Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:164–166
2:164Page 25
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤
Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الضُّحى – مَعْضَلًا-: «أنَّهُ كانَ لِلْمُشْرِكِينَ حَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَلَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ تَعَجَّبُوا، وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِ بِآيَةٍ نَعْرِفُ بِها صِدْقَكَ، فَنَزَلَتْ». ولِفِرْطِ جَهْلِهِمْ لَمْ يَكَفِهِمُ الحُجَّةُ الإجْمالِيَّةُ المُشِيرُ إلَيْها الوَصْفانِ، وإنَّما جَمَعَ ( السَّماواتِ ) وأفْرَدَ ( الأرْضَ ) لِلِانْتِفاعِ بِجَمِيعِ أجْزاءِ الأُولى بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن نُورِ كَواكِبِها وغَيْرِهِ دُونَ الثّانِيَةِ، فَإنَّهُ إنَّما يُنْتَفَعُ بِواحِدَةٍ مِن آحادِها، وهي ما نُشاهِدُهُ مِنها. وقالَ أبُو حَيّانَ: لَمْ تُجْمَعِ ( الأرْضُ )؛ لِأنَّ جَمْعَها ثَقِيلٌ، وهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، ورُبَّ مُفْرَدٍ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ جَمْعُهُ لِثِقْلِهِ وخِفَّةِ المُفْرَدِ، وجَمْعٍ لَمْ يَقَعْ مُفْرَدُهُ كالألْبابِ، وفي المَثَلِ السّائِرِ نَحْوُهُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: جَمَعَ ( السَّمَواتِ )؛ لِأنَّها طَبَقاتٌ مُمْتازَةٌ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى بِذاتِها الشَّخْصِيَّةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ سَواءٌ كانَتْ مُتَماسَّةً، كَما هو رَأْيُ الحَكِيمِ أوْ لا، كَما جاءَ
صفحة 31
فِي الآثارِ: أنَّ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، مُخْتَلِفَةُ الحَقِيقَةِ لِما أنَّ الِاخْتِلافَ في الآثارِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَمْ يَجْمَعِ ( الأرْضَ )؛ لِأنَّ طَبَقاتِها لَيْسَتْ مُتَّصِفَةً بِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَإنَّها سَواءٌ كانَتْ مُتَفاصِلَةً بِذَواتِها، كَما ورَدَ في الأحادِيثِ مِن أنَّ: «بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ» أوْ لا تَكُونُ مُتَفاصِلَةً - كَما هو رَأْيُ الحَكِيمِ - غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ في الحَقِيقَةِ اتِّفاقًا.
﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: تَعاقُبُهُما وكَوْنُ كُلٍّ مِنهُما خَلَفًا لِلْآخَرِ، أوْ اختلاف كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا، أوْ ظُلْمَةً ونُورًا، وقَدَّمَ اللَّيْل لِسَبْقِهِ في الخَلْقِ أوْ لِشَرَفِهِ.
﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى ( خَلْقِ السَّمَواتِ ) لا عَلى السَّمَواتِ أوْ عَطْفٌ عَلى ( اللَّيْلِ والنَّهارِ )، والفَلَكِ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ مُفْرَدًا وجَمْعًا، وقُدِّرَ بَيْنَهُما تَغايُرٌ اعْتِبارِيٌّ، فَإنِ اعْتُبِرَ أنَّ ضَمَّتَهُ أصْلِيَّةٌ كَضَمَّةِ ( قُفْلٍ ) فَمُفْرَدٌ، وإنِ اعْتُبِرَ أنَّها عارِضَةٌ كَضَمَّةِ ( أُسْدٍ ) فَجَمْعٌ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ جَمَعَ ( فَلْكٍ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ اللّامِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ قُرِئَ ( فُلُكٌ ) بِضَمَّتَيْنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُفْرَدٌ لا غَيْرَ. وقالَ الكَواشِيُّ: الفَلَكُ والفُلُكُ ( بِضَمَّتَيْنِ ) لُغَتانِ الواحِدُ والجَمْعُ سَواءٌ في اللَّفْظِ، ويُعَرِّفُ ذَلِكَ بِجَمْعِ ضَمِيرِ فِعْلِهِما وإفْرادِهِ.
﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ ( ما ) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِنَفْعِهِمْ، أوْ مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ، وعَلى الأوَّلِ ضَمِيرُ الفاعِلِ إمّا لِلْفُلْكِ؛ لِأنَّهُ مُذَكَّرُ اللَّفْظِ مُؤَنَّثُ المَعْنى، كَما قِيلَ: ( أوْ ) لِلْجَرْيِ، ( أوْ ) لِلْبَحْرِ، واحْتِمالُ كَوْنِها مَوْصُوفَةً لا يُلائِمُهُ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ.
﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنَ ماءٍ﴾ عَطْفٌ عَلى الفُلْكِ قِيلَ: وتَأْخِيرُهُ عَنْ ذِكْرِها مَعَ كَوْنِهِ أعَمَّ مِنها نَفْعًا لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ تَفْضِيلٍ، وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الأوَّلِ الِاسْتِدْلالُ بِـ ( البَحْر ) وأحْوالِهِ لا بِـ الفَلَك الجارِي فِيهِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ إمّا بِصَنْعَتِهِ عَلى وجْهٍ يُجْرِي في الماءِ، أوِ العِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ إجْرائِهِ، أوْ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ والبَحْرِ لِذَلِكَ، أوْ تَوَسُّلِهِ إلى ﴿ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ وشَيْءٌ مِنها لَيْسَ مِن حالِهِ في نَفْسِهِ، ولِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالفُلْكِ الجارِي في البَحْرِ اسْتِدْلالٌ بِحالٍ مِن أحْوالِ البَحْرِ بِخِلافِ ما لَوِ اسْتُدِلَّ بِـ البَحْر وجَمِيعِ أحْوالِهِ فَإنَّهُ أعَمُّ وألْيَقُ بِالمَقامِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الفَلَكَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: والعَجائِبُ الَّتِي في البَحْرِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِهِ وعَجائِبِهِ، فَكانَ ذِكْرُهُ ذِكْرًا لِجَمِيعِ أحْوالِهِ، وطَرِيقًا إلى العِلْمِ بِوُجُوهِ دَلالَتِهِ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ والسَّحابِ؛ لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ في غالِبِ الأمْرِ، وإلّا فالمُناسِبُ بَعْدَ ذِكْرِ اختلاف اللَّيْل والنَّهار الَّذِي هو مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ ذِكْرُ ( المَطَرِ والسَّحابِ ) اللَّذَيْنِ هُما مِن كائِناتِ الجَوِّ، وعَدَمُ نَظْمِ الفَلَك في البَيْنِ لِكَوْنِها مِنَ الآياتِ السُّفْلِيَّةِ. وعِنْدِي أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا - وإنَّ جُلَّ قائِلِهِ -؛ إذْ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى: ( والبَحْرِ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الفُلْكُ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ) وهو قَلْبٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ، ولا دَلِيلَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأيُّ مانِعٍ مِن كَوْنِ الِاسْتِدْلالِ بِاخْتِلافِ الفُلْكِ وذَهابِها مَرَّةً كَذا ومَرَّةً كَذا عَلى حَسَبِ ما تُحَرِّكُها المَقادِيرُ الإلَهِيَّةُ، أوْ بِالفُلْكِ الجارِيَةِ في البَحْرِ مِن حَيْثُ إنَّها جارِيَةٌ فِيهِ مُوَقَّرَةٌ مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، مُتَعَلِّقَةً بِحِبالِ الهَواءِ عَلى لُطْفِهِ، وكَثافَتِها لا تُرَسَّبَ إلى قاعِ البَحْرِ مَعَ تَلاطُمِ أمْواجِهِ واضْطِرابِ لُجَجِهِ، وكَوْنُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَيْسَ حالًا لَها في نَفْسِها غَيْرَ مُسَلَّمٍ، ووَجْهُ التَّرْتِيبَ عَلى ما أرى أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أوَّلًا خَلْقَ أمْرَيْنِ عُلْوِيٍّ وسُفْلِيٍّ، واخْتِلافَ شَيْئَيْنِ بِمَدْخَلِيَّةِ أمْرَيْنِ سَماوِيٍّ وأرْضِيٍّ، ( ثانِيًا ): إذْ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أوِ اخْتِلافُهُما
صفحة 32
ازْدِيادًا وانْتِقاصًا، أوْ ظُلْمَةً ونُورًا، إنَّما هو بِمَدْخَلِيَّةِ سَيْرِ الفُلْكِ وحَيْلُولَةِ جِرْمِ الأرْضِ عَلى كَيْفِيَّتَيْنِ مَخْصُوصَتَيْنِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُشْبِهُ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ السّابِحُ كُلٌّ مِنهُما في لُجَّةِ بِحْرِ فَلَكِهِ، الدَّوّارُ المُسَخَّرُ بِالجَرَيانِ فِيهِ ذَهابًا وإيابًا ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ في أمْرِ مَعاشِهِمْ وانْتِظامِ أحْوالِهِمْ، وهو الفُلْكُ الَّتِي تَجْرِي عَلى كَبِدِ البَحْر بِذَلِكَ، ويَخْتَلِفُ جَرَيانُها شَرْقًا وغَرْبًا عَلى حَسَبِ تَسْلِيكِ المَقادِيرِ الإلَهِيَّةِ في هاتِيكَ المَسالِكِ، فالآيَةُ حِينَئِذٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ الآيَتَيْنِ في الثّانِيَةِ ذُكِرَتا مُتَوَسِّطَتَيْنِ صَرِيحًا بَيْنَ حَدِيثِ الفُلْكِ وشَأْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي الأُولى تَقَدَّمَ ما يُشْعِرُ بِهِما ويُشِيرُ إلَيْهِما، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يَشْتَرِكُ فِيهِ العالَمُ العُلْوِيُّ والعالَمُ السُّفْلِيُّ، ولَهُ مُناسَبَةٌ لِذِكْرِ البَحْرِ بَلْ ولِذِكْرِ الفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِيهِ بِما يَنْفَعُ النّاس وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، ونَشْرُ ما كانَ دَفِينًا في الأرْضِ بِالأحْياءِ، وفي ذَلِكَ النَّفْعِ التّامِّ والفَضْلِ العامِّ. ومِنَ الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةَ، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.
﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِتَهْيِيجِ قُواها النّامِيَةِ، وإظْهارِ ما أوْدَعَ فِيها مِن أنْواعِ النَّباتِ والأزْهارِ والأشْجارِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ وعَدَمُ ظُهُورِ ذَلِكَ فِيها لِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ طَبِيعَتُها، ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى ( أنْزَلَ ) والجامِعُ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما آيَةً مُسْتَقِلَّةً لِوَحْدانِيَّتِهِ - تَعالى - وهو الغَرَضُ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ مَعَ الِاشْتِراكِ في الفاعِلِ، وأحْيا مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِالإنْزالِ المُسَبَّبِ عَنْهُ الأحْياءُ، فَلا يَكُونُ الفَصْلُ بِهِ مانِعًا لِلْعَطْفِ، إمّا عَلى أحْيا فَيَدْخُلُ تَحْتَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبِيَّةُ إنْزالِ الماءِ لِلْبَثِّ بِاعْتِبارِ أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ المَواشِي والدَّوابِّ، والبَثُّ فَرْعُ الحَياةِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ لِإغْناءِ فاءِ السَّبَبِيَّةِ عَنْهُ في المَشْهُورِ، وقِيلَ: يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ بِهِ- أيْ بِالماءِ- لِيُشْعِرَ بِارْتِباطِهِ بِـ أنْزَل اسْتِقْلالًا كَـ أحْيا وفاءُ السَّبَبِيَّةِ لا تَكْفِي في ذَلِكَ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ مَجْمُوعَهُما، وحَيْثُ أنَّ المَجْرُورَ إنَّما يُحْذَفُ إنْ جُرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِهِ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ، ومِن بَيانِيَّةٌ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، والمُرادُ ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ كُلُ نَوْعٍ مِنَ الدَّوابِّ، ومَعْنى ( بَثِّها ) تَكْثِيرُها بِالتَّوالُدِ والتَّوَلُّدِ، فالِاسْتِدْلالُ بِتَكْثِيرِ كُلِّ نَوْعٍ مِمّا يَدِبُّ عَلى الأرْضِ وعَدَمِ انْحِصارِهِ في البَعْضِ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمْ يَبُثَّ إلّا بَعْضَ الأفْرادِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في قُدْرَتِهِ، عَلى أنَّهُ أثْبَتَ الزَّمَخْشَرِيُّ دَوابَّ في السَّماءِ أيْضًا في سُورَةِ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾، وفِيهِ أنَّ بَثَّ كُلِّ نَوْعٍ مِمّا يَدِبُّ عَلى الأرْضِ لا يُنافِي كَوْنَ بَعْضِ أفْرادِهِ مُقَدَّرًا ولا وُجُودَهُ في السَّماءِ، عَلى أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ كَوْنُ شَيْءٍ جُزْءًا مِن مَدْخُولِها لا فَرْدًا مِنهُ، وزائِدَةٌ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لِعَدَمِ تَقَدُّمِ المُبِينِ، وعَدَمِ صِحَّةِ التَّبْعِيضِ، وهي زِيادَةٌ في الإثْباتِ لَمْ يُجَوِّزْها سِوى الأخْفَشِ.
﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أيْ: تَقْلِيبُ اللَّهِ - تَعالى - لَها جَنُوبًا وشَمالًا وقَبُولًا ودَبُورًا، حارَّةً وبارِدَةً وعاصِفَةً ولَيِّنَةً وعَقِيمًا ولَواقِحَ، وتارَةً بِالرَّحْمَةِ ومَرَّةً بِالعَذابِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( الرِّيحَ ) عَلى الإفْرادِ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما-: ”( الرِّياحُ ) لِلرَّحْمَةِ، و(الرِّيحُ) لِلْعَذابِ“. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتْ رِيحٌ قالَ: ”اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا“» ولَعَلَّهُ قَصَدَ بِالأوَّلِ والثّانِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾
صفحة 33
وعَقَّبَ إحْياءَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، وبَثَّ كُلَّ دابَّةٍ فِيها بِتَصْرِيفِ الرِّياحِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ تَرْبِيَةَ النَّباتِ وبَقاءَ حَياةِ الحَيَواناتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَوْ أمْسَكَ اللَّهُ - تَعالى - الرِّيحَ ساعَةَ لَأنْتَنَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما نَطَقَ بِهِ بَعْضُ الآثارِ.
﴿والسَّحابِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وهو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ سَحابَةٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْسِحابِهِ في الجَوِّ أوْ لِجَرِّ الرِّياحِ لَهُ.
﴿المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ صِفَةٌ ( لِلسَّحابِ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ مَعْناهُ فَيُوصَفُ بِالجَمْعِ كَـ ﴿سَحابًا ثِقالا﴾، و(بَيْنَ) ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسَخَّرِ، ومَعْنى تَسْخِيرِهِ أنَّهُ لا يَنْزِلُ ولا يَزُولُ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي صُعُودَهُ إنْ كانَ لَطِيفًا وهُبُوطَهُ إنْ كانَ كَثِيفًا، وقِيلَ: الظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُسَخَّرِ، ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيِ: المُسَخَّرُ لِلرِّياحِ، حَيْثُ تَقْلَبُهُ في الجَوِّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعالى -، وتَعْقِيُ تَصْرِيفِ الرِّياحِ بِالسَّحابِ؛ لِأنَّهُ كالمَعْلُولِ لِلرِّياحِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾، ولِأنَّ في جَعْلِهِ خَتْمَ المُتَعاطِفاتِ مُراعاةً في الجُمْلَةِ لِما بُدِئَ بِهِ مِنها؛ لِأنَّهُ أرْضِيٌّ سَماوِيٌّ، فَيَنْتَظِمُ بَدْءُ الكَلامِ وخَتْمُهُ، وبِما ذَكَرْنا عُلِمَ جِهَةُ التَّرْتِيبِ في الآيَةِ، وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: لَعَلَّ تَأْخِيرَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وتَسْخِيرَ السَّحابِ في الذِّكْرِ عَنْ جَرَيانِ الفُلْكِ وإنْزالِ الماءِ، مَعَ انْعِكاسِ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ في كَوْنِها آيَةً، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ كَوْنُ المَجْمُوعِ المُرَتَّبِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ آيَةً واحِدَةً، ولا يَخْفى أنَّهُ يُبْعِدُ هَذا التَّوَهُّمَ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لآياتٍ﴾ اسَمُ (إنَّ) دَخَلَتْهُ ( اللّامُ ) لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ آياتٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الآلِهِيَّةِ بِهِ - سُبْحانَهُ - ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 164﴾ أيْ: يَتَفَكَّرُونَ، فالعَقْلُ مَجازٌ عَنِ التَّفَكُّرِ الَّذِي هو ثَمَرَتُهُ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: ”ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها“» وفِيها تَعْرِيضٌ بِجَعْلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - آيَةً تُصَدِّقُهُ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ، وإلّا فَمَن تَأمَّلَ في تِلْكَ الآياتِ وجَدَ كُلًّا مِنها مُشْتَمِلًا عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ - تَعالى - ووَحْدانِيَّتِهِ، وسائِرِ صِفاتِهِ الكَمالِيَّةِ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ - تَعالى -، واسْتَغْنى عَنْ سائِرِها، ومُجْمَلُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ قَدْ وُجِدَ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ دُونَ ما عَداهُ مُسْتَتْبِعًا لِآثارٍ مُعَيَّنَةٍ وأحْكامٍ مَخْصُوصَةٍ، مِن غَيْرِ أنْ تَقْتَضِيَ ذاتُهُ وُجُودَهُ، فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ عَلى النَّمَطِ الكَذائِيِّ، فَإذًا لا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ لِامْتِناعِ وُجُودِ المُمْكِنِ بِلا مُوجِدٍ قادِرٍ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ، حَكِيمٌ عالِمٌ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والمَصالِحِ، يُوجِدُهُ حَسْبَما يَسْتَدْعِيهِ عِلْمُهُ بِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ،ُ مُتَعالٍ عَنْ مُقابَلَةِ غَيْرِهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ واجِبٌ يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ الحَقُّ - تَعالى - عَلَيْهِ، فَإنْ وافَقَتْ إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما إيجادَهُ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ أرادَهُ الآخَرُ، فالتَّأْثِيرُ إنْ كانَ لِكُلٍّ مِنهُما لَزِمَ اجْتِماعُ فاعِلَيْنِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ، وهو يَسْتَلْزِمُ اجْتِماعَ العِلَّتَيْنِ التّامَّتَيْنِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ لِأحَدِهِما لَزِمَ تَرْجِيحُ الفاعِلِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ لِاسْتِوائِهِما في إرادَةِ إيجادِهِ عَلى الِاسْتِقْلالِ، وعَجْزُ الآخَرِ لِما أنَّ الفاعِلَ سَدَّ عَلَيْهِ إيقاعَ ما أرادَهُ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الإرادَتانِ بِأنْ أرادَ أحَدُهُما وُجُودَهُ عَلى نَحْوٍ، وأرادَ الآخَرُ وُجُودَهُ عَلى نَحْوٍ آخَرَ، لَزِمَ التَّمانُعُ والتَّطارُدُ لِعَدَمِ المُرَجِّحِ، فَيَلْزَمُ عَجْزُهُما، والعَجْزُ مُنافٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ بَدِيهَةً، وفي الآيَةِ إثْباتُ الِاسْتِدْلالِ بِالحُجَجِ العَقْلِيَّةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الكَلامِ وفَضْلِ أهْلِهِ، ورُبَّما أشارَتْ إلى شَرَفِ عِلْمِ الهَيْئَةِ.
2:165Page 25
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥
And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ بَيانٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ بَيانِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ
صفحة 34
- تَعالى - و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَتَّخِذُ)، و( الأنْدادُ ) الأمْثالُ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ كَما هو الشّائِعُ في القُرْآنِ، والمَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهم طاعَةَ الأرْبابِ مِنَ الرِّجالِ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - ونُسِبَ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: المُرادُ أعَمُّ مِنهُما، وهو ما يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - والمَعْنى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾ مُتَجاوِزِينَ الإلَهَ الواحِدَ الَّذِي ذُكِرَتْ شُئُونُهُ الجَلِيلَةُ أمْثالًا، فَلا يَقْصُرُونَ الطّاعَةَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بَلْ يُشارِكُونَهم إيّاهُ، وإيثارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْيِينِهِ - تَعالى - بِالذّاتِ غِبَّ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ.
﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ أوْ صِفَةُ الأنْدادِ، أوْ صِفَةً ( لِمَن ) إذا جَعَلْتَها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً مَسُوقَةً لِبَيانِ وجْهِ الِاتِّخاذِ، و( المَحَبَّةُ ) مَيْلُ القَلْبِ مِنَ الحَبِّ واحِدِ الحُبُوبِ، اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ وسُوَيْدائِهِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ الحُبُّ؛ لِأنَّهُ يُؤْثِّرُ في صَمِيمِ القَلْبِ ويَرْسُخُ فِيهِ، ومَحَبَّةُ العِبادِ لِلَّهِ - تَعالى - عِنْدَ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ نَوْعٌ مِنَ الإرادَةِ، سَواءٌ قُلْنا إنَّها نَفْسُ المَيْلِ التّابِعِ لِاعْتِقادِ النَّفْعِ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ، أوْ صِفَةٌ مُرَجَّحَةٌ مُغايِرَةٌ لَهُ كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، فَلا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالجائِزاتِ، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُها بِذاتِهِ - تَعالى -، فَمَحَبَّةُ العَبْدِ لَهُ – سُبْحانَهُ - إرادَةُ طاعَتِهِ وتَحْصِيلُ مَراضِيهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى انْحِصارِ المَطْلُوبِ بِالذّاتِ في اللَّذَّةِ ورَفْعِ الألَمِ، والعارِفُونَ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - قالُوا: إنَّ الكَمالَ أيْضًا مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فالعَبْدُ يُحِبُّ اللَّهَ - تَعالى - لِذاتِهِ؛ لِأنَّهُ الكامِلُ المُطْلَقُ الَّذِي لا يُدانِي كَمالَهُ كَمالٌ، وأمّا مَحَبَّةُ خِدْمَتِهِ وثَوابِهِ فَمَرْتَبَةٌ نازِلَةٌ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ - تَعالى - لِلْعِبادِ صِفَةٌ لَهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - لا تَتَكَيَّفُ ولا يَحُومُ طائِرُ الفِكْرِ حَوْلَ حِماها، وقِيلَ: إرادَةُ إكْرامِهِ واسْتِعْمالُهُ في الطّاعَةِ وصَوْنُهُ عَنِ المَعاصِي، والمُرادُ بِالمَحَبَّةِ هُنا التَّعْظِيمُ والطّاعَةُ؛ أيْ أنَّهم يُسَوُّونَ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأنْدادِ المُتَّخَذَةِ، فَيُعَظِّمُونَهم ويُطِيعُونَهم كَما يُعَظِّمُونَ اللَّهَ – تَعالى - ويَمِيلُونَ إلى طاعَتِهِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى الأنْدادِ، فَإنْ أُرِيدَ بِها الرُّؤَساءُ فَواضِحٌ، وإلّا فالتَّعْبِيرُ عَنْها بِضَمِيرِ العُقَلاءِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ أنَّهم أنْدادُ اللَّهِ - تَعالى - والمَصْدَرُ المُضافُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ وفاعِلِهِ ضَمِيرُهم بِقَرِينَةِ سَبْقِ الذِّكْرِ، وإنَّ المُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِهِ – تَعالى - ويَلْجَئُونَ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ، ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقِيلَ: وهو الخِلافُ الظّاهِرُ، وعُدُولٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ كَوْنُ جُمْلَةِ ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ بَيانًا لِوَجْهِ الِاتِّخاذِ أنَّهُ مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ مَن يُحِبُّ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُلْبَسٍ، والمَعْنى عَلى تَشْبِيهِ مَحْبُوبِيَّةِ الأنْدادِ مِن جِهَةِ المُشْرِكِينَ بِمَحْبُوبِيَّتِهِ - تَعالى - مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ إنَّما وقَعَ بَيْنَ المَحْبُوبَتَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَحْبُوبِيَّةُ الأصْنامِ مُماثِلًا لِمَحْبُوبِيَّتِهِ - تَعالى -، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَحَبَّتَيْنِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ رُسُوخِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى، فَإنَّ المُرادَ بِشِدَّةِ مَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ شِدَّتُها في المَحَلِّ، وهو رُسُوخُها فِيهِمْ، وعَدَمُ زَوالِها عَنْهم بِحالٍ، لا كَمَحَبَّةِ المُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ؛ حَيْثُ يَعْدِلُونَ عَنْها إلى اللَّهِ - تَعالى - عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويَتَبَرَّءُونَ مِنها عِنْدَ مُعايَنَةِ الأهْوالِ، ويَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا، ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ، ورُبَّما أكَلُوهُ - كَما يُحْكى: أنَّ باهِلَةَ كانَتْ لَهم أصْنامٌ مِن حَيْسٍ، فَجاعُوا في قَحْطٍ أصابَهم فَأكَلُوها - ولِلَّهِ أبُوهُمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ مُشْرِكٌ بِآلِهَتِهِ كانْتِفاعِ هَؤُلاءِ بِها، فَإنَّهم ذاقُوا حَلاوَةَ الكُفْرِ، ولَيْسَ المُرادُ مِن شِدَّةِ المَحَبَّةِ شِدَّتَها وقُوَّتَها في نَفْسِها، لِيُرَدَّ أنّا نَرى الكُفّارَ يَأْتُونَ بِطاعاتٍ شاقَّةٍ لا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنها أكْثَرُ المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّ مَحَبَّتَهم أشَدُّ مِن مَحَبَّتِهِمْ، ومِن هَذا ظَهَرَ وجْهُ اخْتِيارِ ﴿أشَدُّ حُبًّا﴾ عَلى أحَبَّ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ الزِّيادَةَ في أصْلِ الفِعْلِ، بَلِ الرُّسُوخَ والثَّباتَ، وهو مِلاكُ الأمْرِ؛ ولِهَذا نَزَلَ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ وكانَ أحَبُّ الأعْمالِ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أدْوَمَها، وقالَ العَلّامَةُ: عَدَلَ عَنْ ( أحَبَّ ) إلى (أشَدَّ)؛ لِأنَّهُ شاعَ في الأشَدِّ مَحْبُوبِيَّةٌ، فَعَدَلَ
صفحة 35
عَنْهُ احْتِرازًا عَنِ اللَّبْسِ، وقِيلَ: إنَّ أحَبَّ أكْثَرُ مِن حَبَّ، فَلَوْ صِيغَ مِنهُ ( أفْعَلَ ) لَتَوَهَّمَ أنَّهُ مِنَ المَزِيدِ.
﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: لَوْ يَعْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالِاتِّخاذِ المَذْكُورِ؛ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ ( الِاتِّخاذَ ) ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وأنَّ اتِّصافَ المُتَّخِذِينَ بِهِ أمْرٌ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ؛ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهُ بِمُطْلَقِ الظُّلْمِ، والمَوْصُولُ والصِّلَةُ لِلْإشْعارِ بِسَبِبِ ( رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ ) المَفْهُومَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ أيْ: عايَنُوا العَذاب المُعَدَّ لَهم وأبْصَرُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وأوْرَدَ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ ( لَوْ ) و( إذا ) المُخْتَصَّيْنِ بِالماضِي لَتَحَقُّقِ مَدْلُولِهِ، فَيَكُونُ ماضِيًا تَأْوِيلًا مُسْتَقْبَلًا تَحْقِيقًا، فَرُوعِيَ الجِهَتانِ.
﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادَ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ( يَرى )، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ؛ أيْ: لَوَقَعُوا مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ فِيما لا يَكادُ يُوصَفُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقُ الجَوابِ، والمَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنْدادَهم لا تَنْفَعُ لَعَلِمُوا ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ غَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ: ( تَرى ) عَلى أنَّ الخِطابَ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، فالجَوابُ حِينَئِذٍ: ( لَرَأيْتَ أمْرًا لا يُوصَفُ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ )، وابْنُ عامِرٍ: ( إذْ يُرَوْنَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَعْقُوبُ: ( إنَّ ) بِالكَسْرِ، وكَذا ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ إضْمارِ القَوْلِ؛ أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ، وفائِدَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُبالَغَةُ في تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعُ الأمْرِ، فَإنَّ اخْتِصاصَ ( القُوَّةَ ) بِهِ تَعالى لا يُوجِبُ شِدَّةَ ( العَذابِ ) لِجَوازِ تَرْكِهِ عَفْوًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ.
2:166Page 25
إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦
[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ مُطْلَقًا، وجازَ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالجَوابِ ومُتَعَلِّقِهِ لِطُولِ البَدَلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (شَدِيدِ العَذابِ) أوْ مَفْعُولًا (لِاذْكُرُوا ) وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ ( تَرى ) عَلى قِراءَةِ الخِطابِ، كَما أنَّ (إذْ يَرَوْنَ) بَدَلٌ مِنهُ أيْضًا، و(أنَّ القُوَّةَ) في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِنَ (العَذابِ)، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَقْتَضِي جَوازَ تَعَدُّدِ البَدَلِ، ولَمْ يُعْثَرْ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ النَّحْوِ، وأيْضًا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ في بَدَلِ الِاشْتِمالِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقاضِيًا لِلْبَدَلِ دالًّا عَلَيْهِ إجْمالًا، وأنْ يَكُونَ البَدَلُ مُشْتَمِلًا عَلى ضَمِيرِ المُبْدَلِ مِنهُ - وكِلاهُما مَفْقُودانِ - والمَعْنى: ﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ الرُّؤَساءُ المُتَّبَعُونَ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أيِ: المَرْءُوسِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ ( الأوَّلَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ( والثّانِي ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ وانْفَصَلُوا عَنْ مَتْبُوعِيهِمْ، ونَدِمُوا عَلى عِبادَتِهِمْ، ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ حالٌ مِنَ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ، كَما في لَقِيتُهُ راكِبِينَ؛ أيْ: رائِينَ لَهُ، فالواوُ لِلْحالِ، و( قَدْ ) مُضْمَرَةٌ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى تَبْرَأُ وفِيهِ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى إبْدالِ ( إذْ رَأوُا العَذابَ ) مِن ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلَيْنِ - وإنْ كانا مُتَغايِرَيْنِ - إلّا أنَّ تَهْوِيلَ الوَقْتِ بِاعْتِبارِ ما وقَعَ فِيهِ، وهو رُؤْيَةُ العَذابِ؛ ولِأنَّ الحَقِيقَ بِالِاسْتِفْظاعِ هو تَبَرُّؤُهم حالَ رُؤْيَةِ العَذابِ، لا هو نَفْسُهُ، وأُجِيبَ أنَّ البَدَلَ الوَقْتُ المُضافُ إلى الأمْرَيْنِ، والمُبْدَلَ مِنهُ الوَقْتُ المُضافُ إلى واحِدٌ، وهو الرُّؤْيَةُ فَقَطْ، وفِيهِ أنَّ هَذا أيْضًا لا يَخْرُجُ ذَلِكَ عَنِ الرَّكاكَةِ؛ إذْ بَعْدَ تَهْوِيلِ الوَقْتِ بِإضافَتِهِ إلى ( رُؤْيَةِ العَذابِ ) لا حاجَةَ إلى جَمْعِها مَعَ التَّبَرِّي بِخِلافِ ما إذا جُعِلَ حالًا، فَإنَّ البَدَلَ هو التَّبَرُّؤُ الواقِعُ في حالِ رُؤْيَةِ العَذابِ.
﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ 166﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى (تَبَرَّأ) أوْ (رَأوْا) أوْ حالٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ؛ لِأنَّ
صفحة 36
الأصْلَ في ( الواوِ ) العَطْفُ، وفي الجُمْلَةِ الِاسْتِقْلالُ، ولِإفادَتِهِ تَكْثِيرَ أسْبابِ التَّهْوِيلِ والِاسْتِفْظاعِ، مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى تَقْدِيرِ ( قَدْ ) والباءِ مِن ( بِهِمْ ) لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ تَقَطَّعَتْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ الأسْباب الَّتِي كانُوا يَرْجُونَ مِنها النَّجاةَ، وقِيلَ: لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: تَقَطَّعَتِ الأسْبابُ مَوْصُولَةً بِهِمْ؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ، وقِيلَ: بِمَعْنى ( عَنْ )، وقِيلَ: لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: قَطَعَتْهُمُ الأسْبابُ، كَما تَقُولُ: تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الطَّرِيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأصْلُ ( السَّبَبِ ) الحَبْلُ مُطْلَقًا، أوِ الحَبْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الماءِ، أوِ الحَبْلُ الَّذِي أحَدُ طَرَفَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّقْفِ، أوِ الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ النَّخْلُ. والمُرادُ بِـ ( الأسْباب ) هُنا الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ في الدُّنْيا مِنَ الأنْسابِ والمَحابِّ، والِاتِّفاقِ عَلى الدِّينِ، والِاتِّباعِ والِاسْتِتْباعِ، وقُرِئَ ( تَقَطَّعَتْ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( تَقَطَّعَ ) جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences