Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:150–154

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:150–154

2:150Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ إلَخْ أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ إلَخْ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ولَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجَتْ﴾ الدّاخِلِ تَحْتَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾؛ لِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ وهو وإنْ كانَ عِلَّةً لِـ ( ولُّوا ) لا لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: عَرَّفْناكم وجْهَ الصَّوابِ في قِبْلَتِكُمْ، والحُجَّةُ في ذَلِكَ كَما قِيلَ بِهِ: إلّا أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِـ ( ولِّ ) لِأنَّ انْقِطاعَ الحُجَّةِ بِالتَّوْلِيَةِ إذا حَصَلَ لِلْأُمَّةِ كانَ حُصُولُهُ بِها لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ الأوْلى، ولَوْ جَعَلَ الخِطابَ عامًّا لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأُمَّةِ، ولَمْ يَلْتَزِمْ تَخْصِيصَهُ بِالأُمَّةِ عَلى حَدِّ خِطاباتِ الآيَةِ كانَ عِلَّةً لَهُما، وإنَّما كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ( إلّا لِنَعْلَم ) إلَخْ إضافِيٌّ

صفحة 17

أوِ ادِّعائِيٌّ، فَإنَّهُ - تَعالى - ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ، تَعْظِيمُ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ أوَّلًا، وجَرى العادَةُ الإلَهِيَّةُ عَلى أنْ يُؤْتى كُلُّ أهْلِ مِلَّةٍ وِجْهَةً ( ثانِيًا) ودَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ، ( ثالِثًا ) فَإنَّ التَّوْلِيَةَ إلى الكَعْبَةِ تَدْفَعُ احْتِجاجَ اليَهُودِ بِأنَّ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ قِبْلَتُهُ الكَعْبَةُ لا الصَّخْرَةُ، وهَذا النَّبِيُّ يُصَلِّي إلى الصَّخْرَةِ، فَلا يَكُونُ النَّبِيُّ المَوْعُودَ، وبِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يُدْعى أنَّهُ صاحِبُ شَرِيعَةٍ، ويَتْبَعُ قِبْلَتَنا وبَيْنَهُما تَدافُعٌ؛ لِأنَّ عادَتَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ كُلِّ صاحِبِ شَرِيعَةٍ بِقِبْلَةٍ، وتَدْفَعُ احْتِجاجَ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ وتَرَكَ - سُبْحانَهُ - التَّعْمِيمَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ في المَرْتَبَةِ، الثّالِثَةُ: اكْتِفاءٌ بِالعُمُومِ المُسْتَفادِ مِنَ العِلَّةِ، وزادَ ( مِن حَيْثُ خَرَجَتْ ) دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مُخالَفَةِ حالِ السَّفَرِ لِحالِ الحَضَرِ بِأنْ يَكُونَ حالَ السَّفَرِ باقِيًا عَلى ما كانَ كَما في الصَّلاةِ؛ حَيْثُ زِيدَ في الحَضَرِ رَكْعَتانِ، أوْ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ التَّوَجُّهَيْنِ كَما في الصَّوْمِ.

وقَدْ يُقالُ: فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِ الحُكْمِ؛ لِأنَّهُ مِن مَظانِّ الطَّعْنِ، وكَثْرَةُ المُخالِفِينَ فِيهِ لِعَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ النَّسْخِ والبَداءِ، وقِيلَ: لا تَكْرارَ فَإنَّ الأحْوالَ ثَلاثَةٌ؛ كَوْنُهُ في المَسْجِدِ. وكَوْنُهُ في البَلَدِ خارِجَ المَسْجِدِ. وكَوْنُهُ خارِجَ البَلَدِ، فالأوَّلُ مَحْمُولٌ عَلى الأوَّلِ، والثّانِي عَلى الثّانِي، والثّالِثُ عَلى الثّالِثِ، ولا يَخْفى أنَّهُ مُجَرَّدُ تَشَهٍّ لا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ إخْراجٌ مِنَ النّاسِ، وهو بَدَلٌ عَلى المُخْتارِ، والمَعْنى عِنْدَ القائِلِينَ: بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ؛ لِئَلّا يَكُونَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالعِنادِ، فَإنَّ لَهم عَلَيْكم حُجَّةً، فَإنَّ اليَهُودَ مِنهم يَقُولُونَ ما تَحَوَّلُ إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا لِدِينِ قَوْمِهِ وحُبًّا لِبَلَدِهِ، والمُشْرِكِينَ مِنهم يَقُولُونَ بَدا لَهُ فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ آبائِهِ، ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، وتَسْمِيَةُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الباطِلَةِ حُجَّةً مَعَ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ البُرْهانِ المُثْبِتِ لِلْمَقْصُودِ لِكَوْنِها شَبِيهَةً بِها بِاعْتِبارِ أنَّهم يَسُوقُونَها مَساقَها، واعْتَرِضُ بِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ لَوْ تَناوَلَ هَذا لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ؛ لَأنَّ الحُجَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالحَقِيقَةِ، ولا مَحِيصَ سِوى أنْ يُرادَ بِالحُجَّةِ المُتَمَسَّكَ حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ شُبْهَتْهم عَنِ الحُجَّةِ، بَلْ ذَواتِهِمْ عَنِ النّاسِ إلّا أنَّهُ لَزِمَ تَسْمِيَةُ شُبْهَتِهِمْ حُجَّةً بِاعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ، فَلا حاجَةَ إلى تَناوُلِ الصَّدْرِ إيّاها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُرادَ المُعْتَرِضِ إنَّ الِاسْتِثْناءَ، وإنْ كانَ مِنَ النّاسِ إلّا أنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ ما نُفِيَ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ لِلْمُسْتَثْنى، بِناءً عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَإنْ كانَ الصَّدْرُ مُشْتَمِلًا عَلى ما أُثْبِتَ لِلْمُسْتَثْنى لَزِمَ الجَمْعُ، وإلّا لَمْ يَتَحَقَّقْ الِاسْتِثْناءُ بِمُقْتَضاهُ؛ إذِ الثّابِتُ لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ شَيْءٌ ولِلْمُسْتَثْنى شَيْءٌ آخَرُ، ولا مَحِيصَ لِلتَّفَصِّي عَنْ ذَلِكَ، إلّا أنْ يُرادَ بِالحُجَّةِ المُتَمَسَّكُ أوْ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ في الجُمْلَةِ، فَيَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ الِاسْتِثْناءُ بِمُقْتَضاهُ؛ لِأنَّ الشُّبْهَةَ حُجَّةٌ بِهَذا المَعْنى كالبُرْهانِ، ولا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ولَكَ أنْ تَحْمِلَ الحُجَّةَ عَلى الِاحْتِجاجِ والمُنازَعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ فَأمْرُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ واضِحٌ، إلّا أنَّ صَوْغَ الكَلامِ بَعِيدٌ عَنْ الِاسْتِعْمالِ عِنْدَ إرادَةِ هَذا المَعْنى، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ وإثْباتِهِ بِنَفْيِهِ، والمَعْنى إنْ يَكُنْ لَهم حُجَّةٌ فَهي الظُّلْمُ، والظُّلْمُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حُجَّةً، فَحُجَّتُهم غَيْرُ مُمْكِنَةٍ أصْلًا، فَهو إثْباتٌ بِطَرِيقِ البُرْهانِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ نَزِيلَهم يُلامُ بِنِسْيانِ الأحِبَّةِ والوَطَنْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ألا ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ، وهي حَرْفٌ يُسْتَفْتَحُ بِهِ الكَلامُ لِيُنَبِّهَ السّامِعَ إلى الإصْغاءِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ والفاءُ زائِدَةٌ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ

صفحة 18

مَعْنى الشَّرْطِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ نَصْبًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والمَشْهُورُ أنَّ ( الخَشْيَةَ ) مُرادِفَةٌ لِلْخَوْفِ؛ أيْ: فَلا تَخافُوا الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى النّاسِ وفِيهِ بُعْدٌ.

﴿واخْشَوْنِي﴾ أيْ: وخافُونِي، فَلا تُخالِفُوا أمْرِي، فَإنِّي القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى حُرْمَةِ التُّقْيَةِ الَّتِي يَقُولُ بِها الإمامِيَّةُ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ 150﴾ الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ حُجَّةٌ ولِأُتِمَّ إلَخْ، فَهو عِلَّةٌ لِمَذْكُورٍ؛ أيْ: أمَرْتُكم بِذَلِكَ لِأجْمَعَ لَكم خَيْرَ الدّارَيْنِ، أمّا دُنْيا فَلِظُهُورِ سُلْطانِكم عَلى المُخالِفِينَ، وأمّا عُقْبى فَلِإثابَتِكُمُ الثَّوابَ الأوْفى، ولا يَرِدُ الفَصْلُ بِالِاسْتِثْناءِ وما بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُ - كَلا فَصْلَ - إذْ هو مِن مُتَعَلَّقِ العِلَّةِ الأُولى، نَعَمِ اعْتُرِضَ بِبُعْدِ المُناسَبَةِ، وبِأنَّ إرادَةَ الِاهْتِداءَ المُشْعِرَ بِها التَّرَجِّي إنَّما تَصْلُحُ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالتَّوْلِيَةِ لا لِفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ كَما هو الظّاهِرُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فالظّاهِرُ مَعْنى جَعْلِهِ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: وأمَرْتُكم بِالتَّوْلِيَةِ والخَشْيَةِ لِإتْمامِ نِعْمَتِي عَلَيْكم وإرادَتِي اهْتِداءَكُمْ، والجُمْلَةُ المُعَلِّلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعَلَّلَةِ السّابِقَةِ، أوْ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ ﴿واخْشَوْنِي﴾ لِأحْفَظَكم ولِأُتِمَّ إلَخْ. ورَجَّحَ بَعْضُهم هَذا الوَجْهُ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرِدِ، والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: «تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ»، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قَدْ يُؤَوَّلُ الكَلامُ إلى مَعْنى ( فاعْبُدُوا ) وصَلُّوا مُتَّجِهِينَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ لِأُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ. والحَدِيثُ لا يَأْبى هَذا، بَلْ يُطابِقُهُ حَذْوَ القِذَةُ بِالقِذَةِ، فَكَوْنُهُ مُرَجِّحًا لِذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عِنْدَ قُرْبِ وفاتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ فَبَيَّنَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَكَيْفَ قالَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أُجِيبَ بِأنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ في كُلِّ وقْتٍ بِما يَلِيقُ بِهِ فَتَدَبَّرْ.

2:151Page 23

كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.

﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، فالكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في أمْرِ القِبْلَةِ أوْ في الآخِرَةِ، إتْمامًا مِثْلَ إرْسالِ الرَّسُولِ، وذِكْرُ الإرْسالِ وإرادَةُ الإتْمامِ مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ، وفِيكم مُتَعَلِّقٌ بِـ أرْسُلِنا وقُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ تَعْجِيلًا بِإدْخالِ السُّرُورِ، ولِما في صِفاتِهِ مِنَ الطَّوْلِ، وقِيلَ: مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ أيِ: اذْكُرُونِي ذِكْرًا مِثْلَ ذِكْرِي لَكم بِالإرْسالِ، أوِ اذْكُرُونِي بَدَلُ إرْسالِنا فِيكم رَسُولًا، فالكافُ لِلْمُقابَلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرُونِي، ومِنها يُسْتَفادُ التَّشْبِيهُ؛ لِأنَّ المُتَقابِلَيْنِ مُتَشابِهانِ ومُتَبادِلانِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ افْتِنانٌ وجَرَيانٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وإشارَةٌ إلى عَظَمَةِ نِعْمَةِ هَذا الإرْسالِ، وهَذا الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا﴾ صِفَةُ (رَسُولًا)، وفِيهِ إشارَةٌ إلى طَرِيقِ إثْباتِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ تِلاوَةَ الأُمِّيِّ الآياتِ الخارِجَةَ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ بِاعْتِبارِ بَلاغَتِها واشْتِمالِها عَلى الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والمَصالِحِ الَّتِي يَنْتَظِمُ بِها أمْرُ المَعادِ والمَعاشِ أقْوى دَلِيلٍ عَلى نُبُوَّتِهِ.

﴿ويُزَكِّيكُمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُكم مِنَ الشِّرْكِ، وهي صِفَةٌ أُخْرى لِلرَّسُولِ، وأتى بِها عَقِبَ التِّلاوَةِ؛ لِأنَّ التَّطْهِيرَ عَنْ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ إظْهارِ المُعْجِزَةِ لِمَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - تَوْفِيقَهُ.

﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ صِفَةٌ إثْرَ صِفَةٍ، وأُخِّرَتْ؛ لِأنَّ تَعْلِيمَ الكِتابِ وتَفْهِيمَ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ والأسْرارِ الرَّبّانِيَّةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ التَّخَلِّي عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ ونَجَسِ الشَّكِّ بِالاتْباعِ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فالكُفْرُ حِجابٌ، وقَدَّمَ التَّزْكِيَةَ عَلى التَّعْلِيمِ في هَذِهِ الآيَةِ وأخَّرَها عَنْهُ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ

صفحة 19

لِاخْتِلافِ المُرادِ بِها في المَوْضِعَيْنِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، وقِيلَ: التَّزْكِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وتَهْذِيبُها المُتَفَرِّعُ عَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلُ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ، إلّا أنَّها وُسِّطَتْ بَيْنَ التِّلاوَةِ والتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ كَوْنَ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً، وقِيلَ: قُدِّمَتِ التَّزْكِيَةُ تارَةً وأُخِّرَتْ أُخْرى؛ لِأنَّها عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِتَعْلِيمِ ( الكِتابِ والحِكْمَةِ )، وهي مُقَدَّمَةٌ في القَصْدِ والتَّصَوُّرِ مُؤَخَّرَةٌ في الوُجُودِ والعَمَلِ، فَقُدِّمَتْ وأُخِّرَتْ رِعايَةً لِكُلٍّ مِنهُما، واعْتُرِضَ بِأنَّ غايَةَ التَّعْلِيمِ صَيْرُورَتُهم أزْكِياءَ عَنِ الجَهْلِ لا تَزْكِيَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إيّاها المُفَسَّرَةَ بِالحَمْلِ عَلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إمّا بِتَعْلِيمِهِ إيّاهم أوْ بِأمْرِهِمْ بِالعَمَلِ بِهِ، فَهي إمّا نَفْسُ التَّعْلِيمِ أوْ أمْرٌ لا تَعْلُّقَ لَهُ بِهِ، وغايَةُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْلِيمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ زَوالُ الشَّكِّ وسائِرُ الرَّذائِلِ تَزْكِيَتُهُ إيّاهُمْ، فَهو بِاعْتِبارٍ غايَةٌ وبِاعْتِبارٍ مُغَيًّا – كالرَّمْيِ والقَتْلِ - في قَوْلِهِمْ: رَماهُ فَقَتَلَهُ فافْهَمُ ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ 151 مِمّا لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ سِوى الوَحْيِ وكانَ الظّاهِرُ وما لَمْ تَكُونُوا لِيَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، إلّا أنَّهُ تَعالى كَرَّرَ الفِعْلَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ مُشارِكٍ لِما قَبْلَهُ أصْلًا، فَهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ إرْسالِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، ولَوْلاهُ لَكانَ الخَلْقُ مُتَحَيِّرِينَ في أمْرِ دِينِهِمْ لا يَدْرُونَ ماذا يَصْنَعُونَ.

2:152Page 23

فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

﴿فاذْكُرُونِي﴾ بِالطّاعَةِ قَلْبًا وقالِبًا، فَيَعُمُّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ والقَلْبِ والجَوارِحِ، فالأوَّلُ - كَما في المُنْتَخَبِ - الحَمْدُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ وقِراءَةُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي: الفِكْرُ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّكالِيفِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وفي الصِّفاتِ الإلِهِيَّةِ والأسْرارِ الرَّبّانِيَّةِ.

والثّالِثُ: اسْتِغْراقُ الجَوارِحِ في الأعْمالِ المَأْمُورِ بِها خالِيَةً عَنِ الأعْمالِ المَنهِيِّ عَنْها ولِكَوْنِ الصَّلاةِ مُشْتَمِلَةً عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ، سَمّاها اللَّهُ – تَعالى - ذِكْرًا في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . وقالَ أهْلُ الحَقِيقَةِ: حَقِيقَةُ ذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - أنْ يُنْسى كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ.

﴿أذْكُرْكُمْ﴾ أيْ: أُجازِكم بِالثَّوابِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِلْمُشاكَلَةِ، ولِأنَّهُ نَتِيجَتُهُ ومَنشَؤُهُ، وفي الصَّحِيحَيْنِ: «”مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ“». ﴿واشْكُرُوا لِي﴾: ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وهو – واشْكُرُونِي - بِمَعْنى، و( لِي ) أفْصَحُ مَعَ الشُّكْرِ، وإنَّما قَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّ في الذِّكْرِ اشْتِغالا بِذاتِهِ – تَعالى - وفي الشُّكْرِ اشْتِغالا بِنِعْمَتِهِ، والِاشْتِغالُ بِذاتِهِ - تَعالى - أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِنِعْمَتِهِ.

﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ بِجَحْدِ نِعْمَتِي وعِصْيانِ أمْرِي، وأرْدَفَ الأمْرَ بِهَذا النَّهْيِ لِيُفِيدَ عُمُومَ الأزْمانِ، وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا لِتَناسُبِ الفَواصِلِ، وحُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ لِلْجازِمِ.

2:153Page 23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى الذِّكْرِ والشُّكْرِ وسائِرِ الطّاعاتِ مِنَ الصَّوْمِ والجِهادِ وتَرْكِ المُبالاةِ بِطَعْنِ المُعانِدِينَ في أمْرِ القِبْلَةِ.

﴿والصَّلاةِ﴾ الَّتِي هي الأصْلُ، والمُوجِبُ لِكَمالِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ – تَعالى - .

﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ 153 مَعِيَّةٌ خاصَّةٌ بِالعَوْنِ والنَّصْرِ، ولَمْ يَقُلْ مَعَ المُصَلِّينَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعَ الصّابِرِينَ كانَ مَعَ المُصَلِّينَ مِن بابِ أوْلى لِاشْتِمالِ الصَّلاةِ عَلى الصَّبْرِ.

2:154Page 24

وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤

And do not say about those who are killed in the way of Allāh, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

﴿ولا تَقُولُوا﴾: عَطْفٌ عَلى ﴿واسْتَعِينُوا﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِبَيانِ

صفحة 20

أنَّهُ لا غائِلَةَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وإنَّ الشَّهادَةَ الَّتِي رُبَّما يُؤَدِّي إلَيْها الصَّبْرُ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ.

﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في طاعَتِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وهُمُ الشُّهَداءُ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّبْلِيغِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُبَلِّغُوا الشُّهَداءَ قَوْلَهم: ﴿أمْواتٌ﴾ أيْ هُمْ: أمْواتٌ.

﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ: بَلْ هم أحْياءٌ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى لا تَقُولُوا إضْرابٌ عَنْهُ، ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ؛ لِيَكُونَ في حَيِّزِ القَوْلِ، ويَصِيرُ المَعْنى بَلْ ( قُولُوا أحْياءً )؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ الحَياةِ لَهم لا أمْرُهم بِأنْ يَقُولُوا في شَأْنِهِمْ أنَّهم أحْياءٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا صَحِيحًا.

﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا تُحِسُّونَ ولا تُدْرِكُونَ ما حالُهم بِالمَشاعِرِ؛ لِأنَّها مِن أحْوالِ البَرْزَخِ الَّتِي لا يُطَّلَعُ عَلَيْها، ولا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِها إلّا بِالوَحْيِ، واخْتُلِفَ في هَذِهِ الحَياةِ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّها حَقِيقِيَّةٌ بِالرُّوحِ والجَسَدِ، ولَكِنّا لا نُدْرِكُها في هَذِهِ النَّشْأةِ، واسْتَدَلُّوا بِسِياقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وبِأنَّ الحَياةَ الرُّوحانِيَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِالجَسَدِ لَيْسَتْ مِن خَواصِّهِمْ، فَلا يَكُونُ لَهُمُ امْتِيازٌ بِذَلِكَ عَلى مَن عَداهُمْ، وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّها رُوحانِيَّةٌ، وكَوْنُهم يُرْزَقُونَ لا يُنافِي ذَلِكَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى أرْواحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ، فَوُصُولُ هَذا الرُّوحِ إلى الرُّوحِ هو الرِّزْقُ والِامْتِيازُ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الحَياةِ، بَلْ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْها مِنَ اخْتِصاصِهِمْ بِمَزِيدِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ومَزِيدُ البَهْجَةِ والكَرامَةِ. وذَهَبَ البَلْخِيُّ إلى نَفْيِ الحَياةِ بِالفِعْلِ عَنْهم مُطْلَقًا، وأخْرَجَ الجُمْلَةَ الاسْمِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُسْتَوْعِبِ لِلْأزْمِنَةِ مِن وقْتِ القَتْلِ إلى ما لا آخِرَ لَهُ عَنْ ظاهِرِها. وقالَ: مَعْنى ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ إنَّهم يَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجْزَوْنَ أحْسَنَ الجَزاءِ، فالآيَةُ عَلى حَدِّ ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وفائِدَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ؛ حَيْثُ قالُوا: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم ويَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيا بِلا فائِدَةٍ ويُضَيِّعُونَ أعْمارَهُمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ، بَلْ يَحْيَوْنَ ويَخْرُجُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى إثْباتِ الحَياةِ الحُكَمِيَّةِ لَهم بِما نالُوا مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ والثَّناءِ الجَلِيلِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - هَلَكَ خُزّانُ الأمْوالِ والعُلَماءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ أعْيانُهم مَفْقُودَةٌ وآثارُهم في القُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، وحُكِيَ عَنِ الأصَمِّ أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ والحَياةِ الضَّلالُ والهُدى؛ أيْ: لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ في الدِّينِ ضالُّونَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، بَلْ هم أحْياءٌ بِالطّاعَةِ قائِمُونَ بِأعْبائِها، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ - ما عَدا الأوَّلَيْنِ - في غايَةِ الضَّعْفِ، بَلْ نِهايَةِ البَطَلانِ، والمَشْهُورُ تَرْجِيحُ القَوْلِ الأوَّلِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وواصِلِ بْنِ عَطاءٍ والجِبّائِيِّ والرُّمّانِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَسَدِ، فَقِيلَ: هو هَذا الجَسَدُ الَّذِي هُدِمَتْ بِنْيَتُهُ بِالقَتْلِ، ولا يَعْجَزُ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُحِلَّ بِهِ حَياةً تَكُونُ سَبَبَ الحِسِّ والإدْراكِ، وإنْ كُنّا نَراهُ رِمَّةً مَطْرُوحَةً عَلى الأرْضِ، لا يَتَصَرَّفُ ولا يُرى فِيهِ شَيْءٌ مِن عَلاماتِ الأحْياءِ، فَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّ المُؤْمِنَ يُفْسَحُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، ويُقالُ لَهُ: نَمْ نَوْمَةَ العَرُوسِ» مَعَ أنّا لا نُشاهِدُ ذَلِكَ؛ إذِ البَرْزَخُ بَرْزَخٌ آخَرُ بِمَعْزِلٍ عَنْ أذْهانِنا وإدْراكِ قُوانا، وقِيلَ: جَسَدٌ آخَرُ عَلى صُورَةِ الطَّيْرِ تَتَعَلَّقُ الرُّوحُ فِيهِ، واسْتُدِلَّ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ مُعَلَّقَةٌ في قَنادِيلِ الجَنَّةِ حَتّى يُرْجِعَها اللَّهُ - تَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ» ”ولا يُعارِضُ هَذا ما أخْرَجَهُ مالِكٌ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“إنَّ

صفحة 21

أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ - أوْ شَجَرِ الجَنَّةِ –» ”. ولا ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «“إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في أنْهارِ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ”؛» لِأنَّ كَوْنَها في الأجْوافِ أوْ في الحَواصِلِ يُجامِعُ كَوْنَها في تِلْكَ الصُّوَرِ؛ إذِ الرّائِي لا يَرى سِواها، وقِيلَ: جَسَدٌ آخَرُ عَلى صُوَرِ أبْدانِهِمْ في الدُّنْيا بِحَيْثُ لَوْ رَأى الرّائِي أحَدَهم لَقالَ: رَأيْتُ فُلانًا - وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ - واسْتَدَلُّوا بِما أخْرَجَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُسْنَدًا إلى يُونُسَ بْنِ ظَبْيانَ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جالِسًا، فَقالَ: ما تَقُولُ النّاسُ في أرْواحِ المُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ: في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ في قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ، فَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: سُبْحانَ اللَّهِ ! المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - مِن أنْ يَجْعَلَ رُوحَهُ في حَوْصَلَةِ طائِرٍ أخْضَرَ يُؤْنِسُ المُؤْمِنَ إذا قَبَضَهُ اللَّهُ - تَعالى - صَيَّرَ رُوحَهُ في قالَبٍ كَقالَبِهِ في الدُّنْيا، فَيَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، فَإذا قَدَمَ عَلَيْهِمُ القادِمُ عَرَفُوهُ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ إذا كانَ المُرادُ - بِالمُؤْمِنِينَ - الشُّهَداءَ ظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ بِهِمْ سائِرَ مَن آمَنَ، فَيُعْلَمُ مِنهُ حالُ الشُّهَداءِ، وأنَّ أرْواحَهم لَيْسَتْ في الحَواصِلِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وعِنْدِي أنَّ الحَياةَ في البَرْزَخِ ثابِتَةً لِكُلِّ مَن يَمُوتُ مِن شَهِيدٍ وغَيْرِهِ، وأنَّ الأرْواحَ - وإنْ كانَتْ جَواهِرَ قائِمَةً بِأنْفُسِها - مُغايِرَةً لِما يُحِسُّ بِهِ مِنَ البَدَنِ، لَكِنْ لا مانِعَ مِن تَعَلُّقِها بِبَدَنٍ بَرْزَخِيٍّ مُغايِرٍ لِهَذا البَدَنِ الكَثِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّناسُخِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الضَّلالِ، وإنَّما يَكُونُ مِنهُ لَوْ لَمْ تَعُدْ إلى جِسْمِ نَفْسِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ - والعَوْدُ حاصِلٌ في النَّشْأةِ الجِنانِيَّةِ - بَلْ لَوْ قُلْنا بِعَدَمِ عَوْدِها إلَيْهِ والتَزَمْنا العَوْدَ إلى جِسْمٍ مُشابِهٍ لَما كانَ في الدُّنْيا مُشْتَمِلٌ عَلى الأجْزاءِ النُّطْقِيَّةِ الأصْلِيَّةِ أوْ غَيْرِ مُشْتَمِلٍ، لا يَلْزَمُ ذَلِكَ التَّناسُخُ أيْضًا؛ لِأنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهٍ نَفَوْا بِهِ الحَشْرَ والمَعادَ، وأثْبَتُوا فِيهِ سَرْمَدِيَّةَ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وأنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ يَثْبُتُ لَها هَذا التَّعَلُّقُ عَلى وجْهٍ يَمْتازُونَ بِهِ عَمَّنْ عَداهم إمّا في أصْلِ التَّعَلُّقِ أوْ في نَفْسِ الحَياةِ بِناءً عَلى أنَّها مِنَ المُشَكِّكِ لا المُتَواطِئِ، أوْ في نَفْسِ المُتَعَلِّقِ بِهِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ مِنَ البَهْجَةِ والسُّرُورِ والنَّعِيمِ اللّائِقِ بِهِمْ، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ لِهاتِيكَ الأبْدانِ شَبَهًا تامًّا صُورِيًّا بِهَذِهِ الأبْدانِ، وأنَّ المَوادَّ مُخْتَلِفَةٌ والأجْزاءَ مُتَفاوِتَةٌ؛ إذْ فَرْقٌ بَيْنَ العالَمَيْنِ - وشَتّانٌ ما بَيْنَ البَرْزَخَيْنِ - ويُمْكِنُ حَمْلُ أحادِيثَ الطَّيْرِ عَلى تَشْبِيهِ هَذِهِ الأبْدانِ الغَضَّةِ الطَّرِيَّةِ بِسُرْعَةِ حَرَكَتِها وذَهابِها حَيْثُ شاءَتْ بِالطَّيْرِ الخُضْرِ، وتُحْمَلُ الصُّورَةُ عَلى الصِّفَةِ كَما حُمِلَتْ عَلى ذَلِكَ في حَدِيثِ: «“خُلِقَ آدَمُ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» واسْتِبْعادُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ما تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلى ما يَفْهَمُهُ العامَّةُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ، ولِمَزِيدِ الإيضاحِ اللّائِقِ بِعَوامِّ وقْتِهِ عَدَلَ عَنْهُ إلى عِبارَةٍ لا يَتَراءى مِنها شائِبَةُ اسْتِبْعادِ كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحَدِيثِ، حَتّى أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ لِذَلِكَ حَمَلُوا ( في ) فِيهِ عَلى (عَلى) وهو إمّا تَجاهُلٌ أوْ جَهْلٌ بِأنَّ صِغَرَ المُتَعَلِّقِ أوْ ضِيقَهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَضُرُّ الرُّوحَ شَيْئًا، ولا يُنافِي نَعِيمَها، أوْ ظَنَّ بِأنَّ لِتِلْكَ الصُّورَةِ رُوحًا غَيْرَ رُوحِ – الشَّهِيدِ - فَلا يُمْكِنُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِها رُوحانِ، والأمْرُ عَلى خِلافِ ما يَظُنُّونَ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ بِتَمَثُّلِ الرُّوحِ نَفْسِها صُورَةً؛ لِأنَّ الأرْواحَ في غايَةِ اللَّطافَةِ، وفِيها قُوَّةُ التَّجَسُّدِ كَما يَشْعُرُ بِهِ ظُهُورُ الرُّوحِ الأمِينِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - . وأمّا القَوْلُ بِحَياةِ هَذا الجَسَدِ الرَّمِيمِ مَعَ هَدْمِ بِنْيَتِهِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ وذَهابِ هَيْئَتِهِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعِيدًا عَنْ قُدْرَةِ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ - لَكِنْ لَيْسَ إلَيْهِ كَثِيرُ حاجَةٍ، ولا فِيهِ مَزِيدُ فَضْلٍ، ولا عَظِيمُ مِنَّةٍ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ سِوى إيقاعِ ضَعْفَةِ المُؤْمِنِينَ بِالشُّكُوكِ والأوْهامِ وتَكْلِيفِهِمْ مِن غَيْرِ حاجَةٍ بِالإيمانِ بِما يُعِدُّونَ قائِلَهُ مِن سَفَهَةِ الأحْلامِ، وما يُحْكى مِن

صفحة 22

مُشاهَدَةِ بَعْضِ الشُّهَداءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مُنْذُ مِئاتِ سِنِينَ، وأنَّهم إلى اليَوْمِ تَشْخَبُ جُرُوحُهم دَمًا إذا رُفِعَتِ العُصابَةِ عَنْها؛ فَلِذَلِكَ مِمّا رَواهُ هَيّانُ بْنُ بَيّانٍ، وما هو إلّا حَدِيثُ خُرافَةٍ، وكَلامٌ يَشْهَدُ عَلى مُصَدِّقِيهِ تَقْدِيمَ السَّخافَةِ.

هَذا ثُمَّ إنَّ نَهْيَ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا في شَأْنِ الشُّهَداءِ أمْواتٌ، إمّا أنْ يَكُونَ دَفْعًا لِإيهامِ مُساواتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ البَرْزَخِ - وتِلْكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهم وإنْ شارَكَهم في النَّعِيمِ - بَلْ وزادَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ عِبادِ اللَّهِ - تَعالى - المُقَرَّبِينَ مِمَّنْ يُقالُ في حَقِّهِمْ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صِيانَةً لَهم عَنِ النُّطْقِ بِكَلِمَةٍ قالَها أعْداءُ الدِّينِ والمُنافِقُونَ في شَأْنِ أُولَئِكَ الكِرامِ قاصِدِينَ بِها أنَّهم حُرِمُوا مِنَ النَّعِيمِ ولَمْ يَرَوْهُ أبَدًا، ولَيْسَ في الآيَةِ نَهْيٌ عَنْ نِسْبَةِ المَوْتِ إلَيْهِمْ بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ إنَّهم ما ذاقُوا أصْلًا ولا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وإلّا لَقالَ تَعالى: ولا تَقُولُوا لِمَن يَقْتُلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ماتُوا، فَحَيْثُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما تَرى عُلِمَ أنَّهُمُ امْتازُوا بَعْدَ أنْ قُتِلُوا بِحَياةٍ لائِقَةٍ بِهِمْ مانِعَةٍ عَنْ أنْ يُقالَ في شَأْنِهِمْ: أمْوات وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنْ – قُتِلُوا - المُعَبَّرُ عَنْهُ في آلِ عِمْرانَ إلى ( يُقْتَلُ ) رَوْمًا لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، وتَأْكِيدُ الفِعْلِ في تِلْكَ السُّورَةِ يَقُومُ مَقامَ هَذا العُدُولِ هُنا كَما قَرَّرَهُ بَعْضُ أحْبابِنا مِنَ الفُضَلاءِ المُعاصِرِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ - كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في شُهَداءِ بَدْرٍ، وكانُوا عِدَّةَ لَيالِيهِ ثَمانِيَةً مِنَ الأنْصارِ وسِتَّةً مِنَ المُهاجِرِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ -

.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском