Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:15–16

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:15–16

2:15Page 3

ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥

[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ حَمَلَ أهْلُ الحَدِيثِ وطائِفَةٌ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ الِاسْتِهْزاءَ مِنهُ تَعالى عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُسْتَهْزِئُ مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقالُوا: إنَّهُ التَّحْقِيرُ عَلى وجْهٍ مِن شَأْنِهِ أنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ يَتَعَجَّبُ مِنهُ، ويَضْحَكُ، ولا اسْتِحالَةَ في وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ، ومَنَعَهُ مِن قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وذَهَبَ أكْثَرُ النّاسِ إلى أنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ جَلَّ وعَلا حَقِيقَةً، لِما فِيهِ مِن تَقْرِيرِ المُسْتَهْزَإ بِهِ عَلى الجَهْلِ الَّذِي فِيهِ، ومُقْتَضى الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ أنْ يُرِيَهُ الصَّوابَ، فَإنْ كانَ عِنْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ، فَهو لَعِبٌ لا يَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ تَعالى، فالآيَةُ عَلى هَذا مُؤَوَّلَةٌ إمّا بِأنْ يُرادَ بِالِاسْتِهْزاءِ جَزاؤُهُ لِما بَيْنَ الفِعْلِ وجَزائِهِ مِن مُشابَهَةٍ في القَدْرِ، ومُلابَسَةٍ قَوِيَّةٍ، ونَوْعِ سَبَبِيَّةٍ مَعَ وُجُودِ المُشاكَلَةِ المُحَسِّنَةِ ها هُنا، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ، وإمّا بِأنْ يُرادَ بِهِ إنْزالُ الحَقارَةِ والهَوانِ فَهو مَجازٌ عَمّا هو بِمَنزِلَةِ الغايَةِ لَهُ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ نَظَرًا إلى التَّصَوُّرِ، وبِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الوُجُودِ، وإمّا بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهَ تَعالى وتَقَدَّسَ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وإثْباتُ الِاسْتِهْزاءِ لَهُ تَخْيِيلًا، ورُبَّ شَيْءٍ يَصِحُّ تَبَعًا، ولا يَصِحُّ قَصْدًا، ولَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُطْلِقَ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ ما يَشاءُ تَفْهِيمًا لِلْعِبادِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ جارِيَةٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، والمُرادُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ: أمّا في الدُّنْيا بِإجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ، واسْتِدْراجِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وأمّا في الآخِرَةِ بِأنْ يَفْتَحَ لِأحَدِهِمْ بابًا إلى الجَنَّةِ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وغَمِّهِ، فَإذا جاءَ أُغْلِقَ دُونَهُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ آخَرُ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وغَمِّهِ فَإذا أتاهُ أُغْلِقَ دُونَهُ، فَما يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى أنَّ الرَّجُلَ لِيُفْتَحُ لَهُ بابٌ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَما يَأْتِيهِ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ جَيِّدِ الإسْنادِ في

صفحة 159

المُسْتَهْزِئِينَ بِالنّاسِ، وأسْنَدَ سُبْحانَهُ الِاسْتِهْزاءَ إلَيْهِ مُصَدِّرًا الجُمْلَةَ بِذِكْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالمُنافِقِينَ هو الِاسْتِهْزاءُ الأبْلَغُ الَّذِي لا اعْتِدادَ مَعَهُ بِاسْتِهْزائِهِمْ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ يَضْمَحِلُّ عِلْمُهم وقُدْرَتُهم في جانِبِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى كَفى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ، وانْتَقَمَ لَهُمْ، وما أحْوَجَهم إلى مُعارَضَةِ المُنافِقِينَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، لِأنَّهم ما اسْتُهْزِئَ بِهِمْ إلّا فِيهِ، ولا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَرَكَ العَطْفَ لِأنَّهُ الأصْلُ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ ما يَصِحُّ عَطْفُ هَذا القَوْلِ عَلَيْهِ، إلّا بِتَكَلُّفٍ وبُعْدٍ، وقِيلَ: لِيَكُونَ إيرادُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنْ مُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم في مُقابَلَةِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقَوُلُهم ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ ما حُكِيَ مِنَ الشَّناعَةِ بِحَيْثُ يَقْتَضِي ظُهُورَ غَيْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَسْألُ كُلُّ واحِدٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ انْتِقامِهِ مِنهُمْ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لِوُرُودِ هَذا القَوْلِ بِالعَطْفِ، ولَوْ عَلى مَحْذُوفٍ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ - كَهم مُسْتَهْزِءُونَ – بِالمُؤْمِنِينَ لَأفادَ أنَّ ذَلِكَ في مُقابَلَةِ اسْتِهْزائِهِمْ، فَلا يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ مُطْلَقًا، وأنَّهُ تَوَلّى مُجازاتَهم مُطْلَقًا، بَلْ يُوهِمُ تَخْصِيصَ التَّوَلِّي بِهَذِهِ المُجازَةِ، وأيْضًا لِكَوْنِ اسْتِهْزاءِ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ إلى حَيْثُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُما، يَكُونُ العَطْفُ كَعَطْفِ أمْرَيْنِ غَيْرِ مُتَناسِبَيْنِ، وبَعْضُهم رَتَّبَ الفائِدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْناهُما في الإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى عَلى الِاسْتِئْنافِ مُدَّعِيًا أنَّهُ لَوْ عُطِفَ ولَوْ بِحَسَبِ التَّوَهُّمِ عَلى مُقَدَّرٍ بِأنْ يُقالَ: المُؤْمِنُونَ مُسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ، واللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لَفاتَتِ الفائِدَتانِ، هَذا ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ، وأبْعَدُ عَنْ مَظانِّ الِاسْتِشْكالِ، فَتَدَبَّرْ، وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنِ: اللَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمُ، المُطابِقِ لِقَوْلِهِمْ: إلى قَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، لِإفادَتِهِ التَّجَدُّدَ الِاسْتِمْرارِيَّ، وهو أبْلَغُ مِنِ الِاسْتِمْرارِ الثُّبُوتِيِّ الَّذِي تُفِيدُهُ الِاسْمِيَّةُ لِأنَّ البَلاءَ إذا اسْتَمَرَّ قَدْ يَهُونُ، وتَأْلَفُهُ النَّفْسُ كَما قِيلَ:

خُلِقْتُ ألُوفًا لَوْ رَجَعَتْ إلى الصِّبا لَفارَقُتُ شَيْبِي مُوجَعَ القَلْبِ باكِيا

وقَدْ كانَتْ نِكاياتُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ونُزُولُ الآياتِ في شَأْنِهِمْ أمْرًا مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا، ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ وهَذا نَوْعٌ مِنَ العَذابِ الأدْنى، ولِعَذاب الآخِرَة أُشْدُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وصَرَّحَ بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ هُنا لِيَكُونَ الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ نَصًّا، وإنَّما تَرَكَهُ المُنافِقُونَ فِيما حُكِيَ عَنْهم خَوْفًا مِن وُصُولِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَأبْقَوُا اللَّفْظَ مُحْتَمِلًا لِيَكُونَ لَهم مَجالٌ في الذَّبِّ، إذا حَوْقَقُوا، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَتُهُ هي العُلْيا ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ كالبَيانِ لَهُ عَلى رَأْيٍ، والمَدُّ مِن مَدَّ الجَيْشَ وأمَدَّهُ بِمَعْنًى أيْ ألْحَقَ بِهِ ما يُقَوِّيهِ ويُكَثِّرُهُ، وقِيلَ: مَدَّ زادَ مِنَ الجِنْسِ، وأمَدَّ زادَ مِن غَيْرِ الجِنْسِ، وقِيلَ: مَدَّ في الشَّرِّ وأمَدَّ في الخَيْرِ، عَكْسُ وعَدَ وأوْعَدَ، وإذا اسْتُعْمِلَ أمَدَّ في الشَّرِّ فَلَعَلَّهُ مِن بابِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وقَدْ ورَدَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ المادَّةِ بِمَعْنَيَيْنِ أحَدُهُما ما ذَكَرْنا، وثانِيهُما الإمْهالُ ومِنهُ مَدُّ العُمْرِ، والواقِعُ هُنا مِنَ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، لِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ (يُمِدُّهُمْ) بِالضَّمِّ مِنَ المَزِيدِ، وهو لَمْ يُسْمَعْ في الثّانِي، والثّانِي أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، والآخَرُ مُتَعَدٍّ بِاللّامِ، والحَذْفُ والإيصالُ خِلافُ الأصْلِ، فَلا يُرْتَكَبُ بِغَيْرِ داعٍ، فَمَعْنى يَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَزِيدُهُمْ، ويُقَوِّيهِمْ فِيهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ، والحَقُّ أنَّ الإمْهالَ هُنا مُحْتَمَلٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وابْنُ كَيْسانَ، والوَجْهانِ مَخْدُوشانِ، فَقَدْ ورَدَ عِنْدَ مَن يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ كُلٌّ مِنهُما ثُلاثِيًّا، ومَزِيدًا، ومُعَدًّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ، وكِلاهُما مِن أصْلٍ واحِدٍ، ومَعْناهُما يَرْجِعُ إلى الزِّيادَةِ، كَمًّا أوْ كَيْفًا، وفي الصِّحاحِ مَدَّ اللَّهُ في عُمْرِهِ ومَدَّهُ في غَيِّهِ أمْهَلَهُ، وطَوَّلَ لَهُ

صفحة 160

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ مَدَّ اللَّهِ تَعالى في طُغْيانِهِمُ التَّمْكِينُ مِنَ العِصْيانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الإمْلاءُ، ونِسْبَةُ المَدِّ إلى اللَّهِ تَعالى بِأيِّ مَعْنًى كانَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ حَقِيقَةٌ إذْ هو سُبْحانَهُ وتَعالى المُوجِدُ لِلْأشْياءِ، المُنْفَرِدُ بِاخْتِراعِها عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ ورَفَعَتْ لَهُ أكُفَّها الِاسْتِعْداداتُ، ونِسْبَتُهُ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ نِسْبَةُ التَّوَفِّي إلى المَلَكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ أنَّ الزِّيادَةَ في الطُّغْيانِ والتَّقْوِيَةِ فِيهِ مِمّا يَسْتَحِيلُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى مَحامِلَ أُخَرَ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يُوهِنُ مَذْهَبَهُمْ، فَلْنَطْوِهِ هُنا عَلى ما فِيهِ، والطُّغْيانُ بِضَمِّ الطّاءِ عَلى المَشْهُورِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ فِيهِ، وقَدْ سُمِعا في مَصْدَرِ اللِّقاءِ، وقَدْ أمالَهُ الكِسائِيُّ، وأصْلُهُ تَجاوُزُ المَكانِ الَّذِي وقَفْتَ فِيهِ، ومَن أخَلَّ بِما عُيِّنَ مِنَ المَواقِفِ الشَّرْعِيَّةِ والمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ فَلَمْ يَرْعَها فَقَدْ طَغى، ومِنهُ طَغى الماءُ أيْ تَجاوَزَ الحَدَّ المَعْرُوفَ فِيهِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ فِعْلُهُمُ الصّادِرُ مِنهم بِقُدَرِهِمُ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فالِاخْتِصاصُ المُشْعِرَةُ بِهِ الإضافَةُ إنَّما هو بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّيَّةِ، والِاتِّصافِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ لا حاجَةَ فِيهِ إلى الإضافَةِ، ولا بِاعْتِبارِ الإيجادِ اسْتِقْلالًا مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى إذْنِ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ، فَإنَّهُ اعْتِبارٌ عَلَيْهِ غُبارٌ بَلْ غُبارٌ لَيْسَ لَهُ اعْتِبارٌ، فَلا تَهُولَنَّكَ جَعْجَعَةُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وقَعْقَعَتُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصاصُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ طُغْيانَ غَيْرِهِمْ في جَنْبِهِمْ، كَلا شَيْءٍ لِادِّعاءِ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ، ولَيْسَ بِالمُنْحَرِفِ عَنْ سُنَنِ البَلاغَةِ، (والعَمَهُ) التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ، ويُسْتَعْمَلُ في الرَّأْيِ خاصَّةً، والعَمى فِيهِ وفي البَصَرِ، فَبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ في الِاسْتِعْمالِ، وإنَّ تَغايَرا في أصْلِ الوَضْعِ، واخْتَصَّ العَمى بِالبَصَرِ عَلى ما قِيلَ، وأصْلُهُ الأصِيلُ عَدَمُ الإماراتِ في الطَّرِيقِ الَّتِي تُنْصَبُ لِتَدُلَّ مِن حِجارَةٍ وتُرابٍ ونَحْوِهِما، وهي المَنارُ، ويُقالُ: عَمِهَ يَعْمَهُ كَتَعِبَ يَتْعَبُ عَمَهًا وعَمَهانًا، فَهو عَمِهٌ وعامِهٌ وعَمْهاءُ، فَمَعْنى يَعْمَهُونَ عَلى هَذا يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: العَمَةُ العَمى عَنِ الرُّشْدِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يَكُبَّ رَأْسَهُ فَلا يُبْصِرُ ما يَأْتِي، فالمَعْنى يَعْمُونَ عَنْ رُشْدِهِمْ أوْ يَكُبُّونَ رُؤُوسَهم فَلا يُبْصِرُونَ، وكَأنَّ هَذا أقْرَبَ إلى الصَّوابِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَكُونُوا مُتَرَدِّدِينَ في الكُفْرِ بَلْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، مُعْتَقِدِينَ أنَّهُ الحَقُّ، وما سِواهُ باطِلٌ، إلّا أنْ يُقالَ: التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ في أمْرٍ آخَرَ، لا في الكُفْرِ، وجُمْلَةُ يَعْمَهُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَمُدُّهُمْ، وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ في طُغْيانِهِمْ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وفي طُغْيانِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَمُدُّهُمْ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَعْمَهُونَ، وجازَ عَلى خِلافِ كَوْنٍ في طُغْيانِهِمْ ويَعْمَهُونَ حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَمُدُّهُمْ،

2:16Page 3

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمُ الجامِعِينَ لِلْأوْصافِ الذَّمِيمَةِ مِن دَعْوى الصَّلاحِ، وهُمُ المُفْسِدُونَ، ونِسْبَةِ السَّفَهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهُمُ السُّفَهاءُ، والِاسْتِهْزاءِ وهُمُ المُسْتَهْزَأُ بِهِمْ، ولِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ وسُوءِ الحالِ أشارَ إلَيْهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ، والكَلامُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ فَإنَّ السّامِعَ بَعْدَ سَماعِ ذِكْرِهِمْ وإجْراءِ تِلْكَ الأوْصافِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ يَسْألُ: مِن أيْنَ دَخَلَ عَلى هَؤُلاءِ هَذِهِ الهَيْئاتُ؟ فَيُجابُ بِأنَّ أُولَئِكَ المُسْتَبْعَدِينَ إنَّما جَسَرُوا عَلَيْها، لِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى حَتّى خَسِرَتْ صَفْقَتُهُمْ، وفَقَدُوا الِاهْتِداءَ لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، ووَقَعُوا في تِيهِ الحَيْرَةِ والضَّلالِ، وقِيلَ: هو فَذْلَكَةٌ وإجْمالٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن حَقِيقَةِ حالِهِمْ، أوْ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الِاسْتِهْزاءَ الأبْلَغَ، والمَدَّ في الطُّغْيانِ، أوْ مُقَرِّرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وفِيهِ حَصْرُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، لِكَوْنِ تَعْرِيفِ المَوْصُولِ لِلْجِنْسِ بِمَنزِلَةِ تَعْرِيفِ اللّامِ الجِنْسِيِّ، وهو ادِّعائِيٌّ بِاعْتِبارِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ الِاشْتِراءِ

صفحة 161

وإنْ كانَ الكُفّارُ الآخَرُونَ مُشارِكِينَ لَهم في ذَلِكَ لِجَمْعِهِمْ هاتِيكَ المَساوِيَ الشَّنِيعَةَ والخِلالَ الفَظِيعَةَ، فَبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ صَحَّ تَخْصِيصُهم بِذَلِكَ، والضَّلالَةُ الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ، والهُدى التَّوَجُّهُ إلَيْهِ، ويُطْلَقانِ عَلى العُدُولِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ، والِاشْتِراءُ كالشِّراءِ اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ، أيْ أخْذُها بِهِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ مِنَ الأضْدادِ، لِأنَّ المُتَبايِعَيْنِ تَبايَعا الثَّمَنَ والمُثَمَّنَ، فَكُلٌّ مِنَ العِوَضَيْنِ مُشْتَرًى مِن جانِبٍ مَبِيعٌ مِن جانِبٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى أخْذِ شَيْءٍ بِإعْطاءِ ما في يَدِهِ عَيْنًا كانَ كُلٌّ مِنهُما، أوْ مَعْنًى، وهَذا يَسْتَدْعِي بِظاهِرِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي مَجْرى الثَّمَنِ وهو الهُدى حاصِلًا لِهَؤُلاءِ قَبْلُ، ولا رَيْبَ أنَّهم بِمَعْزِلِ عَنْهُ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ الِاشْتِراءَ مَجازٌ عَنِ الأخْيارِ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لِلشَّيْءِ مُخْتارٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، ولِكَوْنِ الِاسْتِبْدالِ مَلْحُوظًا جِيءَ بِالباءِ عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ التَّوافُقَ مَعْنًى لا يَقْتَضِي التَّوافُقَ مُتَعَلِّقًا، ولا يَرُدُّ عَلى هَذا الحَمْلِ كَوْنُهُ مُخِلًّا بِالتَّرْشِيحِ الآتِي كَما زَعَمَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، لِأنَّ التَّرْشِيحَ المَذْكُورَ يَكْفِي لَهُ وُجُودُ لَفْظِ الِاشْتِراءِ، وإنْ كانَ المَعْنى المَقْصُودُ غَيْرَ مُرَشَّحٍ كَما هو العادَةُ في أمْثالِهِ، أوْ يُقالُ: لَيْسَ المُرادُ بِما في حَيِّزِ الثَّمَنِ نَفْسَ الهُدى، بَلْ هو التَّمَكُّنُ التّامُّ مِنهُ، بِتَعاضُدِ الأسْبابِ، وبِأخْذِ المُقَدِّماتِ المُسْتَتْبِعَةِ لَهُ، بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى بِجامِعِ المُشارَكَةِ في اسْتِتْباعِ الجَدْوى، ولا مِرْيَةَ في أنَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، والإرْشادِ العَظِيمِ والنُّصْحِ والتَّعْلِيمِ، لَكِنَّهم نَبَذُوا ذَلِكَ، فَوَقَعُوا في مَهاوِي المَهالِكِ، أوْ يُقالُ: المُرادُ بِالهُدى الهُدى الجِبِلِّيُّ، وقَدْ كانَ حاصِلًا لَهم حَقِيقَةً، فَإنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، وقَوْلُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: إنَّ حَمْلَ الهُدى عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الحاصِلَةِ لِكُلِّ أحَدٍ يَأْباهُ أنَّ إضاعَتَها غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَؤُلاءِ، ولَئِنْ حُمِلَتْ عَلى الإضاعَةِ التّامَّةِ الواصِلَةِ إلى حَدِّ الخَتْمِ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ، فَلَيْسَ في إضاعَتِها فَقَطْ مِنَ الشَّناعَةِ ما في إضاعَتِها مَعَ ما يُؤَيِّدُها مِنَ المُؤَيِّداتِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى كَوْنِ ما فَصَلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا ضائِعًا، كَلامٌ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مَعْنى الإشارَةِ، فَإنَّها تَقْتَضِي مُلاحَظَتَهم بِجَمِيعِ ما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ، والمَعْنى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالنِّفاقِ المَذْكُورِ هُمُ الَّذِينَ ضَيَّعُوا الفِطْرَةَ أشَدَّ تَضْيِيعٍ بِتَهْوِيدِ الآباءِ، ثُمَّ بَعْدَ ما ظَفِرُوا بِها أضاعُوها بِالنِّفاقِ مَعَ تَحْرِيضِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ، والنُّصْحِ شِفاهًا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجَدُ في غَيْرِهِمْ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ التَّعْرِيفُ أوْ يُقالُ: هَذِهِ تَرْجَمَةٌ عَنْ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ، والمُرادُ بِالهُدى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ بِبَعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحَقِّيَّةِ دِينِهِ بِما وجَدُوهُ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ولِهَذا كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ ويَدْعُونَ بِحُرْمَتِهِ، ويُهَدِّدُونَ الكُفّارَ بِخُرُوجِهِ، ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ وأمّا حَمْلُ الهُدى عَلى ما كانَ عِنْدَهم ظاهِرًا مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهادَةِ وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والصَّوْمِ والغَزْوِ فَمِمّا لا يَرْتَضِيهِ مَن هُدِيَ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ أُولَئِكَ، إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، والمَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وبِهِ أقُولُ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مُطْلَقًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُمُ الكُفّارُ مُطْلَقًا، والكُلُّ عِنْدِي بَعِيدٌ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن قالَ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ بِظاهِرِ مَفْهُومِها تُصَدِّقُ عَلى مَن أرادُوا لا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ إسْحاقَ (اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ) بِالكَسْرِ لِأنَّهُ الأصْلُ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأبُو السِّماكِ: (اشْتَرَوْا) بِالفَتْحِ إتْباعًا لِما قَبْلُ، وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ الهُدى، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وعَدَمُ الإمالَةِ لُغَةُ قُرَيْشٍ.

﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، وأتى بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى تَعَقُّبِ نَفْيِ الرِّبْحِ لِلشِّراءِ، وأنَّهُ بِنَفْسِ ما وقَعَ الشِّراءُ تَحَقَّقَ عَدَمُ الرِّبْحِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفاءَ دَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الجَزاءِ لِمَكانِ

صفحة 162

المَوْصُولِ، فَهو عَلى حَدِّ: الَّذِي يَدْخُلُ الدّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ المَوْصُولَ هُنا لَيْسَ بِمُبْتَدَإٍ كَما في المِثالِ بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، وما بَعْدَ الفاءِ لَيْسَ بِخَبَرٍ، بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، فَهو صِلَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً والَّذِينَ مُبْتَدَأً، و﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ لِعَدَمِ الرّابِطِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ولِتَحَقُّقِ مَعْنى الصِّلَةِ، وإذا كانَتِ الصِّلَةُ ماضِيَةً مَعْنًى لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في خَبَرِ مَوْصُولِها، ولا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً والَّذِينَ بَدَلًا مِنهُ، والجُمْلَةُ خَبَرًا، لِأنَّ الفاءَ إنَّما تَدْخُلُ الخَبَرَ لِعُمُومِ المَوْصُولِ، والمُبْدَلُ مِنَ المَخْصُوصِ مَخْصُوصٌ، فالحَقُّ ما ذَكَرْناهُ، ومَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ لَيْسَ غَيْرُ، كَما في البَحْرِ، والتِّجارَةُ التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المالِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ، ولا يَكادُ يُوجَدُ تاءٌ أصْلِيَّةٌ بَعْدَها جِيمٌ إلّا نَتَجَ، وتَجِرَ ورَتَجَ، وأرْتَجَ، وأمّا تُجاهَ، ونَحْوُهُ فَأصْلُها الواوُ، والرِّبْحُ تَحْصِيلُ الزِّيادَةِ عَلى رَأْسِ المالِ، وشاعَ في الفَضْلِ عَلَيْهِ، والمُهْتَدِي اسْمُ فاعِلٍ مِنَ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، ولا يَكُونُ افْتَعَلَ المُطاوِعُ إلّا مِنَ المُتَعَدِّي، وأمّا قَوْلُهُ:

حَتّى إذا اشْتالَ سُهَيْلٌ في السَّحَرِ كَشُعْلَةِ القابِسِ تَرْمِي بِالشَّرَرِ

فافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنى فَعَلَ، تَقُولُ: شالَ يَشُولُ، واشْتالَ يَشْتالُ بِمَعْنًى، وفي الآيَةِ تَرْشِيحٌ لِما سَمِعْتَ مِنَ المَجازِ فِيما قَبْلَها، والمَقْصِدُ الأصْلِيُّ تَصْوِيرُ خَسارَهم بِفَوْتِ الفَوائِدِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الهُدى الَّتِي هي كالرِّبْحِ، وإضاعَةِ الهُدى الَّذِي هو كَرَأْسِ المالِ بِصُورَةِ خَسارَةِ التّاجِرِ الفائِتِ لِلرِّبْحِ المُضَيِّعِ لِرَأْسِ المالِ، حَتّى كَأنَّهُ هو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مُبالَغَةٌ في تَخْسِيرِهِمْ، ووُقُوعِهِمْ في أشْنَعِ الخَسارِ الَّذِي يَتَحاشى عَنْهُ أُولُو الأبْصارِ، وإسْنادُ الرِّبْحِ إلى التِّجارَةِ، وهو لِأرْبابِها مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وكَنّى في مَقامِ الذَّمِّ بِنَفْيِ الرِّبْحِ عَنِ الخُسْرانِ لِأنَّ فَوْتَ الرِّبْحِ يَسْتَلْزِمُهُ في الجُمْلَةِ، ولا أقَلَّ مِن قَدْرِ ما يُصْرَفُ مِنَ القُوَّةِ، وفائِدَةُ الكِنايَةِ التَّصْرِيحُ بِانْتِفاءِ مَقْصِدِ التِّجارَةِ مَعَ حُصُولِ ضِدِّهِ بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: خَسِرَتْ تِجارَتُهُمْ، فَلا يُتَوَهَّمُ إنَّ نَفْيَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ إنَّما يُوجِبُ إثْباتَ الآخَرِ، إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما واسِطَةٌ، وهي مَوْجُودَةٌ هُنا، فَإنَّ التّاجِرَ قَدْ لا يَرْبَحُ، ولا يَخْسَرُ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ المَحَلُّ قابِلًا لِلْكُلِّ، كَما في التِّجارَةِ الحَقِيقِيَّةِ، أمّا إذا كانَ لا يَقْبَلُ إلّا اثْنَيْنِ مِنها فَنَفْيُ أحَدِهِما يَكُونُ إثْباتًا لِلْآخَرِ، والرِّبْحُ والخُسْرانُ في الدِّينِ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، عَلى أنَّهُ قَدْ قامَتِ القَرِينَةُ هُنا عَلى الخُسْرانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ وقَدْ جَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ كِنايَةً عَنْ إضاعَةِ رَأْسِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَهْتَدِ بِطُرُقِ التِّجارَةِ تَكْثُرُ الآفاتُ عَلى أمْوالِهِ، واخْتِيرَ طَرِيقُ الكِنايَةِ نِكايَةً لَهم بِتَجْهِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِهِمْ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ النَّفْيُ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ، أيْ لا مَنارَ فَيُهْتَدى بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تِجارَةَ، ولا رِبْحَ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”ما رَبِحَتْ“ لِلْقُرْبِ مَعَ التَّناسُبِ والتَّفَرُّعِ بِاعْتِبارِ المَعْنى الكِنائِيِّ، وبِتَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ لِطُرُقِ الهِدايَةِ، يَنْدَفِعُ تَوَهُّمُ أنَّ عَدَمَ الِاهْتِداءَ قَدْ فُهِمَ مِمّا قَبْلُ، فَيَكُونُ تَكْرارًا لِما مَضى، وهو إمّا مِن بابِ التَّكْمِيلِ، والِاحْتِراسِ كَقَوْلِهِ:

فَسَقى دِيارَكَ غَيْرَ مُفْسِدِها صَوْبُ ∗∗∗ الغَمامِ ودِيمَةٌ تَهْمِي

أوْ مِن بابِ التَّنْعِيمِ كَقَوْلِهِ:

كَأنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبائِنا ∗∗∗ وأرْحُلِنا الجَزْعُ الَّذِي لَمْ يُثْقَبِ

وقالَ الشَّرِيفُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ العَطْفَ عَلى ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ أوْلى، لِأنَّ عَطْفَهُ عَلى ”ما رَبِحَتْ“ يُوجِبُ تَرَتُّبَهُ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ فَيَلْزَمُ تَأخُّرُهُ عَنْهُ، والأمْرُ بِالعَكْسِ، إلّا أنْ يُقالَ: تَرْتِيبُهُ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ، والإخْبارِ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى (اشْتَرَوْا) كانَ الظّاهِرُ تَقْدِيمُهُ لِما في التَّأْخِيرِ مِنَ الإيهامِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الأحْسَنُ تَرْكَ العَطْفِ احْتِياطًا، كَما ذُكِرَ في نَحْوِ قَوْلِهِ:

صفحة 163

وتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها ∗∗∗ بَدَلًا أُراها في الضَّلالِ تَهِيمُ

عَلى أنَّ بَيْنَ مَعْنى اشْتَرَوْا إلَخْ، ومَعْنى وما كانُوا إلَخْ، تَقارُبًا يَمْنَعُ حُسْنَ العَطْفِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَمْ يُضِعْ فِطْرَتَهُ السَّلِيمَةَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا، ولا يَخْفى سُوءُ حالِهِ عَلى مَن حَسُنَ تَمْيِيزُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (تِجاراتُهُمْ) عَلى الجَمْعِ ووَجْهُهُ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ تِجارَةً، ووَجْهُ الإفْرادِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهْمُ المَعْنى مَعَ الإشارَةِ أنَّ تِجاراتِهِمْ، وإنْ تَعَدَّدَتْ فَهي مِن سُوقٍ واحِدَةٍ، وهم شُرَكاءُ فِيها،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском