Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:243–245

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:243–245

2:243Page 39

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٢٤٣

Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allāh said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of the people do not show gratitude.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ هَذِهِ الكَلِمَةُ قَدْ تُذْكَرُ لِمَن تَقَدَّمَ عِلْمُهُ فَتَكُونُ لِلتَّعَجُّبِ والتَّقْرِيرِ والتَّذْكِيرِ لِمَن عَلِمَ بِما يَأْتِي، كالأحْبارِ وأهْلِ التَّوارِيخِ، وقَدْ تُذْكَرُ لِمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَتَكُونُ لِتَعْرِيفِهِ وتَعْجِيبِهِ، وقَدِ اشْتُهِرَتْ في ذَلِكَ حَتّى أُجْرِيَتْ مَجْرى المَثَلِ في هَذا البابِ؛ بِأنْ شَبَّهَ حالَ مَن لَمْ يَرَ الشَّيْءَ بِحالِ مَن رَآهُ في أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلَيْهِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ، ثُمَّ أجْرى الكَلامَ مَعَهُ كَما يُجْرِي مَعَ مَن رَأى؛ قَصْدًا إلى المُبالَغَةِ في شُهْرَتِهِ وعَراقَتِهِ في التَّعَجُّبِ، والرُّؤْيَةُ إمّا بِمَعْنى الإبْصارِ مَجازًا عَنِ النَّظَرِ، وفائِدَةُ التَّجَوُّزِ الحَثُّ عَلى الِاعْتِبارِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ اخْتِيارِيٌّ دُونَ الإدْراكِ الَّذِي بَعْدَهُ، وإمّا بِمَعْنى الإدْراكِ القَلْبِيِّ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الوُصُولِ والِانْتِهاءِ؛ ولِهَذا تَعَدَّتْ بِإلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى الَّذِينَ﴾ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ الفِعْلَ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَمّا اسْتُعِيرَ لِمَعْنى ( ألَمْ تَنْظُرْ )؛ عُدِّيَ تَعْدِيَتُهُ بِإلى، وفائِدَةُ اسْتِفادَتِهِ أنَّ النَّظَرَ قَدْ يَتَعَدّى عَنِ الرُّؤْيَةِ، فَإذا أُرِيدَ الحَثُّ عَلى نَظَرٍ ناتِجٍ لا مَحالَةَ لَها اسْتُعِيرَتْ لَهُ، وقَلَّما اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في غَيْرِ التَّقْرِيرِ، فَلا يُقالُ رَأيْتُ إلى كَذا، انْتَهى، وقَدْ يَتَعَدّى اللَّفْظُ عَلى هَذا المَعْنى بِنَفْسِهِ، وقَلَّ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا وجَدْتُ بِها طِيبًا ولَمْ تَتَطَيَّبِ،

والمُرادُ بِالمَوْصُولِ أهْلُ قَرْيَةٍ، يُقالُ لَها: داوَرْدانُ قُرْبُ واسِطَ ﴿خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ فارِّينَ مِنَ الطّاعُونِ، أوْ مِنَ الجِهادِ؛ حَيْثُ دُعُوا إلَيْهِ ﴿وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ﴾ وكانُوا فَوْقَ عَشَرَةِ آلافٍ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ الأكْثَرُ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يُقالُ عَشَرَةُ أُلُوفٍ ولا تِسْعَةُ أُلُوفٍ وهَكَذا، وإنَّما يُقالُ آلافٌ، فَقَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: إنَّهم كانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، وابْنِ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ: أنَّهم أرْبَعَةُ آلافٍ، ومُقاتِلٍ، والكَلْبِيِّ: إنَّهم ثَمانِيَةُ آلافٍ، وأبِي صالِحٍ: إنَّهم تِسْعَةُ آلافٍ، وأبِي رَءُوفٍ: إنَّهم عَشَرَةُ آلافٍ، لا يُساعِدُهُ هَذا الِاسْتِعْمالُ، والقائِلُونَ بِالفَوْقِيَّةِ اخْتَلَفُوا؛ فَقِيلَ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أنَّهم أرْبَعُونَ ألْفًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهم سَبْعُونَ ألْفًا، ولا أرى لِهَذا الخِلافِ ثَمَرَةً بَعْدَ القَوْلِ بِالكَثْرَةِ، وإلى ذَلِكَ يَمِيلُ كَلامُ الضِّحّاكِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: أنَّ المُرادَ خَرَجُوا مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ ولَمْ يَخْرُجُوا عَنْ تَباغُضٍ، فَجَعَلَهُ جَمْعَ

صفحة 161

آلِفٍ مِثْلِ قاعِدٍ وقُعُودٍ، وشاهِدٍ وشُهُودٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ اعْتِبارٍ؛ إذْ وُرُودُ المَوْتِ دُفْعَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ عَلى جَمْعٍ عَظِيمٍ أبْلَغُ في الِاعْتِبارِ، وأمّا وُقُوعُهُ عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم أُلْفَةٌ فَهو كَوُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، ومِثْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ إلْفُهم وحُبُّهم لِدِيارِهِمْ أوْ لِحَياتِهِمُ الدُّنْيا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى إمّا ظاهِرُهُ، وإمّا مَجازٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِمَوْتِهِمْ دُفْعَةً، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِإماتَتِهِ تَعالى إيّاهم مِيتَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ في أقْرَبِ وقْتٍ وأدْناهُ، وأسْرَعِ زَمانٍ وأوْحاهُ، بِأمْرٍ مُطاعٍ، لِمَأْمُورٍ مُطِيعٍ، وقِيلَ: ناداهم مَلَكٌ بِذَلِكَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ المُنادِيَ مَلَكانِ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى تَخْوِيفًا وتَهْوِيلًا ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فَماتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ، قِيلَ: وإنَّما حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِاسْتِحالَةِ تَخَلُّفِ مُرادِهِ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ( قالَ ) لَمّا أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإماتَةِ، والمَشْهُورُ أنَّهم بَقُوا مَوْتى مُدَّةً حَتّى تَفَرَّقَتْ عِظامُهُمْ، فَمَرَّ بِهِمْ حِزْقِيلُ الشَّهِيرُ بِابْنِ العَجُوزِ خَلِيفَةُ كالِبِ بْنِ يُوفَنّا خَلِيفَةِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وقِيلَ: شَمْعُونُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وقالَ وهْبٌ: إنَّهُ شَمُوئِيلُ، وهو ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ: يُوشَعُ نَفْسُهُ، فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا لِكَثْرَةِ ما يَرى مِنهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أيَّتُها العِظامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَجْتَمِعِي، فاجْتَمَعَتْ حَتّى التَزَقَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَصارَتْ أجْسادًا مِن عِظامٍ، لا لَحْمَ ولا دَمَ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أيَّتُها الأجْسامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكِ أنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا، فاكْتَسَتْ لَحْمًا، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ نادِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكِ تَقُومِي، فَبُعِثُوا أحْياءً، يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ

والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَرَوْا في هَذا المَوْتِ مِنَ الأهْوالِ والأحْوالِ ما يَصِيرُ بِها مَعارِفُهم ضَرُورِيَّةً، ويَمْنَعُ مِن صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بَعْدَ الإحْياءِ، كَما في الآخِرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أنَّهم رَأوْا ما يَراهُ المَوْتى، إلّا أنَّهم أُنْسَوْهُ بَعْدَ العَوْدَةِ، والقادِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ قادِرٌ عَلى الإنْساءِ، وسُبْحانَ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يُشْكِلُ مَوْتُ هَؤُلاءِ في الدُّنْيا مَرَّتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنِ اسْتِيفاءِ آجالٍ _ كَما قالَ مُجاهِدٌ _ وإنَّما هو مَوْتُ عُقُوبَةٍ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْتٍ، وأيْضًا هو مِن خَوارِقِ العاداتِ، فَلا يَرُدُّ نَقْضًا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ مَوْتًا كالمَوْتِ الَّذِي يَكُونُ وراءَهُ الحَياةُ لِلنُّشُورِ، وإنَّما هو نَوْعُ انْقِطاعِ تَعَلُّقِ الرُّوحِ عَنِ الجَسَدِ؛ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ التَّغَيُّرُ والفَسادُ، وهو فَوْقَ داءِ السَّكْتَةِ والإغْماءِ الشَّدِيدِ، حَتّى لا يَشُكَّ الرّائِي الحاذِقُ لَوْ رَآهُ بِانْقِطاعِ التَّعَلُّقِ أصْلًا، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ تَعَلُّقٌ ما، لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الحَياةِ المَعْلُومَةِ لَدَيْنا، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ يَعُودُ بِالآخِرَةِ إلى انْقِسامِ المَوْتِ، أوْ إلى أنَّ إطْلاقَ المَوْتِ عَلى ما ذُكِرَ مَجازٌ، وكِلا الأمْرَيْنِ في القَلْبِ مِنهُما شَيْءٌ بَلْ أشْياءُ

وقَدْ ذَهَبَ إلى مِثْلِهِ ابْنُ الرّاوَنْدِيُّ في جَمِيعِ الأمْواتِ، فَقالَ: إنَّ الأرْواحَ لا تُفارِقُ الأبْدانَ أصْلًا، وإنَّما يَحْدُثُ في الأبْدانِ عَوارِضُ وعِلَلٌ، يَحْدُثُ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ مِنها، كَما يَحْدُثُ لِلْمَجْذُومِينَ والرُّوحُ كامِنَةٌ في الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ أيْنَما كانَتْ؛ لِكَوْنِها عُرْيَةً عَنِ الإحْساسِ والإدْراكِ، وهو مَذْهَبٌ تَحْكُمُ الضَّرُورَةُ بِرَدِّهِ _ عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ عَنِ اعْتِقادِ مِثْلِهِ _ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ جَمِيعًا؛ أمّا أُولَئِكَ؛ فَقَدْ أحْياهم لِيَعْتَبِرُوا فَيَفُوزُوا بِالسَّعادَةِ، وأمّا الَّذِينَ سَمِعُوا؛ فَقَدْ هَداهم إلى الِاعْتِبارِ، وهَذا كالتَّعْلِيلِ لِما تَقَدَّمَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ مِمّا تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا فَضْلَهُ، ولَكِنَّ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالشُّكْرِ الِاسْتِبْصارُ والِاعْتِبارُ، ولا يَخْفى بَعْدَهُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ جُمَلًا مِنَ الأحْكامِ

صفحة 162

التَّكْلِيفِيَّةِ مُشْتَمِلَةً عَلى ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِ المَوْتى؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى الإحْياءِ والبَعْثِ؛ لِلْمُجازاةِ واسْتِنْهاضًا لِلْعَزائِمِ عَلى العَمَلِ لِلْمَعادِ، والوَفاءِ بِالحُقُوقِ، والصَّبْرِ عَلى المَشاقِّ،

وقِيلَ: وجْهُ المُناسِبَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾؛ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ؛ لِأنَّها مِن عَظِيمِ آياتِهِ، وبَدائِعِ قُدْرَتِهِ، وقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ لِما فِيها مِن تَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ عَلى الجِهادِ، والتَّعَرُّضِ لِلشَّهادَةِ، والحَثِّ عَلى التَّوَكُّلِ، والِاسْتِسْلامِ لِلْقَضاءِ؛ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى:

2:244Page 39

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤

And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو عَطْفٌ في المَعْنى عَلى ﴿،ألَمْ تَرَ﴾؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى انْظُرُوا وتَفَكَّرُوا، والسُّورَةُ الكَرِيمَةُ لِكَوْنِها سَنامَ القُرْآنِ؛ ذَكَرَ فِيها كُلِّيّاتِ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ؛ مِنَ الصِّيامِ، والحَجِّ، والصَّلاةِ، والجِهادِ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ، مُسْتَطْرِدًا تارَةً؛ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِها يَكُرُّ عَلَيْها كُلَّما وُجِدَ مَجالٌ، ومَقْصُودًا أُخْرى؛ دَلالَةً عَلى أنَّ المُؤْمِنَ المُخْلِصَ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْغَلَهُ حالٌ عَنْ حالٍ، وإنَّ المَصالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَرائِعُ إلى الفَراغَةِ لِلْمَشاغِلِ الأُخْرَوِيَّةِ، والجِهادُ لَمّا كانَ ذُرْوَةَ سَنامِ الدِّينِ، وكانَ مِن أشَقِّ التَّكالِيفِ؛ حَرَّضَهم عَلَيْهِ مِن طُرُقٍ شَتّى، مُبْتَدِئًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُنْتَهِيًا إلى هَذا المَقالِ الكَرِيمِ، مُخْتَتِمًا بِذِكْرِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ لِلتَّتْمِيمِ _ قالَهُ في الكَشْفِ _ وجُوِّزَ في العَطْفِ وُجُوهٌ أُخَرُ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، يُعَيِّنُهُ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فاشْكُرُوا فَضْلَهُ بِالِاعْتِبارِ بِما قُصَّ عَلَيْكُمْ، وقاتِلُوا في سَبِيلِهِ؛ لِما عَلِمْتُمْ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ الحِمامِ، وأنَّ المُقَدَّرَ لا يُمْحى، فَإنْ كانَ قَدْ حانَ الأجَلُ؛ فَمَوْتٌ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى خَيْرُ سَبِيلٍ، وإلّا فَنَصْرٌ وثَوابٌ، الثّانِي: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ القِصَّةِ؛ أيِ: اثْبُتُوا ولا تَهْرَبُوا كَما هَرَبَ هَؤُلاءِ، وقاتِلُوا، الثّالِثُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ إلى ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِلِقاءِ العَدُوِّ، وما جاءَ جاءَ كالِاعْتِراضِ، الرّابِعُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( قالَ لَهُمُ اللَّهُ ) والخِطابُ لِمَن أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى، وهو كَما تَرى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُ عَنِ الجِهادِ؛ مِن تَنْفِيرِ الغَيْرِ عَنْهُ، وما يَقُولُهُ السّابِقُ إلَيْهِ؛ مِن تَرْغِيبٍ فِيهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُهُ هَذا وذَلِكَ؛ مِنَ الأغْراضِ والبَواعِثِ، فَيُجازِي كُلًّا حَسَبَ عَمَلِهِ ونِيَّتِهِ.

2:245Page 39

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.

﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ( مَنِ ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و( ذا ) خَبَرُهُ، و( الَّذِي ) صِفَةٌ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مَن ذا ) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ؛ مِثْلَ: ما تَكُونُ، ماذا كَذَلِكَ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ( ما ) أشَدَّ إبْهامًا مِن ( مَن )، وإقْراضُ اللَّهِ تَعالى مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ العاجِلِ؛ طَلَبًا لِلثَّوابِ الآجِلِ، والمُرادُ هَهُنا: إمّا الجِهادُ المُشْتَمِلُ عَلى بَذْلِ النَّفْسِ والمالِ، وإمّا مُطَلَّقُ العَمَلِ الصّالِحِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يَخْفى انْتِظامُ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها ﴿قَرْضًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى إقْراضًا، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وإمّا بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَسَنًا﴾ صِفَةٌ لَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ، وجِهَةُ الحُسْنِ عَلى الأوَّلِ الخُلُوصُ مَثَلًا، وعَلى الثّانِي الحِلُّ والطِّيبُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ القَرْضُ الحَسَنُ: المُجاهَدَةُ والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وعَلَيْهِ يَلْتَئِمُ النَّظْمُ أتَمَّ التِئامٍ، ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ أيِ: القَرْضَ ﴿لَهُ﴾ وجَعْلُهُ مُضاعَفًا مَجازٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ المُضاعَفَةِ، وجُوِّزَ تَقْدِيرُ مُضافٍ؛ أيْ: فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ لَيْسَتْ عَلى بابِها، إذْ لا مُشارَكَةَ، وإنَّما اخْتِيرَتْ لِلْمُبالَغَةِ المُشِيرَةِ إلَيْها المُغالَبَةُ

وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ، وفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَصْدَرِ يَقْرِضُ في المَعْنى؛ أيْ: مَن ذا الَّذِي يَكُونُ مِنهُ قَرْضٌ، فَمُضاعَفَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ جَوابًا لِاسْتِفْهامٍ مَعْنًى أيْضًا؛ لِأنَّ المُسْتَفْهَمَ

صفحة 163

عَنْهُ وإنْ كانَ المُقْرِضَ في اللَّفْظِ؛ إلّا أنَّهُ في المَعْنى الإقْراضُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ تَعالى أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ، وهَذا ما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ جَوابَ الِاسْتِفْهامِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ فِيهِ المُقْرِضُ لا القَرْضَ، ولا عَطَفَهُ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي هو ( قَرْضًا )، كَما يُعْطَفُ الفِعْلُ عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ أنْ؛ لِأمْرَيْنِ عَلى ما قِيلَ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَرْضًا هُنا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وهو لا يُقَدَّرُ بِأنْ والفِعْلِ، والثّانِي: إنَّ عَطْفَهُ عَلَيْهِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ ( يُقْرِضُ )، ولا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ المُضاعَفَةَ لَيْسَتْ مَقْرُوضَةً، وإنَّما هي فِعْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: يُضَعِّفُهُ بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ: يُضْعِفَهُ بِالنَّصْبِ، ﴿أضْعافًا﴾ جَمْعُ ضِعْفٍ، وهو مِثْلُ الشَّيْءِ في المِقْدارِ إذا زِيدَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ الإضْعافُ أوِ المُضاعَفَةُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في ( يُضاعِفَهُ )، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَلى المَعْنى بِأنْ تَضْمَنَ المُضاعَفَةُ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يُعْتَبَرَ واقِعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ، فَيَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ حِينَئِذٍ، وإنَّما جُمِعَ والمَصادِرُ لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ؛ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ هي لِقَصْدِ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ، والمُرادُ بِهِ أيْضًا إذْ ذاكَ الحَقِيقَةُ، لَكِنَّها تُقْصَدُ مِن حَيْثُ وُجُودِها في ضِمْنِ أنْواعِها الدّاخِلَةِ تَحْتَها ﴿كَثِيرَةً﴾ لا يَعْلَمُ قَدْرَها إلّا اللَّهُ تَعالى، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النِّهْدِيِّ، قالَ: «بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفَ حَسَنَةٍ، فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِلِقائِهِ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ ولَمْ يَحْفَظِ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُعْطِي العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفَ حَسَنَةٍ، ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فالكَثِيرُ عِنْدَهُ تَعالى أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألْفٍ وألْفَيْ ألْفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألْفَيْ حَسَنَةٍ“» ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ أيْ: يُقَتِّرُ عَلى بَعْضٍ، ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ، أوْ يُقَتِّرُ تارَةً، ويُوَسِّعُ أُخْرى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، الَّتِي قَدْ دَقَّ سِرُّها، وجَلَّ قَدْرُها، وإذا عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو القابِضُ والباسِطُ، وأنَّ ما عِنْدَكم إنَّما هو مِن بَسْطِهِ وعَطائِهِ؛ فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ، فَأقْرِضُوهُ وأنْفِقُوا مِمّا وسَّعَ عَلَيْكم بَدَلَ تَوْسِعَتِهِ وإعْطائِهِ، ولا تَعْكِسُوا بِأنْ تَبْخَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ، فَيُعامِلَكم مِثْلَ مُعامَلَتِكم في التَّعْكِيسِ، بِأنْ يَقْبِضَ ويُقَتِّرَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ ما وسَّعَ عَلَيْكُمْ، وأقْدَرَكم عَلى الإنْفاقِ، وعَنْ قَتادَةَ، والأصَمِّ، والزَّجّاجِ: أنَّ المَعْنى يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ، ويَبْسُطُ الجَزاءَ عَلَيْها، فالكَلامُ كالتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ لِما قَبْلَهُ، ووَجْهُ تَأْخِيرِ البَسْطِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ووَجْهُ تَأْخِيرِهِ عَلى الأوَّلِ الإيماءُ إلى أنَّهُ يَعْقُبُ القَبْضَ في الوُجُودِ تَسْلِيَةً لِلْفُقَراءِ، وقُرِئَ: يَبْصُطُ

﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْتُمْ.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ أنَّ الصَّلَواتِ خَمْسٌ؛ صَلاةُ السِّرِّ بِشُهُودِهِ مَقامَ الغَيْبِ، وصَلاةُ النَّفْسِ بِخُمُودِها عَنْ دَواعِي الرَّيْبِ، وصَلاةُ القَلْبِ بِمُراقَبَتِهِ أنْوارَ الكَشْفِ، وصَلاةُ الرُّوحِ بِمُشاهَدَةِ الوَصْلِ، وصَلاةُ البَدَنِ بِحِفْظِ الحَواسِّ وإقامَةِ الحُدُودِ، فالمَعْنى: حافِظُوا عَلى هَذِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، والصَّلاةِ الوُسْطى الَّتِي هي صَلاةُ القَلْبِ الَّتِي شَرْطُها الطَّهارَةُ عَنِ المَيْلِ إلى السِّوى، وحَقِيقَتُها التَّوَجُّهُ إلى المَوْلى؛ ولِهَذا تَبْطُلُ بِالخَطَراتِ والِانْحِرافِ عَنْ كَعْبَةِ الذّاتِ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ قانِتِينَ؛ أيْ: مُطِيعِينَ لَهُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ بِدَفْعِ الخَواطِرِ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ صَدَماتِ الجَلالِ حالَ سَفَرِكم إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَصَّلُوا راجِلِينَ في بَيْداءِ

صفحة 164

المَسِيرِ، سائِرِينَ عَلى أقْدامِ الصِّدْقِ، أوْ راكِبِينَ عَلى مَطايا العَزْمِ، ولا يَصُدَّنَّكُمُ الخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ السَّفَرِ إلى الوَطَنِ الأصْلِيِّ بِكَشْفِ الحِجابِ؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: فَصَّلُوا لَهُ بِكُلِّيَّتِكم حَتّى تَفْنَوْا فِيهِ، أوْ فَإذا أمِنتُمْ بِالرُّجُوعِ إلى البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ؛ فاذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى؛ لِحُصُولِ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ حِينَئِذٍ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا ذِكْرَ، إذْ لا امْتِيازَ ولا تَفْضِيلَ، وقَدْ قِيلَ لِلْمَجْنُونِ: أتُحِبُّ لَيْلى؟ فَقالَ: ومَن لَيْلى؟! أنا لَيْلى، وقالَ بَعْضُهُمْ:

أنا مَن أهْوى ومَن أهْوى أنا نَحْنُ رُوحانِ حَلَّلْنا بَدَنا

فَإذا أبْصَرْتَنِي أبْصَرْتَهُ ∗∗∗ وإذا أبْصَرْتَهُ أبْصَرْتَنا

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ: أوْطانِهِمُ المَأْلُوفَةِ، ومَقارِّ نُفُوسِهِمُ المَعْهُودَةِ، ومَقاماتِهِمْ ومَراتِبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وما رَكَنُوا إلَيْها بِدَواعِي الهَوى، وهم قَوْمٌ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ، أوْ مُتَحابُّونَ مُتَألِّفُونَ في اللَّهِ تَعالى؛ حَذَرَ مَوْتِ الجَهْلِ والِانْقِطاعِ عَنِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ، والوُقُوعِ في المَهاوِي الطَّبِيعِيَّةِ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ أيْ: أمَرَهم بِالمَوْتِ الِاخْتِيارِيِّ، أوْ أماتَهم عَنْ ذَواتِهِمْ بِالتَّجَلِّي الذّاتِيِّ، حَتّى فَنُوا فِيهِ ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ العِلْمِيَّةِ، أوْ بِهِ بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ، والبَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ عَلى سائِرِ النّاسِ؛ بِتَهْيِئَةِ أسْبابِ إرْشادِهِمْ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِمَزِيدِ غَفْلَتِهِمْ عَمّا يُرادُ بِهِمْ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ النَّفْسَ والشَّيْطانَ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ هَواجِسَ نُفُوسِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في قُلُوبِهِمْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ويَبْذُلُ نَفْسَهُ لَهُ بَذْلًا خالِصًا عَنِ الشَّرِكَةِ ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ بِظُهُورِ نُعُوتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ فِيهِ ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ﴾ أرْواحَ المُوَحِّدِينَ بِقَبْضَتِهِ الجَبَرُوتِيَّةِ في نُورِ الأزَلِيَّةِ، ﴿ويَبْسُطُ﴾ أسْرارَ العارِفِينَ مِن قَبْضَةِ الكِبْرِياءِ، ويَنْشُرُها في مُشاهَدَةِ ثَناءِ الأبَدِيَّةِ، ويُقالُ: القَبْضُ سِرُّهُ، والبَسْطُ كَشْفُهُ، وقِيلَ: القَبْضُ لِلْمُرِيدِينَ، والبَسْطُ لِلْمُرادِينَ، أوِ الأوَّلُ لِلْمُشْتاقِينَ، والثّانِي لِلْعارِفِينَ، والمَشْهُورُ أنَّ القَبْضَ والبَسْطَ حالَتانِ بَعْدَ تَرَقِّي العَبْدِ عَنْ حالَةِ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فالقَبْضُ لِلْعارِفِ كالخَوْفِ لِلْمُسْتَأْمِنِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الخَوْفَ والرَّجاءَ يَتَعَلَّقانِ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ مَكْرُوهٍ أوْ مَحْبُوبٍ، والقَبْضُ والبَسْطُ بِأمْرٍ حاضِرٍ في الوَقْتِ، يَغْلِبُ عَلى قَلْبِ العارِفِ مِن وارِدٍ غَيْبِيٍّ، وكانَ الأوَّلُ مِن آثارِ الجَلالِ، والثّانِي مِن آثارِ الجَمالِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском