Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:260–265

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:260–265, continued

﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ ونادِهِنَّ بِصَوْتِ سِرِّ العِشْقِ ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ إلى مَحْضِ العُبُودِيَّةِ بِجَمالِ الأُحْدِيَّةِ ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يُعِزُّكَ بِعِرْفانِكَ هَذِهِ المَعانِي واطِّلاعِكَ عَلى صِفاتِهِ القَدِيمَةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في ظُهُورِهِ بِغَرائِبِ التَّجَلِّي لِأسْرارِ باطِنِكَ، وقَدْ يُقالُ: أشارَ سُبْحانَهُ بِالأرْبَعَةِ مِنَ الطَّيْرِ إلى القُوى الأرْبَعَةِ الَّتِي تَمْنَعُ العَبْدَ عَنْ مَقامِ العِيانِ وشُهُودِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ، ووَقَعَ في أثَرٍ أنَّها كانَتْ طاوُوسًا ودِيكًا وغُرابًا وحَمامَةً، ولَعَلَّ الطّاوُوسَ إشارَةٌ إلى العَجَبِ، والِدَيْكَ إلى الشَّهْوَةِ، والغُرابَ إلى الحِرْصِ، والحَمامَةَ إلى حُبِّ الدُّنْيا لِإلْفِها الوَكْرَ والبُرْجَ، وفي أثَرٍ بَدَلُ الحَمامَةِ بَطَّةٌ، وفي آخَرَ نَسْرٌ، وكانَ الأوَّلُ: إشارَةً إلى الشَّرَهِ الغالِبِ، والثّانِي: إلى طُولِ الأمَلِ، ومَعْنى ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ حِينَئِذٍ ضُمَّهُنَّ وأمِلْهُنَّ إلَيْكَ بِضَبْطِها ومَنعِها عَنِ الخُرُوجِ إلى طَلَبِ لَذّاتِها والنُّزُوعِ إلى مَأْلُوفاتِها، وفي الأثَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها ويَنْتِفَ رِيشَها ويَخْلِطَ لُحُومَها ودِماءَها بِالدَّقِّ ويَحْفَظَ رُؤُوسِها عِنْدَهُ أيْ يَمْنَعَها عَنْ أفْعالِها ويُزِيلَ هَيْئاتِها عَنِ النَّفْسِ ويَقْمَعَ دَواعِيَها وطَبائِعَها وعادَتِها بِالرِّياضَةِ

صفحة 32

ويُبْقِيَ أُصُولِها فِيهِ ثُمَّ أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ الَّتِي بِحَضْرَتِهِ وهي العَناصِرُ الأرْبَعَةُ الَّتِي هي أرْكانُ بَدَنِهِ جُزْءًا مِنهُنَّ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِقَمْعِها وإماتَتِها حَتّى لا يَبْقى إلّا أُصُولُها المَرْكُوزَةُ في الوُجُودِ والمَوادُّ المُعَدَّةُ في طَبائِعِ العَناصِرِ الَّتِي هي فِيهِ، وفي رِوايَةٍ أنَّ الجِبالَ كانَتْ سَبْعَةً فَعَلى هَذا يُشِيرُ بِها إلى الأعْضاءِ السَّبْعَةِ الَّتِي هي أجْزاءُ البَدَنِ، وفي أُخْرى أنَّها كانَتْ عَشَرَةً وعَلَيْها رُبَّما تَكُونُ إشارَةً إلى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وأشارَ سُبْحانَهُ بِالأمْرِ بِالدُّعاءِ إلى أنَّهُ إذا كانَتْ هاتِيكَ الصِّفاتُ حَيَّةً بِحَياتِها كانَتْ غَيْرَ مُنْقادَةٍ وحْشِيَّةً مُمْتَنِعَةً عَنْ قَبُولِ الأمْرِ فَإذا قُتِلَتْ كانَتْ حَيَّةً بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ المَوْهُومَةِ بَعْدَ الفَناءِ والمَحْوِ وهي حَياةُ العَبْدِ وعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ مُطِيعَةً مُنْقادَةً مَتى دُعِيَتْ أتَتْ سَعْيًا وامْتَثَلَتْ طَوْعًا وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ.

2:261Page 44

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١

The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في وُجُوهِ الخَيْراتِ الشّامِلَةِ لِلْجِهادِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ الإنْفاقُ في الجِهادِ لِأنَّهُ الَّذِي يُضاعِفُ هَذِهِ الأضْعافَ، وأمّا الإنْفاقُ في غَيْرِهِ فَلا يُضاعِفُ كَذَلِكَ وإنَّما تَجْزِي الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ قَبْلَهُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أيْ مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ التَّمْثِيلُ، والحَبَّةُ واحِدَةُ الحَبِّ وهو ما يُزْرَعُ لِلِاقْتِياتِ وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى البُرِّ، وبَذْرُ ما لا يُقْتاتُ بِهِ مِنَ البَقْلِ حِبَّةٌ بِالكَسْرِ، ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ أيْ أخْرَجَتْ تِلْكَ الحَبَّةُ ساقًا تَشَعَّبَ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها سُنْبُلَةٌ.

﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ كَما نَرى ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الحَبِّ في الأراضِي المُغَلَّةِ بَلْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، والسُّنْبُلَةُ عَلى وزْنِ فُنْعُلَةٍ، فالنُّونُ زائِدَةٌ لِقَوْلِهِمْ أسْبَلَ الزَّرْعُ بِمَعْنى سَنْبَلَ إذا صارَ فِيهِ السُّنْبُلُ، وقِيلَ: وزْنُهُ فُعْلُلَةٌ فالنُّونُ أصْلِيَّةٌ والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وإسْنادُ الإنْباتِ إلى الحَبَّةِ مَجازٌ لِأنَّها سَبَبٌ لِلْإنْباتِ والمُنْبِتُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا التَّمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْإضْعافِ كَأنَّها حاضِرَةً بَيْنَ يَدَيِ النّاظِرِ فَهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.

﴿واللَّهُ يُضاعِفُ﴾ هَذِهِ المُضاعَفَةَ أوْ فَوْقَها إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، واقْتَصَرَ بَعْضٌ عَلى الأوَّلِ، وبَعْضٌ عَلى الثّانِي، والتَّعْمِيمُ أتَمُّ نَفْعًا ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ المُنْفِقِينَ عَلى حَسَبِ حالِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ والتَّعَبِ وإيقاعِ الإنْفاقِ في أحْسَنِ مَواقِعِهِ، أخْرَجَ اِبْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي الدَّرْداءِ وأبِي هُرَيْرَةَ وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وأبِي أُمامَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كُلِّهِمْ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «”مَن أرْسَلَ بِنَفَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وأقامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ومَن غَزا بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وأنْفَقَ في وجْهِهِ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ“ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ،» وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: «إنَّ غُزاةَ المُنْفِقِينَ قَدْ خَبَّأ اللَّهُ تَعالى لَهم مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ما يَنْقَطِعُ عَنْهُ عَلَمُ العِبادِ».

﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ [ 261 ] ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّةِ المُنْفِقِ وسائِرِ أحْوالِهِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ المارِّ عَلى القَرْيَةِ وقِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانا مِن أدَلِّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ ذَكَرَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ يَوْمَ البَعْثِ وما يَجِدُ جَزاءَهُ هُناكَ وهو الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى كَما أعْقَبَ قِصَّةَ ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وكَما عَقَّبَ قَتْلَ داوُدَ جالُوتَ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ الخ.

صفحة 33

وفِي ذِكْرِهِ الحَبَّةَ في التَّمْثِيلِ هُنا إشارَةٌ أيْضًا إلى البَعْثِ وعَظِيمِ القُدْرَةِ إذْ مَن كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُخْرِجَ مِن حَبَّةٍ واحِدَةٍ في الأرْضِ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُخْرِجَ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ بِجامِعٍ اِشْتَرَكا فِيهِ مِنَ التَّغْذِيَةِ والنُّمُوِّ.

2:262Page 44

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢

Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اِسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ الَّذِي بَيَّنَ فَضْلَهُ.

﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾ أيْ إنْفاقِهِمْ أوْ ما أنْفَقُوهُ ﴿مَنًّا﴾ عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ ﴿ولا أذًى﴾ أيْ لَهُ، والمَنُّ عَبْدُ الإحْسانِ وهو في الأصْلِ القَطْعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (حَبْلٌ مَنِينٌ) أيْ ضَعِيفٌ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النِّعْمَةِ لِأنَّ المُنْعِمَ يَقْطَعُ مِن مالِهِ قِطْعَةً لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، والأذى التَّطاوُلُ والتَّفاخُرُ عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إنْفاقِهِ، وإنَّما قُدِّمَ المَنُّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ وتَوْسِيطِ كَلِمَةِ (لا) لِشُمُولِ النَّفْيِ لِاتِّباعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، و(ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى في الرُّتْبَةِ والبُعْدِ بَيْنَهُما في الدَّرَجَةِ، وقَدِ اُسْتُعِيرَتْ مِن مَعْناها الأصْلِيِّ وهو تَباعُدُ الأزْمِنَةِ لِذَلِكَ وهَذا هو المَشْهُورُ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ.

وذَكَرَ في «اَلِانْتِصافِ» وجْهًا آخَرَ في ذَلِكَ ((وهُوَ الدَّلالَةُ عَلى دَوامِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِها وإرْخاءِ الطُّولِ في اِسْتِصْحابِهِ وعَلى هَذا لا تَخْرُجُ عَنِ الإشْعارِ بِبُعْدِ الزَّمَنِ ولَكِنَّ مَعْناها الأصْلِيَّ تَراخِي زَمَنِ وُقُوعِ الفِعْلِ وحُدُوثِهِ ومَعْناها المُسْتَعارَ لَهُ دَوامُ وُجُودِ الفِعْلِ وتَراخِي زَمَنِ بَقائِهِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ”ثُمَّ اسْتَقامُوا“ أيْ داوَمُوا عَلى الِاسْتِقامَةِ دَوامًا مُتَراخِيًا مُمْتَدَّ الأمَدِ، وتِلْكَ الِاسْتِقامَةُ هي المُعْتَبَرَةُ لا ما هو مُنْقَطِعٌ إلى ضِدِّهِ مِنَ الحَيْدِ إلى الهَوى والشَّهَواتِ، وكَذَلِكَ ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ الخ، أيْ يَدُومُونَ عَلى تَناسِي الإحْسانِ وعَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ والِامْتِنانِ لَيْسُوا بِتارِكِيهِ في أزْمِنَةٍ ثُمَّ يَثُوبُونَ إلى الإيذاءِ وتَقْلِيدِ المَنِّ، وبِسَبَبِهِ مِثْلُهُ يَقَعُ في السِّينِ نَحْوُ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ إذْ لَيْسَ لِتَأخُّرِ الهِدايَةِ مَعْنًى فَيُحْمَلُ عَلى دَوامِ الهِدايَةِ الحاصِلَةِ لَهُ وتَراخِي بَقائِها وتَمادِي أمَدِها)) وهو كَلامٌ حَسَنٌ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ لِأنَّهُ أبْقى لِلْحَقِيقَةِ وأقْرَبُ لِلْوَضْعِ عَلى أحْسَنِ طَرِيقَةٍ.

والآيَةُ كَما أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ -والعُهْدَةُ عَلَيْهِ- نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أمّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَإنَّهُ «جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً، فَقالَ: كانَ عِنْدِي ثَمانِيَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَأمْسَكْتُ مِنها لِنَفْسِي وعِيالِي أرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وأرْبَعَةُ آلافٍ أُقْرِضُها رَبِّي فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وفِيما أعْطَيْتَ“،» وأمّا عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَهَّزَ المُسْلِمِينَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها وتَصَدَّقَ بِرُومَةِ رَكِيَّةٍ كانَتْ لَهُ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمانَ ويَقُولُ: ”يا رَبِّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيتُ عَنْهُ فارْضَ عَنْهُ فَما زالَ رافِعًا يَدَيْهِ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾» الخ.

﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ حَسْبَما وعَدَ لَهم في ضَمِيرِ التَّمْثِيلِ وهو جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَقْيِيدِ الأجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: لَهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّشْرِيفِ ما لا يَخْفى وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُدْخِلَ الفاءَ في حَيِّزِ المَوْصُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إيهامًا بِأنَّ هَؤُلاءِ المُنْفِقِينَ مُسْتَحِقُّونَ لِلْأجْرِ لِذَواتِهِمْ وما رَكَزَ في نُفُوسِهِمْ مِن نِيَّةِ الخَيْرِ لا لِوَصْفِ الإنْفاقِ فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ بِهِ اِسْتِحْقاقٌ وصْفِيٌّ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ دَقِيقٌ لا يُهْتَدى إلَيْهِ إلّا بِتَوْفِيقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَخْلِيَةُ الخَبَرِ عَنِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها لِلْإيذانِ بِأنَّ

صفحة 34

تَرْتِيبَ الأجْرِ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ اِتِّباعِ المَنِّ والأذى أمْرٌ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِيَّةِ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ 262 ] المُرادُ بَيانُ دَوامِ اِنْتِفائِهِما لا بَيانُ اِنْتِفاءِ دَوامِهِما وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها.

2:263Page 44

۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أيْ كَلامٌ جَمِيلٌ يُرَدُّ بِهِ السّائِلُ مِثْلَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، يَرْزُقُكَ اللَّهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أُعْطِيكَ بَعْدَ هَذا ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ سَتْرٌ لِما وقَعَ مِنَ السّائِلِ مِنَ الإلْحافِ في المَسْألَةِ وغَيْرِهِ مِمّا يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ وصَفْحٌ عَنْهُ ﴿خَيْرٌ﴾ لِلسّائِلِ ﴿مِن صَدَقَةٍ﴾ عَلَيْهِ ﴿يَتْبَعُها﴾ مِنَ المُتَصَدِّقِ ﴿أذًى﴾ لَهُ لِكَوْنِها مَشُوبَةً بِضَرَرِ ما يَتْبَعُها، وخُلُوصِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الضَّرَرِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَغْفِرَةِ مَغْفِرَةُ اللَّهِ تَعالى لِلْمَسْؤُولِ بِسَبَبِ تَحَمُّلِهِ ما يَكْرَهُ مِنَ السّائِلِ، أوْ مَغْفِرَةُ السّائِلِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ مِن رَدِّ المَسْؤُولِ خَيْرٌ لِلْمَسْؤُولِ مِن تِلْكَ الصَّدَقَةِ، وفِيهِ أنَّ الأنْسَبَ أنْ يَكُونَ المُفَضِّلُ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ في هَذا المَقامِ كِلاهُما صِفَتَيْ شَخْصٍ واحِدٍ وعَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلى أنَّ اِعْتِبارَ الخَيْرِيَّةِ فِيهِما يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ في القِصَّةِ المَوْصُوفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خَيْرٌ في الجُمْلَةِ مَعَ بُطْلانِها بِالمَرَّةِ، وجَعْلُ الكَلامِ مِن بابِ هو خَيْرٌ مِن لا شَيْءَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِاعْتِبارِ تَرْكِ اِتِّباعِ المَنِّ والأذى، وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ المَنُّ لِأنَّ الأذى يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ، وذِكْرُهُ فِيما تَقَدَّمَ اِهْتِمامًا بِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ وعُسْرِ تَحَفُّظِهِمْ عَنْهُ، وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ في الأوَّلِ: لِاخْتِصاصِها بِالوَصْفِ، وفي الثّانِي: بِالعَطْفِ أوْ بِالصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المَعْطُوفَ تابِعٌ لا يَفْتَقِرُ إلى مُسَوِّغٍ.

﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقاتِ العِبادِ وإنَّما أمَرَهم بِها لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَيْهِمْ أوْ عَنِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى فَلا يَقْبَلُها، أوْ غَنِيٌّ لا يُحْوِجُ الفُقَراءَ إلى تَحَمُّلِ مَؤُونَةِ المَنِّ والأذى ويَرْزُقُهم مِن جِهَةٍ أُخْرى ﴿حَلِيمٌ﴾ [ 263 ] فَلا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ عَلى المَنِّ والإيذاءِ لا أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَها بِسَبَبِهِما، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ مُقَرِّرَةٌ لِاعْتِبارِ الخَيْرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى السّائِلِ قَطْعًا.

2:264Page 44

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ إثْرَ بَيانِ ما بَيَّنَ بِطْرِيقِ الغَيْبَةِ البالِغَةِ في إيجابِ العَمَلِ بِمُوجِبِ النَّهْيِ ولِذَلِكَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ أيْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِأنَّ النَّفْيَ أحَقُّ بِالعُمُومِ وأدَلُّ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالمَنِّ المَنُّ عَلى الفَقِيرِ كَما تَقَدَّمَ وهو المَشْهُورُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ بِهِ المَنُّ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبِالأذى الأذى لِلْفَقِيرِ، واسْتَشْكَلَ اِبْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ ظاهِرَها يَسْتَدْعِي أنَّ أجْرَ الصَّدَقَةِ يَبْطُلُ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ ولا يُمْكِنُ تَوَجُّهُ الإبْطالِ بِذَلِكَ إلى نَفْسِ الصَّدَقَةِ لِأنَّها قَدْ ثَبَتَتْ في الواقِعِ فَلا يُعْقَلُ إبْطالُها؛ ومِنَ العَقِيدَةِ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، والآيَةُ أحَدُ مُتَمَسَّكاتِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّ الصَّدَقَةَ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى مِن صاحِبُها أنَّهُ يَمُنُّ ويُؤْذِي لا تُقْبَلُ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ لِلْمَلَكِ عَلامَةً فَلا يَكْتُبُها، والإبْطالُ المُتَنازَعُ فِيهِ إنَّما هو في عَمَلٍ صَحِيحٍ وقَعَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في حَيِّزِ القَبُولِ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَمَعْنى ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ حِينَئِذٍ لا تَأْتُوا بِهَذا العَمَلِ باطِلًا كَذا قالُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ فِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لَهُ بِناءً عَلى أنَّ ﴿كالَّذِي﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ إمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ لا تُبْطِلُوها إبْطالًا كَإبْطالِ الَّذِي الخ، وإمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ أيْ لا تُبْطِلُوها مُشابِهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ أيِ الَّذِي يُبْطِلُ إنْفاقَهُ بِالرِّياءِ، ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ المُرائِيَ بِالإجْماعِ

صفحة 35

لَمْ يَأْتِ بِالعَمَلِ مَقْبُولًا صَحِيحًا، وإنَّما أتى بِهِ باطِلًا مَرْدُودًا، وقَدْ وقَعَ التَّشْبِيهُ في البَيِّنِ فَتَدَبَّرْ.

وانْتِصابُ (رِياءَ) إمّا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِ (يُنْفِقُ) أيْ لِأجْلِ رِيائِهِمْ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ يُنْفِقُ مالَهُ مُرائِيًا، وجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْفاقًا رِياءَ النّاسِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ جَعْلُ الجارِّ حالًا مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ لِأنَّهُ لا يَتَمَشّى إلّا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، وأصْلُ رِياءٍ رِئاءٌ فالهَمْزَةُ الأُولى عَيْنُ الكَلِمَةِ والثّانِيَةُ بَدَلٌ مِن ياءٍ هي لامٌ لِأنَّها وقَعَتْ طَرَفًا بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، ويَجُوزُ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ الأُولى بِأنْ تُقْلَبَ ياءً فِرارًا مِن ثِقَلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، وقَدْ قَرَأ بِهِ الخُزاعِيُّ والشُّمُونِيُّ وغَيْرُهُما، والمُفاعَلَةُ في فِعْلِهِ عِنْدَ السَّمِينِ عَلى بابِها لِأنَّ المُرائِيَ يُرِي النّاسَ أعْمالَهُ والنّاسَ يُرُونَهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ والتَّعْظِيمَ لَهُ؛ والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَشْمَلُ المُؤْمِنَ والكافِرَ كَما قِيلَ، وغالِبُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ المُنافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ حَتّى يَرْجُوَ ثَوابًا أوْ يَخْشى عِقابًا.

﴿فَمَثَلُهُ﴾ أيِ المُرائِي في الإنْفاقِ، والفاءُ لِرَبْطِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ أيْ حَجَرٍ كَبِيرٍ أمْلَسَ وهو جَمْعُ صَفْوانَةٍ أوْ صَفاءٍ أوِ اِسْمُ جِنْسٍ ورُجِّحَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنهُ ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ أيْ مَطَرٌ شَدِيدُ الوَقْعِ، والضَّمِيرُ لِلصَّفْوانِ وقِيلَ: لِلتُّرابِ.

﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أيْ أمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الغُبارِ أصْلًا، وهَذا التَّشْبِيهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا فالنّافِقُ المُنافِقُ كالحَجَرِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ ونَفَقَتِهِ كالتُّرابِ لِرَجاءِ النَّفْعِ مِنهُما بِالأجْرِ والإنْباتِ، ورِياؤُهُ كالوابِلِ المُذْهَبِ لَهُ سَرِيعًا الضّارِّ مِن حَيْثُ يُظَنُّ النَّفْعُ ولَوْ جُعِلَ مُرَكَّبًا لَصَحَّ، وقِيلَ: إنَّهُ هو الوَجْهُ، والأوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ لا يَجِدُونَ ثَوابَ شَيْءٍ مِمّا أنْفَقُوا رِياءً ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ قَطْعًا، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ أوِ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ فَقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ، وجَعْلُها حالًا مِنَ (اَلَّذِي) كَما قالَ السَّمِينُ مَهْزُولٌ مِنَ القَوْلِ كَما لا يَخْفى، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ المَعْنى بَعْدَ ما رُوعِيَ لَفْظُهُ إذْ هو صِفَةٌ لِمُفْرَدٍ لَفْظًا مَجْمُوعٍ مَعْنًى كالجَمْعِ والفَرِيقِ، أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ لِلْجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ عَلى رَأْيٍ، وقَوْلِهِ:

إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجِ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ

وقِيلَ: إنَّ مَن واَلَّذِي يَتَعاقَبانِ فَعُومِلَ هُنا مُعامَلَتَهُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى (اَلَّذِينَ آمَنُوا) مِن قِبَلِ الِالتِفاتِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [ 264 ] إلى ما يَنْفَعُهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الرِّياءِ والمَنِّ والأذى عَلى الإنْفاقِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَجْتَنِبُوها.

2:265Page 45

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ لِطَلَبِ رِضاهُ أوْ طالِبِينَ لَهُ، ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ ولِتَثْبِيتِ أوْ مُثْبِتِينَ بَعْضَ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِمْ: هَزَّ مِن

صفحة 36

عَطْفَيْهِ وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ فَإنَّ لِلنَّفْسِ قُوًى بَعْضُها مَبْدَأُ بَذْلِ المالِ، وبَعْضُها مَبْدَأُ بَذْلِ الرُّوحِ، فَمَن سَخَّرَ قُوَّةَ بَذْلِ المالِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن سَخَّرَ قُوَّةَ بَذْلِ المالِ وقُوَّةَ بَذْلِ الرُّوحِ فَقَدْ ثَبَّتَ كُلَّ نَفْسٍ، وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولُ (تَثْبِيتًا) مَحْذُوفًا أيْ تَثْبِيتًا لِلْإسْلامِ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ وقُلُوبِهِمْ، فَمِنِ اِبْتِدائِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةُ الإيمانِ مُخْلِصَةٌ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ (وتَبْيِينًا مِن أنْفُسِهِمْ)، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) بِمَعْنى اللّامِ والمَعْنى تَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ وحُبُّ المالِ الَّذِي هو الدّاءُ العُضالُ والرَّأْسُ لِكُلِّ خَطِيئَةٍ.

﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ بُسْتانٍ بِنَشْزٍ مِنَ الأرْضِ، والمُرادُ تَشْبِيهُ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في الزَّكاءِ بِهَذِهِ الجَنَّةِ، واعْتُبِرَ كَوْنُها في رَبْوَةٍ لِأنَّ أشْجارَ الرُّبى تَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا وأزْكى ثَمَرًا لِلَطافَةِ هَوائِها وعَدَمِ كَثافَتِهِ بِرُكُودِهِ. وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِرَبْوَةٍ بِالفَتْحِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وابْنُ عَبّاسٍ بِالكَسْرِ، وقُرِئَ رُباوَةٌ وكُلُّها لُغاتٌ، وقُرِئَ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) بِالحاءِ والباءِ ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ ﴿فَأتَتْ﴾ أيْ أعْطَتْ صاحِبَها أوِ النّاسَ، ونِسْبَةُ الإيتاءِ إلَيْها مَجازٌ ﴿أُكُلَها﴾ بِالضَّمِّ الشَّيْءُ المَأْكُولُ والمُرادُ ثَمَرُها وأُضِيفَ إلَيْها لِأنَّها مَحَلُّهُ أوْ سَبَبُهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِسُكُونِ الكافِ تَخْفِيفًا ”ضِعْفَيْنِ“ أيْ ضِعْفًا بَعْدَ ضِعْفٍ فالتَّثْنِيَةُ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ في سائِرِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ما أصابَها مِنَ الوابِلِ، أوْ أرْبَعَةَ أمْثالِهِ بِناءً عَلى الخِلافِ في أنَّ الضِّعْفَ هَلْ هو المِثْلُ أوِ المِثْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ تَأْتِي أُكُلَها مَرَّتَيْنِ في سَنَةٍ واحِدَةٍ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن أُكُلَها أيْ مُضاعَفًا ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَيُصِيبُها، أوْ فاَلَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ أوْ فَطَلٌّ يَكْفِيها، والمُرادُ أنَّ خَيْرَها لا يُخْلِفُ عَلى كُلِّ حالٍ لِجَوْدَتِها وكَرَمِ مَنبَتِها ولَطافَةِ هَوائِها، واَلطَّلُّ الرَّذاذُ مِنَ المَطَرِ وهو اللَّيِّنُ مِنهُ.

وحاصِلُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ ما يُقارِنُها مِنَ الإخْلاصِ والتَّعَبِ وحُبِّ المالِ والإيصالِ إلى الأحْوَجِ التَّقِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُناكَ تَشْبِيهُ حالِ النَّفَقَةِ النّامِيَةِ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى الزّاكِيَةِ عَنِ الأدْناسِ لِأنَّها لِلتَّثْبِيتِ النّاشِئِ عَنْ يَنْبُوعِ الصِّدْقِ والإخْلاصِ بِحالِ جَنَّةٍ نامِيَةٍ زاكِيَةٍ بِسَبَبِ الرَّبْوَةِ، وأحَدُ الأمْرَيْنِ الوابِلُ والطَّلُّ، والجامِعُ النُّمُوُّ المَقْرُونِ بِالزُّكاءِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ تَشْبِيهَ حالِ أُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ ونَفَقَتِهِمِ القَلِيلَةِ والكَثِيرَةِ بِالوابِلِ والطَّلِّ؛ فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أكْلَ تِلْكَ الجَنَّةِ فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم جَلَتْ أوْ قَلَّتَ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى زاكِيَةً زائِدَةً في زُلْفاهم وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ، كَذا قِيلَ وهو مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ حِينَئِذٍ مِنَ المُفَرَّقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرَكَّبِ، والكَلامُ مَساقٌ لِلْإرْشادِ إلى اِنْتِزاعِ وجْهِ الشَّبَهِ وطَرِيقِ التَّرْكِيبِ، والفَرْقُ إذْ ذاكَ بِأنَّ الحالَ لِلنَّفَقَةِ في الأوَّلِ ولِلْمُنْفِقِ في الثّانِي.

والحاصِلُ أنَّ حالَهم في إنْتاجِ القِلِّ والكُثْرِ مِنهُمُ الأضْعافُ لِأُجُورِهِمْ كَحالِ الجَنَّةِ في إنْتاجِ الوابِلِ والطَّلِّ الواصِلَيْنِ إلَيْها الإضْعافِ لِأثْمارِها، واخْتارَ بَعْضُهُمِ الأوَّلَ، وأبى آخَرُونَ الثّانِي فافْهَمْ.

﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ 265 ] فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُخْلِصِ والمُرائِي بِما هو أعْلَمُ بِهِ، فَفي الجُمْلَةِ تَرْغِيبٌ لِلْأوَّلِ، وتَرْهِيبٌ لِلثّانِي مَعَ ما فِيها مِنَ الإشارَةِ

صفحة 37

إلى الحَطِّ عَلى الأخِيرِ حَيْثُ قَصَدَ بِعَمَلِهِ رُؤْيَةَ مَن لا تُغْنِي رُؤْيَتُهُ شَيْئًا وتَرْكَ وجْهِ البَصِيرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي تُغْنِي وتُفْقِرُ رُؤْيَتُهُ عَزَّ شَأْنُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском