Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:255–257, continued
أيِ السَّماواتِ والأرْضِ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ ما فِيهِما لِما أنَّ حِفْظَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِحِفْظِهِ، وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ دُونَ الكُرْسِيِّ لِأنَّ حِفْظَهُما هو المُشاهَدُ المَحْسُوسُ، والقَوْلُ بِالِاسْتِخْدامِ لِيَدْخُلَ هو والعَرْشُ وغَيْرُهُما مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بِعِيدٌ ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ أيِ المُتَعالِي عَنِ الأشْباهِ والأنْدادِ والأمْثالِ والأضْدادِ وعَنْ أماراتِ النَّقْصِ ودَلالاتِ الحُدُوثِ، وقِيلَ: هو مِنَ العُلُوِّ الَّذِي هو بِمَعْنى القُدْرَةِ والسُّلْطانُ والمُلْكِ وعُلُوِّ الشَّأْنِ والقَهْرِ والِاعْتِلاءِ والجَلالِ والكِبْرِياءِ ﴿العَظِيمُ﴾ [ 255 ] ذُو العَظَمَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ بِالإضافَةِ إلَيْهِ حَقِيرٌ.
ولَمّا جُلِّيَتْ عَلى مِنَصَّةِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَرائِسُ المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ وأشْرَقَتْ عَلى صَفَحاتِها أنْوارُ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ حَيْثُ جَمَعَتْ أُصُولَ الصِّفاتِ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والحَياةِ والعِلْمِ والمُلْكِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، واشْتَمَلَتْ عَلى سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِيها اِسْمُ اللَّهِ تَعالى ظاهِرٌ في بَعْضِها ومُسْتَتِرٌ في البَعْضِ ونَطَقَتْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ مَوْجُودٌ مُنْفَرِدٌ في أُلُوهِيَّتِهِ حَيٌّ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُوجِدٌ لِغَيْرِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ والحُلُولِ مُبَرَّأٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفُتُورِ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأشْباحِ ولا يَحِلُّ بِساحَةِ جَلالِهِ ما يَعْرِضُ لِلنُّفُوسِ والأرْواحِ، مالِكُ المُلْكِ والمَلَكُوتَ ومُبْدِعُ الأُصُولِ والفُرُوعِ ذُو البَطْشِ الشَّدِيدِ العالِمُ وحْدَهُ بِجَلِيِّ الأشْياءِ وخَفِيِّها وكُلِّيِّها وجُزْئِيِّها واسِعُ المُلْكِ والقُدْرَةِ لِكُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُمْلَكَ ويُقْدَرَ عَلَيْهِ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ شاقٌّ ولا يَثْقُلُ شَيْءٌ لَدَيْهِ مُتَعالٍ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ عَظِيمٌ لا يَسْتَطِيعُ طَيْرُ الفِكْرِ أنْ يَحُومَ في بَيْداءَ صِفاتٌ قامَتْ بِهِ تَفَرَّدَتْ بِقَلائِدِ فَضْلٍ خَلَتْ عَنْها أجْيادٌ أخَواتُها الجِيادُ وجَواهِرُ خَواصٍّ تَتَهادى بِها بَيْنَ أتْرابِها ولا كَما تَتَهادى لُبْنى وسُعادُ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ أعْظَمَ آيَةٍ في القُرْآنِ آيَةُ الكُرْسِيِّ» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ حُفِظَ إلى الصَّلاةِ الأُخْرى ولا يُحافِظُ عَلَيْها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ» وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهَ أنَّهُ قالَ: ««لَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيها لَما تَرَكْتُمُوها عَلى حالٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”أُعْطِيتُ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُؤْتِها نَبِيٌّ قَبْلِي“» والأخْبارُ في فَضْلِها كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ إلّا أنَّ بَعْضَها مِمّا لا أصْلَ لَهُ كَخَبَرِ ««مَن قَرَأها بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يَكْتُبُ مِن حَسَناتِهِ ويَمْحُو مِن سَيِّئاتِهِ إلى الغَدِ مِن تِلْكَ السّاعَةِ»،» وبَعْضَها مُنْكَرٌ جِدًّا كَخَبَرِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اِقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَإنَّهُ مَن يَقْرَؤُها في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ أجْعَلُ لَهُ قَلْبَ الشّاكِرِينَ ولِسانَ الذّاكِرِينَ وثَوابَ المُنِيبِينَ وأعْمالَ الصِّدِّيقِينَ»».
ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ الأحادِيثِ في هَذا البابِ حُجَّةٌ لِمَن قالَ: إنَّ بَعْضَ القُرْآنِ قَدْ يُفَضَّلُ عَلى غَيْرِهِ وفِيهِ خِلافٌ فَمَنَعَهُ بَعْضُهم كالأشْعَرِيِّ والباقِلّانِيِّ وغَيْرِهِما لِاقْتِضائِهِ نَقْصَ المَفْضُولِ وكَلامُ اللَّهِ تَعالى لا نَقْصَ فِيهِ، وأوَّلُوا أعْظَمَ بِعَظِيمٍ وأفْضَلَ بِفاضِلٍ، وأجازَهُإسْحَقُ بْنُ راهَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ وهو المُخْتارُ ويَرْجِعُ إلى عِظَمِ أجْرِ قارِئِهِ ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ ما شاءَ بِما شاءَ لِما شاءَ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكافِرِينَ هُمُ الظّالِمُونَ ناسَبَ أنْ يُنَبِّهَهم جَلَّ شَأْنُهُ عَلى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هي مَحْضُ التَّوْحِيدِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُرْسَلُونَ عَلى اِخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ وتَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ بِما أيْنَعَتْ مِن ذَلِكَ رِياضُهُ وتَدَفَّقَتْ حِياضُهُ وصَدَحَ عَنْدَلِيبُهُ وصَدَعَ عَلى مَنابِرِ البَيانِ خَطِيبُهُ فَلِلَّهِ الحَمْدُ عَلى ما أوْضَحَ الحُجَّةَ وأزالَ الغُبارَ عَنْ وجْهِ المَحَجَّةِ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ أيْ أسْرارُهُ وأنْوارُهُ ورُمُوزُهُ وإشاراتُهُ ﴿نَتْلُوها﴾ بِلِسانِ الوَحْيِ ﴿عَلَيْكَ﴾ مُلابَسَةً لِلْحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ تَغْيِيرٌ ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ الَّذِينَ عَبَرُوا هَذِهِ المَقاماتِ
صفحة 12
وصَحَّ لَهم صَفاءُ الأوْقاتِ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِمُقْتَضى اِسْتِعْلاءِ أنْوارِ اِسْتِعْداداتِهِمْ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ عِنْدَ تَجَلِّيهِ عَلى طَوْرِ قَلْبِهِ وفي وادِي سِرِّهِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ بِفَنائِهِ عَنْ ظُلْمَةِ الوُجُودِ بِالكُلِّيَّةِ وبَقائِهِ في حَضْرَةِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ وبُلُوغِهِ مَقامَ قابِ قَوْسَيْنِ وظَفْرِهِ بِكَنْزٍ فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى مِن أسْرارِهِمُ النَّشْأتَيْنِ حَتّى عادَ وهو نُورُ الأنْوارِ والمَظْهَرُ الأعْظَمُ عِنْدَ ذَوِي الأبْصارِ ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ والآياتِ الباهِراتِ مِن إحْياءِ أمْواتِ القُلُوبِ والأخْبارِ عَمّا يُدَّخَرُ في خَزائِنِ الأسْرارِ مِنَ الغُيُوبِ ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ الَّذِي هو رُوحُ الأرْواحِ المُنَزَّهُ عَنِ النَّقائِصِ الكَوْنِيَّةِ والمُقَدَّسُ عَنِ الصِّفاتِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ﴾ جاءُوا ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ بِسُيُوفِ الهَوى ونِبالِ الضَّلالِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ﴾ مِن أنْوارِ الفِطْرَةِ وإرْشادِ الرُّسُلِ الآياتُ الواضِحاتُ ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ حَسْبَما اِقْتَضاهُ اِسْتِعْدادُهُمُ الأزَلِيُّ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ﴾ بِما جاءَ بِهِ الوَحْيُ ﴿ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ عَنِ اِخْتِلافٍ بِأنْ يَتَّحِدَ اِسْتِعْدادُهم ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ ولا يُرِيدُ إلّا ما في العِلْمِ وما كانَ فِيهِ سِوى هَذا الِاخْتِلافِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ بِبَذْلِ الأرْواحِ وإرْشادِ العِبادِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ ولا تُبَدَّلُ صِفَةٌ بِصِفَةٍ فَلا يَحْصُلُ تَكْمِيلُ النَّشْأةِ ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ لِظُهُورِ الحَقائِقِ ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ لِلتَّجَلِّي الجَلالِيِّ.
﴿والكافِرُونَ هُمُ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِنَقْصِ حُظُوظِها وما ظَلَمْناهم إذْ لَمْ نَقْضِ عَلَيْهِمْ سِوى ما اِقْتَضاهُ اِسْتِعْدادُهُمُ غَيْرُ المَجْعُولِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ﴾ في الوُجُودِ العِلْمِيِّ ﴿إلا هو الحَيُّ﴾ الَّذِي حَياتُهُ عَيْنُ ذاتِهِ وكُلُّ ما هو حَيٌّ لَمْ يَحْيَ إلّا بِحَياتِهِ ﴿القَيُّومُ﴾ الَّذِي يَقُومُ بِنَفْسِهِ ويُقَوِّمُ كُلَّ ما يَقُومُ بِهِ، وقِيلَ: الحَيُّ الَّذِي ألْبَسَ حَياتَهُ أسْرارَ المُوَحِّدِينَ فَوَحَّدُوا بِهِ، والقَيُّومُ الَّذِي رَبّى بِتَجَلِّي الصِّفاتِ وكَشْفِ الذّاتِ أرْواحَ العارِفِينَ فَفَنُوا في ذاتِهِ واحْتَرَقُوا بِنُورِ كِبْرِيائِهِ.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ بَيانٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ وإشارَةٌ إلى أنَّ حَياتَهُ عَيْنُ ذاتِهِ لَهُ ما في سَماواتِ الأرْواحِ وأرْضِ الأشْباحِ فَلا يَتَحَرَّكُ مُتَحَرِّكٌ ولا يَسْكُنُ ساكِنٌ ولا يَخْطُرُ خاطِرٌ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ وسِرٍّ أوْ جَهْرٍ إلّا بِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ إذْ كُلُّهم لَهُ ومِنهُ وإلَيْهِ وبِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الخَطَراتِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِنَ العَثَراتِ، أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ المَقاماتِ وما خَلْفَهم مِنَ الحالاتِ، أوْ يَعْلَمُ مِنهم ما قَبْلَ إيجادِهِمْ مِن كَمِّيَّةِ اِسْتِعْدادِهِمْ وما بَعْدَ إنْشائِهِمْ مِنَ العَمَلِ بِمُقْتَضى ذَلِكَ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن﴾ مَعْلُوماتِهِ الَّتِي هي مَظاهِرُ أسْمائِهِ ﴿إلا بِما شاءَ﴾ كَما يَحْصُلُ لِأهْلِ القُلُوبِ مِن مُعايَناتِ أسْرارِ الغُيُوبِ وإذا تَقاصَرَتِ الفُهُومُ عَنِ الإحاطَةِ بِشَيْءٍ مِن مَعْلُوماتِهِ فَأيُّ طَمَعٍ لَها في الإحاطَةِ بِذاتِهِ هَيْهاتَ هَيْهاتَ أنّى لِخُفّاشٍ الفَهْمُ أنْ يَفْتَحَ عَيْنَهُ في شَمْسِ هاتِيكَ الذّاتِ؟ ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ الَّذِي هو قَلْبُ العارِفِ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِأنَّهُ مَعْدِنُ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ والعِلْمِ اللَّدُنِيِّ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ ولا حَدَّ، ومِن هُنا قالَ أبُو يَزِيدٍ البَسْطامِيُّ: لَوْ وقَعَ العالَمُ ومِقْدارُ ما فِيهِ ألْفُ ألْفِ مَرَّةٍ في زاوِيَةٍ مِن زَوايا قَلْبِ العارِفِ ما أحَسَّ بِهِ، وقِيلَ: كُرْسِيُّهُ عالَمُ المَلَكُوتِ وهو مَطافُ أرْواحِ العارِفِينَ لِجَلالِ الجَبَرُوتِ ﴿ولا يَئُودُهُ﴾ ولا يُثْقِلُهُ ﴿حِفْظُهُما﴾ في ذَلِكَ الكُرْسِيِّ لِأنَّهُما غَيْرُ مَوْجُودِينَ بِدُونِهِ ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ الشَّأْنِ الَّذِي لا تُقَيِّدُهُ الأكْوانُ ﴿العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا مُنْتَهى لِعَظَمَتِهِ ولا يُتَصَوَّرُ كُنْهَ ذاتِهِ لِإطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ.
2:256Page 42
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خالِدُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ آيَةِ الكُرْسِيِّ، والحَقُّ أنَّها لَيْسَتْ مِنها بَلْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ جِيءَ بِها إثْرَ بَيانِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ في الدِّينِ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ إلْزامُ الغَيْرِ فِعْلًا لا يَرى فِيهِ خَيْرًا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ والدِّينُ خَيْرٌ كُلُّهُ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا خَبَرٌ بِاعْتِبارِ
صفحة 13
الحَقِيقَةِ ونَفْسِ الأمْرِ وأمّا ما يَظْهَرُ بِخِلافِهِ فَلَيْسَ إكْراهًا حَقِيقِيًّا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا في مَعْنى النَّهْيِ أيْ لا تُكْرِهُوا في الدِّينِ وتُجْبِرُوا عَلَيْهِ وهو حِينَئِذٍ إمّا عامٌّ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ وهو المَحْكِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ وسُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، أوْ مَخْصُوصٌ بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ قَبِلُوا الجِزْيَةَ وهو المَحْكِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وفي سَبَبِ النُّزُولِ ما يُؤَيِّدُهُ فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ««أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقالُ لَهُ الحَصِينُ كانَ لَهُ اِبْنانِ نَصْرانِيّانِ وكانَ هو رَجُلًا مُسْلِمًا فَقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألا أسْتَكْرِهُهُما فَإنَّهُما قَدْ أبَيا إلّا النَّصْرانِيَّةَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ذَلِكَ»». و(أل) في (اَلدِّينِ) لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ أيْ دِينُ اللَّهِ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ، وفاعِلُ الإكْراهِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرِ غَيْرِهِ تَعالى، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ لَيْسَ في الدِّينِ إكْراهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وقَسْرٌ بَلْ مَبْنى الأمْرِ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ الِابْتِلاءُ ولَبَطَلَ الِامْتِحانُ فالآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القَفّالُ.
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ تَعْلِيلٌ صُدِّرَ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِهِ أيْ قَدْ تَمَيَّزَ بِما ذَكَرَ مِن نُعُوتِهِ تَعالى الَّتِي يَمْتَنِعُ تَوَهُّمُ اِشْتِراكِ الغَيْرِ في شَيْءٍ مِنها، الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ والصَّوابُ مِنَ الخَطَأِ، والرُّشْدُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى المَشْهُورِ مَصْدَرُ رَشَدَ بِفَتْحِ الشِّينِ يَرْشُدُ بِضَمِّها، ويُقْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ، وفِعْلُهُ رَشِدَ يَرْشَدُ مِثْلَ عَلِمَ يَعْلَمُ وهو نَقِيضُ الغَيِّ وأصْلُهُ سُلُوكُ طَرِيقِ الهَلاكِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو كالجَهْلِ إلّا أنَّ الجَهْلَ يُقالُ اِعْتِبارًا بِالِاعْتِقادِ، والغَيَّ اِعْتِبارًا بِالأفْعالِ، ولِهَذا قِيلَ: زَوالُ الجَهْلِ بِالعِلْمِ، وزَوالُ الغَيِّ بِالرُّشْدِ، ويُقالُ لِمَن أصابَ: رَشِدَ، ولِمَن أخْطَأ غَوى، ويُقالُ لِمَن خابَ: غَوى أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ:
ومَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لَمْ يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ (لائِمًا)
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ أيِ الشَّيْطانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ والحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ الكاهِنُ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ السّاحِرُ، وعَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وعَنْ بَعْضِهِمُ الأصْنامُ، والأوْلى أنْ يُقالَ بِعُمُومِهِ سائِرُ ما يَطْغى، ويُجْعَلُ الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضٍ في تِلْكَ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ كالجَبَرُوتِ والمَلَكُوتِ، واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ ولِذَلِكَ يُوَحَّدُ ويُذَكَّرُ كَسائِرِ المَصادِرِ الواقِعَةِ عَلى الأعْيانِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفارِسِيُّ وقِيلَ: هو اِسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدٌ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ: هو جَمْعٌ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ وقَدْ يُؤَنَّثُ ضَمِيرُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ وهو تَأْنِيثٌ اِعْتِبارِيٌّ واشْتِقاقُهُ مَن طَغى يَطْغى أوْ طَغى يَطْغُو، ومَصْدَرُ الأوَّلِ: الطُّغْيانُ والثّانِي: الطُّغْوانُ، وأصْلُهُ عَلى الأوَّلِ: طَغْيُوتٌ، وعَلى الثّانِي: طَغْوُوتٌ فَقُدِّمَتِ اللّامُ وأُخِّرَتِ العَيْنُ فَتَحَرَّكَ حَرْفُ العِلَّةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَهُ فَقُلِبَ ألِفًا فَوَزْنُهُ مِن قَبْلُ فَعْلُوتٌ والآنَ فَلْعُوتٌ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِاَللَّهِ تَعالى اِهْتِمامًا بِوُجُوبِ التَّخْلِيَةِ أوْ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الواقِعِيِّ أوْ لِلِاتِّصالِ بِلَفْظِ الغَيِّ.
﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِهِ طِبْقَ ما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ أيْ بالَغَ في التَّمَسُّكِ حَتّى كَأنَّهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الزِّيادَةَ فِيهِ والثَّباتَ عَلَيْهِ ﴿بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ وهي الإيمانُ قالَهُ مُجاهِدٌ أوِ القُرْآنُ قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أوْ كَلِمَةُ
صفحة 14
الإخْلاصِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ أوِ السَّبَبُ المُوصِلُ إلى رِضا اللَّهِ تَعالى أوِ العَهْدُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في (اَلْعُرْوَةِ) اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ و(اِسْتَمْسَكَ) تَرْشِيحٌ لَها أوِ اِسْتِعارَةٌ أُخْرى تَبَعِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ تَمْثِيلًا مَبْنِيًّا عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ العَقْلِيَّةِ المُنْتَزَعَةِ مِن مُلازَمَةِ الحَقِّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ أصْلًا لِثُبُوتِهِ بِالبَراهِينِ النَّيِّرَةِ القَطْعِيَّةِ بِالهَيْئَةِ الحِسِّيَّةِ المُنْتَزَعَةِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالحَبْلِ المُحْكَمِ المَأْمُونِ اِنْقِطاعُهُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُفْرِداتِ، واخْتارَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وجَعْلُ العُرْوَةِ مُسْتَعارَةً لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُؤَدِّي لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ كَما قِيلَ لَيْسَ بِالحَسَنِ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في حَيِّزِ الشَّرْطِ أصْلًا ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ لا اِنْقِطاعَ لَها؛ والِانْفِصامُ والِانْقِصامُ لُغَتانِ وبِالفاءِ أفْصَحُ كَما قالَ الفَرّاءُ وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما بِأنَّ الأوَّلَ: اِنْكِسارٌ بِغَيْرِ بَيْنُونَةٍ، والثّانِي: اِنْكِسارٌ بِها وحِينَئِذٍ يَكُونُ اِنْتِفاءُ الثّانِي مَعْلُومًا مِن نَفْيِ الأوَّلِ بِالأوْلَوِيَّةِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن وثاقَةِ العُرْوَةِ وإمّا حالٌ مِنَ (اَلْعُرْوَةِ)، والعامِلُ (اِسْتَمْسَكَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (اَلْوُثْقى) لِأنَّها لِلتَّفْضِيلِ تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، و(لَها) في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بِالأقْوالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ [ 256 ] بِالعَزائِمِ والعَقائِدِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ حامِلٌ عَلى الإيمانِ رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ لِما فِيها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، قِيلَ: وفِيها أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ في الإيمانِ مِنَ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ.
2:257Page 43
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧
Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ مُعِينُهم أوْ مُحِبُّهم أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ مَن أرادَ الإيمانَ أوْ ثَبَتَ في عِلْمِهِ تَعالى إيمانُهُ أوْ آمَنَ بِالفِعْلِ ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ وهو تَفْسِيرٌ لِلْوِلايَةِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ولِيُّ﴾، ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ التّابِعَةِ لِلْكُفْرِ أوْ ظُلُماتِ المَعاصِي أوِ الشُّبَهِ كَيْفَ كانَتْ، ﴿إلى النُّورِ﴾ أيْ نُورِ الإيمانِ أوْ نُورِ الطّاعاتِ أوْ نُورِ الإيقانِ بِمَراتِبِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ الإخْراجَ هُنا بِالمَنعِ فالمَعْنى يَمْنَعُهم عَنْ أنْ يَدْخُلُوا في شَيْءٍ مِنَ الظُّلُماتِ واقْتَصَرَ الواقِدِيُّ في تَفْسِيرِ الظُّلُماتِ والنُّورِ عَلى ذِكْرِ الكُفْرِ والإيمانِ وحَمْلِ كُلِّ ما في القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ سِوى ما في الأنْعامِ [1] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِما هُناكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ الظُّلُماتُ عَلى المَعْنى الَّذِي يَعُمُّ سائِرَ أنْواعِها ويُحْمَلُ النُّورُ أيْضًا عَلى ما يَعُمُّ سائِرَ أنْواعِهِ، ويُجْعَلُ في مُقابَلَةِ كُلِّ ظُلْمَةٍ مَخْرَجٌ مِنها نُورٌ مُخْرَجٌ إلَيْهِ حَتّى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيُخْرِجُ مَن شاءَ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إلى نُورِ العِيانِ، ومِن ظُلْمَةِ الوَحْشَةِ إلى نُورِ الوَصْلَةِ، ومِن ظُلْمَةِ عالَمِ الأشْباحِ إلى نُورِ عالَمِ الأرْواحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ «مِمّا لا، ولا» وأفْرَدَ النُّورَ لِوَحْدَةِ الحَقِّ كَما أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الضَّلالِ، أوْ أنَّ الأوَّلَ: إيماءٌ إلى القِلَّةِ، والثّانِي: إلى الكَثْرَةِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أرادُوا الكُفْرَ أوْ ثَبَتَ كُفْرُهم في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أوْ كَفَرُوا بِالفِعْلِ ﴿أوْلِياؤُهُمُ﴾ حَقِيقَةً أوْ فِيما عِنْدَهم ﴿الطّاغُوتُ﴾ أيِ الشَّياطِينُ أوِ الأصْنامُ أوْ سائِرُ المُضِلِّينَ عَنْ طُرُقِ الحَقِّ، والمَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، و(أوْلِياؤُهُمْ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و(اَلطّاغُوتُ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ والجُمْلَةُ الحاصِلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، قِيلَ: ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ وضْعِ الطّاغُوتِ في مُقابَلَةِ الِاسْمِ الجَلِيلِ ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِتَكْرِيرِ الإسْنادِ مَعَ الإيماءِ إلى التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ حَتّى مِن جِهَةِ التَّعْبِيرِ أيْضًا، وقُرِئَ (اَلطَّواغِيتُ) عَلى الجَمْعِ وصَحَّ جَمْعُهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِأنَّهُ صارَ اِسْمًا لِما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.
﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بِالوَساوِسِ وإلْقاءِ الشُّبَهِ أوْ بِكَوْنِهِمْ بِحالَةٍ جَرَّتْ اِعْتِقادَهم فِيهِمُ النَّفْعَ والضُّرَّ وأنَّهم يُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ تَعالى زُلْفى، والتَّعْبِيرُ
صفحة 15
عَنْهم بِضَمِيرِ العُقَلاءِ إمّا لِأنَّهم مِنهم حَقِيقَةً أوِ اِدِّعاءً ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِمْ مَجازٌ مِن بابِ النِّسْبَةِ إلى السَّبَبِ فَلا يَأْبى تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ ﴿مِنَ النُّورِ﴾ أيِ الفِطْرِيِّ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ النّاسُ كافَّةً، أوْ نُورِ البَيِّناتِ المُتَتابِعَةِ الَّتِي يُشاهِدُونَها بِتَنْزِيلٍ تُمَكِّنُهم مِنَ الِاسْتِضاءَةِ بِها مَنزِلَةَ نَفْسِها فَلا يَرِدُ أنَّهم مَتى كانُوا في نُورٍ لِيَخْرُجُوا مِنهُ، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِلْمُقابَلَةِ، وقِيلَ: إنَّ الإخْراجَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَنعِ وهو لا يَقْتَضِي سابِقِيَّةِ الدُّخُولِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ اِرْتَدُّوا فَلا شَكَّ في أنَّهم حِينَئِذٍ أُخْرِجُوا مِنَ النُّورِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهو نُورُ الإيمانِ ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾ وهي ظُلُماتُ الكُفْرِ والِانْهِماكِ في الغَيِّ وعَدَمِ الِارْعِواءِ والِاهْتِداءِ بِما يَتْرى مِنَ الآياتِ ويُتْلى، والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِوِلايَةِ الطّاغُوتِ فالِانْفِصالُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا كَما مَرَّ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اِتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى الكُفّارِ وأوْلِيائِهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ مُلابِسُوها ومُلازِمُوها لِعِظَمِ ما هم عَلَيْهِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ 257 ] ماكِثُونَ أبَدًا، وفي هَذا وعْدٌ وتَحْذِيرٌ لِلْكافِرِينَ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُقابَلَتِهِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِتَعْظِيمِهِمْ وأنَّ أمْرَهم غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى البَيانِ وأنَّ شَأْنَهم أعْلى مِن مُقابَلَةِ هَؤُلاءِ، أوْ أنَّ ما أُعِدَّ لَهم لا تَفِي بِبَيانِهِ العِبارَةُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (ولِيُّ المُؤْمِنِينَ) دَلَّ عَلى الوَعْدِ وكَفى بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences