Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:235–237

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:235–237

2:235Page 38

وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٣٥

There is no blame upon you for that to which you [indirectly] allude concerning a proposal to women or for what you conceal within yourselves. Allāh knows that you will have them in mind. But do not promise them secretly except for saying a proper saying. And do not determine to undertake a marriage contract until the decreed period1 reaches its end. And know that Allāh knows what is within yourselves, so beware of Him. And know that Allāh is Forgiving and Forbearing.

﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الرِّجالُ المُبْتَغُونَ لِلزَّواجِ ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ بِأنْ يَقُولَ أحَدُكُمْ؛ كَما رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: إنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ، وإنِّي لَأُحِبُّ امْرَأةً مِن أمْرِها وأمْرِها، وإنَّ مِن شَأْنِي النِّساءَ، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - كَتَبَ لِي امْرَأةً صالِحَةً، أوْ يَذْكُرُ لِلْمَرْأةِ فَضْلَهُ وشَرَفَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ”دَخَلَ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ، وقَدْ كانَتْ عِنْدَ ابْنِ عَمِّها أبِي سَلَمَةَ، فَتُوُفِّيَ عَنْها، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ لَها مَنزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وهو مُتَحامِلٌ عَلى يَدِهِ، حَتّى أثَّرَ الحَصِيرُ في يَدِهِ مِن شِدَّةِ تَحامُلِهِ عَلَيْها، وكانَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لَها“،» والتَّعْرِيضُ في الأصْلِ إمالَةُ الكَلامِ عَنْ نَهْجِهِ إلى عَرَضٍ مِنهُ وجانِبٍ، واسْتُعْمِلَ في أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا مَقْصُودًا في الجُمْلَةِ بِلَفْظِهِ الحَقِيقِيِّ أوِ المَجازِيِّ أوِ الكِنائِيِّ؛ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يُذْكَرْ في الكَلامِ، مِثْلَ أنْ تَذْكُرَ المَجِيءَ لِلتَّسْلِيمِ بِلَفْظِهِ؛ لِيَدُلَّ عَلى التَّقاضِي وطَلَبِ العَطاءِ، وهو غَيْرُ الكِنايَةِ؛ لِأنَّها أنْ تَذْكُرَ مَعْنًى مَقْصُودًا بِلَفْظٍ آخَرَ يُوضَعُ لَهُ، لَكِنِ اسْتُعْمِلَ في المَوْضُوعِ - لا عَلى وجْهِ القَصْدِ - بَلْ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى الشَّيْءِ المَقْصُودِ، فَطَوِيلُ النِّجادِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ، لَكِنْ لا يَكُونُ المَقْصُودُ بِالإثْباتِ، بَلْ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى طُولِ القامَةِ، وقَرَّرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا مِن وجْهٍ، فَمِثْلُ قَوْلِ المُحْتاجِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ كِنايَةٌ وتَعْرِيضٌ، ومِثْلُ: زَيْدٌ طَوِيلُ النِّجادِ - كِنايَةٌ لا تَعْرِيضٌ، ومِثْلُ قَوْلِكَ في عَرَضِ مَن يُؤْذِيكَ ولَيْسَ المُخاطَبَ آذَيْتَنِي فَسَتَعْرِفُ، تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ المُؤْذِي لا كِنايَةٌ، والمَشْهُورُ: تَسْمِيَةُ التَّعْرِيضِ تَلْوِيحًا؛ لِأنَّهُ يَلُوحُ مِنهُ ما تُرِيدُهُ، وعَدْوًا جَعَلَ السَّكّاكِيُّ لَهُ اسْمًا لِلْكِنايَةِ البَعِيدَةِ لِكَثْرَةِ الوَسائِطِ، مِثْلَ: كَثِيرِ الرَّمادِ لِلْمِضْيافِ اصْطِلاحًا جَدِيدًا، وفي الكَشْفِ: وقَدْ يَتَّفِقُ عارِضٌ يَجْعَلُ الكِنايَةَ في حُكْمِ المُصَرَّحِ بِهِ، كَما في الِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ وبَسْطِ اليَدِ، ويَجْعَلُ الِالتِفاتَ في التَّعْرِيضِ نَحْوَ المُعَرِّضِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ فَلا يَنْتَهِضُ نَقْضًا عَلى الأصْلِ، و(الخِطْبَةُ) بِكَسْرِ الخاءِ قِيلَ: الذِّكْرُ الَّذِي يُسْتَدْعى بِهِ إلى عَقْدِ النِّكاحِ أخْذًا مِنَ الخِطابِ، وهو تَوْجِيهُ الكَلامِ لِلْإفْهامِ، وبِضَمِّها الوَعْظُ المُتَّسِقُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْلِيفِ، وقِيلَ: إنَّهُما اسْمُ الحالَةِ غَيْرَ أنَّ المَضْمُومَةَ خُصَّتْ بِالمَوْعِظَةِ، والمَكْسُورَةَ بِطَلَبِ المَرْأةِ والتِماسِ نِكاحِها، و(ألْ) في النِّساءِ لِلْعَهْدِ، والمَعْهُوداتُ هي الأزْواجُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ ولا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى الِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّ مِنَ النِّساءِ مَن يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهِنَّ في العِدَّةِ، كالرَّجْعِيّاتِ والبائِناتِ في قَوْلٍ، والأظْهَرُ عِنْدَ

صفحة 151

الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - جَوازُهُ في عِدَّتِهِنَّ قِياسًا عَلى مُعْتَدّاتِ الوَفاةِ، لا يُقالُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ تُقَدَّمَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾؛ لِأنَّ ما فِيها مِن أحْكامِ النِّساءِ قَبْلَ البُلُوغِ إلى الأجَلِ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، بَلْ هي مِن أحْكامِ الرِّجالِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِنَّ، فَكانَ المُناسِبُ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَ الفَراغِ مِن أحْكامِهِنَّ قَبْلَ البُلُوغِ مِنَ الأجَلِ وبَعْدَهُ، واسْتَدَلَّ الكِيا بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ في القَذْفِ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - جَعَلَ حُكْمَهُ مُخالِفًا لِحُكْمِ التَّصْرِيحِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ: ”مَن عَرَّضَ عَرَّضْنا، ومَن مَشى عَلى الكَلا ألْقَيْناهُ في النَّهْرِ“ واسْتُدِلَّ بِها عَلى جَوازِ نِكاحِ الحامِلِ مِنَ الزِّنا؛ إذْ لا عِدَّةَ لَها، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: أسْرَرْتُمْ في قُلُوبِكم مِن نِكاحِهِنَّ بَعْدَ مُضِيِّ عَدَّتِهِنَّ، ولَمْ تُصَرِّحُوا بِذَلِكَ لَهُنَّ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ولا تَصْبِرُونَ عَلى السُّكُوتِ عَنْهُنَّ وعَنْ إظْهارِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، فَلِهَذا رَخَّصَ لَكم ما رَخَّصَ، وفِيهِ نَوْعٌ ما مِنَ التَّوْبِيخِ.

﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ اسْتِدْراكٌ عَنْ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أيْ: فاذْكُرُوهُنَّ ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ نِكاحًا، بَلِ اكْتَفُوا بِما رَخَّصَ لَكُمْ، وجَوازُ أنْ يَكُونَ اسْتِدْراكًا عَنْ ( لا جَناحَ ) فَإنَّهُ في مَعْنى (عَرِّضُوا بِخِطْبَتِهِنَّ) أوْ أكِنُّوا في أنْفُسِكُمْ، ولَكِنْ إلَخْ، وحَمْلُهُ عَلى الِاسْتِدْراكِ عَلى ما عِنْدَهُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإرادَةُ النِّكاحِ مِنَ السِّرِّ بِواسِطَةِ إرادَةِ الوَطْءِ مِنهُ؛ إذْ قَدْ تَعارَفَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يُسَرُّ، ومِنهُ قَوْلُ امَرِئِ القَيْسِ:

ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي كَبِرْتُ ∗∗∗ وأنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أمْثالِي

وإرادَةُ العَقْدِ مِن ذَلِكَ لِما بَيْنَهُما مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ مِن أوَّلِ الأمْرِ عِبارَةً عَنِ العَقْدِ؛ لِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُما في الظّاهِرِ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ (السِّرَّ) هُنا الجِماعُ، وتَوَهُّمُ الرُّخْصَةِ حِينَئِذٍ في المَحْظُورِ الَّذِي هو التَّصْرِيحُ (بِالنِّكاحِ) مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا: أنَّهُ العَهْدُ عَلى الِامْتِناعِ عَنِ التَّزَوُّجِ بِالغَيْرِ، وهو عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وجُوِّزَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ في السِّرِّ، عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُواعَدَةُ بِما يُسْتَهْجَنُ.

﴿إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ وهو التَّعْرِيضُ الَّذِي عُرِفَ تَجْوِيزُهُ، والمُسْتَثْنى مِنهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّهْيُ؛ أيْ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ نِكاحًا مُواعَدَةً ما إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً، أوْ إلّا مُواعَدَةً بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ، أوْ لا تَقُولُوا في وعْدِ الجِماعِ أوْ طَلَبِ الِامْتِناعِ عَنِ الغَيْرِ إلّا قَوْلَكم ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ، وفي الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَصْرِيحٌ بِما فُهِمَ مِن ( ولا جُناحَ ) عَلى وجْهٍ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الرَّفْعُ، وهو نَوْعٌ مِنَ الطَّرْدِ - والعَكَسُ حَسَنٌ - وعَلى الأخِيرَيْنِ تَأْسِيسٌ لِمَعْنى، رُبَّما يُعْلَمُ بِطَرِيقِ المُقايَسَةِ؛ إذْ حَمَلُوا (التَّعْرِيضَ) فِيهِما عَلى (التَّعْرِيضِ) بِالوَعْدِ لَها أوِ الطَّلَبِ مِنها، وهو غَيْرُ (التَّعْرِيضِ) السّابِقِ؛ لِأنَّهُ بِنَفْسِ (الخِطْبَةِ) وإذا أُرِيدَ الوَجْهُ الرّابِعُ وهو الأخِيرُ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ احْتَمَلَ الِاسْتِثْناءُ الِاتِّصالَ والِانْقِطاعَ، والِانْقِطاعُ في المَعْنى أظْهَرُ عَلى مَعْنى ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ بِالمُسْتَهْجَنِ ولَكِنْ واعِدُوهُنَّ بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ لا يُسْتَحْيا مِنهُ في المُجاهَرَةِ مِن حُسْنِ المُعاشَرَةِ والثَّباتِ إنْ وقَعَ النِّكاحُ، وبَعْضٌ قالَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِن سِرًّا وضُعِّفَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ التَّعْرِيضِ مَوْعُودًا، وجَعْلُهُ مِن قَبِيلِ ( إلّا مَن ظُلِمَ ) يَأْبى أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنهُ، بَلْ مِن أصْلِ الحُكْمِ.

﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا قَصْدًا جازِمًا عَقْدَ ( عُقْدَةِ النِّكاحِ ) وفي النَّهْيِ عَنْ مُقَدِّمَةِ الشَّيْءِ نَهْيٌ

صفحة 152

عَنِ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ، وصَحَّ تَعَلُّقُ النَّهْيِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الباطِنَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ الِاخْتِيارِ، ولِذا يُثابُ عَلى النِّيَّةِ، والمُرادُ بِهِ العَزْمُ المُقارَنُ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لا تَعْزِمْ عَلى السَّفَرِ في صَفَرٍ مَثَلًا لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ عَزْمٍ فِيهِ مُتَأخِّرِ الفِعْلِ إلى رَبِيعٍ، وذَلِكَ لِأنَّ القَصْدَ الجازِمَ حَقُّهُ المُقارَنَةُ، وتَقْدِيرُ المُضافِ لِصِحَّةِ التَّعَلُّقِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَلى الفِعْلِ، و(العُقْدَةُ) لَيْسَتْ بِهِ؛ لِأنَّها مَوْضِعُ العَقْدِ، وهو ما يَعْقِدُ عَلَيْهِ ولَمْ يُقَدِّرْهُ بَعْضُهُمْ، وجَعَلَ الإضافَةَ بَيانِيَّةً، فالعُقْدَةُ حِينَئِذٍ نَفْسُ النِّكاحِ وهو فِعْلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ هي مَفْعُولٌ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا عَلى أنَّ مَعْنى (لا تَعْزِمُوا) لا تَعْقِدُوا، فَهو عَلى حَدِّ (قَعَدْتُ جُلُوسًا) وأنَّ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَقْطَعُوا ولا تُبْرِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ نَفْسِ الفِعْلِ، لا عَنْ قَصْدِهِ كَما في الأوَّلِ، وبِهَذا يَنْحَطُّ عَنْهُ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ العَزْمَ عَلى القَطْعِ ضِدَّ الوَصْلِ، وجَعَلَ المَعْنى: لا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ نِكاحِ الزَّوْجِ المُتَوَفّى بِعَقْدِ نِكاحٍ آخَرَ ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أصْلًا، وفِيهِ بَحْثٌ؛ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ مَجِيءَ العَزْمِ بِمَعْنى القَطْعِ ضِدَّ الوَصْلِ في اللُّغَةِ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: حَقِيقَةُ العَزْمِ القَطْعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَعْزِمِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ“،» ورُوِيَ: ”لَمْ يُبَيِّتْ“ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ، بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ حَمْلُهُ؛ إذِ الدَّلِيلُ لا يُساعِدُهُ؛ إذْ لا خَفاءَ في أنَّ المُرادَ بِعَزْمِ الصَّوْمِ لَيْسَ قَطْعَهُ بِمَعْنى الفَكِّ، بَلِ الجَزْمَ وقَطْعَ التَّرَدُّدِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ لا مَعْنى لِلنَّهْيِ عَنْ قَطْعِ عُقْدَةِ نِكاحِ الزَّوْجِ الأوَّلِ حَتّى يُنْهى عَنْهُ؛ إذْ لا تَنْقَطِعُ عُقْدَةُ نِكاحِ المُتَوَفّى بِعَقْدِ نِكاحٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الثّانِي لَغْوٌ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ المُرادَ لا تَفُكُّوا عُقْدَةَ نِكاحِكم ولا تَقْطَعُوها، ونَفْيُ القَطْعِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ التَّحْصِيلِ، فَإنَّ تَحْصِيلَ الثَّمَرَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِالقَطْعِ، وهَذا كَما تَرى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ أيْ يَنْتَهِي ما كَتَبَ وفَرَضَ مِنَ العِدَّةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ العَزْمِ عَلى ما لا يَجُوزُ أوْ مِن ذَواتِ الصُّدُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ ﴿فاحْذَرُوهُ﴾ ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ أوِ (احْذَرُوهُ) بِالِاجْتِنابِ عَنِ العَزْمِ ابْتِداءً أوْ إقْلاعًا عَنْهُ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَغْفِرُ لِمَن يُقْلِعُ عَنْ عَزْمِهِ أوْ ذَنْبِهِ خَشْيَةً مِنهُ ﴿حَلِيمٌ 235﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ، فَلا يُتَوَهَّمُ مِن تَأْخِيرِها أنَّ ما نُهِيَ عَنْهُ لا يَسْتَتْبِعُ المُؤاخَذَةَ وإعادَةَ العامِلِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ - تَبارَكَ اسْمُهُ - .

2:236Page 38

لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦

There is no blame upon you if you divorce women you have not touched1 nor specified for them an obligation.2 But give them [a gift of] compensation - the wealthy according to his capability and the poor according to his capability - a provision according to what is acceptable, a duty upon the doers of good.

﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مِن وِزْرٍ؛ لِأنَّهُ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ ولَوْ كانَ في الحَيْضِ، وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَثِيرًا ما يَنْهى عَنِ الطَّلاقِ، فَظُنَّ أنَّ فِيهِ جُناحًا، فَنَفى ذَلِكَ ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ: غَيْرِ ماسِّينَ لَهُنَّ أوْ مُدَّةَ عَدَمِ المَسِّ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَماسُّوهُنَّ) والأعْمَشُ: (مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ)، وعَبْدُ اللهِ: (مِن قَبْلِ أنْ تُجامِعُوهُنَّ)، ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أيْ: (حَتّى تَفْرِضُوا) أوْ (إلّا أنْ تَفْرِضُوا) عَلى ما في شُرُوحِ الكِتابِ، وفَرِيضَةً فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الاسْمِيَّةِ، فَصارَ بِمَعْنى المَهْرِ فَلا تَجُوزُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولَيْسَ بِالجَيِّدِ، والمَعْنى: إنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ بِمُطالَبَةِ المَهْرِ أصْلًا إذا كانَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ عَلى كُلِّ حالٍ، إلّا في حالِ الفَرْضِ، فَإنَّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نِصْفَ المُسَمّى كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ، وفي حالِ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ عَلَيْهِ المُتْعَةُ لا نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ، وأمّا إذا كانَ

صفحة 153

بَعْدَ المِساسِ، فَعَلَيْهِ في صُورَةِ التَّسْمِيَةِ تَمامُ المُسَمّى، وفي صُورَةِ عَدَمِها تَمامُ مَهْرِ المِثْلِ؛ هَذِهِ أرْبَعُ صُوَرٍ لِلْمُطَلَّقَةِ نَفَتِ الآيَةُ بِمَنطُوقِها الوُجُوبَ في بَعْضِها، واقْتَضى مَفْهُومُها الوُجُوبَ في الجُمْلَةِ في البَعْضِ الآخَرِ، قِيلَ: وهَهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ، وهو أنَّ ما بَعْدَ أوِ الَّتِي بِمَعْنى حَتّى الَّتِي بِمَعْنى إلى نِهايَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَقَوْلُكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي، مَعْناهُ أنَّ اللُّزُومَ يَنْتَهِي إلى الإعْطاءِ، فَعَلى قِياسِهِ يَكُونُ فَرْضُ الفَرِيضَةِ نِهايَةَ عَدَمِ المِساسِ لا عَدَمَ الجُناحِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ، وهو مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ، فَهو مَعْنًى مُقَيَّدٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ بِغَيْرِ جُناحٍ وتَبِعَةٍ إلّا إذا (فُرِضَتِ الفَرِيضَةُ) فَيَكُونُ الجُناحُ؛ لِأنَّ المُقَيَّدَ في المَعْنى يَنْتَهِي بِرَفْعِ قَيْدِهِ فَتَأمَّلْ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ كَلِمَةَ (أوْ) عاطِفَةً لِمَدْخُولِها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الفِعْلِ المَجْزُومِ، و(لَمْ) حِينَئِذٍ لِنَفْيِ أحَدِ الأمْرَيْنِ لا بِعَيْنِهِ، وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيُفِيدُ العُمُومَ؛ أيْ: ما لَمْ يَكُنْ مِنكم مَسِيسٌ، ولا فَرْضٌ عَلى حَدٍّ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ واعْتَرَضَهُ القُطْبُ بِأنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيرَ حَرْفِ النَّفْيِ، فَيَصِيرُ (ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) و(ما لَمْ تَفْرِضُوا) فَيَكُونُ الشَّرْطُ حِينَئِذٍ أحَدَ النَّفْيَيْنِ لا نَفْيَ أحَدِ الأمْرَيْنِ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَجِبَ المَهْرُ إذا عُدِمَ المَسِيسُ ووُجِدَ الفَرْضُ أوْ عُدِمَ الفَرْضُ ووُجِدَ المَسِيسُ، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ عَلى رَأْيٍ.

﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ: مَلِّكُوهُنَّ ما يَتَمَتَّعْنَ بِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمّى مُتْعَةً، وهو عَطْفٌ عَلى ما هو جَزاءٌ في المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَلا جُناحَ ومَتِّعُوهُنَّ، وعَطْفُ الطَّلَبِيِّ عَلى الخَبَرِيِّ عَلى ما في الكَشْفِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ جامِعُ جَعْلِهِما كالمُفْرِدِينَ؛ أيِ الحُكْمِ هَذا وذاكَ، أوْ لِأنَّ المَعْنى فَلا جُناحَ وواجِبٌ هَذا أوْ فَلا تَعْزِمُوا ذَلِكَ ومَتِّعُوهُنَّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ عَطْفَ القَصَّةِ عَلى القَصَّةِ، وأنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بِالواوِ وارِدًا لِبَيانِ ما يَجِبُ لِلْمُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ عَلى أزْواجِهِنَّ بَعْدَ التَّطْلِيقِ، والعَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ؛ إذْ لا مَعْنى لِقَوْلِنا: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ إلّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ المَعْطُوفَ، والحِكْمَةُ في إعْطاءِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ، والظّاهِرُ فِيها عَدَمُ التَّقْدِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ أيْ: عَلى كُلٍّ مِنهُما مِقْدارُ ما يُطِيقُهُ ويَلِيقُ بِهِ كائِنًا ما كانَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: ”مُتْعَةُ الطَّلاقِ أعْلاها الخادِمُ، ودُونَ ذَلِكَ الوَرِقُ، ودُونَ ذَلِكَ الكِسْوَةُ“، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: ”أدْنى ما يَكُونُ مِنَ المُتْعَةِ ثَلاثُونَ دِرْهَمًا“، وقالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ: هي دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ عَلى حَسَبِ الحالِ، إلّا أنْ يَقِلَّ مَهْرُ مِثْلِها مِن ذَلِكَ، فَلَها الأقَلُّ مَن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ، ومِنَ المُتْعَةِ ولا يَنْتَقِصُ مِن خَمْسَةِ دَراهِمَ، والمُوسِعُ مَن يَكُونُ ذا سَعَةٍ وغِنًى مِن أوْسَعَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَ مالُهُ واتَّسَعَتْ حالُهُ، و(المُقْتِرُ) مَن يَكُونُ ضَيِّقَ الحالِ مِن (أقْتَرَ) إذا افْتَقَرَ وقَلَّ ما في يَدِهِ وأصْلُ البابِ الإقْلال،ُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِمِقْدارِ حالِ المُتْعَةِ بِالنَّظَرِ إلى حالِ المُطَلِّقِ - إيسارًا وإقْتارًا - والجُمْهُورُ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( مَتِّعُوهُنَّ )، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنكُمْ، ومَن جَعَلَ الألِفَ واللّامَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: عَلى مُوسِعِكم إلَخْ اسْتَغْنى عَنِ القَوْلِ بِالحَذْفِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا أبا بَكْرٍ وابْنَ ذَكْوانَ: (قَدَرُهُ) بِفَتْحِ الدّالِ، والباقُونَ بِإسْكانِها، وهُما لُغَتانِ فِيهِ، وقِيلَ: (القَدْرُ) بِالتَّسْكِينِ الطّاقَةُ وبِالتَّحْرِيكِ المِقْدارُ، وقُرِئَ: (قَدْرَهُ) بِالنَّصْبِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى مَتِّعُوهُنَّ إلَخْ لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنكم قَدْرَ وُسْعِهِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وأجْوَدُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَأوْجِبُوا عَلى المُوسِعِ قَدْرَهُ، ﴿مَتاعًا﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ أُجْرِيَ مَجْراهُ أيْ تَمْتِيعًا ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالوَجْهِ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ، وهو في مَحَلِّ الصِّفَةِ

صفحة 154

لِـ مَتاعًا وحَقًّا أيْ: ثابِتًا، صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا؛ أيْ: حَقٍّ ذَلِكَ ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ، أوْ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ: مَن شَأْنُهُمُ الإحْسانُ، أوِ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إلى أنْفُسِهِمْ؛ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، أوْ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَّمْتِيعِ، وإنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ؛ اعْتِبارًا لِلْمُشارَفَةِ تَرْغِيبًا وتَحْرِيضًا

وقالَ الإمامُ مالِكٌ: المُحْسِنُونَ المُتَطَوِّعُونَ، وبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلى اسْتِحْبابِ المُتْعَةِ، وجَعَلَهُ قَرِينَةً صارِفَةً لِلْأمْرِ إلى النَّدْبِ، وعِنْدَنا هي واجِبَةٌ لِلْمُطَلَّقاتِ في الآيَةِ، مُسْتَحَبَّةٌ لِسائِرِ المُطَلَّقاتِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: هي واجِبَةٌ لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُطَلَّقَةٍ؛ إذا كانَ الفِراقُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، إلّا الَّتِي سَمّى لَها وطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، ولَمّا لَمْ يُساعِدْهُ مَفْهُومُ الآيَةِ ولَمْ يُعْتَبَرِ العُمُومُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ لِأنَّهُ يَحْمِلُ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ، قالَ بِالقِياسِ وجَعَلَهُ مُقَدَّمًا عَلى المَفْهُومِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ دُونَهُ، وأُجِيبُ عَمّا قالَهُ مالِكٌ بِمَنعِ قَصْرِ المُحْسِنِ عَلى المُتَطَوِّعِ، بَلْ هو أعَمُّ مِنهُ، ومِنَ القائِمِ بِالواجِباتِ، فَلا يُنافِي الوُجُوبَ، فَلا يَكُونُ صارِفًا لِلْأمْرِ عَنْهُ مَعَ ما انْضَمَّ مِن لَفْظِ ( حَقًّا ).

2:237Page 38

وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧

And if you divorce them before you have touched them and you have already specified for them an obligation, then [give] half of what you specified - unless they forego the right or the one in whose hand is the marriage contract foregoes it. And to forego it is nearer to righteousness. And do not forget graciousness between you. Indeed Allāh, of whatever you do, is Seeing.

﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ الَّتِي سُمِّيَ لَها مَهْرٌ وطُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِيسِ، وجُمْلَةُ ( وقَدْ ) إلَخْ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( طَلَّقْتُمُوهُنَّ )، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، ونَفْسُ الفَرْضِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ أوْ لِلْمَفْعُولِ، وإنْ لَمْ يُقارَنْ حالَةَ التَّطْلِيقِ، لَكِنَّ اتِّصافَ المُطْلَقِ بِالفارِضِيَّةِ فِيما سَبَقَ مِمّا لا رَيْبَ في مُقارَنَتِهِ لَها، وكَذا الحالُ في اتِّصافِ المُطَلَّقَةِ بِكَوْنِها مَفْرُوضًا فِيما سَبَقَ ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ ما قَدَّرْتُمْ وسَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ المَهْرِ، أوْ فالواجِبُ عَلَيْكم ذَلِكَ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَنفِيَّ في الصُّورَةِ السّابِقَةِ إنَّما هو تَبِعَةُ المَهْرِ، وقُرِئَ: فَنِصْفَ بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى: فَأدَّوْا نِصْفَ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ حُكْمِ التَّسْمِيَةِ مَعَ أنَّها الأصْلُ في العَقْدِ، والأكْثَرُ في الوُقُوعِ، مِن بابِ التَّدَرُّجِ في الأحْكامِ، وذِكْرِ الأشَقِّ فالأشَقِّ، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لَمّا أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ نَزَلَتْ في «أنْصارِيٍّ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي حَنِيفَةَ، وكانَتْ مُفَوَّضَةً فَطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، فَتَخاصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ _ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ _: ”أمْتَعْتَها؟ قالَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ، قالَ: مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ»“ مِمّا لا أراهُ شَيْئًا، عَلى أنَّ في هَذا الخَبَرِ مَقالًا حَتّى قالَ الحافِظُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ نِصْفُ المَفْرُوضِ، مُعَيَّنًا في كُلِّ حالٍ إلّا حالَ عَفْوِهِنَّ؛ أيِ: المُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ، فَإنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ، والصِّيغَةُ في حَدِّ ذاتِها تَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ والتَّأْنِيثَ، والفَرْقُ بِالِاعْتِبارِ، فَإنَّ الواوَ في الأُولى ضَمِيرٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، وفي الثّانِيَةِ لامُ الفِعْلِ والنُّونُ ضَمِيرٌ والفِعْلُ مَبْنِيٌّ؛ ولِذَلِكَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ أنْ هُنا مَعَ أنَّها ناصِبَةٌ لا مُخَفَّفَةٌ؛ بِدَلِيلِ عَطْفِ المَنصُوبِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ الواوِ فَهو عَلى حَدِّ

أبى اللَّهُ أنْ أسْمُو بِأُمٍّ ولا أبٍ

﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزَّوْجُ المالِكُ لِعَقْدِ النِّكاحِ وحَلِّهِ، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ _ ﷺ _ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وبِهِ قالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم _ ومَعْنى عَفْوِهِ: تَرْكُهُ تَكَرُّمًا ما يَعُودُ إلَيْهِ مِن نِصْفِ المَهْرِ الَّذِي ساقَهُ كامِلًا، عَلى ما هو المُعْتادُ، أوْ إعْطاؤُهُ تَمامَ المَهْرِ المَفْرُوضِ قَبْلُ بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ عَفْوًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالزِّيادَةِ والفَضْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ وقَوْلِ زُهَيْرٍ:

صفحة 155

حَزْمًا وبِرًّا لِلْإلَهِ وشِيمَةً تَعْفُو عَلى خُلُقِ المُسِيءِ المُفْسِدِ

فَمَرْجِعُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ إلى مَنعِ الزِّيادَةِ في المُسْتَثْنى مِنهُ، كَما أنَّهُ في الصُّورَةِ الأوْلى إلْى مَنعِ النُّقْصانِ فِيهِ؛ أيْ: فَلَهُنَّ هَذا المِقْدارُ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ، إلّا في حالِ عَفْوِهِنَّ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إذْ ذاكَ لَهُنَّ القَدْرُ المَذْكُورُ، بَلْ يَنْتَفِي أوْ يَنْحَطُّ، أوْ في حالِ عَفْوِ الزَّوْجِ فَإنَّهُ وقْتَئِذٍ تَكُونُ لَهُنَّ الزِّيادَةُ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ الأوَّلِ في فَنِصْفُ غَيْرِ مُلاحَظٍ فِيهِ الوُجُوبُ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِكَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّ في صُورَةِ عَفْوِ الزَّوْجِ لا يُتَصَوَّرُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ، كَذا قِيلَ فَلْيَتَدَبَّرْ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وعائِشَةُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وعَلْقَمَةُ، والزُّهْرِيُّ، والشّافِعِيُّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ في قَوْلِهِ القَدِيمِ إلى أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هو الوَلِيُّ الَّذِي لا تُنْكَحُ المَرْأةُ إلّا بِإذْنِهِ، فَإنَّ لَهُ العَفْوَ عَنِ المَهْرِ إذا كانَتِ المَنكُوحَةُ صَغِيرَةً في رَأْيِ البَعْضِ، ومُطْلَقًا في رَأْيِ الآخَرِينَ وإنْ أبَتْ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو المَأْثُورُ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ فَإنَّ إسْقاطَ حَقِّ الغَيْرِ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْوى، وهَذا خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ جَمِيعًا، وغَلَبَ المُذَكَّرُ لِشَرَفِهِ وكَذا فِيما بَعْدُ، واللّامُ لِلتَّعْدِيَةِ، ومِن قَواعِدِهِمُ الَّتِي قَلَّ مَن يَضْبِطُها أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وكَذا فِعْلَ التَّعَجُّبِ يَتَعَدّى بِالحَرْفِ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُهُ؛ كَـ: أزْهَدُ فِيهِ مِن كَذا، وإنْ كانَ مِن مُتَعَدٍّ في الأصْلِ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ يُفْهَمُ عِلْمًا أوْ جَهْلًا تَعَدّى بِالباءِ؛ كَـ: أعْلَمُ بِالفِقْهِ، وأجْهَلُ بِالنَّحْوِ، وإنْ كانَ لا يُفْهَمُ ذَلِكَ تَعَدّى بِاللّامِ؛ كَـ: أنْتَ أضْرَبُ لِعَمْرٍو، إلّا في بابِ الحُبِّ والبُغْضِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِفِي؛ كَـ: هو أحَبُّ في بَكْرٍ، وأبْعَضُ في عَمْرٍو، وإلى الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ بِإلى؛ كَـ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى خالِدٍ مِن بِشْرٍ، أوْ أبْغَضُ إلَيْهِ مِنهُ، وقُرِئَ: وأنْ يَعْفُوا بِالياءِ ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، المَقْصُودُ مِنها الأمْرُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ أيْ: لا تَتْرُكُوا أنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كالشَّيْءِ المَنسِيِّ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تَنْسَوُا )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفَضْلِ، وحَمْلُ الفَضْلِ عَلى الزِّيادَةِ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ الضَّعْفِ، وقِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْفَضْلِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، والفَضْلُ بِمَعْنى الإحْسانِ؛ أيْ: لا تَنْسَوُا الإحْسانَ الكائِنَ بَيْنَكم مِن قَبْلُ، ولْيَكُنْ مِنكم عَلى ذِكْرٍ حَتّى يُرَغَّبَ كُلٌّ في العَفْوِ مُقابَلَةً لِإحْسانِ صاحِبِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنْ لا إحْسانَ في الغالِبِ بَيْنَ المَرْأةِ وزَوْجِها قَبْلَ الدُّخُولِ، وقَرَأ عَلِيٌّ _ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ _: ولا تَناسَوْا، وبَعْضُهُمْ: ولا تَنْسُوا؛ بِسُكُونِ الواوِ

﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَلا يَكادُ يَضِيعُ ما عَمِلْتُمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском