Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:172–176

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:172–176

2:172Page 26

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهِ أوْ مِن حَلالِهِ، والآيَةُ إمّا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ مِن طَلَبِ الطَّيِّباتِ وعَدَمِ التَّوَسُّعِ في تَناوُلِ ما رُزِقُوا مِنَ الحَلالِ، وذا لَمْ يُسْتَفَدْ مِنَ الأمْرِ السّابِقِ، وإمّا أمْرٌ لَهم عَلى طِبْقِ ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ فائِدَةَ تَخْصِيصِهِمْ بَعْدَ التَّعْمِيمِ تَشْرِيفُهم بِالخِطابِ، وتَمْهِيدٌ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، و(كُلُوا) لِعُمُومِ جَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ دَلالَةً وعِبارَةً ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ 172﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واشْكُرُوا لَهُ؛ لِأنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتَخْصِيصُكم إيّاهُ بِالعِبادَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّكم تُرِيدُونَ عِبادَةً كامِلَةً تَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ، وهي لا تَتِمُّ إلّا بِالشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ مِن أجَلِّ العِباداتِ - ولِذا جُعِلَ نِصْفَ الإيمانِ - ووَرَدَ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «”إنِّي والإنْسُ والجِنُّ في نَبَأٍ عَظِيمٍ، أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي“،» والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إنْ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، أوْ إنْ أرَدْتُمْ عِبادَتَهُ، مُنْحَطٌّ مِنَ القَوْلِ.

2:173Page 26

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ أيْ: أكْلَها والِانْتِفاعَ بِها، وأضافَ الحُرْمَةَ إلى العَيْنِ - مَعَ أنَّ الحُرْمَةَ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هي مِن صِفاتِ فِعْلِ المُكَلَّفِ، ولَيْسَتْ مِمّا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ - إشارَةً إلى حُرْمَةِ التَّصَرُّفِ في المَيْتَةِ، وهي الَّتِي ماتَتْ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِأخْصَرِ طَرِيقٍ وأوْكَدِهِ؛ حَيْثُ جَعَلَ العَيْنَ غَيْرَ قابِلَةٍ لِتَعَلُّقِ فِعْلِ المُكَلَّفِ بِها إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ كالتَّصَرُّفِ بِالمَدْبُوغِ وألْحَقَ بِـ (المَيِّتَة) ما أُبِينَ مِن حَيٍّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ

صفحة 42

أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «ما قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وهي حَيَّةٌ فَهي مَيْتَةٌ”،» وخَرَجَ عَنْها السَّمَكُ والجَرادُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - مَرْفُوعًا: «“أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ؛ السَّمَكُ والجَرادُ، والكَبِدُ والطِّحالُ» ولِلْعُرْفِ أيْضًا فَإنَّهُ إذا قالَ القائِلُ: أكَلَ فُلانٌ المَيْتَةَ لَمْ يَسْبِقِ الوَهْمُ إلَيْهِما، نَعَمْ حَرَّمَ بَعْضُهم مَيْتَةَ السَّمَكِ الطّافِي وما ماتَ مِنَ الجَرادِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المالِكِيَّةِ، واسْتُدِلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الأجِنَّةِ، وتَحْرِيمِ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً، خِلافًا لِمَن أباحَهُ مِنَ المالِكِيَّةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( المَيِّتَةُ ) مُشَدِّدَةً، ﴿والدَّمَ﴾ قُيِّدَ في سُورَةِ الأنْعامِ بِالمَسْفُوحِ وسَيَأْتِي، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلى تَحْرِيمِ نَجاسَةِ دَمِ الحُوتِ، وما لا نَفْسَ لَهُ تَسِيلُ.

﴿ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ خُصَّ اللَّحْمُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ بَقِيَّةَ أجْزائِهِ أيْضًا حَرامٌ خِلافًا لِلظّاهِرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَوانِ وسائِرِ أجْزائِهِ كالتّابِعِ لَهُ، وقِيلَ: خُصَّ اللَّحْمُ لِيَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ ذُكِّيَ أوْ لَمْ يُذَكَّ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، ولَعَلَّ السِّرَّ في إقْحامِ لَفْظِ اللَّحْمِ هُنا إظْهارُ حُرْمَةِ ما اسْتَطْيَبُوهُ وفَضَّلُوهُ عَلى سائِرِ اللُّحُومِ واسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ، واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِعُمُومِ الخِنْزِيرِ عَلى حُرْمَةِ خِنْزِيرِ البَحْرِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: لا بَأْسَ بِهِ، ورُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ، أنَّهُ قالَ لَهُ شَخْصٌ: ما تَقُولُ في خِنْزِيرِ البَحْرِ؟ فَقالَ: حَرامٌ، ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ لَهُ: ما تَقُولُ في حَيَوانٍ في البَحْرِ عَلى صُورَةِ الخِنْزِيرِ؟ فَقالَ: حَلالٌ، فَقِيلَ لَهُ فِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ الخِنْزِيرَ ولَمْ يُحَرِّمْ ما هو عَلى صُورَتِهِ، والسُّؤالُ مُخْتَلِفٌ في الصُّورَتَيْنِ.

﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما وقَعَ مُتَلَبِّسًا بِهِ؛ أيْ: بِذَبْحِهِ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى - وأصْلُ الإهْلالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ رُؤْيَةُ الهِلالِ، لَكِنْ لَمّا جَرَتِ العادَةُ أنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِالتَّكْبِيرِ إذا رُؤِيَ سُمِّي بِذَلِكَ إهْلالًا، ثُمَّ قِيلَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وإنْ كانَ بِغَيْرِهِ، والمُرادُ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى - الصَّنَمُ وغَيْرُهُ كَما هو الظّاهِرُ، وذَهَبَ عَطاءٌ ومَكْحُولٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ إلى تَخْصِيصِ الغَيْرِ بِالأوَّلِ، وأباحُوا ذَبِيحَةَ النَّصْرانِيِّ إذا سُمِّيَ عَلَيْها بِاسْمِ المَسِيحِ، وهَذا خِلافُ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وإنَّما قَدِمَ بِهِ هُنا؛ لِأنَّهُ أمَسُّ بِالفِعْلِ وأُخِّرَ في مَواضِعَ أُخَرَ نَظَرًا لِلْمَقْصُودِ فِيها مِن ذِكْرِ المُسْتَنْكَرِ، وهو الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - .

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ بِالِاسْتِتارِ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ بِأنْ يَنْفَرِدَ بِتَناوُلِهِ فَيَهْلِكَ الآخَرُ، ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزٍ ما يَسُدُّ الرَّمَقَ والجُوعَ، وهو ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ الشِّبَعِ، وهو مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ، فَعَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ”لا يَأْكُلُ المُضْطَرُّ مِنَ المَيْتَةِ إلّا قَدْرُ ما يُمْسِكُ رَمَقَهُ؛ لِأنَّ الإباحَةَ لِلِاضْطِرارِ، وقَدِ انْدَفَعَ بِهِ“، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العِبْرِيُّ: يَأْكُلُ مِنها قَدْرَ ما يَسُدُّ جَوْعَتَهُ؛ وخالَفَ في ذَلِكَ الإمامُ مالِكٌ فَقالَ: يَأْكُلُ مِنها حَتّى يَشْبَعَ ويَتَزَوَّدَ، فَإنْ وجَدَ غِنًى عَنْها طَرَحَها، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ المُرادَ غَيْر باغٍ عَلى الوالِي ولا عاد بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وجَعَلَ مِن ذَلِكَ السَّفَرِ في مَعْصِيَةٍ، فالعاصِي في سَفَرِهِ لا يُباحُ لَهُ الأكْلُ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أيْضًا، وهو خِلافُ مَذْهَبِنا، ويَحْتاجُ حُكْمُ الرُّخْصَةِ عَلى هَذا إلى التَّقْيِيدِ بِأنَّ لا يَكُونَ زائِدًا عَلى قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِن خارِجٍ، واسْتَدِلُّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى جَوازِ أكْلِ المُضْطَرِّ مَيْتَةَ الخِنْزِيرِ والآدَمِيِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ، وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ والشّامِ والكِسائِيُّ ( فَمَنُ اضْطُرَّ ) بِضَمِّ النُّونِ، وأبُو جَعْفَرٍ مِنهم بِكَسْرِ الطّاءِ مَنِ ( اضْطِرَّ ) .

﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: في تَناوُلِهِ، بَلْ رُبَّما يَأْثَمُ بِتَرْكِ التَّناوُلِ.

﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 137﴾ فَلِذا أسْقَطَ الحُرْمَةَ في تَناوُلِهِ ورَخَّصَ، وقِيلَ: الحُرْمَةُ باقِيَةٌ إلّا أنَّهُ سَقَطَ الإثْمُ عَنِ المُضْطَرِّ وغُفِرَ لَهُ لِاضْطِرارِهِ كَما هو الظّاهِرُ مِن تَقْيِيدِ الإثْمِ بِـ ( عَلَيْهِ )، واسْتُدِلَّ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ حَيْثُ اسْتُثْنِيَ مِنَ الحُرْمَةِ،

صفحة 43

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ قَصْرَ الحُرْمَةِ عَلى ما ذُكِرَ مُطْلَقًا كَما هو الظّاهِرُ حَتّى يَرِدَ مَنعُ الحَصْرِ بِحُرْمَةِ أشْياءَ لَمْ تَذْكُرْ، بَلْ مُقَيَّدٌ بِما اعْتَقَدُوهُ حَلالًا بِقَرِينَةِ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِلُّونَ ما ذُكِرَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم ما ذُكِرَ مِن جِهَةِ ما اسْتَحْلَلْتُمُوهُ لِأشْياءَ أُخَرَ، والمَقْصُودُ مِن قَصْرِ الحُرْمَةِ عَلى ما ذَكَرُوهُ اعْتِقادُهم حِلِّيَتَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَيَكُونُ قَصْرَ قَلْبٍ إلّا أنَّ الجُزْءَ الثّانِيَ لَيْسَ لِرَدِّ اعْتِقادِ الحُرْمَةِ؛ إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا حُرْمَةَ شَيْءٍ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ، بَلْ تَأْكِيدُ الجُزْءِ الأوَّلِ، والخِطابُ لِلنّاسِ بِاعْتِبارِ دُخُولِ المُشْرِكِينَ فِيهِمْ، فَيَكُونُ مُفادُ الآيَةِ الزَّجْرَ عَنْ تَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ، كَما أنَّ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا﴾ زَجْرٌ عَنْ تَحْرِيمِ الحَلالاتِ، أوِ المُرادُ قَصْرُ حُرْمَةِ ما ذُكِرَ عَلى حالِ الِاخْتِيارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ( إنَّما حَرُمَ عَلَيْكم ) هَذِهِ الأشْياءُ ما لَمْ تَضْطَرُّوا إلَيْها، والأنْسَبُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونَ مَحَطُّ الفائِدَةِ هو القَيْدُ حَيْثُ كانُوا مُعْتَقِدِينَ لِحُرْمَةِ هَذِهِ الأُمُورِ، وفائِدَةُ الحُكْمِ التَّرْخِيصُ بَعْدَ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ بِطَلَبِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، أوْ تَشْرِيفُهم بِالِامْتِنانِ بِهَذا التَّرْخِيصِ بَعْدَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِإباحَةِ المُسْتَلَذّاتِ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الحَصْرِ رَدُّ المُشْرِكِينَ في تَحْرِيمِهِمْ ما أحَلَّهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَحِيرَةَ والوَصِيلَةِ والحامِ وأمْثالِها لِأكْلِهِمْ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: تِلْكَ حُرِّمَتْ عَلَيْنا، ولَكِنَّ هَذِهِ أُحِلَّتْ لَنا، فَقِيلَ: ما حُرِّمَتْ إلّا هَذِهِ - فَهو إذًا إضافِيٌّ - وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ قَصْرُ إفْرادٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما حَرَّمَهُ المُؤْمِنُونَ مَعَ المَذْكُوراتِ مِنَ المُسْتَلَذّاتِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا حُرْمَةَ المُسْتَلَذّاتِ، بَلْ حَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ لِما سَمِعُوا مِن شَدائِدِ المُحاسَبَةِ والسُّؤالِ عَنِ النِّعَمِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ فَلْيُتَدَبَّرْ.

2:174Page 26

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ المُشْتَمِلِ عَلى فُنُونِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ، والآيَةُ نَزَلَتْ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في عُلَماءِ اليَهُودِ كانُوا يُصِيبُونَ مِن سَفَلَتِهِمْ هَدايا، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهُمْ، فَلَمّا بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ كَتَمُوا وغَيَّرُوا صِفَتَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَتّى لا يُتَّبَعَ، فَتَزُولُ رِياسَتُهم وتَنْقَطِعُ هَداياهم.

﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أيْ: يَأْخُذُونَ بَدَلَهُ في نَفْسِ الأمْرِ والضَّمِيرُ – لِلْكِتابِ - أوْ لِما أُنْزِلَ أوْ لِلْكِتْمانِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: عِوَضًا حَقِيرًا.

﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ إمّا في الحالِ - كَما هو أصْلُ المُضارِعِ- لِأنَّهم أكَلُوا ما يَتَلَبَّسُ بِـ النّار وهو ( الرِّشا ) لكَوْنِها عُقُوبَةً لَها، فَيَكُونُ في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنَّ شَبَّهَ الهَيْئَةَ الحاصِلَةَ مِن أكْلِهِمْ ما يَتَلَبَّسُ بِالنّارِ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن ( أكْلِهِمُ النّارَ ) مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى ( أكْلِ ) كُلٍّ مِنهُما مِن تَقَطُّعِ الأمْعاءِ والألَمِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الآخَرِ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ المُشَبَّهِ بِهِ في المُشَبَّهِ، وإمّا في المَآلِ؛ أيْ: لا يَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا النّار فالنّارُ في الِاحْتِمالَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وقِيلَ: إنَّها مَجازٌ عَنِ ( الرِّشا ) إذا أُرِيدَ الحالُ، والعَلاقَةُ السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ وحَقِيقَةٌ إذا أُرِيدَ المَآلُ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو الألْيَقُ بِمَقامِ الوَعِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: ما يَأْكُلُونَ شَيْئًا حاصِلًا في بُطُونِهِمْ إلّا النّار إذِ الحُصُولُ في ( البَطْنِ ) لَيْسَ مُقارَنًا لِلْأكْلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ ضَعْفُ تَقْدِيمِ الحالِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَأْكُلُونَ والمُرادُ في طَرِيقِ بُطُونهمْ كَما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ والتَّقْيِيدُ ( بِالبُطُونِ ) لِإفادَةِ ( المَلْءِ ) لا لِلتَّأْكِيدِ كَما قِيلَ بِهِ، والظَّرْفِيَّةُ بِلَفْظَةِ ( في ) وإنْ لَمْ تَقْتَضِ اسْتِيعابَ المَظْرُوفِ الظَّرْفَ، لَكِنَّهُ شاعَ اسْتِعْمالُ ظَرْفِيَّةِ ( البَطْنِ ) في الِاسْتِيعابِ كَما شاعَ ظَرْفِيَّةُ بَعْضِهِ في عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ:

صفحة 44

كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعْفُوافَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: كَلامَ رَحْمَةٍ، كَما قالَ الحَسَنُ، فَلا يُنافِي سُؤالَهُ - سُبْحانَهُ - إيّاهُمْ، وقِيلَ: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أصْلًا لِمَزِيدِ غَضَبِهِ - جَلَّ جَلالُهُ - عَلَيْهِمْ، والسُّؤالُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ.

﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ، أوْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ.

﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ 174﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ، وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اشْتِراءَهم بِذَلِكَ ( الثَّمَنَ القَلِيلَ ) وكانَ كِنايَةً عَنْ مَطامِعِهِمُ الخَبِيثَةِ الفانِيَةِ بَدَأ أوَّلًا في الخَبَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ ثُمَّ قابَلَ ( كِتْمانُهُمُ الحَقَّ ) وعَدَمَ التَّكَلُّمِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ تَعالى، وابْتَنى عَلى ( كِتْمانِهِمْ واشْتِرائِهِمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ثَمَنًا قَلِيلًا ) أنَّهم شُهُودُ زُورٍ وأحْبارُ سُوءٍ آذَوْا بِهَذِهِ الشَّهادَةِ الباطِلَةِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وآلَمُوهُ، فَقُوبِلُوا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وبَدَأ أوَّلًا بِما يُقابِلُ فَرْدًا فَرْدًا، وثانِيًا بِما يُقابِلُ المَجْمُوعَ.

2:175Page 26

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ بِسَبَبِ كِتْمانِهِمُ الحَقَّ لِلْمَطامِعِ الدَّنِيَّةِ، والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ في الدُّنْيا ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ في الآخِرَةِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ، فَإنَّهُ لَمّا عَظُمَ وعِيدُ الكاتِمِينَ كانَ مَظِنَّةً أنْ يُسْألَ عَنْ سَبَبِ عِظَمِ وعِيدِهِمْ، فَقِيلَ: إنَّهم بِسَبَبِ الكِتْمانِ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، وإمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرِ لِأنَّ، والجُمْلَةُ الأُولى لِبَيانِ شِدَّةِ وعِيدِهِمْ، وهَذِهِ لِبَيانِ شَناعَةِ كِتْمانِهِمْ.

﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ أيْ: ما أشَدَّ صَبْرَهُمْ، وهو تَعْجِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ ارْتِكابِهِمْ مُوجِباتِها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، وإلّا فَأيُّ صَبْرٍ لَهُمْ، و(ما) في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قِيلَ: نَكِرَةٌ تامَّةٌ - وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ - وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ ضُمِّنَتْ مَعْنى التَّعَجُّبِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأخْفَشُ، وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وهي عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ خَبَرُها، أوْ خَبَرُها مَحْذُوفٌ إنْ كانَتْ صِفَةً أوْ صِلَةً، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ النَّحْوِ.

2:176Page 26

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦

That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: مَجْمُوعُ ما ذُكِرَ مِن أكْلِ النّارِ، وعَدَمِ التَّكْلِيمِ والتَّزْكِيَةِ والعَذابِ المُرَتَّبِ عَلى الكِتْمانِ.

﴿بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى نُزُل القُرْآنَ أوِ التَّوْراةَ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ البُطْلانِ أصْلًا فَرَفَضُوهُ، بِالتَّكْذِيبِ أوِ الكِتْمانِ.

﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ أيْ: في جِنْسِهِ، بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ - تَعالى - وكَفَرُوا بِبَعْضٍ أوْ في التَّوْراةِ، ومَعْنى اخْتَلَفُوا تَخَلَّفُوا عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ فِيها، أوْ جَعَلُوا ما بَدَّلُوهُ خَلَفًا عَمّا فِيها، أوْ في القُرْآنِ واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ سِحْرٌ، وبَعْضِهِمْ إنَّهُ شِعْرٌ، وبَعْضِهِمْ إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ.

﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ مُوجِبٍ لِأشَدِّ العَذابِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ. ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ( الواوَ ) لِلْحالِ والسَّبَبِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ راجِعَةٌ إلَيْها والتَّذْيِيلُ أُدْخِلَ في الذَّمِّ كَما لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском