Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:212–214

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:212–214

2:212Page 33

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: أُوجِدَتْ حَسَنَةً وجُعِلَتْ مَحْبُوبَةً في قُلُوبِهِمْ، فَتَهافَتُوا عَلَيْها تَهافُتَ الفِراشِ عَلى النّارِ، وأعْرَضُوا عَمّا سِواها، ولِذا أعْرَضَ أهْلُ الكِتابِ عَنِ الآياتِ وبَدَّلُوها، وفاعِلُ التَّزْيِينِ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً هو اللَّهُ - تَعالى -، وإنْ فُسِّرَ بِالتَّحْسِينِ بِالقَوْلِ ونَحْوِهِ مِنَ الوَسْوَسَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ كانَ فاعِلُ ذَلِكَ هو الشَّيْطانُ، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِمَعْنَيَيْنِ، والتَّزْيِينُ حَقِيقَةً فِيهِما عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ.

﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المَوْصُولُ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ كَصُهَيْبٍ وبِلالٍ وعَمّارٍ؛ أيْ: يَسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى، ومَن لِلتَّعْدِيَةِ، وتُفِيدُ مَعْنى الِابْتِداءِ، كَأنَّهم جَعَلُوا لِفَقْرِهِمْ ورَثاثَةِ حالِهِمْ مَنشَأً لِلسُّخْرِيَةِ، وقَدْ يُعَدّى السَّخْرُ بِالباءِ، إلّا أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَطْفُ عَلى زَيْن وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، ( ويُسَخِّرُونَ ) خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: وهم يَسْخَرُونَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، بُسِطَتْ لَهُمُ الدُّنْيا، وكانُوا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَبِيًّا لاتَّبَعَهُ أشْرافُنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وقِيلَ: في رُؤَساءِ اليَهُودِ، ومِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ، سَخِرُوا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ. وعَنْ عَطاءٍ: لا مانِعَ مِن نُزُولِها في جَمِيعِهِمْ.

﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعَيْنِهِمْ، وآثَرَ التَّعْبِيرَ بِهِ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ العُمُومُ، ويَدْخُلُ هَؤُلاءِ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مَكانًا؛ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ، وأُولَئِكَ في أسْفَلِ السّافِلِينَ، أوْ مَكانَةً؛ لِأنَّهم في أوْجِ الكَرامَةِ، وهم في حَضِيضِ الذُّلِّ والمَهانَةِ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها، وفي ذَلِكَ مِن تَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ﴾ في الآخِرَةِ ﴿مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ 212﴾ أيْ: بِلا نِهايَةٍ لِما يُعْطِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: هَذا الرِّزْقُ في الدُّنْيا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَمَلُّكِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَهْزَأِ بِهِمْ أمْوالَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في الدّارَيْنِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِكِلا الحُكْمَيْنِ.

2:213Page 33

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقِينَ عَلى التَّوْحِيدِ مُقِرِّينَ بِالعُبُودِيَّةِ حِينَ أخَذَ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أوْ بَيْنَ آدَمَ وإدْرِيسَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، بِناءً عَلى ما في رَوْضَةِ الأحْبابِ، أنَّ النّاسَ في زَمانِ آدَمَ كانُوا مُوَحِّدِينَ مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِ، بِحَيْثُ يُصافِحُونَ المَلائِكَةَ، إلّا قَلِيلٌ مِن قابِيلٍ ومُتابِعِيهِ إلى زَمَنِ رَفْعِ إدْرِيسَ، أوْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى ما رَوى البَزّارُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -

صفحة 101

أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما عَشَرَةُ قُرُونٍ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ، أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ سِوى ثَمانِينَ رَجُلًا وامْرَأةٍ ثُمَّ ماتُوا إلّا نُوحًا وبَنِيهِ حامَ وسامَ ويافِثَ وأزْواجَهُمْ، وكانُوا كُلُّهم عَلى دِينِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فالِاسْتِغْراقُ عَلى الأوَّلِ والأخِيرِ حَقِيقِيٌّ، وعَلى الثّانِي والثّالِثِ ادْعائِيٌّ بِجَعْلِ القَلِيلِ في حُكْمِ العَدَمِ، وقِيلَ: مُتَّفِقِينَ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، أنَّهم كانُوا كُفّارًا، وذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ نُوحٌ، أوْ بَعْدَ مَوْتِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ هُودٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ: فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ .... إلَخْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، وإنَّما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ما يُذْكَرُ عَقِبَهُ.

﴿مُبَشِّرِينَ﴾ مَن آمَنَ بِالثَّوابِ.

﴿ومُنْذِرِينَ﴾ مَن كَفَرَ بِالعَذابِ - وهم كَثِيرُونَ -، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ «عَنْ أبِي ذَرٍّ، أنَّهُ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: كَمِ الأنْبِياءُ؟ قالَ: ”مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا“، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ؟ قالَ: ”ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمٌّ غَفِيرٌ“» ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ، لِما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى -، والجَمْعانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ مِنَ النَّبِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّها حالٌ مُقارِنَةٌ خِلافَ الظّاهِرِ.

﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ اللّامُ لِلْجِنْسِ، ومَعَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ (الكِتابِ) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ولَيْسَ مَنصُوبًا بِـ(أنْزَلَ)، والمَعْنى: أنْزَلَ جِنْسَ الكِتابِ مُقَدِّرًا مُقارَنَتَهُ ومُصاحَبَتَهُ لِلنَّبِيِّينَ؛ حَيْثُ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْخُذُ الأحْكامَ إمّا مِن كِتابٍ يَخُصُّهُ أوْ مِن كِتابٍ مِن قَبْلِهِ، والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ في المَشْهُورِ؛ أُنْزِلَ عَلى آدَمَ عَشْرُ صَحائِفَ، وعَلى شِيثَ ثَلاثُونَ، وعَلى إدْرِيسَ خَمْسُونَ، وعَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشَرَةٌ، والتَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، والزَّبُورُ، والفُرْقانُ، وجُوِّزَ كَوْنُ (اللّامِ) لِلْعَهْدِ وضَمِيرِ (مَعَهُمْ) لِلنَّبِيِّينَ بِاعْتِبارِ البَعْضِ؛ أيْ: أنْزَلَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِن بَعْضِ النَّبِيِّينَ كِتابَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الرِّكَّةِ.

﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أنْزَلَ أوْ حالٌ مِنَ الكِتابَ أيْ: مُتَلَبِّسًا شاهِدًا بِهِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ المَذْكُورِ أوَّلَهُ ولِلْبَعْثِ، وهَذا البَعْثُ المُعَلَّلُ هو المُتَأخِّرُ عَنِ الِاخْتِلافِ، فَلا يَضُرُّ تَقَدُّمُ بِعْثَةِ آدَمَ وشِيثَ وإدْرِيسَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِناءً عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ السّابِقَةِ، و(الحُكْمُ) بِمَعْنى الفَصْلِ بِقَرِينَةٍ تَعَلَّقَ (بَيْنَ) بِهِ، ولَوْ كانَ بِمَعْنى (القَضاءِ) لَتَعَدّى بِـ ( عَلى )، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَحْدَرَيِّ فِيما رَواهُ عَنْهُ مَكِّيُّ ( لِنَحْكُمَ ) بِنُونِ العَظَمَةِ أوْ إلى النَّبِيِّ وأفْرَدَ الفِعْلَ؛ لِأنَّ الحاكِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ، وجَوَّزَ رُجُوعَهُ إلى (الكِتابِ) والإسْنادُ حِينَئِذٍ مَجازِيٌّ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ ما بِهِ الفَصْلُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ الأظْهَرُ؛ إذْ لا بُدَّ في عَوْدِهِ إلى اللَّهِ - تَعالى - مَن تُكَلِّفٍ في المَعْنى؛ أيْ: يَظْهَرُ حُكْمُهُ، وإلى النَّبِيِّ مَن تَكَلُّفٍ في اللَّفْظِ؛ حَيْثُ لَمَّ يُقِلُّ (لِيَحْكُمُوا)، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ المَذْكُورُونَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ.

﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ بِناءً عَلى أنَّ وحْدَةَ الأُمَّةِ بِالِاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ، وإذا فُسِّرَتِ الوَحْدَةُ بِالِاتِّفاقِ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ يَكُونُ الِاخْتِلافُ مَجازًا عَنْ الِالتِباسِ والِاشْتِباهِ اللّازِمِ لَهُ، والمَعْنى فِيما التَبَسَ عَلَيْهِمْ ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أيْ: في الحَقِّ بِأنْ أنْكَرُوهُ وعانَدُوهُ أوْ في الكِتابِ المُنَزَّلِ مُتَلَبِّسًا بِهِ، بِأنْ حَرَّفُوهُ وأوَّلُوهُ بِتَأْوِيلاتٍ زائِغَةٍ والواوُ حالِيَّةٌ.

﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيِ: الكِتابِ المُنَزَّلِ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ وإزاحَةِ الشِّقاقِ؛ أيْ: عَكَسُوا الأمْرَ حَيْثُ جَعَلُوا ما أُنْزِلَ مُزِيحًا لِلِاخْتِلافِ سَبَبًا لِرُسُوخِهِ واسْتِحْكامِهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ السُّؤالُ بِأنَّهُ

صفحة 102

لَمّا لَمْ يَكُنْ الِاخْتِلافُ إلّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوهُ - فالِاخْتِلافُ لا يَكُونُ سابِقًا عَلى البَعْثَةِ - وحاصِلُهُ أنَّ المُرادَ هَهُنا اسْتِحْكامُ الِاخْتِلافِ واشْتِدادُهُ، وعَبَّرَ عَنِ (الإنْزالِ) بِالإيتاءِ؛ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الوُقُوفِ عَلى ما فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَإنَّ (الإنْزالَ) لا يُفِيدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِهِ لِيَخْتَصَّ المَوْصُولُ بِأرْبابِ العِلْمِ والدِّراسَةِ مِن أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ، ولِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ لَهم ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيْ: رَسَخَتْ في عُقُولِهِمُ الحُجَجُ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ، و مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ اخْتَلَفُوا مَحْذُوفًا، والحَصْرُ عَلى تَسْلِيمِ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مُسْتَفادًا مِنَ المَقامِ أوْ مِن حَذْفِ الفِعْلِ، ووُقُوعُ الظَّرْفِ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ لَفْظًا، أوْ مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ مُؤَخَّرًا - وفي الدُّرِّ المَصُونِ تَجْوِيزُ تَعَلُّقِهِ بِما اخْتُلِفَ قَبْلَهُ - ولا يَمْنَعُ مِنهُ إلّا كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ، ولِلنُّحاةِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ مُحَصِّلُهُ أنَّ اسْتِثْناءَ شَيْئَيْنِ بِأداةٍ واحِدَةٍ بِلا عَطْفٍ غَيْرُ جائِزٍ مُطْلَقًا عِنْدَ الأكْثَرِينَ، لا عَلى وجْهِ البَدَلِ ولا غَيْرِهِ - ويَجُوزُ عِنْدَ جَماعَةٍ مُطْلَقًا - وفَصْلُ بَعْضِهِمْ إنْ كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ مَذْكُورًا مَعَ كُلٍّ مِنَ المُسْتَثْنَيَيْنِ وهُما بَدَلانِ جازَ - وإلّا فَلا - واسْتَدَلَّ مَن أجازَ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ المُسْتَثْنى أصْلًا، والتَّقْدِيرُ: ما نَراك اتَّبَعَكَ أحَدٌ في حالٍ إلّا أراذِلُنا في بادِيَ الرَّأْيِ وأجابَ مَن لَمْ يُجَوِّزْ بِأنَّ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اتَّبَعُوا وبِأنَّ الظَّرْفَ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، فَيَجُوزُ فِيهِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ، قالَهُ الرِّضى، وهو مَبْنى الِاخْتِلافِ في الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( مِن ) و( البَغْيُ ) الظُّلْمُ أوِ الحَسَدُ، وبَيْنَهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ صِفَةِ بَغْيًا وفِيهِ إشارَةٌ - عَلى ما أرى - إلى أنَّ هَذا ( البَغْيَ ) قَدْ باضَ وفَرَخَ عِنْدَهُمْ، فَهو يَحُومُ عَلَيْهِمْ ويَدُورُ بَيْنَهم لا طَمَعَ لَهُ في غَيْرِهِمْ، ولا مَلْجَأ لَهُ سِواهُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَمَكُّنِهِمْ في ذَلِكَ، وبُلُوغِهِمُ الغايَةَ القُصْوى فِيهِ - وهو فائِدَةُ التَّوْصِيفِ بِالظَّرْفِ - وقِيلَ: أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ البَغْيَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم وأنَّ كُلَّهم سُفْلٌ، ومَنشَأُ ذَلِكَ مُزِيدُ حِرْصِهِمْ في الدُّنْيا وتَكالُبِهِمْ عَلَيْها، ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِأمْرِهِ أوْ بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ، و(مِن) بَيانٍ (لِما) والمُرادُ لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ؛ فالضَّمِيرُ عامٌّ شامِلٌ لِلْمُخْتَلِفِينَ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ، ولَيْسَ راجِعًا إلى الَّذِينَ أُوتُوهُ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ عُمُومُ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنِ عَلى اخْتِلافِ أهْلِ الكِتابِ واللّاحِقِينَ بَعْدَ اخْتِلافِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، والضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا لِلَّذِينِ أُوتُوهُ أيِ الكِتابِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَأخَذَ اليَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، والنَّصارى يَوْمَ الأحَدِ فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، واخْتَلَفُوا في القِبْلَةِ، فاسْتَقْبَلَتِ النَّصارى المَشْرِقَ واليَهُودُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْقِبْلَةِ، واخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يَرْكَعُ ولا يَسْجُدُ، ومِنهم مَن يَسْجُدُ ولا يَرْكَعُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَتَكَلَّمُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَمْشِي، فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في الصِّيامِ، فَمِنهم مَن يَصُومُ النَّهارَ واللَّيْلَ، ومِنهم مَن يَصُومُ عَنْ بَعْضِ الطَّعامِ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَقالَتِ اليَهُودُ: كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا، وجَعَلَهُ اللَّهُ - تَعالى - حَنِيفًا مُسْلِمًا فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ. واخْتَلَفُوا في عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ

صفحة 103

والسَّلامُ -، فَكَذَّبَتْ بِهِ اليَهُودُ، وقالُوا لِأُمِّهِ بُهْتانًا عَظِيمًا، وجَعَلَتْهُ النَّصارى إلَهًا ووَلَدًا، وجَعَلَهُ اللَّهُ - تَعالى - رُوحَهُ وكَلِمَتَهُ، فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، وقِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ لِيَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ).

﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 123﴾ وهو طَرِيقُ الحَقِّ الَّذِي لا يَضِلُّ سالِكُهُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

2:214Page 33

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ حِينَ أصابَ المُسْلِمِينَ ما أصابَهم مِنَ الجُهْدِ والشِّدَّةِ والخَوْفِ والبَرْدِ وسُوءِ العَيْشِ وأنْواعِ الأذى، حَتّى بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ، وقِيلَ: في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وقالَ عَطاءٌ: «لَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابُهُ المَدِينَةَ اشْتَدَّ الضُّرُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم خَرَجُوا بِغَيْرِ مالٍ وتَرَكُوا دِيارَهم وأمْوالَهم بِيَدِ المُشْرِكِينَ، وآثَرُوا رِضا اللَّهِ - تَعالى - ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأظْهَرَتِ اليَهُودُ العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأسَرَّ قَوْمٌ مِنَ الأغْنِياءِ النِّفاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ،» والخِطابُ إمّا لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، أوْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَهُمْ، ونِسْبَةُ (الحُسْبانِ) إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إمّا لِأنَّهُ لَمّا كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ الشَّرِيفُ مِن شَدائِدِ المُشْرِكِينَ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَن يُحْسَبُ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ بِدُونِ تَحَمُّلِ المَكارِهِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ؛ كَما في قَوْلِهِ – سُبْحانَهُ -: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ لِإنْكارِ ذَلِكَ الحُسْبانَ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، وقِيلَ: مُتَّصِلَةٌ بِتَقْدِيرٍ مُعادِلٍ، وقِيلَ: مُنْقَطِعَةٌ بِدُونِ تَقْدِيرٍ، وفي الكَلامِ التِفاتٌ، إلّا إنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ – سُبْحانَهُ -: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ كَلامٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والقُرُونِ الخالِيَةِ، وعَلى ذِكْرِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ وما لَقُوا مِنهم مَنَ الشَّدائِدِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ تَشْجِيعًا لِلرَّسُولِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، فَكانُوا مِن هَذا الوَجْهِ مُرادِينَ غائِبِينَ، ويُؤَيِّدُهُ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ، فَإذا قِيلَ: بَعْدَ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ كانَ نَقْلًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ الأوَّلَ تَعْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِعَدَمِ التَّثَبُّتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، فَكَأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ: كانَ مِن حَقِّ المُؤْمِنِينَ التَّشْجِيعُ والصَّبْرُ تَأسِّيًا بِمَن قَبْلَهُمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والإمامُ أحْمَدُ «عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لَنا، ألا تَدْعُو اللَّهَ - تَعالى - لَنا؟ فَقالَ: ”إنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانَ أحَدُهم يُوضَعُ المِنشارَ عَلى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَتَخْلُصُ إلى قَدَمَيْهِ، لا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما بَيْنَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، لا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ“، ثُمَّ قالَ: ”واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذا الأمْرُ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَ مَوْتَ، لا يَخافُ إلّا اللَّهَ – تَعالى -، والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ“» وهَذا هو المُضْرَبُ عَنْهُ بِـ(بَلِ) الَّتِي تَضَمَّنَتْها أمْ أيْ دَعْ ذَلِكَ (أحَسِبُوا أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ) فَتَرَكَ هَذا إلى الخِطابِ، وحَصَلَ الِالتِفاتُ مَعْنًى، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ وجْهُ رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا قالَ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكانَ المُرادُ بِـ (الصِّراطِ) الحَقَّ الَّذِي يُفْضِي اتِّباعُهُ إلى دُخُولِ الجَنَّةِ بَيْدَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِاحْتِمالِ الشَّدائِدِ والتَّكْلِيفِ.

﴿ولَمّا يَأْتِكُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها نَصْبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ غَيْرِ آتِيكُمْ، ولَمّا جازِمَةٌ كَـ (لَمْ) وفُرِّقَ بَيْنَهُما في كُتُبِ النَّحْوِ، والمَشْهُورُ أنَّها بَسِيطَةٌ، وقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِن (لَمْ) و(ما) النّافِيَةِ، وهي نَظِيرَةُ ( قَدْ ) في أنَّ الفِعْلَ المَذْكُورَ بَعْدَها مُنْتَظَرُ الوُقُوعِ.

صفحة 104

﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ مَثَلِهِمْ وحالِهِمُ العَجِيبَةِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والَّذِينَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيِ: المُؤْمِنِينَ، و( مِن قَبْلِكم ) مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَوْا وهو كالتَّأْكِيدِ لِما يُفْهَمُ مِنهُ.

﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ بَيانٌ لِلْمَثَلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، سَواءٌ قُدِّرَ كَيْفَ ذَلِكَ المَثَلُ أوْ لا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ ( قَدْ ).﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ: أُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا بِأنْواعِ البَلاءِ.

﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيِ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ البَلاءِ إلى حَيْثُ اضْطُرُّوا إلى أنْ ﴿يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ وهو أعْلَمُ النّاسِ بِما يَلِيقُ بِهِ – تَعالى -، وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، والمُؤْمِنُونَ المُقْتَدُونَ بِآثارِهِ، المُهْتَدُونَ بِأنْوارِهِ ﴿مَتى﴾ يَأْتِي ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ طَلَبًا وتَمَنِّيًا لَهُ، واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ - لا شَكًّا وارْتِيابًا - والمُرادُ مِنَ ( الرَّسُولُ ) الجِنْسُ لا واحِدٌ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: هو اليَسَعُ، وقِيلَ: شَعْياءُ، وقِيلَ: أشْعِياءُ، وعَلى التَّعْيِينِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ خَلَوْا ) قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ - وهم أتْباعُ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ - وقَرَأ نافِعٌ: (يَقُولُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ومَعَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ يَقُولَ أيْ أنَّهم صاحَبُوهُ في هَذا القَوْلِ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ آمَنُوا أيْ: وافَقُوهُ في الإيمانِ.

﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ 224﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: فَقِيلَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِأنْفُسِهِمْ بِإسْعافِهِمْ بِمَرامِهِمْ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ والتَّأْكِيدُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِها وتَقْرِيرِهِ ما لا يَخْفى، واخْتِيارُ حِكايَةِ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ، لِما أنَّها في حُكْمِ إنْشاءِ الوَعْدِ لِلرَّسُولِ، والِاقْتِصارُ عَلى حِكايَتِها دُونَ حِكايَةِ النَّصْرِ مَعَ تَحَقُّقِهِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ، وقِيلَ: لَمّا كانَ السُّؤالُ بِـ (مَتى) يُشِيرُ إلى اسْتِعْلامِ القُرْبِ تَضَمَّنَ الجَوابُ القُرْبَ، واكْتُفِيَ بِهِ لِيَكُونَ الجَوابُ طِبْقَ السُّؤالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا وارِدًا مِن جِهَتِهِ - تَعالى - عِنْدَ الحِكايَةِ عَلى نَهْجِ الِاعْتِراضِ، لا وارِدًا عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَقُولُ الرَّسُولِ، و﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ - تَعالى - مَقُولُ مَن مَعَهُ عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الغَيْرِ المُرَتَّبِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا لَفْظًا فَلِأنَّهُ لا يَحْسُنُ تَعاطُفُ القائِلِينَ دُونَ المَقُولِينَ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّهُ لا يُحْسُنُ ذِكْرُ قَوْلِ الرَّسُولِ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ في الغايَةِ الَّتِي قُصِدَ بِها بَيانُ تَناهِي الأمْرِ في الشِّدَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّ تَرْكَ العَطْفِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مَقُولٌ لِواحِدٍ مِنهُما، واحْتِرازٍ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المَجْمُوعِ مَقُولٌ واحِدٌ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الرَّسُولَ قالَ لَهم في جَوابِهِمْ، وبِأنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ يَسْتَدْعِي تَنْزِيهَ الرَّسُولِ عَنِ التَّزَلْزُلِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا تُرِكَ العَطْفُ لا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَكَيْفَ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِ كُلٍّ مَقُولًا لِواحِدٍ مِنهُما، ولا نَأْمَنُ وراءَ مَنعِ كَوْنِ مَنصِبِ الرِّسالَةِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ التَّنْزِيهَ، ولَيْسَ التَّزَلْزُلُ والِانْزِعاجُ أعْظَمَ مِنَ الخَوْفِ، وقَدْ عُرِّيَ الرُّسُلُ - صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - كَما يُصَرِّحُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، وفي الآيَةِ رَمَزٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ يَتَيَسَّرُ إلّا بِرَفْضِ اللَّذّاتِ ومُكابَدَةِ المَشاقِّ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ خَبَرُ: «”حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ“،» وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”إنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَيُجَرِّبُ أحَدَكم بِالبَلاءِ - وهو أعْلَمُ بِهِ - كَما يُجَرِّبُ أحَدُكم ذَهَبَهُ بِالنّارِ، فَمِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الإبْرِيزِ، فَذَلِكَ الَّذِي نَجّاهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ السَّيِّئاتِ، ومِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الأسْوَدِ، فَذَلِكَ الَّذِي قَدِ افْتُتِنَ“».

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَدَّعِي المَحَبَّةَ ويَتَكَلَّمُ في دَقائِقِ الأسْرارِ، ويُظْهِرُ خَصائِصَ الأحْوالِ، وهو في مَقامِ النَّفْسِ الأمّارَةِ

صفحة 105

﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ مِنَ المَعارِفِ والإخْلاصِ بِزَعْمِهِ، ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ الخُصُومَةِ لِأهْلِ اللَّهِ - تَعالى - في نَفْسِ الأمْرِ، ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ عَلى ضُعَفاءِ المُرِيدِينَ، ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ ويَحْصُدُ بِمِنجَلِ تَمْوِيهاتِهِ زَرْعَ الإيمانِ النّابِتَ في رِياضِ قُلُوبِ السّالِكِينَ ويَقْطَعُ نَسْلَ المُرْشِدِينَ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ فَكَيْفَ يَدَّعِي هَذا الكاذِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ - تَعالى - ويَرْتَكِبُ ما لا يُحِبُّهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ حَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ - حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ - عَلى الإثْمِ لُجاجًا، وحُبًّا لِظُهُورِ نَفْسِهِ، وزَعْمًا مِنهُ أنَّهُ أعْلَمُ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ - مِن ناصِحِهِ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: يَكْفِيهِ حَبْسُهُ في سِجِّينِ الطَّبِيعَةِ وظُلُماتِها، وهَذِهِ صِفَةُ أكْثَرِ أرْبابِ الرُّسُومِ الَّذِينَ حُجِبُوا عَنْ إدْراكِ الحَقائِقِ بِما مَعَهم مِنَ العُلُومِ، ﴿ومِنَ النّاسِ مَن﴾ يَبْذُلُ نَفْسَهُ في سُلُوكِ سَبِيلِ اللَّهِ طَلَبًا لِرِضاهُ، ولا يَلْتَفِتُ إلى القالِ والقِيلِ، ولا يَغْلُو لَدَيْهِ في طَلَبِ مَوْلاهُ جَلِيلٌ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ وتَسْلِيمُ الوُجُودِ لِلَّهِ – تَعالى - والخُمُودُ تَحْتَ مَجارِي القُدْرَةِ لَكم وعَلَيْكم كافَّةً، فَإنْ زَلَلْتُمْ عَنْ مَقامِ التَّسْلِيمِ والرِّضا بِالقَضاءِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكم دَلائِلُ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - عَزِيزٌ غالِبٌ يَقْهَرُكُمْ، حَكِيمٌ لا يَقْهَرُ إلّا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إلّا أنْ يَتَجَلّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ صِفاتِ قَهْرِيَّةٍ مِن جُمْلَةِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ وصُوَرِ مَلائِكَةِ القُوى السَّماوِيَّةِ، ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ بِوُصُولِ كُلٍّ إلى ما سَبَقَ لَهُ في الأزَلِ.

﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ بِالفَناءِ.

﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الفِطْرَةِ ودِينِ الحَقِّ في عالَمِ الإجْمالِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في النَّشْأةِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ طَبائِعِهِمْ وغَلَبَةِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ واحْتِجابِ كُلٍّ بِمادَّةِ بَدَنِهِ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ لِيَدْعُوَهم مِنَ الخِلافِ إلى الوِفاقِ، ومِنَ الكَثْرَةِ إلى الوَحْدَةِ، ومِنَ العَداوَةِ إلى المَحَبَّةِ، ( فَتَفَرَّقُوا ) وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ وتَمَيَّزُوا، فالسُّفْلِيُّونَ ازْدادُوا خِلافًا وعِنادًا، والعُلْوِيُّونَ هَداهُمُ اللَّهُ - تَعالى - إلى الحَقِّ وسَلَكُوا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا﴾ جَنَّةَ المُشاهَدَةِ ومَجالِسَ الأُنْسِ بِنُورِ المُكاشَفَةِ ﴿ولَمّا يَأْتِكُمْ﴾ حالُ السّالِكِينَ قَبْلَكم ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بَأْساءُ الفَقْرِ وضَرّاءُ المُجاهَدَةِ وكَسْرُ النَّفْسِ بِالعِبادَةِ حَتّى تَضَجَّرُوا مِن طُولِ مُدَّةِ الحِجابِ وعِيلَ صَبْرُهم عَنْ مُشاهَدَةِ الجَمالِ وطَلَبُوا نَصْرَ اللَّهِ - تَعالى - بِالتَّجَلِّي، فَأُجِيبُوا: إذا بَلَغَ السَّيْلُ الرُّبى، وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ﴾ بِرَفْعِ الحِجابِ وظُهُورِ آثارِ الجَمالِ ﴿قَرِيبٌ﴾ مِمَّنْ بَذَلَ نَفْسَهُ وصَرَفَ عَنْ غَيْرِ مَوْلاهُ حُسْنَهُ، وتَحَمَّلَ المَشاقَّ وذَبَحَ الشَّهَواتِ بِسَيْفِ الأشْواقِ: ومَن لَمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِوَدُونَ اجْتِناءِ النَّحْلِ ما جَنَتِ النَّحْلُ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: «”كانَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ شَيْخًا كَبِيرًا ذا مالٍ كَثِيرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِماذا نَتَصَدَّقُ وعَلى مَن نُنْفِقُ؟ فَنَزَلَتْ“،» وفي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنْهُ: لا، إنَّها نَزَلَتْ في «رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: ”إنَّ لِي دِينارًا، فَقالَ: أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي دِينارَيْنِ، فَقالَ: أنْفِقْهُما عَلى أهْلِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي ثَلاثَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى خادِمِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي أرْبَعَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى والِدَيْكَ، فَقالَ: إنَّ لِي خَمْسَةً، فَقالَ: أنْفِقْها عَلى قَرابَتِكَ، فَقالَ: إنَّ لِي سِتَّةً، فَقالَ: أنْفِقْها في سَبِيلِ اللَّهِ – تَعالى -»“.

وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «”سَألَ المُؤْمِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْنَ يَضَعُونَ أمْوالَهُمْ؟ فَنَزَلَتْ“».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском