Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:191–195

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:191–195

2:191Page 30

وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١

And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهم كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -:

فَإمّا يَثْقَفَنَّ بَنِي لُوَيٍّ جَذِيمَةُ إنَّ قَتْلَهُمُ دَواءُ

وأصْلُ الثَّقَفِ الحَذَقُ في إدْراكِ الشَّيْءِ، عَمَلًا كانَ أوْ عِلْمًا، ويُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في مُطْلَقِ الإدْراكِ، والفِعْلُ مِنهُ ثَقَفَ كَكَرَمَ وفَرِحَ، ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: مَكَّةَ، وقَدْ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ، وهَذا الأمْرُ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ، والمُرادُ: افْعَلُوا كُلَّ ما يَتَيَسَّرُ لَكم مِن هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّ الأمْرَ بِالإخْراجِ لا يُجامِعُ الأمْرَ بِالقَتْلِ، فَإنَّ القَتْلَ والإخْراجَ لا يَجْتَمِعانِ، ولا حاجَةَ إلى ما تُكُلِّفَ مِن أنَّ المُرادَ إخْراجُ مَن دَخَلَ في الأمانِ أوْ وجَدُوهُ بِالأمانِ، كَما لا يَخْفى، ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيْ: شِرْكُهم في الحَرَمِ أشَدُّ قُبْحًا، فَلا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ ارْتِكابُ القَبِيحِ لِدَفْعِ الأقْبَحِ، فَهو مُرَخَّصٌ لَكم ويُكَفَّرُ عَنْكُمْ، أوِ المِحْنَةُ الَّتِي يَفْتَتِنُ بِها الإنْسانُ كالإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ المُحَبَّبِ لِلطِّباعِ السَّلِيمَةِ أصْعَبُ مِنَ القَتْلِ؛ لِدَوامِ تَعَبِها وتَألُّمِ النَّفْسِ بِها، ومِن هُنا قِيلَ: لَقَتْلٌ بِحَدِّ سَيْفٍ أهْوَنُ مَوْقِعًا عَلى النَّفْسِ مِن قَتْلٍ بِحَدِّ فِراقِوا لْجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ مِن بابِ التَّكَمُّلِ والِاحْتِراسِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( واقْتِلُوهم ) إلَخْ عَنْ تَوَهُّمِ أنَّ القِتالَ في الحَرَمِ قَبِيحٌ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ، وعَلى الثّانِي تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾ إلَخْ لِبَيانِ حالِ الإخْراجِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، وأصْلُ الفِتْنَةِ عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ لِاسْتِخْلاصِهِ مِنَ الغِشِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الِابْتِلاءِ والعَذابِ والصَّدِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ والشِّرْكِ بِهِ، وبِالأخِيرِ فَسَّرَها أبُو العالِيَةِ في الآيَةِ.

﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَبْدَءُوا القِتالَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ الشَّرِيفِ حَتّى يَكُونَ هُمُ الَّذِينَ يُبْدَءُونَ، فالنَّهْيُ عَنِ المُقاتَلَةِ الَّتِي هي فِعْلُ اثْنَيْنَ بِاعْتِبارِ نَهْيِهِمْ عَنْ الِابْتِداءِ بِها الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِها، وكَذا كَوْنُها غايَةً بِاعْتِبارِ المُفاتَحَةِ؛ لِئَلّا يَلْزَمَ كَوْنُ الشَّيْءِ غايَةً لِنَفْسِهِ.

﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ نَفْيٌ لِلْحَرَجِ عَنِ القِتالِ في الحَرَمِ الَّذِي خافَ مِنهُ المُسْلِمُونَ وكَرِهُوهُ؛ أيْ: إنْ قاتَلُوكم هُناكَ فَلا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ هَتَكُوا الحُرْمَةَ، وأنْتُمْ في قِتالِهِمْ دافِعُونَ القَتْلَ عَنْ أنْفُسِكُمْ، وكانَ الظّاهِرُ الإتْيانُ بِأمْرِ المُفاعَلَةِ، إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى أمْرِ فِعْلِ بِشارَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ؛ أيْ: هم مِنَ الخِذْلانِ وعَدَمِ النَّصْرِ بِحَيْثُ

صفحة 76

أُمِرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( ولا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم ) واعْتَرَضَ الأعْمَشُ عَلى حَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ قِراءَتَكَ إذا صارَ الرَّجُلُ مَقْتُولًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ يَصِيرُ قاتِلًا لِغَيْرِهِ؟ فَقالَ حَمْزَةُ: إنَّ العَرَبَ إذا قَتَلَ مِنهم رَجُلٌ قالُوا: قَتَلْنا، وإذا ضَرَبَ مِنهُمُ الرَّجُلُ، قالُوا: ضَرَبْنا، وحاصِلُهُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلى المَفْعُولِ، وهو لَفْظُ بَعْضٍ، فَلا يَلْزَمُ كَوْنَ المَقْتُولِ قاتِلًا، وأمّا إسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ فَمَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفِعْلَ الواقِعَ مِنَ البَعْضِ بِرِضا البَعْضِ الآخَرِ يُسْنَدُ إلى الكُلِّ عَلى التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ، فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى التَّقْدِيرِ، ولِذا اكْتَفى الأعْمَشُ في السُّؤالِ بِجانِبِ المَفْعُولِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ولا تَقْتُلُوهم ) جازَ عَلى حَقِيقَةٍ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى السَّلْبِ الكُلِّيِّ؛ أيْ: لا يَقْتُلُ واحِدٌ مِنكم واحِدًا مِنهم حَتّى يَقَعَ مِنهم قَتْلُ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّأْوِيلَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ القِراءَةِ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ في ( لا تُقاتِلُوهم )؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تُفاتِحُوهُمْ، والمُفاتَحَةُ لا تَكُونُ إلّا بِشُرُوعِ البَعْضِ بِقِتالِ البَعْضِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ خَفِيَ عَلى بَعْضِ النّاظِرِينَ فَتَدَبَّرْ.

﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ 191﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: يُفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلُوا، و( الكافِرِينَ ) إمّا مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ المَذْكُورُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجارُّ في المَشْهُورِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ أنَّ الكافَ بِمَعْنى مِثْلَ مُبْتَدَأٍ وجَزاءٌ خَبَرُهُ؛ إذْ لا وجْهَ لِلتَّقْدِيمِ.

2:192Page 30

فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢

And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ، كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، أوْ عَنْهُ وعَنِ القِتالِ كَما قِيلَ: لِقَرِينَةِ ذِكْرِ الأمْرَيْنِ.

﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 192﴾ فَيَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ، واسْتُدِلَّ بِهِ في البَحْرِ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ قاتِلِ العَمْدِ؛ إذْ كانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مَأْثَمًا مِنَ القَتْلِ، وقَدْ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنهُ،

2:193Page 30

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قاتَلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ) والأوَّلُ مَسُوقٌ لِوُجُوبِ أصْلِ القِتالِ، وهَذا لِبَيانِ غايَتِهِ، والمُرادُ مِنَ ( الفِتْنَةِ ) الشِّرْكُ عَلى ما هو المَأْثُورُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لَيْسَ في حَقِّهِمْ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾، ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ كَما يُشْعِرُ بِهِ اللّامُ، ولَمْ يَجِئْ هُنا كَلِمَةُ كُلِّهِ، كَما في آيَةِ الأنْفالِ؛ لِأنَّ ما هُنا في مُشْرِكِي العَرَبِ، وما هُناكَ في الكُفّارِ عُمُومًا، فَناسَبَ العُمُومُ هُناكَ وتَرْكُهُ هُنا، ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الغايَةِ، فالمُتَعَلِّقُ الشِّرْكُ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ 193﴾ عِلَّةً لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ ( فَإنَّ انتهوا ) وأسْلَمُوا فَلا تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ( العُدْوانَ عَلى الظّالِمِينَ ) والمُنْتَهُونَ لَيْسُوا بِظالِمِينَ، والمُرادُ نَفْيُ الحُسْنِ والجَوازِ لا نَفْيَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ ( العُدْوانَ ) واقِعٌ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ، والمُرادُ مِنَ ( العُدْوانِ ) العُقُوبَةُ بِالقَتْلِ، وسُمِّيَ القَتْلُ عُدْوانًا مِن حَيْثُ كانَ عُقُوبَةً (لِلْعُدْوانِ) وهو الظُّلْمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ وحَسُنَ ذَلِكَ لِازْدِواجِ الكَلامِ والمُزاوَجَةُ هُنا مَعْنَوِيَّةٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ سُمِّيَ جَزاءُ الظُّلْمِ ظُلْمًا؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ عَدْلًا مِنَ المُجازِي، لَكِنَّهُ ظُلْمٌ في حَقِّ الظّالِمِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ ظُلْمٌ بِالسَّبَبِ لِإلْحاقِ هَذا الجَزاءِ بِهِ، وقِيلَ: لا حَذْفَ، والمَذْكُورُ هو الجَزاءُ عَلى مَعْنى فَلا تَعْتَدُوا عَلى المُنْتَهِينَ إمّا بِجَعْلِ ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ بِمَعْنى: ( فَلا عُدْوانَ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ ) المُكَنّى بِهِ عَنِ المُنْتَهِينَ، أوْ جَعْلِ اخْتِصاصِ العُدْوانِ بِالظّالِمِينَ، كِنايَةً عَنْ عَدَمِ جَوازِ العُدْوانِ عَلى غَيْرِهِمْ، وهُمُ المُنْتَهُونَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَصِيرُ الحُكْمُ الثُّبُوتِيُّ المُسْتَفادُ مِنَ القَصْرِ زائِدًا، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَصِيرُ المُكَنّى عَنْهُ مِنَ المُكَنّى بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ هو الجَزاءُ

صفحة 77

ومَعْنى ( الظّالِمِينَ ) المُتَجاوِزِينَ عَنْ حَدِّ حُكْمِ القِتالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الشِّرْكِ ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى﴾ المُتَجاوِزِينَ عَمّا حَدَّهُ اللَّهُ - تَعالى - لِلْقِتالِ، وهُمُ المُتَعَرِّضُونَ لِلْمُنْتَهِينَ، ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُتَّقِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ، وتَنْعَكِسُ الحالُ عَلَيْكُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قِتالِ المُنْتَهِينَ ما لا يَخْفى، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذا المَعْنى يَسْتَدْعِي حَذْفَ الجَزاءِ، وجَعْلَ المَذْكُورِ عِلَّةً لَهُ عَلى مَعْنى ( فَإنَّ انتهوا ) فَلا تَتَعَرَّضُوهُمْ؛ لِئَلّا تَكُونُوا ظالِمِينَ، فَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْكم مَن يَعْدُوا عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّ (العُدْوانَ) لا يَكُونُ ﴿إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أوْ فَإنَّ انتهوا يُسَلِّطُ عَلَيْكم مَن يَعْدُوا عَلَيْكم عَلى تَقْدِيرِ تَعَرُّضِكم لَهم لِصَيْرُورَتِكم ظالِمِينَ بِذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.

2:194Page 30

ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤

[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.

﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامُ﴾ قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القِعْدَةِ قِتالًا خَفِيفًا بِالرَّمْيِ بِالسِّهامِ والحِجارَةِ، فاتَّفَقَ خُرُوجُهم لِعُمْرَةِ القَضاءِ فِيهِ، فَكَرِهُوا أنْ يُقاتِلُوهم لِحُرْمَتِهِ، فَقِيلَ: هَذا ( الشَّهْرُ الحَرامُ ) بِذَلِكَ، وهَتْكُهُ بِهَتْكِهِ، فَلا تُبالُوا بِهِ، ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ أيِ: الأُمُورُ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُحافَظَ عَلَيْها ذَواتُ ( قِصاصٍ ) أوْ مُقاصَّةٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الحُكْمِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُبالُوا بِدُخُولِكم عَلَيْهِ عَنْوَةً، وهَتْكُ حُرْمَةِ هَذا الشَّهْرِ ابْتِداءً بِالغَلَبَةِ، فَإنَّ ( الحُرُماتِ ) يَجْرِي فِيها ( القِصاصُ ) فالصَّدُ قِصاصُهُ العَنْوَةُ، ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَهُ، وهو أخَصُّ مُفادًا مِنهُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَشْمَلُ ما إذا هَتَكَ حُرْمَةَ الإحْرامِ والصَّيْدِ والحَشِيشِ مَثَلًا بِخِلافِ هَذا، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامُ﴾ ولا يُنافِي ذَلِكَ فَذْلَكِيَّتَهُ مَعْطُوفًا ( بِالفاءِ ) والأمْرُ لِلْإباحَةِ؛ إذِ العَفْوُ جائِزٌ، ومَن تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ ( الفاءُ ) صِلَةً في الخَبَرِ، ( والباءُ ) تُحَتِّمُ الزِّيادَةَ وعَدَمَها، واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ القاتِلَ يُقْتَلُ بِمِثْلِ ما قَتَلَ بِهِ مِن مُحَدَّدٍ، أوْ خَنْقٍ، أوْ حَرْقٍ، أوْ تَجْوِيعٍ، أوْ تَغْرِيقٍ، حَتّى لَوْ ألْقاهُ في ماءٍ عَذْبٍ لَمْ يُلْقَ في ماءٍ مِلْحٍ، واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى أنَّ مَن غَصَبَ شَيْئًا وأتْلَفَهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِهِ، ثُمَّ إنَّ المَثَلَ قَدْ يَكُونُ مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ، كَما في ذَواتِ الأمْثالِ، وقَدْ يَكُونُ مِن طَرِيقِ المَعْنى كالقِيَمِ فِيما لا مِثْلَ لَهُ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الِانْتِصارِ لِأنْفُسِكم وتَرْكِ الِاعْتِداءِ بِما لَمْ يُرَخِّصْ لَكم فِيهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ 194﴾ بِالنَّصْرِ والعَوْنِ، ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قاتَلُوا ) أيْ: ولْيَكُنْ مِنكم إنْفاقٌ ما في سَبِيلِهِ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ بِتَرْكِ الغَزْوِ والإنْفاقِ فِيهِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِما تَأْكِيدًا لَهُما، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي عِمْرانَ، قالَ: «كُنّا بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَخَرَجَ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ حَتّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَقالَ النّاسُ: ألْقى بِيَدَيْهِ إلى التَّهْلُكَةِ، فَقامَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ فَقالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّكم تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذا التَّأْوِيلَ، وإنَّما نَزَلَتْ فِينا - مَعاشِرَ الأنْصارِ -، إنّا لَمّا أعَزَّ اللَّهُ - تَعالى - دِينَهُ وكَثُرَ ناصِرُوهُ قالَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنَّ أمْوالَنا قَدْ ضاعَتْ، وإنَّ اللَّهَ - تَعالى - قَدْ أعَزَّ الإسْلامَ، وكَثُرَ ناصِرُوهُ، فَلَوْ أقَمْنا في أمْوالِنا فَأصْلَحْنا ما ضاعَ مِنها، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - عَلى نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما يَرُدُّ عَلَيْنا ما قُلْنا».

2:195Page 30

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥

And spend in the way of Allāh and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allāh loves the doers of good.

﴿وأنْفِقُوا﴾ إلَخْ، فَكانَتِ ( التَّهْلُكَةُ ) الإقامَةُ في الأمْوالِ وإصْلاحُها وتَرْكُ الغَزْوِ. وقالَ الجِبّائِيُّ: ( التَّهْلُكَةُ ) الإسْرافُ في الإنْفاقِ، فالمُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالإنْفاقِ؛ تَحَرِّيًا لِلطَّرِيقِ الوَسَطِ

صفحة 78

بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فِيهِ، ورَوى البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّها البُخْلُ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ المُؤَبَّدِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُؤَكِّدًا لِلْأمْرِ السّابِقِ، واخْتارَ البَلْخِيُّ أنَّها اقْتِحامُ الحَرْبِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، وإيقاعُ النَّفْسِ في الخَطَرِ والهَلاكِ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُتَعَلِّقًا بِـ قاتَلُوا نَهْيًا عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الشَّجاعَةِ، وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وجَماعَةٌ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ هو الرَّجُلُ يَلْقى العَدُوَّ فَيُقاتِلُ حَتّى يُقْتَلَ، قالَ: لا، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُلْقِي بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ: لا يَغْفِرُ اللَّهُ - تَعالى - لِي أبَدًا، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهو في غايَةِ البُعْدِ، ولَمْ أرَ مَن صَحَّحَ الخَبَرَ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - سِوى الحاكِمِ، وتَصْحِيحُهُ يُوثَقُ بِهِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ العُمُومُ والإلْقاءُ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ إلى جِهَةِ السُّفْلِ وأُلْقِيَ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ مَجازٌ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن أخَذَ في عَمَلٍ ألْقى يَدَيْهِ إلَيْهِ وفِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في الشَّمْسِ:

حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها

وعُدِّيَ ( بِإلى ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ أوِ الإنْهاءِ، ( والباءُ ) مَزِيدَةٌ في المَفْعُولِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّهْيِ؛ لِأنَّ ( ألْقى ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ﴾ وزِيادَتُها في المَفْعُولِ لا تَنْقاسُ، والمُرادُ بِالأيْدِي الأنْفُسُ مَجازًا، وعَبَّرَ بِها عَنْها؛ لِأنَّ أكْثَرَ ظُهُورِ أفْعالِها بِها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، والأيْدِي بِمَعْناها، والمَعْنى لا تَجْعَلُوا التَّهْلُكَة آخِذَةً بِأيْدِيكم قابِضَةً إيّاها، وأنْ تَكُونَ غَيْرَ مَزِيدَةٍ، ( والأيْدِي ) أيْضًا عَلى حَقِيقَتِها، ويَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا؛ أيْ: لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم أنْفُسَكم إلى ﴿التَّهْلُكَةِ﴾ وفائِدَةُ ذِكْرِ ( الأيْدِي ) حِينَئِذٍ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنِ الإلْقاءِ إلَيْها بِالقَصْدِ والِاخْتِيارِ، والتَّهْلُكَة مَصْدَرٌ كالهَلَكِ والهَلاكِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ مَصْدَرٌ عَلى تَفْعُلَةٍ ( بِضَمِّ العَيْنِ ) إلّا هَذا في المَشْهُورِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ: ( تَضُرَّةٌ وتَسُرَّةٌ ) أيْضًا بِمَعْنى الضَّرَرِ والسُّرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أصْلُها ( تَهْلِكَةً بِكَسْرِ اللّامِ ) مَصْدَرُ هَلَكَ مُشَدَّدًا كالتَّجْرِبَةِ والتَّبْصِرَةِ، فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ ضَمَّةً، وفِيهِ أنَّ مَجِيءَ تَفْعِلَةٍ بِالكَسْرِ مِن فِعْلِ المُشَدَّدِ الصَّحِيحِ الغَيْرِ المَهْمُوزِ شاذٌّ، والقِياسُ تَفْعِيلٌ، وإبْدالُ الكَسْرَةِ بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ في غايَةِ الشُّذُوذِ، وتَمْثِيلُهُ بِالجُوارِ مَضْمُومِ الجِيمِ في جِوارٍ مَكْسُورِها لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في الإبْدالِ، لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِناءُ المَصْدَرِ فِيهِ عَلى فُعالٍ مَضْمُومِ الفاءِ شُذُوذًا، يُؤَيِّدُهُ ما في الصِّحاحِ جاوَرْتُهُ مُجاوَرَةً وجِوارًا وجُوارًا، والكَسْرُ أفْصَحُ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ ( التَّهْلُكَةِ ) والهَلاكِ، بِأنَّ الأوَّلَ ما يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، والثّانِي ما لا يُمْكِنُ، وقِيلَ: الهَلاكُ مَصْدَرٌ، و( التَّهْلُكَةُ ) نَفْسُ الشَّيْءِ المُهْلِكِ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ المَشْهُورِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الإقْدامِ عَلى ما يُخافُ مِنهُ تَلَفُ النَّفْسِ، وجَوازِ الصُّلْحِ مَعَ الكُفّارِ والبُغاةِ إذا خافَ الإمامُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى المُسْلِمِينَ ﴿وأحْسِنُوا﴾ أيْ: بِالعَوْدِ عَلى المُحْتاجِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: أحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعالى، وأحْسَنُوا في أعْمالِكم بِامْتِثالِ الطّاعاتِ، ولَعَلَّهُ أوْلى.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ 195﴾ ويُثِيبُهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском