Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:249–251

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:249–251

2:249Page 41

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ أيِ: انْفَصَلَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ مُصاحِبًا لَهم لِقِتالِ العَمالِقَةِ، وأصْلُهُ فَصْلُ نَفْسِهِ عَنْهُ، ولَمّا اتَّحَدَ فاعِلُهُ ومَفْعُولُهُ شاعَ اسْتِعْمالُهُ مَحْذُوفَ المَفْعُولِ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ القاصِرِ كانْفَصَلَ، وقِيلَ: فَصَّلَ فُصُولًا، وجُوِّزَ كَوْنُهُ أصْلًا بِرَأْسِهِ، مُمْتازًا مِنَ المُتَعَدِّي بِمَصْدَرِهِ؛ كَوَقَفَ وُقُوفًا، ووَقَّفَهُ وقْفًا، وصَدَّ عَنْهُ صُدُودًا، أوْ صَدَّهُ صَدًّا، وهو بابٌ مَشْهُورٌ، والجُنُودُ: الأعْوانُ والأنْصارُ، جَمْعُ جُنْدٍ، وفِيهِ مَعْنى الجَمْعِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: لا يَخْرُجُ مَعِي رَجُلٌ بَنى بِناءً لَمْ يَفْرَغْ مِنهُ، ولا تاجِرٌ مُشْتَغِلٌ بِالتِّجارَةِ، ولا مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأةٍ لَمْ يَبْنِ عَلَيْها، ولا أبْتَغِي إلّا الشّابَّ النَّشِيطَ الفارِغَ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَهُ ثَمانُونَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، فَسَلَكُوا مَفازَةً فَسَألُوا نَهْرًا ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أيْ: مُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَخْتَبِرَكُمْ؛ لِيَظْهَرَ لِلْعِيانِ الصّادِقُ مِنكم والكاذِبُ ﴿بِنَهَرٍ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها وهي لُغَةٌ فِيهِ، وكانَ ذَلِكَ نَهْرَ فِلَسْطِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وعَنْ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ: أنَّهُ نَهَرٌ بَيْنَ فِلَسْطِينَ والأُرْدُنِ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ أيِ: ابْتَدَأ شُرْبَهُ لِمَزِيدِ عَطَشِهِ مِن نَفْسِ النَّهْرِ؛ بِأنْ كَرَعَ لِأنَّهُ الشُّرْبُ مِنهُ حَقِيقَةٌ، وهَذا كَثِيرًا ما يَفْعَلُهُ العَطْشانُ المُشْرِفُ عَلى الهَلاكِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: فَمَن شَرِبَ مِن مائِهِ مُطْلَقًا ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ: مِن أشْياعِي، أوْ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي، ومُتَّحِدٍ مَعِي، فَمِنَ اتِّصالِيَّةٌ وهي غَيْرُ التَّبْعِيضِيَّةِ عِنْدَ بَعْضٍ، وكَأنَّها بَيانِيَّةٌ عِنْدَهُ، وعَيَّنَها عِنْدَ آخَرِينَ

صفحة 170

﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: مَن لَمْ يَذُقْهُ؛ مِن طَعِمَ الشَّيْءَ: إذا ذاقَهُ مَأْكُولًا كانَ أوْ مَشْرُوبًا، حَكاهُ الأزْهَرِيُّ، عَنِ اللَّيْثِ، وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ الطَّعْمَ ما يُؤَدِّيهِ الذَّوْقُ، ولَيْسَ هو نَفْسَ الذَّوْقِ، فَمَن فَسَّرَهُ بِهِ عَلى هَذا؛ فَقَدَ تَوَسَّعَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اسْتِعْمالُ طَعِمَ الماءَ بِمَعْنى ذاقَ طَعْمَهُ مُسْتَفِيضٌ لا يُعابُ اسْتِعْمالُهُ لَدى العَرَبِ العَرْباءِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا وأمّا اسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى شَرِبَهُ واتَّخَذَهُ طَعامًا فَقَبِيحٌ، إلّا أنْ يَقْتَضِيَهُ المَقامُ، كَما في حَدِيثِ زَمْزَمَ:”طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ“ فَإنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها تُغَذِّي بِخِلافِ سائِرِ المِياهِ، ولا يَخْدِشُ هَذا ما حُكِيَ أنَّ خالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيَّ قالَ عَلى مِنبَرِ الكُوفَةِ وقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِ المُغِيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ: أطْعِمُونِي ماءً، فَعابَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ ذَلِكَ وهَجَوْهُ بِهِ وحَمَلُوهُ عَلى شِدَّةِ جَزَعِهِ، وقِيلَ فِيهِ:

بَلِ المَنابِرُ مِن خَوْفٍ ومِن وهَلٍ واسْتَطْعَمَ الماءَ لَمّا جَدَّ في الهَرَبِ

وألْحَنُ النّاسِ كُلُّ النّاسِ قاطِبَةً ∗∗∗ وكانَ يَوْلَعُ بِالتَّشْدِيقِ بِالخُطَبِ

لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما عِيبَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْ جَزَعٍ، فَكانَ مَظِنَّةَ الوَهْمِ وعَدَمِ قَصْدِ المَعْنى الصَّحِيحِ، وإلّا فَوُقُوعُ مِثْلِهِ في كَلامِهِمْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ، وإنَّما عَلِمَ طالُوتُ أنَّ مَن شَرِبَ عَصاهُ، ومَن لَمْ يَطْعَمْ أطاعَهُ، بِواسِطَةِ الوَحْيِ إلى نَبِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما لَمْ يُخْبِرْهُمُ النَّبِيُّ نَفْسُهُ بِتِلْكَ، بَلْ ألْقاهُ إلى طالُوتَ فَأخْبَرَ بِهِ، كَأنَّهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ لِيَكُونَ لَهُ وقْعٌ في قُلُوبِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِواسِطَةِ وحْيٍ إلَيْهِ، بِناءً عَلى أنَّهُ نُبِّئَ بَعْدَ أنْ مُلِّكَ، وهو قَوْلٌ لا ثَبْتَ لَهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالفِراسَةِ والإلْهامِ بَعِيدٌ ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ، فَإنَّ فُسِّرَ الشُّرْبُ بِالكُرُوعِ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا وإلّا كانَ مُتَّصِلًا، وفائِدَةُ تَقْدِيمِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الإيذانُ بِأنَّها مِن تَتِمَّةِ الأُولى، وأنَّ الغَرَضَ مِنها تَأْكِيدُها وتَتْمِيمُها؛ نَهْيًا عَنِ الكُرُوعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وإفادَةَ أنَّ المُغْتَرِفَ لَيْسَ بِذائِقٍ حُكْمًا، فَيُؤَكِّدُ تَرْخِيصَ الِاغْتِرافِ، ولَوْ أُخِّرَتْ لَمْ تُفِدْ هَذِهِ الفَوائِدَ، ولاخْتَلَّ النَّظْمُ لِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ إذْ ذاكَ عَلى أنَّ المُغْتَرِفَ مُتَّحِدٌ مَعَهُ، ودَلالَةِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِمَفْهُومِها عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَحَدٍّ مَعَهُ، ولا يَصِحُّ في الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ الرّاجِعَيْنِ إلى المَوْصُولَيْنِ في الصِّلَةِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ حِينَئِذٍ بِالخَبَرِ، وأداءُ المَعْنى في الأوَّلِ إلى أنَّ المُجْتَرِئَ في الشُّرْبِ بِغُرْفَةٍ واحِدَةٍ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِهِ مُتَّحِدًا مَعَهُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: والَّذِينَ شَرِبُوا كُلُّهم إلّا المُغْتَرِفَ لَيْسَ مِنِّي، ولا يَصِحُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي، أوِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِ في الخَبَرِ خِلافًا لِلْبَعْضِ، إذْ لا فَرْقَ لِأدائِهِ إلى أنَّ المُجْتَرِئَ المَذْكُورَ مُخْرَجٌ مِن حُكْمِ الِاتِّحادِ مَعَهُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: والَّذِينَ لَمْ يَذُوقُوهُ فَإنَّهم كُلَّهم إلّا المُغْتَرِفَ مِنهم مُتَّصِلُونَ بِي مُتَّحِدُونَ مَعِي، ولَيْسَ بِالمُرادِ أصْلًا، والغُرْفَةُ ما يُغْرَفُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ المَدِينَةِ: غَرْفَةً بِفَتْحِ الغَيْنِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ، وقِيلَ: الغُرْفَةُ والغَرْفَةُ مَصْدَرانِ، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِاغْتَرَفَ، أوْ بِغُرْفَةٍ في قَوْلٍ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فابْتُلُوا بِهِ فَشَرِبُوا، والمُرادُ إمّا كَرَعُوا وهو المُتَبادَرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أوْ أفْرَطُوا في الشُّرْبِ إلّا قَلِيلًا مِنهم لَمْ يَكْرَعُوا، أوْ لَمْ يُفَرِّطُوا في الشُّرْبِ، بَلِ اقْتَصَرُوا عَلى الغَرْفَةِ بِاليَدِ، وكانَتْ تَكْفِيهِمْ لِشُرْبِهِمْ وإداوَتِهِمْ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما _ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ مَن شَرِبَ

صفحة 171

لَمْ يَزْدَدْ إلّا عَطَشًا، وفي رِوايَةٍ: إنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا اسْوَدَّتْ شِفاهُهُمْ، وغَلَبَهُمُ العَطَشُ، وكانَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ المُعْجِزَةِ لِذَلِكَ النَّبِيِّ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْمَشُ: إلّا قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ، وجَعَلُوهُ مِنَ المَيْلِ إلى جانِبِ المَعْنى، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ في قُوَّةٍ أنْ يُقالَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ، فَحَقَّ أنْ يَرِدَ المُسْتَثْنى مَرْفُوعًا؛ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقَ:

وعَضُّ زَمانٌ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ

فَإنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَدْعُ في حُكْمِ لَمْ يَبْقَ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وجَوَّزَ في المُوجِبِ وجْهَيْنِ: النَّصْبَ وهو الأفْصَحُ، والإتْباعُ لِما قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأوْرَدَ لَهُ قَوْلَهُ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيِ: النَّهْرَ وتَخَطّاهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ: طالُوتُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المُؤَكَّدِ بِالمُنْفَصِلِ، والمُرادُ بِهِمُ القَلِيلُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ؛ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ، وإيماءً إلى أنَّ مِن عَداهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإيمانِ ﴿مَعَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاوَزَ لا بِآمَنُوا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ ( الَّذِينَ )، بِناءً عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: ( فَلَمّا جاوَزَهُ ) والحالُ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كائِنُونَ ( مَعَهُ )

﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ أيْ: لا قُدْرَةَ لَنا بِمُحارَبَتِهِمْ ومُقاوَمَتِهِمْ، فَضْلًا عَنِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، وجالُوتُ كَطالُوتَ، والقائِلُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ، وهو إظْهارُ ضَعْفٍ لا نُكُوصَ، لَمّا شاهَدُوا مِنَ الأعْداءِ ما شاهَدُوا مِنَ الكَثْرَةِ والشِّدَّةِ؛ قِيلَ: كانُوا مِائَةَ ألْفِ مُقاتِلٍ شاكِي السِّلاحِ، وقِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ ألْفٍ ﴿قالَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ لِذَلِكَ البَعْضِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ: يَتَيَقَّنُونَ ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ بِالبَعْثِ والرُّجُوعِ إلى ما عِنْدَهُ، وهُمُ الخُلَّصُ مِن أُولَئِكَ، والأعْلَوْنَ إيمانًا فَلا يُنافِي وصْفُهم بِذَلِكَ إيمانَ الباقِينَ، فَإنَّ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ مُتَفاوِتَةٌ، ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الظَّنِّ عَلى مَعْناهُ، والمُرادُ: يَظُنُّونَ أنَّهم يَسْتَشْهِدُونَ عَمّا قَرِيبٌ، ويَلْقَوْنَ اللَّهَ تَعالى، وقِيلَ: المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وضَمِيرُ ( قالُوا ) لِلْمُنْخَزِلِينَ عَنْهُمْ، كَأنَّهم قالُوا ذَلِكَ اعْتِذارًا عَنِ التَّخَلُّفِ والنَّهْرِ بَيْنَهُما، ولا يَخْفى بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، ولَمْ يَكُنِ المُنْخَزِلُونَ إذْ ذاكَ مَعَهُمْ، وأيْضًا أيُّ حاجَةٍ إلى إبْداءِ العُذْرِ عَنِ التَّخَلُّفِ، مَعَ ما سَبَقَ مِن طالُوتَ أنَّ الكارِعِينَ لَيْسُوا مِنهُ في شَيْءٍ، فَلَوْ لَمْ يَنْخَزِلُوا لَمُنِعُوا مِنَ الذَّهابِ ( مَعَهُ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ النّاسِ وجَماعَةٍ؛ مِن فَأوْتَ رَأْسَهُ إذا شَقَقْتَهُ، أوْ مِن فاءَ إلَيْهِ إذا رَجَعَ، وأصْلُها عَلى الأوَّلِ فِيوَةٌ؛ فَحُذِفَتْ لامُها فَوَزْنُها فِعَةٌ، وأصْلُها عَلى الثّانِي فِيئَةٌ؛ فَحُذِفَتْ عَيْنُها فَوَزْنُها فِلَةٌ، و( كَمْ ) هُنا خَبَرِيَّةٌ، ومَعْناها كَثِيرٌ، و( مِن ) زائِدَةٌ، و( فِئَةٍ ) تَمْيِيزٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( مِن فِئَةٍ ) في مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِـ ( كَمْ ) كَما تَقُولُ: عِنْدِي مِائَةٌ مِن دِرْهَمٍ ودِينارٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ كَمِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، ولَعَلَّهُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ونُقِلَ عَنِ الرِّضى أنَّ ( مِن ) لا تَدْخُلُ بَعْدَ ( كَمِ ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ، فالقَوْلُ بِالخَبَرِيَّةِ أوْلى ﴿قَلِيلَةٍ﴾ نَعْتٌ لِفِئَةٍ عَلى لَفْظِها ﴿غَلَبَتْ﴾ أيْ: قَهَرَتْ عِنْدَ المُحارَبَةِ ﴿فِئَةً كَثِيرَةً﴾ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها

﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِحُكْمِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولَمْ يَقُولُوا أطاقَتْ حَسْبَما وقَعَ في كَلامِ أصْحابِهِمْ؛ مُبالَغَةً في تَشْجِيعِهِمْ، وتَسْكِينِ قُلُوبِهِمْ، وإذا حُمِلَ التَّنْوِينُ في ( فِئَةٍ ) الأُولى لِلتَّحْقِيرِ، وفي ( فِئَةً ) الثّانِيَةَ لِلتَّعْظِيمِ؛ كانَ أبْلَغَ في التَّشْجِيعِ، وأكْمَلَ في التَّسْكِينِ، وقَدْ ورَدَ مِثْلُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:

صفحة 172

لَهُ حاجِبٌ عَنْ كُلِّ أمْرٍ يَشِينُهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ عَنْ طالِبِ العُرْفِ حاجِبُ

وهَذا كَما تَرى ناشِئٌ مِن كَمالِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتَصْدِيقِهِمْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعْجِزُهُ إحْياءُ المَوْتى، كَما لا يُعْجِزُهُ إماتَةُ الأحْياءِ، فَضْلًا عَنْ نُصْرَةِ الضُّعَفاءِ، فَلا رَيْبَ في أنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِمّا لَهُ كَمالُ مُلاءَمَةٍ لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَلى المَوْصُولِ، لا سِيَّما وقَدْ أخَذَ فِيهِ إذْنَ اللَّهِ تَعالى وحُكْمَهُ، ومَن لا يُؤْمِنُ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى؛ لا يَكادُ يَقْرَبُ مِن هَذا القَيْدِ قَيْدَ شِبْرٍ، فانْدَفَعَ بِهَذا ما قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: مِن أنَّ هَذا الجَوابَ كَما تَرى ناشِئٌ مِن كَمالِ ثِقَتِهِمْ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ، ولا دَخْلَ في ذَلِكَ لِظَنِّ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى بِالبَعْثِ، ولا لِتُوقِّعِ ثَوابِهِ _ عَزَّ شَأْنُهُ _ ولا رَيْبَ في أنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَدارًا لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَلى المَوْصُولِ، ولا أقَلَّ مِن أنَّ يَكُونَ وصْفًا مُلائِمًا لَهُ، فَإنَّ المُلاءَمَةَ عَلى ما جادَ بِهِ هَذا الذِّهْنُ الكَلِيلُ حَصَلَتْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، فَلا حاجَةَ في تَحْصِيلِها إلى ما ذَكَرَهُ _ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى _ بَعْدُ؛ مِن إخْراجِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ الشّائِعِ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ إلى يَوْمِ مُلاقاتِهِ تَعالى، وحَمْلِ مُلاقاتِهِ سُبْحانَهُ عَلى مُلاقاةِ نَصْرِهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ، وجَعْلِ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ عَنْهُ مُبالَغَةً، فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ في جَمِيعِ الكِتابِ المَجِيدِ، ولَيْسَ هو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ المُرادُ مِنهُ المَعِيَّةُ بِالنَّصْرِ والإحْسانِ؛ لِأنَّهُ في سائِرِ القُرْآنِ مَأْلُوفٌ اسْتِعْمالُهُ في مِثْلِ ذَلِكَ، كَما لا يَخْفى، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الأعْلَيْنَ؛ أُتِيَ بِهِ تَكْمِيلًا لِلتَّشْجِيعِ، وتَرْغِيبًا بِالصَّبْرِ، بِالإشارَةِ إلى ما فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى، جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِكَلامِهِمْ، ودُعاءً لِلسّامِعِينَ إلى مِثْلِ حالِ هَؤُلاءِ، المُشِيرُ إلَيْها مَقالُهم.

2:250Page 41

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

﴿ولَمّا بَرَزُوا﴾ أيْ: ظَهَرَ طالُوتُ ومَن مَعَهُ، وصارُوا في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ؛ وهو ما انْكَشَفَ مِنها واسْتَوى ﴿لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ أيْ: لِمُحارَبَتِهِمْ وقِتالِهِمْ ﴿قالُوا﴾ جَمِيعًا بَعْدَ أنْ قَوِيَتْ قُلُوبُ الضُّعَفاءِ، مُتَضَرِّعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى مُتَبَرِّئِينَ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ

﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أيْ: صُبَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، ووَفِّقْنا لَهُ، والمُرادُ بِهِ: حَبْسُ النَّفْسِ لِلْقِتالِ ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ أيْ: هَبْ لَنا كَمالَ القُوَّةِ والرُّسُوخِ عِنْدَ المُقارَعَةِ؛ بِحَيْثُ لا تَتَزَلْزَلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِتَثْبِيتِ الأقْدامِ مُجَرَّدَ تَقَرُّرِها في حَيِّزٍ واحِدٍ، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ كَثِيرُ جَدْوى ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: أعِنّا عَلَيْهِمْ بِقَهْرِهِمْ وهَزْمِهِمْ، ووَضَعَ ( الكافِرِينَ ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى جالُوتَ وجُنُودِهِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، وفي هَذا الدُّعاءِ مِنَ اللَّطافَةِ وحُسْنِ الأُسْلُوبِ والنِّكاتِ ما لا يَخْفى؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ فِيهِ التَّوَسُّلَ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ فِيهِ الإفْراغَ، وهو يُؤْذِنُ بِالكَثْرَةِ، وفِيهِ جَعْلُ الصَّبْرِ بِمَنزِلَةِ الماءِ المُنْصَبِّ عَلَيْهِمْ؛ لِثَلْجِ صُدُورِهِمْ، وإغْنائِهِمْ عَنِ الماءِ الَّذِي مُنِعُوا عَنْهُ، وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ فِيهِ التَّعْبِيرَ بِعَلى المُشْعِرَ بِجَعْلِ ذَلِكَ كالظَّرْفِ، وجَعْلِهِمْ كالمَظْرُوفِينَ، وأمّا رابِعًا: فَلِأنَّ فِيهِ تَنْكِيرَ ( صَبْرًا ) المُفْصِحَ عَنِ التَّفْخِيمِ، وأمّا خامِسًا: فَلِأنَّ في الطَّلَبِ الثّانِي وهو تَثْبِيتُ الأقْدامِ ما يُرَشِّحُ جَعْلَ الصَّبْرِ بِمَنزِلَةِ الماءِ في الطَّلَبِ الأوَّلِ؛ إذْ مَصابُّ الماءِ مَزالِقُ، فَيُحْتاجُ فِيها إلى التَّثْبِيتِ، وأمّا سادِسًا: فَلِأنَّ فِيهِ حُسْنَ التَّرْتِيبِ؛ حَيْثُ طَلَبُوا أوَّلًا: إفْراغَ الصَّبْرِ عَلى قُلُوبِهِمْ عِنْدَ اللِّقاءِ، وثانِيًا: ثَباتَ القَدَمِ والقُوَّةِ عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ، حَيْثُ إنّ الصَّبْرَ قَدْ يَحْصُلُ لِمَن لا مُقاوَمَةَ لَهُ، وثالِثًا: العُمْدَةُ والمَقْصُودُ مِنَ المُحارَبَةِ وهو النُّصْرَةُ عَلى الخَصْمِ، حَيْثُ إنّ الشَّجاعَةَ بِدُونِ النُّصْرَةِ طَرِيقٌ عَتَبَتُهُ عَنِ النَّفْعِ خارِجَةٌ، وقِيلَ: إنَّما طَلَبُوا أوَّلًا: إفْراغَ الصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ مَلاكُ الأمْرِ، وثانِيًا: التَّثْبِيتَ؛ لِأنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، وثالِثًا: النَّصْرَ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ القُصْوى، واعْتَرَضَ

صفحة 173

هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي حِينَئِذٍ التَّعْبِيرَ بِالفاءِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ أبْلَغُ؛ لِأنَّهُ عَوْلٌ في التَّرْتِيبِ عَلى الذِّهْنِ، الَّذِي هو أعْدَلُ شاهِدٍ، كَما ذَكَرَ السَّكّاكِيُّ.

2:251Page 41

فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١

So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.

﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أيْ: كَسَرُوهم وغَلَبُوهُمْ، والفاءُ فِيهِ فَصِيحَةٌ؛ أيِ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُمْ، فَصَبَرُوا وثُبِّتُوا ونُصِرُوا فَهَزَمُوهم ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ انْهِزامَهُمْ، ويُأوَّلُ إلى نَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، والباءُ إمّا لِلِاسْتِعانَةِ والسَّبَبِيَّةِ، وإمّا لِلْمُصاحَبَةِ ﴿وقَتَلَ داوُدُ﴾ هو ابْنُ إيشا ﴿جالُوتَ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا بَرَزَ طالُوتُ لِجالُوتَ؛ قالَ جالُوتُ: أبْرِزُوا إلَيَّ مَن يُقاتِلُنِي، فَإنْ قَتَلَنِي فَلَكم مُلْكِي، وإنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلْكُكُمْ، فَأُتِيَ بِداوُدَ إلى طالُوتَ فَقاضاهُ إنْ قَتَلَهُ أنْ يُنْكِحَهُ ابْنَتَهُ، وأنْ يُحَكِّمَهُ في مالِهِ، فَألْبَسَهُ طالُوتُ سِلاحًا، فَكَرِهَ داوُدُ أنْ يُقاتِلَهُ بِسِلاحٍ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنْ لَمْ يَنْصُرْنِي عَلَيْهِ؛ لَمْ يُغْنِ السِّلاحُ شَيْئًا، فَخَرَجَ إلَيْهِ بِالمِقْلاعِ ومِخْلاةٍ فِيها أحْجارٌ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ فَقالَ لَهُ جالُوتُ: أنْتَ تُقاتِلُنِي؟ قالَ داوُدُ: نَعَمْ، قالَ: ويْلَكَ، ما خَرَجْتَ إلّا كَما تَخْرُجُ إلى الكَلْبِ بِالمِقْلاعِ والحِجارَةِ، لَأُبَدِّدَنَّ لَحْمَكَ ولَأُطْعِمَنَّهُ اليَوْمَ لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، فَقالَ لَهُ داوُدُ: بَلْ أنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى، شَرٌّ مِنَ الكَلْبِ، فَأخَذَ داوُدُ حَجَرًا فَرَماهُ بِالمِقْلاعِ، فَأصابَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتّى قَعَدَتْ في دِماغِهِ، فَصَرَخَ جالُوتُ وانْهَزَمَ مَن مَعَهُ واحْتَزَّ رَأسَهُ ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ في بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما قَتَلَ جالُوتَ وهَلَكَ طالُوتُ، وذَلِكَ أنَّ طالُوتَ كَما رُوِيَ في بَعْضِ الأخْبارِ: لَمّا رَجَعَ وفّى بِالشَّرْطِ، فَأنْكَحَ داوُدَ ابْنَتَهُ وأجْرى خاتَمَهُ في مُلْكِهِ، فَمالَ النّاسُ إلى داوُدَ وأحَبُّوهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ طالُوتُ؛ وجَدَ في نَفْسِهِ وحَسَدَهُ، فَأرادَ قَتْلَهُ فَعَلِمَ بِهِ داوُدُ، فَسَجّى لَهُ زِقَّ خَمْرٍ في مَضْجَعِهِ، فَدَخَلَ طالُوتُ إلى مَنامِ داوُدَ وقَدْ هَرَبَ داوُدُ فَضَرَبَ الزِّقَّ ضَرْبَةً فَخَرَقَهُ، فَسالَ الخَمْرُ مِنهُ، فَقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى داوُدَ ما كانَ أكْثَرَ شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ، ثُمَّ إنَّ داوُدَ أتاهُ مِنَ القابِلَةِ في بَيْتِهِ وهو نائِمٌ، فَوَضَعَ سَهْمَيْنِ عِنْدَ رَأْسِهِ وعِنْدَ رِجْلَيْهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ سَهْمَيْنِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ طالُوتُ بَصُرَ بِالسِّهامِ فَعَرَفَها، فَقالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى داوُدَ هو خَيْرٌ مِنِّي ظَفِرْتُ بِهِ فَقَتَلْتُهُ، وظَفِرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي، ثُمَّ إنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَوَجَدَهُ يَمْشِي في البَرِّيَّةِ، وطالُوتُ عَلى فَرَسٍ فَقالَ: اليَوْمَ أقْتُلُ داوُدَ، وكانَ داوُدُ إذا فَزِعَ لا يُدْرَكُ، فَرَكَضَ عَلى أثَرِهِ طالُوتُ فَفَزِعَ داوُدُ فاشْتَدَّ فَدَخَلَ غارًا، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى العَنْكَبُوتِ، فَضَرَبَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا، فَلَمّا انْتَهى طالُوتُ إلْى الغارِ ونَظَرَ إلى بِناءِ العَنْكَبُوتِ؛ قالَ: لَوْ كانَ دَخَلَ هَهُنا لَخَرَقَ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ فَرَجَعَ، وجَعَلَ العُلَماءُ والعِبادُ يَطْعَنُونَ عَلَيْهِ؛ بِما فَعَلَ مَعَ داوُدَ، وجَعَلَ هو يَقْتُلُ العُلَماءَ وسائِرَ مَن يَنْهاهُ عَنْ قَتْلِ داوُدَ حَتّى قَتَلَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ إنّهُ نَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ وخَلّى المُلْكَ، وكانَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ فَأخَذَهم وخَرَجَ يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى؛ كَفّارَةً لِما فَعَلَ حَتّى قُتِلَ هو وبَنُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فاجْتَمَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى داوُدَ ومَلَّكُوهُ أمْرَهُمْ، فَهَذا إيتاءُ المُلْكِ ﴿والحِكْمَةَ﴾ المُرادُ بِها: النُّبُوَّةُ، ولَمْ يَجْتَمِعِ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ لِأحَدٍ قَبْلَهُ، بَلْ كانَتِ النُّبُوَّةُ في سِبْطٍ، والمُلْكُ في سِبْطٍ، وهَذا بَعْدَ مَوْتِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وكانَ مَوْتُهُ قَبْلَ طالُوتَ، وذِكْرُ الحِكْمَةِ بَعْدَ المُلْكِ؛ لِأنَّها كانَتْ بَعْدَهُ وُقُوعًا، أوْ لِلتَّرَقِّي مِن ذِكْرِ الأدْنى إلى ذِكْرِ الأعْلى ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ كَصَنْعَةِ اللَّبُوسِ، ومَنطِقِ الطَّيْرِ، وكَلامِ الدَّوابِّ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَوْدُهُ إلى داوُدَ _ كَما قالَ السَّمِينُ _ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ ما عَلَّمَهُ تَعالى لَهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ، ولا يَقَعُ في أُمْنِيَةِ بَشَرٍ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن طَلَبِهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ وهم أهْلُ الشُّرُورِ في الدُّنْيا، أوْ في الدِّينِ، أوْ في مَجْمُوعِهِما ﴿بِبَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهُمْ، يَرُدُّهم عَمّا هم عَلَيْهِ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القَتْلِ، كَما في القِصَّةِ المَحْكِيَّةِ أوْ غَيْرِهِ

صفحة 174

وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ: دِفاعُ، عَلى أنَّ صِيغَةَ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ وبَطَلَتْ مَنافِعُها، وتَعَطَّلَتْ مَصالِحُها مِنَ الحَرْثِ والنَّسْلِ وسائِر ما يُصْلِحُ الأرْضَ ويُعَمِّرُها، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ فَسادِ أهْلِها، وعُمُومِ الشَّرِّ فِيهِمْ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى فَضِيلَةِ المُلْكِ، وأنَّهُ لَوْلاهُ ما اسْتَتَبَّ أمْرُ العالَمِ؛ ولِهَذا قِيلَ: الدِّينُ والمُلْكُ تَوْأمانِ، فَفي ارْتِفاعِ أحَدِهِما ارْتِفاعُ الآخَرِ؛ لِأنَّ الدِّينَ أُسٌّ، والمُلْكُ حارِسٌ، وما لا أُسَّ لَهُ فَمَهْدُومٌ، وما لا حارِسَ لَهُ فَضائِعٌ

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ﴾ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ كافَّةً، وهَذا إشارَةٌ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ، مُؤَلَّفٍ مِن وضْعِ نَقِيضِ المُقَدَّمِ مُنْتِجٍ لِنَقِيضِ التّالِي، خَلا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ مَوْضِعُهُ ما يَسْتَتْبِعُهُ ويَسْتَوْجِبُهُ؛ أعْنِي: كَوْنَهُ تَعالى ذا فَضْلٍ عَلى العالِمَيْنِ؛ إيذانًا بِأنَّهُ تَعالى يَتَفَضَّلُ في ذَلِكَ الدَّفْعِ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وأنَّ فَضْلَهُ تَعالى غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيهِ، بَلْ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ فَضْلِهِ العَظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ فَسادَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلا تَفْسَدُ الأرْضُ، ويَنْتَظِمُ بِهِ مَصالِحُ العالَمِ، ويَنْصَلِحُ أحْوالُ الأُمَمِ، قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ _ قُدِّسَ سِرُّهُ

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِقَوْلِ المَنطِقِيِّينَ أنَّ المُتَّصِلَةَ يُنْتِجُ اسْتِثْناءُ عَيْنِ مُقَدَّمِها عَيْنَ تالِّيها؛ لِاسْتِلْزامِ وُجُودِ المَلْزُومِ وُجُودَ اللّازِمِ، واسْتِثْناءُ نَقِيضِ تالِّيها نَقِيضَ المُقَدَّمِ؛ لِاسْتِلْزامِ عَدَمِ اللّازِمِ وعَدَمِ المَلْزُومِ، ولا يَنْعَكِسُ فَلا يُنْتِجُ اسْتِثْناءُ عَيْنِ التّالِي عَيْنَ المُقَدَّمِ، ولا نَقِيضَ المُقَدَّمِ نَقِيضَ التّالِي؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التّالِي أعَمَّ مِنَ المُقَدَّمُ، فَلا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ اللّازِمِ وُجُودُ المَلْزُومِ، ولا مِن عَدَمِ المَلْزُومِ عَدَمُ اللّازِم، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِاعْتِبارِ الهَيْئَةِ، وقَدْ يَسْتَلْزِمُهُ بِواسِطَةِ خُصُوصِيَّةِ مادَّةِ المُساواةِ، وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ سِينا في الفُصُولِ بِأنَّ المُلازَمَةَ إذا كانَتْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَما بَيْنَ العِلَّةِ والمَعْلُولِ؛ يَنْتُجُ اسْتِثْناءُ كُلٍّ مِنَ المُقَدَّمِ، والتّالِي عَيْنُ الآخَرِ، ونَقِيضُهُ نَقِيضُ الآخَرِ، وفي تَعْلِيلِ القَوْمِ أيْضًا إشارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ قالُوا بِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللّازِمُ أعَمَّ، وكَأنَّ في عِبارَةِ المَوْلى إشارَةً إلى أنَّ المُلازَمَةَ في الشَّرْطِيَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، حَيْثُ قالَ: مُنْتِجٌ، ولَمْ يَقُلْ يُنْتِجُ

وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الِاطِّرادِ، بَلْ إذا كانَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ أعَمَّ مِن نَقِيضِ التّالِي، وأمّا إذا كانَ نَقِيضُهُ بِعَكْسِ هَذا _ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وأمْثالِها _ فَإنَّهُ يُنْتِجُ التّالِي، وذَلِكَ أنَّ الدَّفْعَ المَذْكُورَ لَمّا كانَ مَلْزُومًا لِعَدَمِ فَسادِ الأرْضِ؛ كانَتِ المُلازَمَةُ ثابِتَةً بَيْنَهُما؛ لِأنَّ وُجُودَ المَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ اللّازِمِ، كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وادِّعاءُ أنَّ المُلازَمَةَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ هُنا كَما زَعَمَهُ المُجِيبُ الأوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ اللّازِمُ هَهُنا أعَمُّ مِنَ المَلْزُومِ، كَما لا يَخْفى عَلى ذِي رَوِيَّةٍ، وكَوْنُ عِبارَةِ المَوْلى مُشِيرَةً إلى أنَّ المُلازَمَةَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ في حَيِّزِ المَنعِ وما ذَكَرَهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَما لا يَخْفى فافْهَمْ وتَدَبَّرْ، فَإنَّ نَظَرَ المَوْلى دَقِيقٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском