Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:200–203
2:200Page 31
فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ ٢٠٠
And when you have completed your rites, remember Allāh like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.
﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ أيْ: أدَّيْتُمْ عِباداتِكُمُ الحَجِّيَّةِ وفَرَغْتُمْ مِنها ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ أيْ: كَما كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهم عِنْدَ فَراغِ حَجِّكم بِالمَفاخِرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَجْلِسُونَ بَعْدَ الحَجِّ، فَيَذْكُرُونَ أيّامَ آبائِهِمْ وما يَعُدُّونَ مِن أنْسابِهِمْ يَوْمَهم أجْمَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - ذَلِكَ ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ إمّا مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ
صفحة 90
عَلى الذِّكْرِ، بِجَعْلِ الذِّكْرِ ذاكِرًا عَلى المَجازِ، والمَعْنى: واذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ كَذِكْرٍ أشَدَّ مِنهُ وأبْلَغَ، أوْ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الخافِضِ في السَّعَةِ بِمَعْنى ( أوْ كَذِكْرِ قَوْمٍ أشَدِّ مِنكم ذِكْرًا ) وإمّا مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى آباءَكم وذَكَرا مِن فِعْلِ المَبْنِي لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى ( أوْ كَذِكْرِكم أشَدَّ مَذْكُورِيَّةً مِن آبائِكم ) أوْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ: لِيَكُنْ ذِكْرُكُمُ اللَّهَ - تَعالى - أشَدَّ مِن ذِكْرِكم آباءَكُمْ، أوْ كُونُوا أشَدَّ ذِكْرًا لِلَّهِ - تَعالى - مِنكم لِآبائِكم كَذا قِيلَ، واخْتارَ في البَحْرِ أنْ يَكُونَ أشَدّ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ذَكَرا المَنصُوبِ بِـ اذكروا؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ عَنْهُ لَكانَ صِفَةً لَهُ وحَسُنَ تَأخُّرُ ذِكْرًا؛ لِأنَّهُ كالفاصِلَةِ ولِزَوالِ قَلَقِ التَّكْرارِ؛ إذْ لَوْ قُدِّمَ لَكانَ التَّرْكِيبُ: ( فاذْكَرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم )، أوِ ( اذْكُرُوا ذِكْرًا أشَدَّ)، وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ: أوْ أشْدُ بِدُونِ ذِكْرًا بِأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى كَذِكْرِكم صِفَةً لِلذِّكْرِ المُقَدَّرِ، وأنَّ المَطْلُوبَ الذِّكْرُ المَوْصُوفُ بِالأشَدِّيَّةِ لا طَلَبُهُ حالَ الأشَدِّيَّةِ.
﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِلْحَثِّ والإكْثارِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - وطَلَبِ ما عِنْدَهُ، وفِيها تَفْصِيلٌ لِلذّاكِرِينَ مُطْلَقًا حُجّاجًا أوْ غَيْرُهُمْ، كَما هو الظّاهِرُ إلى مُقِلٍّ لا يَطْلُبُ بِذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - إلّا الدُّنْيا، ومُكْثِرٍ يَطْلُبُ خَيْرَ الدّارَيْنِ، وما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ عِبادَتَنا لِذاتِهِ - تَعالى - فارِغَةٌ مِنَ الأغْراضِ والأعْراضِ جَهْلٌ عَظِيمٌ، رُبَّما يَجُرُّ إلى الكُفْرِ، كَما قالَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - لِأنَّ عَدَمَ التَّعْلِيلِ في الأفْعالِ مُخْتَصٌّ بِذاتِهِ - تَعالى - عَلى أنَّ البَعْضَ قائِلٌ بِأنَّ أفْعالَهُ - سُبْحانَهُ - أيْضًا مُعَلَّلَةٌ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، نَعَمْ إنَّ عِبادَتَهُ - تَعالى - قَدْ تَكُونُ لِطَلَبِ الرِّضا لا لِخَوْفِ مَكْرُوهٍ أوْ لِنِيلِ مَحْبُوبٍ، لَكِنَّ ذا مِن أجْلِ حَسَناتِ الأُخْرى يَطْلُبُهُ خُلَّصُ عِبادِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وقَرَنَ - سُبْحانَهُ - الذِّكْرَ بِالدُّعاءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُعْتَبَرَ مِنَ الذِّكْرِ ما يَكُونُ عَنْ قَلْبٍ حاضِرٍ وتَوَجُّهٍ باطِنٍ، كَما هو حالُ الدّاعِي حِينَ طَلَبِ حاجَةٍ لا مُجَرَّدَ التَّفَوُّهِ والنُّطْقِ بِهِ، وذَهَبَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ إلى أنَّ التَّفْصِيلَ لِلدّاعِينَ المَأْمُورِينَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المَناسِكِ، وبَدَأ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ مِفْتاحًا لِلْإجابَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ - جَلَّ شَأْنُهُ - أنَّهم يَنْقَسِمُونَ في سُؤالِ اللَّهِ - تَعالى - إلى مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيا، فَلا يَدْعُو إلّا بِها، ومَن يَدْعُو بِصَلاحِ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي الآيَةِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ حَطًّا لِطالِبِ الدُّنْيا عَنْ ساحَةِ عِزِّ الحُضُورِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِإبْقاءِ النّاسِ عَلى عُمُومِهِ، والمُطابِقُ لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ إلَخْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي﴾ نَعَمْ، سَبَبُ النُّزُولِ، كُما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما طائِفَةٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَطْلُبُونَ الدُّنْيا، وطائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَجِيئُونَهُ فَيَطْلُبُونَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وهَذا لا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ.
﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ أيِ: اجْعَلْ كُلَّ إيتائِنا ومِنحَتِنا فِيها، فالمَفْعُولُ الثّانِي مَتْرُوكٌ، ونَزَلَ الفِعْلُ بِالقِياسِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ذَهابًا إلى عُمُومِ الفِعْلِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هِمَّتَهُ مَقْصُورَةٌ عَلى مَطالِبِ الدُّنْيا.
﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ 200﴾ إخْبارٌ مِنهُ - تَعالى - بِبَيانِ حالِ هَذا الصِّنْفِ في الآخِرَةِ؛ يَعْنِي أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ فِيها ولا حَظَّ، و( الخَلاقُ ) مِن خَلِقَ بِهِ إذا لاقَ، أوْ مِنَ الخَلْقِ كَأنَّهُ الأمْرُ الَّذِي خُلِقَ لَهُ وقُدِّرَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ بَيانٌ لِحالِ ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَهي تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا مِن سابِقِهِ، تَقْرِيرًا لَهُ وتَأْكِيدًا؛ أيْ: لَيْسَ لَهُ في الدُّنْيا طَلَبُ خَلاقٍ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ طَلَبٌ في الآخِرَةِ لِلْخَلّاقِ؛ لِيُقالَ: إنَّ هَذا حُكْمُ كُلِّ أحَدٍ؛ إذْ لا طَلَبَ في الآخِرَةِ، وإنَّما فِيها الحَظُّ والحِرْمانُ، ويُجابُ بِمَنعِ عَدَمِ الطَّلَبِ؛ إذِ المُؤْمِنُونَ يَطْلُبُونَ زِيادَةَ الدَّرَجاتِ والكافِرُونَ الخَلاصَ مِن شِدَّةِ العَذابِ، ومِن صِلَةٌ، وله خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ
صفحة 91
بِما تَعَلَّقَ بِهِ أوْ حالٌ مِمّا بَعْدَهُ.
2:201Page 31
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١
But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."
﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ يَعْنِي: العافِيَةَ والكَفافَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ المَرْأةَ الصّالِحَةَ، قالَهُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أوِ العِلْمَ والعِبادَةَ قالَهُ الحَسَنُ، أوِ المالَ الصّالِحَ قالَهُ السُّدِّيُّ، أوِ الأوْلادَ الأبْرارَ، أوْ ثْناءَ الخَلْقِ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، أوِ الصِّحَّةَ والكِفايَةَ والنُّصْرَةَ عَلى الأعْداءِ والفَهْمَ في كِتابِ اللَّهِ - تَعالى -، أوْ صُحْبَةَ الصّالِحِينَ قالَهُ جَعْفَرٌ، والظّاهِرُ أنَّ الحَسَنَةَ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً في الإثْباتِ، وهي لا تَعُمُّ إلّا أنَّها مُطْلَقَةٌ، فَتَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ والحَسَنَةُ الكامِلَةُ في الدُّنْيا ما يَشْمَلُ جَمِيعَ حَسَناتِها، وهو تَوْفِيقُ الخَيْرِ وبَيانُها بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ لَيْسَ مِن بابِ تَعْيِينِ المُرادِ؛ إذْ لا دَلالَةَ لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ أصْلًا، وإنَّما هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ فَقَدْ قِيلَ هي الجَنَّةُ، وقِيلَ: السَّلامَةُ مِن هَوْلِ المَوْقِفِ وسُوءِ الحِسابِ، وقِيلَ: الحُورُ العِينُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -، وقِيلَ: لَذَّةُ الرُّؤْيَةِ، وقِيلَ وقِيلَ ...، والظّاهِرُ الإطْلاقُ وإرادَةُ الكامِلِ وهو الرَّحْمَةُ والإحْسانُ، ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ 102﴾ أيِ: احْفَظْنا مِنهُ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ، واجْعَلْنا مِمَّنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن غَيْرِ عَذابٍ، وقالَ الحَسَنُ: احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ والذُّنُوبِ المُؤَدِّيَةِ إلى عَذابِ النّارِ، وقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: عَذابُ النّارِ المَرْأةُ السُّوءُ - أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها - وهو عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وقَدْ كانَ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أكْثَرُ دَعْوَةً يَدْعُو بِها هَذِهِ الدَّعْوَةُ كَما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «”إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَعا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ صارَ مِثْلَ الفَرْخِ المَنتُوفِ، فَقالَ لَهُ – صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ - تَعالى – بِشَيْءٍ؟ قالَ: نَعَمْ كُنْتُ أقُولُ اللَّهُمَّ ما كُنْتَ مُعاقِبِي بِهِ في الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي في الدُّنْيا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: سُبْحانَ اللَّهِ إذًا لا تُطِيقُ ذَلِكَ، ولا تَسْتَطِيعُهُ، فَهَلّا قُلْتَ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ، ودَعا لَهُ“ فَشَفاهُ اللَّهُ - تَعالى -» .
2:202Page 31
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٢٠٢
Those will have a share of what they have earned, and Allāh is swift in account.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي والجُمْلَةُ في مُقابَلَةِ ( وما لَهم في الآخِرَةِ مِن خَلّاق ) والتَّعْبِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِما سَبَقَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ، ولِذا تَرَكَ العَطْفَ هَهُنا لِكَوْنِهِ كالنَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ، قِيلَ: وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كِلا الفَرِيقَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ عَلى الأوَّلِ لِلتَّفْخِيمِ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ؛ أيْ لِكُلٍّ مِنهم نَصِيبٌ مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا، أوْ مِن أجْلِهِ، أوْ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ، و( مِن ) إمّا لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلِابْتِداءِ، والمَبْدَئِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الأجَلِيَّةِ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ، وفي الآيَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّالِثِ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِغَيْرِ لَفْظِ السّابِقِ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن ( رَبِّنا آتِنا ) الدُّعاءُ لا الكَسْبُ إلّا أنَّهُ يُسَمّى كَسْبًا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ، وقُرِئَ: ( مِمّا اكْتَسَبُوا ).
﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ 202﴾ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ في قَدْرِ نِصْفِ نَهارٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ورُوِيَ: بِمِقْدارِ فَواقِ ناقَةٍ، ورُوِيَ بِمِقْدارِ لَمْحَةِ البَصَرِ، أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ النّاسَ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ واكْتِسابِ الحَسَناتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ إلَخْ، والمُحاسَبَةُ إمّا عَلى حَقِيقَتِها كَما هو قَوْلُ أهْلِ الحَقِّ، مِن أنَّ النُّصُوصَ عَلى ظاهِرِها ما لَمْ يَصْرِفْ عَنْها صارِفٌ، أوْ مَجازٌ عَنْ خَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ وجَزائِها كَمًّا وكَيْفًا، أوْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها هَذا.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا﴾ بُيُوتَ قُلُوبِكم مِن طَرَفِ حَواسِّكم ومَعْلُوماتِكُمُ البَدَنِيَّةِ المَأْخُوذَةِ مِنَ المَشاعِرِ، فَإنَّها ظُهُورُ القُلُوبِ الَّتِي تَلِي البَدَنَ، ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ شَواغِلَ
صفحة 92
الحَواسِّ وهَواجِسَ الخَيالِ ووَساوِسَ النَّفْسِ الأمّارَةِ وأْتُوا هاتِيكَ البُيُوتَ ﴿مِن أبْوابِها﴾ الَّتِي تَلِي الرُّوحَ، ويَدْخُلُ مِنها الحَقُّ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عَنْ رُؤْيَةِ تَقْواكم لَعَلَّكم تَفُوزُونَ بِهِ، ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مِن قُوى نُفُوسِكم ودَواعِي بَشَرِيَّتَكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ بِإهْمالِها والوُقُوفِ مَعَ حُظُوظِها، أوْ تَتَجاوَزُوا في القِتالِ إلى أنْ تُضْعِفُوا البَدَنَ عَنِ القِيامِ بِمَراسِمَ الطّاعَةِ، ووَظائِفِ العُبُودِيَّةِ، ( فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ ) .
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ الواقِفِينَ مَعَ نُفُوسِهِمْ أوِ المُتَجاوِزِينَ ظِلَّ الوَحْدَةِ وهو العَدالَةُ ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ؛ أيِ: امْنَعُوا هاتِيكَ القُوى عَنْ شَمِّ لَذائِذِ الشَّهَواتِ والهَوى حَيْثُ كانُوا ﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾ عَنْ مَكَّةَ الصَّدْرِ كَما أخْرَجُوكم عَنْها، واسْتَنْزَلُوكم إلى بُقْعَةِ النَّفْسِ، وحالُوا بَيْنَكم وبَيْنَ مَقَرِّ القَلْبِ وفِتْنَتِهِمُ الَّتِي هي عِبادَةُ الهَوى والسُّجُودِ لِأصْنامِ اللَّذّاتِ أشَدُّ مِنَ الإماتَةِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ بَلاؤُكم عِنْدَ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ أشَدُّ عَلَيْكم مِنَ القَتْلِ الَّذِي هو مَحْوُ الِاسْتِعْدادِ وطَمْسِ الغَرائِزِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن ألَمِ الفِراقِ عَنْ حَضْرَةِ القُدْسِ الَّذِي لا يَتَناهى، ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وهو مَقامُ القَلْبِ إذا وافَقُوكم في تَوَجُّهِكم حَتّى يُنازِعُوكم في مَطالِبِكم ويَجُرُّوكم عَنْ دِينِ الحَقِّ، ويَدْعُوكم إلى عِبادَةِ عِجْلِ النَّظَرِ إلى الأغْيارِ، فَإنْ نازَعُوكم فاقْتِلُوهم بِسَيْفِ الصِّدْقِ واقْطَعُوا مادَّةَ تِلْكَ الِدَواعِي ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ السّاتِرِينَ لِلْحَقِّ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنْ نِزاعِهِمْ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقاتِلُوهم عَلى دَوامِ الرِّعايَةِ وصِدْقِ العُبُودِيَّةِ ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ولا يَحْصُلُ التِفاتٌ إلى السِّوى ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ بِتَوَجُّهِ الجَمْعِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ والذّاتِ المُقَدَّسِ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ﴾ إلّا عَلى المُجاوِزِينَ لِلْحُدُودِ ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ﴾ الَّذِي قامَتْ بِهِ النَّفْسُ لِحُقُوقِها ﴿بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الَّذِي هو وقْتُ حُضُورِكم ومُراقَبَتِكم ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فَلا تُبالُوا بِهَتْكِ حُرْمَتِها ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما مَعَكم مِنَ العُلُومِ بِالعَمَلِ بِهِ والإرْشادِ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى﴾ تَهْلُكَةِ التَّفْرِيطِ ﴿وأحْسِنُوا﴾ بِأنْ تَكُونُوا مُشاهِدِينَ رَبَّكم في سائِرِ أعْمالِكم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُشاهِدِينَ لَهُ، ﴿وأتِمُّوا﴾ حَجَّ تَوْحِيدِ الذّاتِ وعُمْرَةَ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ لِلَّهِ، بِإتْمامِ جَمِيعِ المَقاماتِ والأحْوالِ، ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ بِمَنعِ أعْداءِ النُّفُوسِ أوْ مَرَضِ الفُتُورِ، فَجاهِدُوا في اللَّهِ بِسَوْقِ هُدى النَّفْسِ وذَبْحِها بِفَناءِ كَعْبَةِ القَلْبِ، ولِاخْتِلافِ النُّفُوسِ في الِاسْتِعْدادِ قالَ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ﴾ ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ ولا تُزِيلُوا آثارَ الطَّبِيعَةِ وتَخْتارُوا فَراغَ الخاطِرِ حَتّى يَبْلُغَ هَدْيُ النَّفْسِ مَحِلَّهُ، فَحِينَئِذٍ تَأْمَنُونَ مِنَ التَّشْوِيشِ وتَكَدُّرِ الصَّفاءِ، ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ ضَعِيفَ الِاسْتِعْدادِ ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ أيْ: مُبْتَلًى بِالتَّعَلُّقاتِ، ولَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ السُّلُوكُ عَلى ما يَنْبَغِي، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِن إمْساكٍ عَنْ بَعْضِ لَذّاتِهِ وشَواغِلِهِ، أوْ فِعْلِ بِرٍّ أوْ رِياضَةٍ تَقْمَعُ بَعْضَ القُوى، ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ مِنَ المانِعِ المُحْصِرِ، فَمَن تَمَتَّعَ بِذَوْقِ تَجَلِّي الصِّفاتِ، مُتَوَسِّلًا بِهِ إلى حَجِّ تَجَلِّي الذّاتِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَ مِنَ الهَدْيِ بِحَسَبِ حالِهِ، ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ لِضَعْفِ نَفْسِهِ وانْقِهارِها ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ الإمْساكُ عَنْ أفْعالِ القُوى الَّتِي هي الأُصُولُ القَوِيَّةُ في وقْتِ التَّجَلِّي والِاسْتِغْراقُ في الجَمْعِ والفَناءُ، وهي العَقْلُ والوَهْمُ والمُتَخَيَّلَةُ ﴿وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ إلى مَقامِ التَّفْصِيلِ والكَثْرَةِ، وهي الحَواسُّ الخَمْسَةُ الظّاهِرَةُ والغَضَبُ والشَّهْوَةُ؛ لِتَكُونَ عِنْدَ الِاسْتِقامَةِ في الأشْياءِ بِاللَّهِ – عَزَّ وجَلَّ - ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ مُوجِبَةٌ لِأفاعِيلَ عَجِيبَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أسْرارٍ غَرِيبَةٍ ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مِنَ الكامِلِينَ الحاضِرِينَ مَقامَ الوَحْدَةِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ لا يُخاطَبُونَ ولا يُعاتَبُونَ، ومَن وصَلَ فَقَدِ اسْتَراحَ ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وهي مُدَّةُ الحَياةِ الفانِيَةِ أوْ مِن وقْتِ بُلُوغِ الحُلُمِ إلى الأرْبَعِينَ كَما قالَ في البَقَرَةِ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ .
ومِن هُنا قِيلَ: الصُّوفِيُّ بَعْدَ الأرْبَعِينَ بارِدٌ، نَعَمِ العَمَشُ خَيْرٌ مِنَ العَمى والقَلِيلُ خَيْرٌ مِنَ الحِرْمانِ، ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ عَلى نَفْسِهِ بِالعَزِيمَةِ، فَلا رَفَثَ؛ أيْ: فَلا يَمِلْ إلى الدُّنْيا وزِينَتِها، ﴿ولا فُسُوقَ﴾ ولا يُخْرِجُ القُوَّةَ الغَضَبِيَّةَ عَنْ طاعَةِ القَلْبِ، بَلْ
صفحة 93
لا يَخْرُجُ عَنِ الوَقْتِ ولا يَدْخُلُ فِيما يُورِثُ المَقْتَ ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ أيْ: ولا يُنازِعُ أحَدًا في مَقامِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ - تَعالى -؛ إذِ الكُلُّ مِنهُ وإلَيْهِ، ومَن نازَعَهُ في شَيْءٍ يَنْبَغِي أنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ وما تَفْعَلُوا مِن فَضِيلَةٍ في تَرْكِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ويُثِيبُكم عَلَيْهِ، وتَزَوَّدُوا مِنَ الفَضائِلِ الَّتِي يَلْزَمُها الِاجْتِنابُ عَنِ الرَّذائِلِ ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وتَمامُها بِنَفْيِ السِّوى ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ العَقْلِ الخالِصِ عَنْ شَوْبِ الوَهْمِ وقِشْرِ المادَّةِ اتِّقاءُ اللَّهَ - تَعالى - لَيْسَ عَلَيْكم حَرَجٌ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلى الكَثْرَةِ أنْ تَطْلُبُوا رِفْقًا لِأنْفُسِكم عَلى مُقْتَضى ما حَدَّهُ المَظْهَرُ الأعْظَمُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإذا دَفَعْتُمْ أنْفُسَكم مِن عَرَفاتِ المَعْرِفَةِ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أيْ: شاهِدُوا جَمالَهُ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ السِّرِّ الرُّوحِيِّ المُسَمّى بِالخَفِيِّ، وسُمِّيَ مَشْعَرًا؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الشُّعُورِ بِالجَمالِ، ووُوصِفَ بِالحَرامِ؛ لِأنَّهُ مُحَرَّمٌ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ الغَيْرُ ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ إلى ذِكْرِهِ في المَراتِبِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ الوُصُولِ إلى عَرَفاتِ المَعْرِفَةِ والوُقُوفِ بِها ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ عَنْ هَذِهِ الأذْكارِ في طَلَبِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ إلى ظَواهِرِ العِباداتِ ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ﴾ سائِرُ النّاسِ إلَيْها، وكُونُوا كَأحَدِهِمْ، فَإنَّ النِّهايَةَ الرُّجُوعُ إلى البِدايَةِ أوْ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأجْلِ أداءِ الحُقُوقِ والشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإرْشادِ والتَّعْلِيمِ ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ فَقَدْ كانَ الشّارِعُ الأعْظَمُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَغانُ عَلى قَلْبِهِ ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ - تَعالى - في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، ومَن أنْتَ يا مِسْكِينُ بَعْدَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ وفَرَغْتُمْ مِنَ الحَجِّ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ قَبْلَ السُّلُوكِ ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ لِأنَّ المَبْدَأ الحَقِيقِيَّ: فَكُونُوا مَشْغُولِينَ بِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ذاتُهُ - سُبْحانَهُ - فَمِنَ النّاسِ مَن لا يَطْلُبُ إلّا الدُّنْيا ولا يَعْبُدُ إلّا لِأجْلِها وما لَهُ في مَقامِ الفَناءِ مِن نَصِيبٍ لِقُصُورِ هِمَّتِهِ واكْتِسابِهِ الظُّلْمَةَ المُنافِيَةَ لِلنُّورِ، ومِنهم مَن يَطْلُبُ خَيْرَ الدّارَيْنِ، ويَحْتَرِزُ عَنْ الِاحْتِجابِ بِالظِّمَةِ والتَّعْذِيبِ بِنِيرانِ الطَّبِيعَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن حُظُوظِ الآخِرَةِ والأنْوارِ الباهِرَةِ واللَّذّاتِ الباقِيَةِ والمَراتِبِ العالِيَةِ، ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .
2:203Page 32
۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣
And remember Allāh during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allāh. And fear Allāh and know that unto Him you will be gathered.
﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: كَبِّرُوهُ إدْبارَ الصَّلَواتِ، وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينَ، ورَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِها.
﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ وهي ثَلاثَةُ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهو المَرْوِيُّ في المَشْهُورِ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها أرْبَعَةُ أيّامٍ بِضَمِّ يَوْمِ النَّحْرِ إلَيْها، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِلتَّخْصِيصِ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فاقْتَضى ذَلِكَ إخْراجَ يَوْمِ النَّحْرِ مِنَ الأيّامِ، ومَنِ اعْتَبَرَ العَطْفَ والتَّعْقِيبَ، وجَعَلَ بَعْضَ يَوْمٍ يَوْمًا اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ خَلْفَ الصَّلاةِ مِن ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن قالَ: يُكَبِّرُ خَلْفَ النَّوافِلِ واسْتُشْكِلَ وصْفُ أيّامٍ بِمَعْدُوداتٍ؛ لِأنَّ أيّامًا جَمْعُ يَوْمٍ، وهو مُذَكَّرٌ، ومَعْدُودات واحِدُها مَعْدُودَةٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، فَكَيْفَ تَقَعُ صِفَةٌ لَهُ، فالظّاهِرُ مَعْدُودَةٌ، ووَصْفُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ بِالمُفْرَدِ المُؤَنَّثِ جائِزٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْدُوداتٍ جَمْعُ مَعْدُودٍ لا مَعْدُودَةٍ، وكَثِيرًا ما يُجْمَعُ المُذَكَّرُ جَمْعَ المُؤَنَّثِ كَحَمّاماتٍ وسِجِلّاتٍ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّرَ اليَوْمَ مُؤَنَّثًا بِاعْتِبارِ ساعاتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها في كُلِّ سَنَةٍ مَعْدُودَةٌ، وفي السِّنِينَ مَعْدُوداتٌ، فَهي جَمْعُ مَعْدُودَةٍ حَقِيقَةً، ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ أيْ: عَجِلَ في النَّفْرِ أوِ اسْتَعْجَلَ النَّفْرَ مِن مِنًى، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ عَجِلَ واسْتَعْجَلَ يَجِيئانِ مُطاوِعَيْنِ بِمَعْنى عَجِلَ، يُقالُ: تَعَجَّلَ في الأمْرِ واسْتَعْجَلَ، ومُتَعَدِّيَيْنِ يُقالُ: تَعَجَّلَ الذَّهابَ، والمُطاوَعَةُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن تَأخَّرَ﴾ كَما هي كَذَلِكَ في قَوْلِهِ:
صفحة 94
قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ لِأجْلِ المُتَأنِّي، وذَهَبَ بَعْضُ أرْبابِ التَّحْقِيقِ إلى تَرْجِيحِ التَّعَدِّي؛ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ أُمُورِ ( العَجَلِ ) لا التَّعْجِيلُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: لِأنَّ اللّازِمَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ (فِي) فَيَلْزَمُ تَعَلُّقَ حَرْفَيْ جَرِّ أحَدِهِما المُقَدَّرِ والثّانِي ( في يَوْمَيْنِ ) بِالفِعْلِ، وذا لا يَجُوزُ، واليَوْمانِ يَوْمُ القَرِّ ويَوْمُ الرُّءُوسِ واليَوْمُ الَّذِي بَعْدَهُ، والمُرادُ: فَمَن نَفَرَ في ثانِي أيّامِ التَّشْرِيقِ قَبْلَ الغُرُوبِ، وبَعْدَ رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وقَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنَ اليَوْمِ الثّالِثِ إذا فَرَغَ مِن رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَنا، والنَّفْرُ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنها لا يَجُوزُ، فَظَرْفِيَّةُ ( اليَوْمَيْنِ ) لَهُ عَلى التَّوَسُّعِ بِاعْتِبارِ أنَّ الِاسْتِعْدادَ لَهُ في اليَوْمِ الأوَّلِ، والقَوْلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ في أحَدِ ﴿يَوْمَيْنِ﴾ إلّا أنَّهُ مُجْمَلٌ فُسِّرَ بِاليَوْمِ الثّانِي، أوْ في آخِرِ يَوْمَيْنِ خُرُوجٌ عَنْ مَذاقِ النَّظَرِ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِاسْتِعْجالِهِ ﴿ومَن تَأخَّرَ﴾ في النَّفَرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ قَبْلَ الزَّوالِ أوْ بَعْدَهُ عِنْدَنا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ بَعْدَهُ فَقَطْ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِما صَنَعَ مِنَ التَّأخُّرِ، والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ ( التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ ) ولا يَقْدَحُ فِيهِ أفْضَلِيَّةُ الثّانِي خِلافًا لِصاحِبِ الإنْصافِ، وإنَّما ورَدَ بِنَفْيِ الإثْمِ تَصْرِيحًا بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، فَمِن مُؤَثِّمٍ لِلْمُعَجِّلِ، ومُؤَثِّمٍ لِلْمُتَأخِّرِ ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، واللّامُ إمّا لِلتَّعْلِيلِ أوْ لِلِاخْتِصاصِ؛ أيْ ذَلِكَ لِتَخْيِيرِ المَذْكُورِ بِقَرِينَةِ القُرْبِ لِأجْلِ المُتَّقِي؛ لِئَلّا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يَقْصِدُهُ مِنَ ( التَّعْجِيلِ والتَّأخُّرِ )؛ لِأنَّهُ حَذِرٌ مُتَحَرِّزٌ عَمّا يُرِيبُهُ، أوْ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن أحْكامِ الحَجِّ مُطْلَقًا نَظَرًا إلى عَدَمِ المُخَصِّصِ القَطْعِيِّ، وإنْ كانَتْ عامَّةً لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ مُخْتَصَّةً بِالمُتَّقِي؛ لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ، والمُنْتَفِعُ بِها، والمُرادُ مِنَ ( التَّقْوى ) عَلى التَّقْدِيرَيْنِ التَّجَنُّبُ عَمّا يُؤْثِمُ مِن ( فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ ) ولا يَجُوزُ حَمْلُها عَلى التَّجَنُّبِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ الخِطابَ في جَمِيعِ ما سَبَقَ لِلْمُؤْمِنِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحاجَّ إذا اتَّقى في أداءِ حُدُودِ الحَجِّ وفَرائِضِهِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ كُلُّها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: إنَّ النّاسَ يَتَأوَّلُونَها عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِها، وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِكُمُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها العَزْمُ لِتَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُغْتَنِمِينَ بِالأحْكامِ المَذْكُورَةِ، أوِ احْذَرُوا الإخْلالَ بِما ذُكِرَ مِن أُمُورِ الحَجِّ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ 203﴾ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكم بَعْدَ الإحْياءِ والبَعْثِ، وأصْلُ ( الحَشْرِ ) الجَمْعُ وضَمُّ المُفَرَّقِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى ومُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِهِ، فَإنَّ مَن عَلِمَ بِالحَشْرِ والمُحاسَبَةِ والجَزاءِ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي لَهُ إلى مُلازَمَةِ التَّقْوى، وقَدَّمَ إلَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِمَن يَكُونُ الحَشْرُ إلَيْهِ ولِتُواخِيَ الفَواصِلَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences