْلَمُ مِنَ اللَّهِ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً حَصَلَتْ عِنْدَهُ، كَقَوْلِكَ: ومَن أظْلَمُ مِن زَيْدٍ مِن جُمْلَةِ الكاتِمِينَ لِلشَّهادَةِ، والمَعْنى: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ يَهُودًا، أوْ نَصارى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ يَكْتُمُ الشَّهادَةَ أظْلَمَ مِنهُ، لَكِنْ لَمّا اسْتَحالَ ذَلِكَ مَعَ عَدْلِهِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ عَلِمْنا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ (مَن) صِلَةُ (كَتَمَ)
صفحة 401
والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ كَتَمَ مِن عِبادِ اللَّهِ شَهادَةً عِنْدَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى مَنعِ أنْ يُوَصِّلُوا إلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى، ويُؤَدُّوا إلَيْهِمْ شَهادَةَ الحَقِّ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ وانْحِطاطِ المَعْنى، فَلْيُنَزَّهْ كِتابُ اللَّهِ تَعالى العَظِيمُ عَنْهُ، عَلى أنَّكَ لَوْ نَظَرْتَ بِعَيْنِ الإنْصافِ رَأيْتَ الوَجْهَ الثّانِيَ مِنَ الأوَّلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، لِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَقَدَّمَها الإنْكارُ لِما نُسِبَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، فالَّذِي يَلِيقُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَعَ أهْلِ الكِتابِ لا مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأتْباعِهِ، لِأنَّهم مُقِرُّونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وعالِمُونَ بِذَلِكَ، فَلا يُفْرَضُ في حَقِّهِمْ كِتْمانُهُ، والتَّذْيِيلُ الَّذِي ادُّعِيَ فِيهِ خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، هَلِ الكِتابُ أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُ أمْرَكم سُدًى بَلْ هو مُحَصِّلٌ لِأعْمالِكم مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ، فَيُعاقِبُكم بِذَلِكَ أشَدَّ عِقابٍ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كِتْمانُهم لِشَهادَتِهِ تَعالى، وافْتِراؤُهم عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقُرِئَ (عَمّا يَعْمَلُونَ) بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ، فالضَّمِيرُ إمّا لِمَن (كَتَمَ) بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ لِأهْلِ الكِتابِ.
2:141Page 21
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١
That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَمّا اسْتَحْكَمَ في الطِّباعِ مِنَ الِافْتِخارِ بِالآباءِ، والِاتِّكالِ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ: اتَّقِ اللَّهَ اتَّقِ اللَّهَ، أوْ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمْ، ولا تَنْفَعُكم آباؤُكُمْ، ولا تُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ أعْمالِهِمْ، بَلْ عَنْ أعْمالِ أنْفُسِكُمْ، وقِيلَ: الخِطابُ فِيما سَبَقَ لِأهْلِ الكِتابِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لَنا تَحْذِيرًا عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَّةِ في الأوَّلِ الأنْبِياءُ، وفي الثّانِي أسْلافُ اليَهُودِ، لِأنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا في إبْراهِيمَ وبَنِيهِ: إنَّهم كانُوا ما كانُوا، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهم عَلى مِثْلِ طَرِيقَةِ أسْلافِنا، فَصارَ سَلَفُهم في حُكْمِ المَذْكُورِينَ، فَجازَ أنْ يُعْنَوْا بِالآيَةِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّعَسُّفِ الظّاهِرِ.
2:142Page 22
۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢
The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah,1 which they used to face?"2 Say, "To Allāh belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾
أيِ الخِفافُ الأحْلامِ أوِ المُسْتَمْهِنُوها بِالتَّقْلِيدِ المَحْضِ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ والمُتَبادِرُ مِنهم ما يَشْمَلُ سائِرَ المُنْكِرِينَ لِتَغَيُّرِ القِبْلَةِ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ الِاقْتِصارُ عَلى الأوَّلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الِاقْتِصارُ عَلى الثّانِي، وعَنِ الحَسَنِ الِاقْتِصارُ عَلى الثّالِثِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ طائِفَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّهِمْ لا حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْها؛ لِأنَّ الجَمْعَ فِيها مُحَلّى بِاللّامِ وهو يُفِيدُ العُمُومَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ، والتَّخْصِيصُ بِالبَعْضِ يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ، وتَقْدِيمُ الإخْبارِ بِالقَوْلِ عَلى الوُقُوعِ لِتَوْطِينِ النَّفْسِ بِهِ، فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ أشَدُّ إيلامًا، والعِلْمَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ أبْعَدُ مِنَ الِاضْطِرابِ، ولِما أنَّ فِيهِ إعْدادَ الجَوابِ، والجَوابُ المُعَدُّ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْطَعُ لِلْخَصْمِ، وفي المَثَلِ: قَبْلَ الرَّمْيِ يُراشُ السَّهْمُ. ولِيَكُونَ الوُقُوعُ بَعْدَ الإخْبارِ مُعْجِزَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: إنَّ الوَجْهَ في التَّقْدِيمِ هو التَّعْلِيمُ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أثَرُ السَّفاهَةِ، فَلا يُبالى بِهِ، ولا يُتَألَّمُ مِنهُ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّعْلِيمَ والتَّنْبِيهَ المَذْكُورَيْنِ يَحْصُلانِ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ والجَوابِ ولَوْ بَعْدَ الوُقُوعِ. وقالَ القَفّالُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وإنَّ لَفْظَ ”سَيَقُولُ“ مُرادٌ مِنهُ الماضِيَ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ عَمَلًا فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ أعْدائِهِ: أنا أعْلَمُ أنَّهم سَيَطْعَنُونَ فِيَّ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ إذا ذَكَرَ مَرَّةً فَيَذْكُرُونَهُ مَرّاتٍ أُخْرى، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لِما قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ أنْ يَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ السُّفَهاءُ وهُمُ اليَهُودُ ﴿ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ،» وفي رِوايَةِ أبِي إسْحاقَ وعُبَيْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ عَنْهُ زِيادَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ إلَخْ. ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ الأُولى قَدْحٌ في الأُصُولِ، وهَذا في أمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالفُرُوعِ، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الشَّناعَةِ.
﴿مِنَ النّاسِ﴾
فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِنهُمُ الجِنْسُ، وفائِدَةُ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ سَفاهَتِهِمْ بِالقِياسِ إلى الجِنْسِ، وقِيلَ: الكَفَرَةُ، وفائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَحْكِيَّ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الطَّوائِفِ، بَلْ عَنْ أشْقِيائِهِمُ المُعْتادِينَ لِلْخَوْضِ في آسِنِ الفَسادِ، والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى.
﴿ما ولاهُمْ﴾
أيْ أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهم، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو حُصُولُ الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾
يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، وهي فِعْلَةٌ مِنَ المُقابَلَةِ، كالوِجْهَةِ مِنَ الواجِهَةِ، وأصْلُها الحالَةُ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُقابِلُ، إلّا أنَّها في العُرْفِ العامِّ اسْمٌ لِلْمَكانِ
صفحة 3
المُقابِلِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ لِلصَّلاةِ.
﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾
أيْ عَلى اسْتِقْبالِها، والمَوْصُولُ صِفَةُ القِبْلَةِ، وفي وصْفِها بِذَلِكَ بَعْدَ إضافَتِها إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ، ومَدارُ هَذا الإنْكارِ بِالنِّسْبَةِ إلى اليَهُودِ زَعْمُهُمُ اسْتِحالَةَ النَّسْخِ، وكَراهَتُهم مُخالَفَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم في القِبْلَةِ، حَتّى أنَّهم قالُوا لَهُ: ارْجِعْ إلى قِبْلَتِنا نَتَّبِعْكَ ونُؤْمِن بِكَ، ولَعَلَّهم ما أرادُوا بِذَلِكَ إلّا فِتْنَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِالنِّسْبَةِ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ القَصْدُ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ وإظْهارُ أنَّ كُلًّا مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْها والِانْصِرافِ عَنْها بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ حَتّى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ رَغِبَ عَنْ قِبْلَةِ آبائِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْها، ولَيَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ أيْضًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى المُنافِقِينَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ أُصُولِهِمْ، فَإنَّ فِيهِمُ اليَهُودَ وغَيْرَهم، واخْتَلَفَ النّاسُ في مُدَّةِ بَقائِهِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ؛ فَفي رِوايَةِ البُخارِيِّ ما عَلِمْتَ، وفي رِوايَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ تِسْعَةُ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وعَنْ مُعاذٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وعَنِ الصّادِقِ سَبْعَةُ أشْهُرٍ، وهَلِ اسْتَقْبَلَ غَيْرُهُ قَبْلُ بِمَكَّةَ أمْ لا ؟ قَوْلانِ أشْهَرُهُما الثّانِي، وهو المَرْوِيُّ أيْضًا عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾
أيْ جَمِيعُ الأمْكِنَةِ والجِهاتِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ تَعالى، مُسْتَوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ لا اخْتِصاصَ لِشَيْءٍ مِنها بِهِ جَلَّ وعَلا، إنَّما العِبْرَةُ لِامْتِثالِ أمْرِهِ، فَلَهُ أنْ يُكَلِّفَ عِبادَهُ بِاسْتِقْبالِ أيِّ مَكانٍ وأيِّ جِهَةٍ شاءَ
﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
أيْ طَرِيقٍ مُسْتَوٍ، وهو ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تارَةً وإلى الكَعْبَةِ أُخْرى، والجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِمّا تَقَدَّمَ، وهو إشارَةٌ إلى مُصَحِّحِ التَّوْلِيَةِ، وهَذا إلى مُرَجِّحِها كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لِلتَّوْلِيَةِ المَذْكُورَةِ هِدايَةً يَخُصُّ اللَّهُ تَعالى بِها مَن يَشاءُ ويَخْتارُ مِن عِبادِهِ، وقَدْ خَصَّنا بِها فَلَهُ الحَمْدُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences