Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:180–183
2:180Page 27
كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠
Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1
﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ بَيانُ حُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ، وفَصْلُهُ عَمّا سَبَقَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا، كَما فَصَلَ اللّاحِقَ لِذَلِكَ، ولَمْ يُصَدِّرْهُ بِـ يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لِقُرْبِ العَهْدِ بِالتَّنْبِيهِ مَعَ مُلابَسَتِهِ بِالسّابِقِ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِالأمْواتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ شاقًّا لَمْ يُصَدِّرْهُ كَما صَدَرَ الشّاقُّ تَنْشِيطًا لِفِعْلِهِ، والمُرادُ مِن ( حُضُورِ المَوْتِ ) حُضُورُ أسْبابِهِ، وظُهُورُ أماراتِهِ مِنَ العِلَلِ والأمْراضِ المُخَوِّفَةِ، أوْ حُضُورُهُ نَفْسِهِ ودُنُوُّهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ كَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ وقْتَ وُرُودِهِ عَلَيْها.
﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ: مالًا، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ومُجاهِدٌ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِكَوْنِهِ كَثِيرًا؛ إذْ لا يُقالُ في العُرْفِ لِلْمالِ: (خَيَّرا) إلّا إذا كانَ كَثِيرًا، كَما لا يُقالُ: فُلانٌ ذُو مالٍ، إلّا إذا كانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وجَماعَةٌ عَنْ عُرْوَةَ، أنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهُ في المَوْتِ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ أوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقالَ: ألا أُوصِي؟ قالَ: لا، إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ، فَدَعْ مالَكَ لِوَرَثَتِكَ. وما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّ رَجُلًا قالَ لَها: أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ، قالَتْ: كَمْ مالُكَ؟ قالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ، قالَتْ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وهَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ فَهو أفْضَلُ، والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الكَثْرَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِمِقْدارٍ، بَلْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالِ الرَّجُلِ، فَإنَّهُ بِمِقْدارٍ مِنَ المالِ يُوصَفُ رَجُلٌ بِالغِنى ولا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ لِكَثْرَةِ العِيالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - تَقْدِيرُها، فَقَدَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ: ”مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يُتْرَكْ خَيْرًا“، ومَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ أنَّ ( الوَصِيَّةَ ) مَشْرُوعَةٌ مِمّا قَلَّ أوْ كَثُرَ، فالخَيْرُ عِنْدَهُ المالُ مُطْلَقًا، وهو أحَدُ إطْلاقاتِهِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ إيذانًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُوصى بِهِ حَلالًا طَيِّبًا لا خَبِيثًا؛ لِأنَّ الخَبِيثَ يَجِبُ رَدُّهُ إلى أرْبابِهِ ويَأْثَمُ بِـ ( الوَصِيَّةِ ) فِيهِ.
﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾: مَرْفُوعٌ بِـ كُتُب وفي الرَّضِيِّ إذا كانَ الظّاهِرُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ مُنْفَصِلًا، فَتَرْكُ
صفحة 53
العَلامَةِ أحْسَنُ إظْهارًا لِفَضْلِ الحَقِيقِيِّ عَلى غَيْرِهِ، ولِهَذا اخْتِيرَ هُنا تَذْكِيرُ الفِعْلِ، والوَصِيَّة اسْمٌ مِن أوْصى يُوصِي، وفي القامُوسِ أوْصاهُ ووَصّاهُ تَوْصِيَةً عَهِدَ إلَيْهِ، والِاسْمُ الوِصايَةُ و( الوَصِيَّةُ ) وهي المُوصى بِهِ أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِها، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِها بِأنَّ مَعَ الفِعْلِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ بِالمَصْدَرِ بِناءً عَلى تَحْقِيقِ الرَّضِيِّ مِن أنَّ عَمَلَ المَصْدَرِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَأْوِيلِهِ، وهو الرّاجِحُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الرّاجِحَ في بَدَلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النّائِبُ عَلَيْكم والوَصِيَّة خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما المَكْتُوبُ؟ فَقِيلَ: هو الوَصِيَّةُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ( كُتِبَ عَلَيْكم ) وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾ والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ بِإضْمارِ الفاءِ؛ لِأنَّ الِاسْمِيَّةَ إذا كانَتْ جَزاءً لا بُدَّ فِيها مِنها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِـ كُتِبَ أوْ عَلَيْكم وحْدَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ، ورُدَّ بِأنَّ إضْمارَ الفاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، كَما قالَ الخَلِيلُ، والعامِلُ في (إذا) مَعْنى (كُتُب) والظَّرْفُ قُيِّدَ لِلْإيجابِ مِن حَيْثُ الحُدُوثُ والوُقُوعُ، والمَعْنى تَوَجُّهُ خِطابِ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْكم ومُقْتَضى كِتابَتِهِ إذا حُضِّرَ وغُيِّرَ إلى ما تَرى لِيُنَظَّمَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ مَكْتُوبٌ في الأزَلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العامِلُ الوَصِيَّةَ، وهي وإنْ كانَتِ اسْمًا، إلّا أنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِالمَصْدَرِ أوْ بِأنْ والفِعْلِ، والظَّرْفُ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ لَهُ شَأْنًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ لِتَنْزِيلِهِ مِنَ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ، وعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْهُ، ولِهَذا تُوُسِّعَ في الظُّرُوفِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِها، ولَيْسَ كُلُّ مُؤَوَّلٍ بِشَيْءِ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُوِّلَ بِهِ، وقَدْ كَثُرَ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ في الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ تَكَلُّفٌ، ولا يُرَدُّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّ الوَصِيَّةَ واجِبَةٌ عَلى ( مَن حَضَرَهُ المَوْتُ ) لا عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ حُضُورِ أحَدِهِمُ المَوْتُ؛ لِأنَّ أحَدَكم يُفِيدُ العُمُومَ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، فَمَعْنى ( إذا حُضِّرَ أحَدكم ) إذا حَضَرَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وإنَّما زِيدَ لَفْظُ أحَد لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَوْنِها فَرْضَ عَيْنٍ لا كِفايَةٍ كَما في ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ والقَوْلُ بِأنَّ الوَصِيَّةَ لَمْ تُفْرَضْ عَلى ( مَن حَضَرَهُ المَوْتُ ) فَقَطْ بَلْ عَلَيْهِ بِأنْ يُوصِي، وعَلى الغَيْرِ بِأنْ يَحْفَظَ ولا يُبَدِّلَ، ولِهَذا قالَ: عَلَيْكم وقالَ: أحَدكم؛ لِأنَّ المَوْتَ يَحْضُرُ أحَدَ المُخاطَبِينَ بِالِافْتِراضِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ حِفْظَ الوَصِيَّةِ إنَّما يُفْرَضُ عَلى البَعْضِ بَعْدَ الوَصِيَّةِ لا وقْتَ الِاحْتِضارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: فَرْضُ عَلَيْكم حَفِظَ الوَصِيَّةَ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾، ولِأنَّ إرادَةَ الإيصاءِ وحِفْظَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ( إذا ) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ ( إذا حُضِّرَ أحَدكم المَوْت ) فَلْيُوصِ إنْ تَرَكَ خَيْرًا فَلْيُوصِ، فَحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلُ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي لِدَلالَةِ الشَّرْطِ الأوَّلِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ، والشَّرْطُ الثّانِي عِنْدَ صاحِبِ التَّسْهِيلِ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ تارِكًا لِلْخَيْرِ فَلْيُوصِ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطَيْنِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كُتُب وفاعِلِهِ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإيصاءِ قَبْلُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الوَجْهَ مَعَ غَنائِهِ عَنْ تَكَلُّفِ تَصْحِيحِ الظَّرْفِيَّةِ وزِيادَةِ لَفْظِ أحَد أنْسَبُ بِالبَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ؛ حَيْثُ ورَدَ الحُكْمُ أوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ مُفَصَّلًا ووَقَعَ الِاعْتِراضُ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الوَصِيَّةِ الواجِبَةِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ مِن كَثْرَةِ الحَذْفِ المُهَوِّنَةِ لِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ كانَ في بَدْءِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وقَتادَةُ وشُرَيْحٌ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ، وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَطَبَهم عَلى راحِلَتِهِ، فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَمَ لِكُلِّ إنْسانٍ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ، فَلا تَجُوزُ لِوارِثٍ وصِيَّةٌ“،» وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ في خُطْبَتِهِ يَقُولُ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ“،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأحادِيثُ لِتَلَقِّي الأُمَّةِ لَها بِالقَبُولِ انْتَظَمَتْ في سِلْكِ المُتَواتِرِ
صفحة 54
فِي صِحَّةِ النَّسْخِ بِها عِنْدَ أئِمَّتِنا - قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم - بَلْ قالَ البَعْضُ: إنَّها مِنَ المُتَواتِرِ، وأنَّ التَّواتُرَ قَدْ يَكُونُ بِنَقْلِ مَن لا يُتَصَوَّرُ تَواطُؤُهم عَلى الكَذِبِ، وقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا عَمِلُوا بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ مِنهُمْ، عَلى أنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ بِآيَةِ المَوارِيثِ والأحادِيثُ مُبَيِّنَةٌ لِجِهَةِ نَسْخِها، وبَيَّنَ فَخْرُ الإسْلامِ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الوَصِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ فَرُتِّبَ المِيراثُ عَلى ( وصِيَّةٍ ) مُنْكَرَةً، ( والوَصِيَّةُ ) الأُولى كانَتْ مَعْهُودَةً، فَلَوْ كانَتْ تِلْكَ ( الوَصِيَّةُ ) باقِيَةً لَوَجَبَ تَرْتِيبُهُ عَلى المَعْهُودِ، فَلَمّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ورُتِّبَ عَلى المُطْلَقِ دَلَّ عَلى نَسْخِ الوَصِيَّةِ المُقَيَّدَةِ؛ لِأنَّ الإطْلاقَ بَعْدَ التَّقْيِيدِ نَسْخٌ كَما أنَّ التَّقْيِيدَ بَعْدَ الإطْلاقِ كَذَلِكَ لِتَغايُرِ المَعْنَيَيْنِ. والثّانِي: أنَّ النَّسْخَ نَوْعانِ؛ أحَدُهُما ابْتِداءٌ بَعْدَ انْتِهاءٍ مَحْضٍ، والثّانِي: بِطَرِيقِ الحَوالَةِ مِن مَحَلٍّ إلى آخَرَ كَما في نَسْخِ القِبْلَةِ، وهَذا مِن قَبِيلِ الثّانِي؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - فَرَضَ الإيصاءَ في الأقْرَبِينَ إلى العِبادِ، بِشَرْطِ أنْ يُراعُوا الحُدُودَ، ويُبَيِّنُوا حَقَّ كُلِّ قَرِيبٍ بِحَسَبِ قَرابَتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، ثُمَّ لَمّا كانَ المُوصِي قَدْ لا يُحْسِنُ التَّدْبِيرَ في مِقْدارِ ما يُوصِي لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، ورُبَّما كانَ يَقْصِدُ المُضارَّةَ تَوَلّى بِنَفْسِهِ بَيانَ ذَلِكَ الحَقِّ عَلى وجْهٍ تُيُقِّنَ بِهِ أنَّهُ الصَّوابُ، وأنَّ فِيهِ الحِكْمَةَ البالِغَةَ، وقَصَرَهُ عَلى حُدُودٍ لازِمَةٍ مِنَ السُّدْسِ والثُّلُثِ والنِّصْفِ والثُّمُنِ لا يُمْكِنُ تَغَيُّرُها، فَتَحَوَّلَ مِن جِهَةِ الإيصاءِ إلى المِيراثِ، فَقالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي فَوَّضَ إلَيْكم تَوَلّى شَأْنَهُ بِنَفْسِهِ؛ إذْ عَجَزْتُمْ عَنْ مَقادِيرِهِ لِجَهْلِكُمْ، ولَمّا بَيَّنَ بِنَفْسِهِ ذَلِكَ الحَقَّ بِعَيْنِهِ انْتَهى حُكْمُ تِلْكَ الوَصِيَّةِ لِحُصُولِ المَقْصُودِ بِأقْوى الطُّرُقِ كَمَن أمَرَهُ غَيْرُهُ بِإعْتاقِ عَبْدِهِ ثُمَّ أعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ بِذَلِكَ انْتَهى حُكْمُ الوَكالَةِ، وإلى ذَلِكَ تُشِيرُ الأحادِيثُ لِما أنَّ ( الفاءَ ) تَدُلُّ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، فَما قِيلَ: إنَّ مِن أنَّ آيَةَ المَوارِيثِ لا تُعارِضُ هَذا الحُكْمَ بَلْ تُحَقِّقُهُ مِن حَيْثُ تَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، والأحادِيثُ مِنَ الآحادِ، وتَلَقِّي الأُمَّةِ لَها بِالقَبُولِ لا تُلْحِقُها بِالمُتَواتِرِ، ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ عَنِ النَّسْخِ مَن فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِما أوْصى بِهِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ أوْ بِإيصاءِ المُحْتَضِرِ لَهم بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمْ عَلى ما فِيهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ كانَتْ واجِبَةً بِهَذِهِ الآيَةِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِأنْصِبائِهِمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ بَيانًا لِلْأنْصِباءِ بِلَفْظِ الإيصاءِ، فُهِمَ مِنها بِتَنْبِيهِ النَّبِيِّ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ المُرادَ مِنهُ هَذِهِ الوَصِيَّةُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - أوْصى بِنَفْسِهِ تِلْكَ الوَصِيَّةَ، ولَمْ يُفَوِّضْها إلَيْكُمْ، فَقامَ المِيراثُ مَقامَ الوَصِيَّةِ، فَكانَ هَذا مَعْنى النَّسْخِ، لا أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى رَفْعِ ذَلِكَ الحُكْمِ؛ لِأنَّ كَوْنَ آيَةِ المَوارِيثِ رافِعَةً لِذَلِكَ الحُكْمِ مُبَيِّنَةً لِانْتِهائِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشْتَبَهَ عَلى أحَدٍ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِالنَّسْخِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ وُجُوبَها صارَ مَنسُوخًا في حَقِّ الأقارِبِ الَّذِينَ يَرِثُونَ، وبَقِيَ في حَقِّ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ مِنَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، كَأنَّ يَكُونُوا كافِرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مَن لَمْ يُوصِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِذَوِي قَرابَتِهِ مِمَّنْ لا يَرِثُ فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ. ومِنهم مَن قالَ: إنَّ الوُجُوبَ صارَ مَنسُوخًا في حَقِّ الكافَّةِ، وهي مُسْتَحَبَّةٌ في حَقِّ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، واسْتَدَلَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الأقْرَبِينَ لا يَتَناوَلُ الوالِدَيْنِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ.
﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ 108﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْحَدَثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كُتُب وعامِلُهُ إمّا كُتُب أوْ ( حُقَّ ) مَحْذُوفًا؛ أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا، فَهو عَلى طَرْزِ قَعَدْتُ جُلُوسًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ كُتُبٍ عَلَيْكم وإنِ اعْتُبِرَ إنْشاءً، فَيَكُونُ عَلى طَرْزِ ( لَهُ عَلَيَّ ألْفٌ ) عُرْفًا، وجَعَلَهُ صِفَةً
صفحة 55
لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ إيصاءً، حَقًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ( عَلى المُتَّقِينَ ) صِفَةٌ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ عَلى المُخْتارِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَصْدَرِ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ المُطْلَقَ يَعْمَلُ نِيابَةً عَنِ الفِعْلِ، والمُرادُ بِـ المُتَّقِينَ المُؤْمِنُونُ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُحافَظَةَ عَلى الوَصِيَّةِ والقِيامَ بِها مِن شَعائِرِ المُتَّقِينَ الخائِفِينَ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - .
2:181Page 27
فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٨١
Then whoever alters it [i.e., the bequest] after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أيْ: غَيَّرَ الإيصاءَ مِن شاهِدٍ ووَصِيٍّ، وتَغْيِيرُ كُلٍّ مِنهُما إمّا بِإنْكارِ الوَصِيَّةِ مِن أصْلِها أوْ بِالنَّقْصِ فِيها، أوْ بِتَبَدُّلِ صِفَتِها أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وجَعَلَ الشّافِعِيَّةُ مِنَ التَّبْدِيلِ عُمُومَ وصِيَّتِهِ مَن أوْصى إلَيْهِ بِشَيْءٍ خاصٍّ، فالمُوصِي بِشَيْءٍ خاصٍّ لا يَكُونُ وصِيًّا في غَيْرِهِ عِنْدَهُمْ، ويَكُونُ عِنْدَنا، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّبْدِيلِ في شَيْءٍ، ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ: عَلِمَهُ وتَحَقَّقَ لَدَيْهِ، وكَنّى بِالسَّماعِ عَنِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ طَرِيقُ حُصُولِهِ، ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أيْ: فَما إثْمُ الإيصاءِ المُبْدَلِ أوِ التَّبْدِيلِ، والأوَّلُ رِعايَةً لِجانِبِ اللَّفْظِ، والثّانِي رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى، إلّا عَلى مُبَدِّلِيهِ لا عَلى المُوصِي؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خالَفُوا الشَّرْعَ وخانُوا، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى عِلِّيَةِ التَّبْدِيلِ لِلْإثْمِ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ مُراعاةً لِمَعْنى ( مَن )، وفِيهِ إشْعارٌ بِشُمُولِ الإثْمِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 181﴾ فَيَسْمَعُ أقْوالَ المُبَدِّلِينَ والمُوصِينَ، ويَعْلَمُ بِنِيّاتِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى وُفْقِها، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِينَ ووَعْدٌ لِلْمُوصِينَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الفَرْضَ يَسْقُطُ عَنِ المُوصِي بِنَفْسِ الوَصِيَّةِ، ولا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِها، وعَلى أنَّ مَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأوْصى بِقَضائِهِ يَسْلَمُ مِن تَبِعَتِهِ في الآخِرَةِ، وإنْ تَرَكَ الوَصِيُّ والوارِثُ قَضاءَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ألْكِيا، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ المَدْيُونَ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ مُطْلَقًا ولا يُحْبَسُ في قَبْرِهِ، كَما يَقُولُهُ النّاسُ، أمّا إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وماتَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقِيَ حَيًّا لا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ إعْسارِهِ، سِوى نَظِرَةٍ إلى مَيْسَرَةٍ، فَمُؤاخَذَتُهُ وحَبْسُهُ في قَبْرِهِ بَعْدَ ذَهابِهِ إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ، وأمّا إذا تَرَكَ شَيْئًا وعَلِمَ الوارِثُ بِالدَّيْنِ أوْ بِرِهْنٍ عَلَيْهِ بِهِ كانَ هو المُطالَبُ بِأدائِهِ والمُلْزَمُ بِوَفائِهِ، فَإذا لَمْ يُؤَدِّ ولَمْ يَفِ أُوخِذَ هو لا مَن ماتَ وتَرَكَ ما يُوَفّى مِنهُ دَيْنُهُ كُلًّا أوْ بَعْضًا، فَإنَّ مُؤاخَذَةَ مَن يَقُولُ يا رَبِّ تَرَكْتُ ما يَفِي ولَمْ يَفِ عَنِّي مَن أوْجَبْتَ عَلَيْهِ الوَفاءَ بَعْدِي، ولَوْ أمْهَلَتَنِي لَوَفَّيْتُ مِمّا يُنافِي الحِكْمَةَ ولا تَقْتَضِيهِ الرَّحْمَةُ، نَعَمِ المُؤاخَذَةُ مَعْقُولَةٌ فِيمَنِ اسْتَدانَ لِحَرامٍ، وصَرَفَ المالَ في غَيْرِ رِضا المَلِكِ العَلّامِ، وما ورَدَ في الأحادِيثِ مَحْمُولٌ عَلى هَذا أوْ نَحْوِهِ، وأخْذُ ذَلِكَ مُطْلَقًا مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ.
2:182Page 28
فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢
But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ الجَنَفُ مَصْدَرُ جَنِفَ كَفَرِحَ مُطْلَقُ المَيْلِ والجَوْرِ، والمُرادُ بِهِ المَيْلُ في الوَصِيَّةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالإثْمِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ بِالقَصْدِ، ومَعْنى خافَ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ تَرْوِي عِظامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها ولا تَدْفِنَنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقَها وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الخَوْفَ حالَةٌ تَعْتَرِي عِنْدَ انْقِباضٍ مِن شَرٍّ مُتَوَقَّعٍ، فَلِتِلْكَ المُلابَسَةِ اسْتُعْمِلَ في التَّوَقُّعِ، وهو قَدْ يَكُونُ مَظْنُونَ الوُقُوعِ، وقَدْ يَكُونُ مَعْلُومُهُ، فاسْتُعْمِلَ فِيهِما بِمَرْتَبَةٍ ثانِيَةٍ، ولِأنَّ الأوَّلَ أكْثَرُ كانَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ أظْهَرَ، ثُمَّ أصْلُهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الظَّنِّ والعِلْمِ بِالمَحْذُورِ، وقَدْ يَتَّسِعُ في إطْلاقِهِ عَلى المُطْلَقِ، وإنَّما حُمِلَ عَلى المَجازِ هُنا؛ لِأنَّهُ لا مَعْنًى لِلْخَوْفِ مِنَ المَيْلِ والإثْمِ بَعْدَ وُقُوعِ الإيصاءِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرُ حَفْصٍ ويَعْقُوبَ: ( مِن مُوَصٍّ ) بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ المُوصى لَهم مِنَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: المُرادُ فِعْلُ ما فِيهِ الصَّلاحُ بَيْنَ المُوصِي والمُوصى لَهُ، بِأنْ يَأْمُرَ بِالعَدْلِ والرُّجُوعِ عَنِ الزِّيادَةِ، وكَوْنِها لِلْأغْنِياءِ
صفحة 56
وعَلَيْهِ لا يُرادُ الصُّلْحُ المُرَتَّبُ عَلى الشِّقاقِ، فَإنَّ المُوصِي والمُوصى لَهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما شِقاقٌ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في ذَلِكَ التَّبْدِيلِ؛ لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ السّابِقِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ إذا أوْصى بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لا تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ كُلُّها خِلافًا لِزاعِمِهِ، وإنَّما يَبْطُلُ مِنها ما زادَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمْ يُبْطِلِ الوَصِيَّةَ جُمْلَةً بِالجَوْرِ فِيها، بَلْ جَعَلَ فِيها الوَجْهَ الأصْلَحَ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 182﴾ تَذْيِيلٌ أتى بِهِ لِلْوَعْدِ بِالثَّوابِ لِلْمُصْلِحِ عَلى إصْلاحِهِ وذِكْرِ المَغْفِرَةِ، مَعَ أنَّ الإصْلاحَ مِنَ الطّاعاتِ، وهي إنَّما تَلِيقُ مِن فِعْلِ ما لا يَجُوزُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الإثْمِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ، ولِذَلِكَ حَسُنَ ذِكْرُها، وفائِدَتُها التَّنْبِيهُ عَلى الأعْلى بِما دُونَهُ، يَعْنِي أنَّهُ - تَعالى - غَفُورٌ لِلْآثامِ، فَلِأنْ يَكُونَ رَحِيمًا مَن أطاعَهُ مِن بابِ الأوْلى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُها وعْدًا لِلْمُصْلِحِ بِمَغْفِرَةِ ما يَفْرُطُ مِنهُ في الإصْلاحِ؛ إذْ رُبَّما يَحْتاجُ فِيهِ إلى أقْوالٍ كاذِبَةٍ وأفْعالٍ تَرْكُها أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ غَفُورٌ لِلْجَنَفِ والإثْمِ الَّذِي وقَعَ مِنَ المُوصِي بِواسِطَةِ إصْلاحِ الوَصِيِّ وصِيَّتَهُ، أوْ غَفُورٌ لِلْمُوصِي بِما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الخَطَأِ والعَمَلِ إذْ رَجَعَ إلى الحَقِّ، أوْ غَفُورٌ لِلْمُصْلِحِ بِواسِطَةِ إصْلاحِهِ بِأنْ يَكُونَ الإصْلاحُ مُكَفِّرًا لِسَيِّئاتِهِ والكُلُّ بَعِيدٌ.
2:183Page 28
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣
O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ بَيانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ مَعَ بُعْدِ العَهْدِ، والصِّيام كالصَّوْمِ مَصْدَرُ صامَ، وهو لُغَةً الإمْساكُ، ومِنهُ يُقالُ لِلصَّمْتِ صَوْمٌ؛ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ تَمْكُثُ حَرَكَتُهُ فَقَدْ صامَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ - صائِمَةٍ تَحْتَ العِجاجِ
- وأُخْرى تَعُلُكُ اللُّجَما فَصامَتِ الرِّيحِ رَكَدَتْ، وصامَتِ الشَّمْسُ إذا اسْتَوَتْ في مُنْتَصَفِ النَّهارِ، وشَرْعًا إمْساكٌ عَنْ أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ في زَمانٍ مَخْصُوصٍ مِمَّنْ هو عَلى صِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ، ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيِ: الأنْبِياءِ والأُمَمِ مِن لَدُنْ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى يَوْمِنا كَما هو ظاهِرُ عُمُومِ المَوْصُولِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم أهْلُ الكِتابِ. وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُمُ النَّصارى. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وتَرْغِيبُ فِيهِ وتَطْيِيبٌ لِأنْفُسِ المُخاطَبِينَ فِيهِ، فَإنَّ الأُمُورَ الشّاقَّةَ إذا عَمَّتْ طابَتْ، والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ إمّا المُماثَلَةُ في أصْلِ الوُجُوبِ وعَلَيْهِ أبُو مُسْلِمٍ والجِبّائِيُّ، وإمّا في الوَقْتِ والمِقْدارِ، بِناءً عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ فُرِضَ عَلَيْهِمْ صَوْمُ رَمَضانَ، فَتَرَكَهُ اليَهُودُ إلى صَوْمِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ زَعَمُوا أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وزادَ فِيهِ النَّصارى يَوْمًا قَبْلُ ويَوْمًا بَعْدُ احْتِياطًا، حَتّى بَلَغُوا فِيهِ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ في الحَرِّ، فَنَقَلُوهُ إلى زَمَنِ نُزُولِ الشَّمْسِ بُرْجَ الحَمَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ حَنْظَلَةَ والنَّحّاسُ والطَّبَرانِيُّ «عَنْ مُغَفَّلِ بْنِ حَنْظَلَةَ مَرْفُوعًا: كانَ عَلى النَّصارى صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ فَمَرِضَ مَلِكُهُمْ، فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ تَعالى لَنَزِيدَنَّ عَشْرًا، ثُمَّ كانَ آخَرُ فَأكَلَ لَحْمًا فَأُوِجِعَ فُوهُ، فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لَنَزِيدَنَّ سَبْعَةً، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ آخَرُ، فَقالَ: ما نَدَعُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ أيّامٍ شَيْئًا أنْ نُتِمَّها ونَجْعَلَ صَوْمَنا في الرَّبِيعِ فَفَعَلَ فَصارَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا». وفي كَما خَمْسَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها: أنَّ مَحِلَّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُتِبَ كَتْبًا، مِثْلَ ما كُتِبَ. الثّانِي: أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ المَصْدَرِ المَعْرِفَةِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الكَتْبَ، مُشَبَّهًا بِما كُتِبَ، و( ما ) عَلى الوَجْهَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مِن لَفْظِ الصِّيامِ؛ أيْ: صَوْمًا مُماثِلًا لِلصَّوْمِ المَكْتُوبِ عَلى مَن قَبْلَكُمُ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصِّيامِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُماثِلًا لِما كُتِبَ، و( ما ) عَلى الوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلصِّيامِ بِناءً عَلى أنَّ المُعَرَّفَ ( بِألِ ) الجِنْسِيَّةِ
صفحة 57
قَرِيبٌ مِنَ النَّكِرَةِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ 183﴾ أيْ: كَيْ تَحْذَرُوا المَعاصِيَ، فَإنَّ الصَّوْمَ يُعْقِمُ الشَّهْوَةَ الَّتِي هي أُمُّها أوْ يَكْسِرُها، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّ لَهُ وِجاءً“،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدِّرَ المَفْعُولُ الإخْلالَ بِأدائِهِ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (كُتِبَ) مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّشْبِيهِ، وعَلى الثّانِي بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكم مِثْلُ ما كُتِبَ عَلى الأوَّلِينَ لِكَيْ ( تَتَّقُوا ) الإخْلالَ بِأدائِهِ بَعْدَ العِلْمِ بِأصالَتِهِ وقِدَمِهِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أعْلَمْتُكُمُ الحُكْمَ المَذْكُورَ لِذَلِكَ، كَما قِيلَ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُنَزَلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ أيْ: لِكَيْ تَصِلُوا بِذَلِكَ إلى رُتْبَةِ التَّقْوى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences