Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:146–149
2:146Page 23
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦
Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والمُرادُ بِهِمُ العُلَماءُ لِأنَّ (العِرْفانَ) لَهم حَقِيقَةٌ، ولِذا وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، ولِأنَّ (أُوتُوا) يُسْتَعْمَلُ فِيمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولٌ، و( آتَيْنا ) أكْثَرُ ما جاءَ فِيمَن لَهُ ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ ( مِنَ الظّالِمِينَ ) فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الكِتابَ أوْ مِنَ المَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا (بِأعْنِي) أوْ رَفْعًا عَلى تَقْدِيرِهِمْ، وضَمِيرُ يَعْرِفُونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ عَلَيْهِ، فَإنَّ تَشْبِيهَ مَعْرِفَتِهِ بِمَعْرِفَةِ ( الأبْناءِ ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ المُرادُ، وقِيلَ: المَرْجِعُ مَذْكُورٌ فِيما سَبَقَ صَرِيحًا بِطَرِيقِ الخِطابِ، فَلا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ التَّقْدِيمِ المَعْنَوِيِّ (غايَةُ الأمْرِ) أنْ يَكُونَ هَهُنا التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مَعْرِفَتُهم لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن حَيْثُ ذاتُهُ ونَسَبُهُ الزّاهِرُ، بَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَسْطُورًا في الكِتابِ مَنعُوتًا فِيهِ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ إفْحامَهُمْ، ومِن جُمْلَتِها أنَّهُ يُصَلّى إلى القِبْلَتَيْنِ، كَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَ مَن وصْفْناهُ فِيهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإنْ خُوطِبَ في الكَلامِ الَّذِي في شَأْنِ ( القِبْلَةِ ) مِرارًا، لَكِنَّهُ لا يُحْسِنُ إرْجاعَ الضَّمِيرِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةٌ مُسْتَطْرِدَةٌ بَعْدَ ذِكْرِ أمْرِ ( القِبْلَةِ ) وظُهُورُها عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ بِجامِعِ المَعْرِفَةِ الجَلِيَّةِ مَعَ الطَّعْنِ - ولِذا لَمْ تُعْطَفْ - فَلَوْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى المَذْكُورِ لَأوْهَمَ نَوْعَ اتِّصالٍ - ولَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ
صفحة 13
الحُسْنُ - ودَلِيلُ الِاسْتِطْرادِ ( ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ ) نَعَمْ إنْ قِيلَ: بِمُجَرَّدِ الجَوازِ، فَلا بَأْسَ بِهِ؛ إذْ هو مُحْتَمَلٌ، ولَعَلَّهُ الظّاهِرُ بِالنَّظَرِ الجَلِيلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ - لِلْعِلْمِ - المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أوِ القُرْآنِ بِادِّعاءِ حُضُورِهِ في الأذْهانِ، أوْ لِلتَّحْوِيلِ لِدَلالَةِ مَضْمُونِ الكَلامِ السّابِقِ عَلَيْهِ، وفِيهِ أنَّ التَّشْبِيهَ يَأْبى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُناسِبَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِما هو مِن جِنْسِهِ، فَكانَ الواجِبُ في نَظَرِ البَلاغَةِ حِينَئِذٍ كَما يَعْرِفُونَ التَّوْراةَ أوِ الصَّخْرَةَ، وأنَّ التَّخْصِيصَ بِـ ( أهْلِ الكِتابِ ) يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ مُسْتَفادَةً مِنَ ( الكِتابِ )، وقَدْ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ ذِكْرِ نَعْتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِخِلافِ المَذْكُوراتِ، فَإنَّها غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ ذِكْرُها فِيهِما ( والكافُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ( يَعْرِفُونَهُ ) بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ في ( الكِتابِ ) بِأنَّهُ النَّبِيُّ المَوْعُودُ؛ بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ عِرْفانٌ مِثْلَ ( عِرْفانِهِمْ أبْناءَهم ) بِحَيْثُ لا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ أشْخاصُهم بِغَيْرِهِمْ، وهو تَشْبِيهٌ لِلْمَعْرِفَةِ العَقْلِيَّةِ الحاصِلَةِ مِن مُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِالمَعْرِفَةِ الحِسِّيَّةِ، في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَتَعَذَّرُ الِاشْتِباهُ فِيهِ، والمُرادُ ( بِالأبْناءِ ) الذُّكُورُ؛ لِأنَّهم أكْثَرُ مُباشَرَةً ومُعاشَرَةً لِلْآباءِ، وألْصَقُ وأعْلَقُ بِقُلُوبِهِمْ مِنَ البَناتِ، فَكانَ ظَنُّ اشْتِباهِ أشْخاصِهِمْ أبْعَدَ، وكانَ التَّشْبِيهُ بِمَعْرِفَةِ الأبْناءِ آكَدًا مِنَ التَّشْبِيهِ بِالأنْفُسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَمُرُّ عَلَيْهِ قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ كَزَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ ( بِخِلافِ الأبْناءِ )، فَإنَّهُ لا يَمُرُّ عَلَيْهِ زَمانٌ إلّا وهو يَعْرِفُ ابْنَهُ. وما حُكِيَ «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ في شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ”أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي“، فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ”لِمَ؟“ قالَ: ”لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ بِمُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ“، فَقَبَّلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – رَأْسَهُ». فَمَعْناهُ: أنِّي لَسْتُ أشُكُّ في نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِوَجْهٍ، وأمّا ولَدِي فَأشُكُّ في بُنُوَّتِهِ، وإنْ لَمْ أشُكَّ بِشَخْصِهِ، وهو المُشَبَّهُ بِهِ في الآيَةِ، فَلا يَتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّ ( مَعْرِفَةَ الأبْناءِ ) لا تَسْتَحِقُّ أنْ يُشَبَّهَ بِها؛ لِأنَّها دُونَ المُشَبَّهِ لِلِاحْتِمالِ، ولا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ يَكْفِي في وجْهِ الشَّبَهِ كَوْنُهُ أشْهَرَ في المُشَبَّهِ بِهِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ أقْوى - و( مَعْرِفَةُ الأبْناءِ ) أشْهَرُ مِن غَيْرِها، ولا إلى تَكَلُّفٍ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ في الآيَةِ إضافَةُ ( الأبْناءِ ) إلَيْهِمْ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَتْ حَقَّةً أوْ لا. وما ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ كَوْنُهُ ابْنًا لَهُ في الواقِعِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا.
﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ 146 جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. ويَعْلَمُونَ إمّا مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ شَناعَةِ كِتْمانِ الحَقِّ، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِأهْلِ العِلْمِ، أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ ( يُعَلِّمُونَهُ ) فَيَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ لِأنَّ لَفْظَ ( يَكْتُمُونَ الحَقَّ ) يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ؛ إذِ ( الَكَتْمُ ) إخْفاءُ ما يَعْلَمُ، أوْ يَعْلَمُونَ عِقابَ الكِتْمانِ، أوْ أنَّهم يَكْتُمُونَ فَتَكُونُ مُبِيِّنَةً، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وفائِدَتُهُ تَخْصِيصُ مَن عانَدَ وكَتَمَ بِالذَّمِّ، واسْتِثْناءُ ( مَن آمَنَ ) وأظْهَرَ عِلْمَهُ عَنْ حُكْمِ الكِتْمانِ.
2:147Page 23
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١٤٧
The truth is from your Lord, so never be among the doubters.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ قُصِدَ بِهِ رَدُّ الكاتِمِينَ، وتَحْقِيقُ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولِذا فَصَلَ، والحَقّ إمّا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ولِذا ذُكِرَ بِلَفْظِ المَظْهَرِ، أوِ الحَقُّ الَّذِي كَتَمَهُ هَؤُلاءِ ووَضَعَ فِيهِ المَظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ تَقْرِيرًا لِحِقِّيَّتِهِ وتَثْبِيتًا لَها، أوْ لِلْجِنْسِ، وهو يُفِيدُ قَصْرَ جِنْسِ ( الحَقِّ ) عَلى ما ثَبَتَ مِنَ اللَّهِ؛ أيْ أنَّ ( الحَقَّ ) ذَلِكَ كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ لا غَيْرُهُ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، وإمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَقُّ، أوْ هَذا الحَقُّ، و﴿مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، واللّامُ حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ، كَما في ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ ومَعْناهُ أنَّ ما يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ لا ما يَدَّعُونَهُ ويَزْعُمُونَهُ، ولا مَعْنًى حِينَئِذٍ لِلْعَهْدِ؛ لِأدائِهِ إلى التَّكْرارِ، فَيَحْتاجُ
صفحة 14
إلى تَكَلُّفٍ. وقَرَأ الإمامُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - الحَقّ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ أوْ بَدَلٌ، ومِن رَبِّك حالٌ مِنهُ، وبِهِ يَحْصُلُ مُغايَرَتُهُ لِلْأوَّلِ وإنِ اتَّحَدَ لَفْظُهُما، وجَوَّزَ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ ( كالزَمْ ) وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما لا يَخْفى.
﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ 147﴾ أيِ: الشّاكِّينَ أوِ المُتَرَدِّدِينَ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ عالِمِينَ بِهِ، أوْ في أنَّهُ ﴿مِن رَبِّكَ﴾، ولَيْسَ المُرادُ نَهْيَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ شَيْءٍ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ أوْ تَرَقُّبَهُ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِن ساحَةِ حَضْرَةِ الرِّسالَةِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَلا فائِدَةَ في نَهْيِهِ؛ ولِأنَّ المُكَلَّفَ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اخْتِيارِيًّا، ولَيْسَ الشَّكُّ والتَّرَدُّدُ مِمّا يَحْصُلُ بِقَصْدٍ واخْتِيارٍ، بَلِ المُرادُ إمّا تَحْقِيقُ الأمْرِ، وأنَّهُ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ فِيهِ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ، أوِ الأمْرُ لِلْأُمَّةِ بِتَحْصِيلِ المَعارِفِ المُزِيلَةِ لِما نَهى عَنْهُ، فَيَجْعَلُ النَّهْيَ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ، وفي جَعْلِ امْتِراءِ الأُمَّةِ امْتِراءَهُ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُبالَغَةٌ لا تَخْفى، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ الشَّكَّ ونَحْوَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورَ التَّحْصِيلِ، لَكِنَّهُ مَقْدُورٌ لِإزالَةِ البَقاءِ، ولَعَلَّ النَّهْيَ عَنْهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ دُونَ فَلا تَمْتَرِ، ومَن ظَنَّ أنَّ مَنشَأ الإشْكالِ إفْحامُ الكَوْنِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَيْسَ مَقْدُورًا، فَلا يَنْهى عَنْهُ دُونَ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ.
2:148Page 23
وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٤٨
For each [religious following] is a [prayer] direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allāh will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أيْ: لِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ أوْ جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جِهَةٌ وجانِبٌ مِنَ الكَعْبَةِ يُصَلّى إلَيْها جَنُوبِيَّةً أوْ شَمالِيَّةً أوْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً. وتَنْوِينُ ( كُلٍّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و( وِجْهَةٌ ) جاءَ عَلى الأصْلِ، والقِياسُ (جِهَةٌ) مِثْلَ عِدَّةٍ وزِنَةٍ، وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهو مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ تَوَجَّهَ أوِ اتَّجَهَ، والمَصْدَرُ التَّوَجُّهُ أوْ الِاتِّجاهُ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ وجْهٌ كَوَعْدٍ، وقِيلَ: إنَّها اسْمٌ لِلْمَكانِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ، فَثُبُوتُ الواوِ لَيْسَ بِشاذٍّ، وقَرَأ أُبَيٌّ ( ولِكُلٍّ قِبْلَةٌ ).
﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى ( كُلٍّ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْوَصْفِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وجْهَهُ أوْ نَفْسَهُ؛ أيْ: مُسْتَقْبَلُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى؛ أيِ: اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قَرَأ ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، وقَدْ صَعُبَ تَخْرِيجُها حَتّى تَجَرَّأ بَعْضُهم عَلى رَدِّها، وهو خَطَأٌ عَظِيمٌ، وخَرَّجَها البَعْضُ أنَّ ( كُلَّ ) كانَ في الأصْلِ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مُوَلِّيها وضَمِيرُ هو عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - قَطْعًا، ثُمَّ زِيدَتِ اللّامُ في المَفْعُولِ بِهِ صَرِيحًا لِضَعْفِ العامِلِ المُقَدَّرِ مِن جِهَتَيْنِ، كَوْنُهُ اسْمَ فاعِلٍ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلَيْهِ، والمَفْعُولُ الآخَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لِكُلِّ وِجْهَةِ اللَّهِ مَوْلًى مُوَلِّيها، ورُدَّ بِأنَّ لامَ التَّقْوِيَةِ لا تُزادُ في أحَدِ مَفْعُولَيِ المُتَعَدِّي لِاثْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ تُزادَ في الآخَرِ، ولا نَظِيرَ لَهُ، أوْ لا، فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ، وإنْ أُجِيبَ بِإطْلاقِ النُّحاةِ يَقْتَضِي جَوازَهُ، والتَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ مَدْفُوعٌ هُنا بِأنَّهُ تَرَجَّحَ بِتَقْدِيمِهِ. وقِيلَ: إنَّ المَجْرُورَ مَعْمُولٌ لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ولَهُ واللّامُ مَزِيدَةٌ، أوْ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ بِالضَّمِيرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذَيْنِ التَّخْرِيجَيْنِ يُحْوِجُ أوَّلُهُما إلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالوَصْفِ إلى التَّوْلِيَةِ، وجَعَلَهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ:
هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ
لِئَلّا يُقالُ: كَيْفَ يَعْمَلُ الوَصْفُ مَعَ اشْتِغالِهِ بِالضَّمِيرِ، وثانِيهُما إلى القَوْلِ: بِأنَّهُ قَدْ يَجِيءُ المَجْرُورُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ﴾ والقَوْلُ: بِأنَّ اللّامَ أصْلِيَّةٌ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ ( بِصَلُّوا ) مَحْذُوفًا أوْ بِاسْتَبِقُوا، ( والفاءُ ) زائِدَةٌ بَعِيدٌ بَلْ لا أكادُ أُجِيزُهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ( مَوْلاها ) عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ؛ أيْ: هو قَدْ ولّى تِلْكَ الجِهَةَ، فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ حِينَئِذٍ عائِدٌ
صفحة 15
إلى كُلٍّ ألْبَتَّةَ، ولا يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى لِفَسادِ المَعْنى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنْ مَنصُورٍ، قالَ: ”نَحْنُ نَقْرَأُ ( ولِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً يَرْضَوْنَها )“.
﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ جَمْعُ خِيرَةٍ بِالتَّخْفِيفِ، وهي الفاضِلَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَصْلَةِ، ( واللّامُ ) لِلِاسْتِغْراقِ، فَيَعُمُّ المُحَلّى أمْرَ القِبْلَةِ وغَيْرَهُ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والِاسْتِباقُ مُتَعَدٍّ كَما في التّاجِ، وقِيلَ: لازِمٌ، و( إلى ) بَعْدَهُ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَبادِرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ ما بِهِ يَحْصُلُ السَّعادَةُ في الدّارَيْنِ مِنَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وغَيْرِهِ، ولا تُنازِعُوا مَن خالَفَكُمْ؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى الِاجْتِماعِ عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ لِجَرْيِ العادَةِ عَلى تَوْلِيَةِ كُلِّ قَوْمٍ قِبْلَةً يَسْتَقْبِلُها، وفي أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ التَّسابُقِ فِيما بَيْنَهُمْ، كَما قالَ السَّعْدُ: ”دَلالَةٌ عَلى طَلَبِ سَبْقِ غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلى“. وقِيلَ: الِاقْتِصارُ عَلى سَبْقِ بَعْضِهِمْ إشارَةٌ إلى أنَّ غَيْرَهم لَيْسَ في طَرِيقِ الخَيْرِ حَتّى يَتَصَوَّرَ أمْرُ أحَدٍ بِالسَّبْقِ إلى الخَيْرِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( اللّامُ ) لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِالخَيْراتِ الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي تَسامَتِ الكَعْبَةَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّلاةَ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي جِهَتِها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الصَّلَواتُ الفاضِلاتُ، والمُرادُ ( بِالِاسْتِباقِ ) السُّرْعَةُ فِيها والقِيامُ بِها في أوَّلِ أوْقاتِها، وفِيهِ بُعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى ( فاسْتَبِقُوا قِبْلَتَكم )، وعَبَّرَ عَنْها بِالخَيْراتِ إشارَةً إلى اشْتِمالِها عَلى كُلِّ خَيْرٍ.
واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ في أوَّلِ الوَقْتِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ أفْضَلُ، وهي مَسْألَةٌ فَرَغَ مِنها في الفُرُوعِ، ولِبَعْضِ العارِفِينَ في الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ النّاسَ في أُمُورِ دُنْياهم وأُخْراهم عَلى أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ، فَجَعَلَ بَعْضَهم أعْوانَ بَعْضٍ، فَواحِدٌ يَزْرَعُ وآخَرُ يَطْحَنُ وآخَرُ يَخْبِزُ، وكَذَلِكَ في أمْرِ الدِّينِ؛ واحِدٌ يَجْمَعُ الحَدِيثَ، وآخَرُ يُحَصِّلُ الفِقْهَ، وآخَرُ يَطْلُبُ الأُصُولَ، وهم في الظّاهِرِ مُخْتارُونَ، وفي الباطِنِ مُسَخَّرُونَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“». ولِهَذا قالَ بَعْضُ الصّالِحِينَ لَمّا سُئِلَ عَنْ تَفاوُتِ النّاسِ في أفْعالِهِمْ: ”كُلُّ ذَلِكَ طُرُقٌ إلى اللَّهِ - تَعالى – أرادَ أنْ يُعَمِّرَها بِعِبادِهِ، ومَن تَحَرّى وجْهَ اللَّهِ - تَعالى - في كُلِّ طَرِيقٍ يَسْلُكُهُ وصَلَ إلَيْهِ، لَكِنْ يَنْبَغِي تَحَرِّي الأحْسَنَ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ؛ إذِ المَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ والشُّؤُونُ مُخْتَلِفَةٌ، ومَظاهِرُ الأسْماءِ شَتّى“، وقِيلَ: المُرادُ بِها أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ قِبْلَةً، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ العَرْشُ، والرُّوحانِيِّينَ الكُرْسِيُّ والكُرُوبِينَ البَيْتُ المَعْمُورُ، والأنْبِياءُ قَبْلَكَ بَيْتُ المَقْدِسِ وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ، وهي قِبْلَةُ جَسَدِكَ، وأمّا قِبْلَةُ رُوحِكَ فَأنا، وقِبْلَتِي أنْتَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ: ”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم مِن أجْلِي“.
﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ ( أيْنَ ): ظَرْفُ مَكانٍ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، و( ما ) مَزِيدَةٌ، ويَأْتِ جَوابُها، والمَعْنى في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِنَ المَواضِعِ المُوافِقَةِ لِطَبْعِكم كالأرْضِ أوِ المُخالِفَةِ كالسَّماءِ أوِ المُجْتَمِعَةِ الأجْزاءِ كالصَّخْرَةِ أوِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي يَخْتَلِطُ بِها ما فِيها كالرَّمْلِ، يَحْشُرُكُمُ اللَّهُ - تَعالى - إلَيْهِ لِجَزاءِ أعْمالِكُمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، والجُمْلَةٌ مُعَلِّلَةٌ لِما قَبْلَها، وفِيها حَثٌّ عَلى الِاسْتِباقِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وهي عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أوْ في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِن أعْماقِ الأرْضِ وقُلَلِ الجِبالِ، يَقْبِضُ اللَّهُ – تَعالى - أرْواحَكم إلَيْهِ، فَهي عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ فَفِيها حَثٌّ عَلى الِاسْتِباقِ بِاغْتِنامِ الفُرْصَةِ، فَإنَّ المَوْتَ لا يُخْتَصُّ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ، أوْ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ مِنَ الجِهاتِ المُتَقابِلاتِ يُمْنَةً ويَسْرَةً وشَرْقًا وغَرْبًا، يَجْعَلُ اللَّهُ - تَعالى - صَلاتَكم مَعَ اخْتِلافِ جِهاتِها في حُكْمِ صَلاةٍ مُتَّحِدَةِ الجِهَةِ كَأنَّها إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ أوْ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ( فَيَأْتِ بِكم ) مَجازٌ عَنْ جَعْلِ الصَّلاةِ مُتَّحِدَةَ الجِهَةِ، وفائِدَةُ الجُمْلَةِ المُعَلَّلَةِ حِينَئِذٍ بَيانُ حُكْمِ الأمْرِ بِالِاسْتِباقِ، ومِنهم مَن قالَ: الخِطابُ
صفحة 16
فِي اسْتَبْقَوْا إمّا عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وإمّا خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَعَلى الأوَّلِ يُرادُ هُنا العُمُومُ؛ أيْ في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِنَ المَواضِعِ المُوافِقَةِ لِلْحَقِّ أوِ المُخالِفَةِ لَهُ، وعَلى الثّانِي الخُصُوصُ؛ أيْ: أيْنَما تَكُونُوا في الصَّلاةِ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ الجِهاتِ المُتَقابِلَةِ شَمالًا وجَنُوبًا وشَرْقًا وغَرْبًا بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا جِهَةَ الكَعْبَةِ يَجْعَلُ اللَّهُ – تَعالى - صَلاتَكم كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ لِاتِّحادِكم في الجِهَةِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِالِاتِّجاهِ إلَيْها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 148﴾ ومِن ذَلِكَ إماتَتِكم وإحْياؤُكُمْ، وجَمْعُكم والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ، وتَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ.
2:149Page 23
وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩
So from wherever you go out [for prayer, O Muḥammad], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allāh is not unaware of what you do.
﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿فاسْتَبِقُوا﴾ وحَيْثُ ظَرْفٌ لازِمُ الإضافَةِ إلى الجُمَلِ غالِبًا، والعامِلُ فِيها ما هو في مَحَلُّ الجَزاءِ لا الشُّرَطِ، فَهي هُنا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ول والفاءُ صِلَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما بَعْدَها لازِمٌ لِما قَبْلَها لُزُومَ الجَزاءِ لِلشَّرْطِ؛ لِأنَّ ( حيث ) وإنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطِيَّةً لَكِنَّها لِدَلالَتِها عَلى العُمُومِ أشْبَهَتْ كَلِماتِ الشَّرْطِ، فَفِيها رائِحَةُ الشَّرْطِ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِـ خُرْجت لَفْظًا، وإنْ كانَتْ ظَرْفًا لَهُ مَعْنًى لِئَلّا يَلْزَمَ عَدَمُ الإضافَةِ، والمَعْنى مِن أيِّ مَوْضِعٍ ( خَرَجَتْ فَوَلِّ وجْهَك ) مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ شَطْر إلَخْ، ومِن ابْتِدائِيَّةٌ؛ لِأنَّ الخُرُوجَ أصْلٌ لِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ، وهو المَشْيُ، وكَذا التَّوْلِيَةُ أصْلٌ لِلِاسْتِقْبالِ وقْتَ الصَّلاةِ الَّذِي هو مُمْتَدٌّ، وقِيلَ: إنْ حَيْثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ولِّ والفاءُ لَيْسَتْ زائِدَةً، وما بَعْدَها يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها كَما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ إلّا أنَّهُ لا وجْهَ لِاجْتِماعِ الفاءِ والواوِ، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ ( مِن حَيْثُ خَرَجَتْ فول ) فَيَكُونُ فُول عَطْفًا عَلى المُقَدَّرِ، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ ( مِن حَيْثُ خَرَجَتْ ) بِمَعْنى أيْنَما كُنْتَ وتَوَجَّهَتْ فَيَكُونُ فُول جَزاءً لَهُ عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ العامِلُ فِيها الشَّرْطُ - ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ - والتَّخْرِيجُ عَلى قَوْلٍ ضَعِيفٍ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ إلّا الفَرّاءُ، وهو شَرْطِيَّةٌ حَيْثُ بِدُونِ ( ما ) حَتّى قالُوا: إنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ، ثُمَّ الأمْرُ بِالتَّوْلِيَةِ مُقَيَّدٌ بِالقِيامِ إلى الصَّلاةِ لِلْإجْماعِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ.
وإنَّهُ أيْ: الِاسْتِقْبالَ أوِ الصَّرْفَ أوِ التَّوْلِيَةَ والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّها أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ أوْ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ أوْ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِتَأْنِيثِ المَصْدَرِ أوْ بِذِي التّاءِ الَّذِي لا مَعْنى لِلْمُجَرَّدِ عَنْهُ سَواءٌ كانَ مَصْدَرًا أوْ غَيْرَهُ، وإرْجاعُ الضَّمِيرِ لِلْأمْرِ السّابِقِ واحِدُ الأوامِرِ عَلى قُرْبِهِ بَعِيدٌ ﴿لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ: الثّابِتُ المُوافِقُ لِلْحِكْمَةِ.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ 149﴾ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أحْسَنَ الجَزاءِ فَهو وعِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ ( يَعْمَلُونَ ) عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وهُما اعْتِراضٌ لِلتَّأْكِيدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences