Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:266–269
2:266Page 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.
﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ أيْ أيُحِبُّ أحَدُكُمْ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في رِوايَةٍ عَنْهُ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وقُرِئَ جَنّاتٌ ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ كائِنَةٌ مِن هَذَيْنَ الجِنْسَيْنِ النَّفِيسَيْنِ عَلى مَعْنى أنَّهُما الرُّكْنُ والأصْلُ فِيها لا عَلى أنْ لا يَكُونَ فِيها غَيْرُهُما، والنَّخِيلُ قِيلَ: اِسْمُ جَمْعٍ، وقِيلَ: جَمْعُ نَخْلٍ وهو اِسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، وأعْنابٌ جَمْعُ عِنَبَةٍ ويُقالُ عَنْباءُ فَلا يَنْصَرِفُ لِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ وحَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ فَإنَّما يَنُصُّ عَلى النَّخْلِ دُونَ ثَمَرَتِها وعَلى ثَمَرَةِ الكَرْمِ دُونَ شَجَرَتِها ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ النَّخْلَةَ كُلُّها مَنافِعُ ونَعِمَتِ العَمّاتُ، هي أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها، وأعْظَمُ مَنافِعِ الكَرْمِ ثَمَرَتُهُ دُونَ سائِرِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ ولَمْ أجِدْهُ في كِتابٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: أتَكْفُرُونَ بِي وأنا خالِقُ العِنَبِ، والجَنَّةُ تُطْلَقُ عَلى الأشْجارِ المُلْتَفَّةِ المُتَكاثِفَةِ، وعَلى الأرْضِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، والأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إذْ عَلى الثّانِي يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وكَذا يُحْتاجُ إلى جَعْلِ إسْنادِ الِاحْتِراقِ إلَيْها فِيما سَيَأْتِي مَجازِيًّا؛ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةُ (جَنَّةٍ) أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ حالٌ مِنها لِوَصْفِها بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلُ.
﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ الظَّرْفُ الأوَّلُ: في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ، والثّانِي: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ، والثّالِثُ: نَعْتٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِزْقٍ أوْ ثَمَرٍ كائِنٍ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، وجُوِّزَ زِيادَةُ (مِن) عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ المُرادُ بِالثَّمَراتِ العُمُومَ بَلْ إنَّما هو الكَثِيرُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الثَّمَراتِ المَنافِعَ، وهَذا يَجْعَلُ ذِكْرَ ذَيْنِكَ الجِنْسَيْنِ لِعَدَمِ اِحْتِواءِ الجَنَّةِ عَلى ما سِواهُما، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ لِلتَّتْمِيمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ أيْ أثَرٌ فِيهِ عُلُوُّ السِّنِّ والشَّيْخُوخَةُ وهو أبْلَغُ مِن كِبَرٍ، والواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ قَدْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَوَدُّ أيْ أيَوَدُّ أحَدُكم ذَلِكَ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ شِدَّةِ الحاجَةِ إلى مَنافِعِ تِلْكَ الجَنَّةِ ومُؤْنَةِ العَجْزِ عَنْ تَدارُكِ أسْبابِ المَعاشِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ ووَضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ كَما قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ أُوِّلَ المُضارِعُ بِالماضِي، أيْ لَوْ كانَتْ لَهُ جَنَّةً وأصابَهُ الكِبَرُ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ الإصابَةِ في حَيِّزِ التَّمَنِّي ﴿وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ لا يَتَمَنّاها أحَدٌ، والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وارِدٍ لِما أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ فَهو يُنْكِرُ الجَمْعَ بَيْنَهُما ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أصابَهُ، أيْ أصابَهُ الكِبَرُ، والحالُ أنَّ لَهُ صِبْيَةً ضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى الكَسْبِ وتَرْتِيبِ مَعاشِهِ ومَعاشِهِمْ، والضُّعَفاءُ جَمْعُ ضَعِيفٍ كَشُرَكاءَ جَمْعِ شَرِيكٍ، وتَرْكُ التَّعْبِيرِ بِصِغارٍ مَعَ مُقابَلَةِ الكِبَرِ لِأنَّهُ أنْسَبَ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ ضِعافٌ ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾ أيْ رِيحٌ تَسْتَدِيرُ عَلى نَفْسِها وتَكُونُ مِثْلَ المَنارَةِ وتُسَمّى الزَّوْبَعَةَ وهي قَدْ تَكُونُ هابِطَةً وقَدْ تَكُونُ صاعِدَةً، خِلافًا لِما يُفْهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ مِن تَخْصِيصِها بِالثّانِيَةِ، وسَبَبُ الأُولى: أنَّهُ إذا اِنْفَصَلَ رِيحٌ مِن سَحابَةٍ وقَصَدَتِ النُّزُولَ فَعارَضَها في طَرِيقِ نُزُولِها قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ وصَدْمَتْها مِن تَحْتِها ودَفَعَها مِن فَوْقِها سائِرُ الرِّياحِ بَقِيَتْ ما بَيْنَ دافِعَيْنِ دافِعٍ مِنَ العُلُوِّ ودافِعٍ مِنَ السُّفْلِ، فَيَعْرِضُ مِنَ الدَّفْعَيْنِ المُتَمانِعَيْنِ أنْ تَسْتَدِيرَ ورُبَّما
صفحة 38
زادَها تَعَوُّجُ المَنافِذِ تَلَوِّيًا كَما يَعْرِضُ لِلشَّعْرِ أنْ لا يَتَجَعَّدَ بِسَبَبِ اِلْتِواءِ مَسامِّهِ، وسَبَبُ الثّانِيَةِ: أنَّ المادَّةَ الرِّيحِيَّةَ إذا وصَلَتْ إلى الأرْضِ وقَرَعَتْها قَرْعًا عَنِيفًا ثُمَّ أثْبَتَتْ فَقَلَبَتْها رِيحٌ أُخْرى مِن جِهَتِها اِلْتَوَتْ واسْتَدارَتْ وقَدْ تَحْدُثُ أيْضًا مِن تَلاقِي رِيحَيْنِ شَدِيدَتَيْنِ ورُبَّما بَلَغَتْ قُوَّتُها إلى حَيْثُ تَقْلَعُ الأشْجارَ وتَخْطِفُ المَراكِبَ مِنَ البَحْرِ، وعَلامَةُ النّازِلَةِ أنْ تَكُونَ لَفائِفًا تَصْعَدُ وتَنْزِلُ مَعًا كالرّاقِصِ، وعَلامَةُ الصّاعِدَةِ أنْ لا يُرى لِلَفائِفِها إلّا الصُّعُودُ وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنهُما بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ ظاهِرٍ ورُبَّما اِشْتَمَلَ دَوْرُ الزَّوْبَعَةِ عَلى بُخارٍ مُشْتَعِلٍ قَوِيٍّ فَيَكُونُ نارًا تَدُورُ أيْضًا، ولِتَعْيِينِ هَذا النَّوْعُ وُصِفَ الإعْصارُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِيهِ نارٌ﴾ وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِاعْتِبارِ التَّذْكِيرِ فِيهِ وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ الهَواءُ إعْصارًا لِأنَّهُ يَلْتَفُّ كَما يَلْتَفُّ الثَّوْبُ المَعْصُورُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَعْصِرُ السَّحابَ أوْ يَعْصِرُ الأجْسامَ المارَّ بِها، والتَّنْوِينُ في النّارِ لِلتَّعْظِيمِ ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ الإعْصارَ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ مُطْلَقًا وأنَّ المُرادَ مِنَ النّارِ السَّمُومُ وذَكَرَ سُبْحانَهُ الإعْصارَ ووَصَفَهُ بِما ذَكَرَ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ النّارِ كَأنْ يُقالَ فَأصابَها نارٌ ﴿فاحْتَرَقَتْ﴾ لِما في تِلْكَ الجُمْلَةِ مِنَ البَلاغَةِ ما فِيها لِمَن دَقَّقَ النَّظَرَ، والفِعْلُ المَقْرُونُ بِالفاءِ عُطِفَ عَلى ﴿أصابَها﴾ وقِيلَ: عَلى مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ أيْ فَأحْرَقَها فاحْتَرَقَتْ، وهَذا كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ تَمْثِيلُ حالِ مَن يُنْفِقُ ويَضُمُّ إلى إنْفاقِهِ ما يُحْبِطُهُ في الحَسْرَةِ والأسَفِ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلى ذَلِكَ ووَجَدَهُ هَباءً مَنثُورًا بِحالِ مَن هَذا شَأْنُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما وجَدْتُ أحَدًا يَشْفِينِي عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: (أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ) الخ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنِّي أجِدُ في نَفْسِي مِنها فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَلِمَ تُحَقِّرُ نَفْسَكَ؟! فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَكُونَ عُمْرَهُ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ وأهْلِ السَّعادَةِ حَتّى إذا كَبُرَ سِنُّهُ وقَرُبَ أجْلُهُ ورَقَّ عَظْمُهُ وكانَ أحْوَجَ إلى ما يَكُونُ أنْ يَخْتِمَ عَمَلَهُ بِخَيْرِ عَمَلٍ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ فَأفْسَدَ عَمَلَهُ فَأحْرَقَهُ، قالَ: فَوَقَعَتْ عَلى قَلْبِ عُمَرَ وأعْجَبَتْهُ.
وفِي رِوايَةِ البُخارِيِّ والحاكِمِ وابْنِ جَرِيرٍ وجَماعَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالَ: قالَ عُمَرُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَ تُرَوْنَ [بِضَمِّ أوَّلِهِ] هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ الخ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ فَقالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ عُمَرُ: يا اِبْنِ أخِي قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ضِرِبَتْ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ، قِيلَ: وهَذا أحْسَنُ مِن أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمَن يُبْطِلُ صَدَقَتَهُ بِالمَنِّ والأذى والرِّياءِ، وفُصِلَ عَنْهُ لِاتِّصالِهِ بِما ذُكِرَ بَعْدَهُ أيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ لا عَمَلَ لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ لَهُ عَمَلًا يُجازى عَلَيْهِ بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِ وظَنِّهِ وهو يَكْفِي لِلتَّمْثِيلِ المَذْكُورِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَدْفَعُ أحْسَنِيَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ قالَهُ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وارْتَضاهُ الأمِيرُ المُحَدِّثُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ الجارِي في الظُّهُورِ مَجْرى الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ [ 266 ] أيْ كَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها وتَعْتَبِرُوا بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ العِبَرِ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها، أوْ لَعَلَّكم تُعْمِلُونَ أفْكارَكم فِيما يَفْنى ويَضْمَحِلُّ مِنَ الدُّنْيا وفِيما هو باقٍ لَكم في الأُخْرى فَتَزْهَدُونَ في الدُّنْيا وتُنْفِقُونَ مِمّا آتاكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنها وتَرْغَبُونَ في الآخِرَةِ ولا تَفْعَلُونَ ما يُحْزِنُكم فِيها.
2:267Page 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ﴾ أيْ جِيادِ أوْ حَلالِ
صفحة 39
﴿ما كَسَبْتُمْ﴾ أيِ الَّذِي كَسَبْتُمُوهُ أوْ كَسْبِكم أيْ مَكْسُوبِكم مِنَ النَّقْدِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ والمَواشِي. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في ﴿طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي مِنَ الحَبِّ والتَّمْرِ وكُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكاةٌ، والجُمْلَةُ لِبَيانِ حالِ ما يُنْفَقُ مِنهُ إثْرَ بَيانِ أصْلِ الإنْفاقِ وكَيْفِيَّتِهِ وأعادَ (مِن) في المَعْطُوفِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ نَوْعٌ مُسْتَقِلٌّ، أوْ لِلتَّأْكِيدِ ولَعَلَّهُ أوْلى، وتَرْكُ ذِكْرِ الطَّيِّباتِ لِعِلْمِهِ مِمّا قَبْلَهُ، وقِيلَ: لِعِلْمِهِ مِمّا بَعْدُ، وبَعْضٌ جَعَلَ (ما) عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ.
﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ أيْ تَقْصِدُوا وأصْلُهُ تَتَيَمَّمُوا بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا إمّا الأُولى وإمّا الثّانِيَةُ عَلى الخِلافِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (ولا تَأمَّمُوا)، وابْنُ عَبّاسٍ (تُيَمَّمُوا) بِضَمِّ التّاءِ، والكُلُّ بِمَعْنى، ﴿الخَبِيثَ﴾ أيِ الرَّدِيءَ وهو كالطَّيِّبِ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا تُذْكَرُ مَوْصُوفاتُها ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْخَبِيثِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِ (تُنْفِقُونَ) والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ ﴿تَيَمَّمُوا﴾ أيْ لا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ قاصِرِينَ الإنْفاقَ عَلَيْهِ، أوْ مِنَ الخَبِيثِ أيْ مُخْتَصًّا بِهِ الإنْفاقُ، وأيًّا ما كانَ لا يَرِدْ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الخَبِيثِ الصَّرْفَ فَقَطْ مَعَ أنَّ المَخْلُوطَ أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ التَّخْصِيصَ لِتَوْبِيخِهِمْ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَ مِن إنْفاقِ الخَبِيثِ خاصَّةً. فَعَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: نَزَلَتْ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، كانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إلى التَّمْرِ فَيَصْرِمُهُ فَيَعْزِلُ الجَيِّدَ ناحِيَةً فَإذا جاءَ صاحِبُ الصَّدَقَةِ أعْطاهُ مِنَ الرَّدِيءِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (اَلْخَبِيثِ)، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المالِ الَّذِي في ضِمْنِ القِسْمَيْنِ، أوْ لِما أخْرَجْنا، وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ الرَّداءَةَ فِيهِ أكْثَرُ وكَذا الحُرْمَةُ لِتَفاوُتِ أصْنافِهِ ومَجالِبِهِ، و﴿تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ المَذْكُورِ أيْ ولا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ كائِنًا مِنَ المالِ أوْ مِمّا أخْرَجْنا لَكم مُنْفِقِينَ إيّاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ حالٌ عَلى كُلِّ حالٍ مِن ضَمِيرِ ﴿تُنْفِقُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ إلّا وقْتَ إغْماضِكم أوْ إلّا بِإغْماضِكم فِيهِ والإغْماضُ كالغَمْضِ إطْباقُ الجَفْنِ لِما يَعْرِضُ مِنَ النَّوْمِ، وقَدِ اُسْتُعِيرَ هُنا كَما قالَ الرّاغِبُ لِلتَّغافُلِ والتَّساهُلِ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا يَخْلُو عَنْ تَساهُلٍ وتَغافُلٍ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا وهو الأكْثَرُ ولازِمًا مِثْلَ أغْضى عَنْ كَذا، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا أيْ أبْصارَكُمْ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ التّاءِ وإسْكانِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (تُغَمِّضُوا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وعَنْهُ أيْضًا (تَغْمُضُوا) بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها مَعَ فَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ قَتادَةُ (تُغْمَضُوا) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ تُحْمَلُوا عَلى الإغْماضِ أيْ تُوجَدُوا مُغْمِضِينَ وكِلا المَعْنَيَيْنِ مِمّا أثْبَتَهُ الحُفّاظُ ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ في مَوْضِعِ الجَرِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجَوِّزُ أنْ تَقَعَ أنْ وما في حَيِّزِها حالًا، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ (أنْ) هُنا شَرْطِيَّةٌ لِأنَّ مَعْناهُ إنْ أغْمَضْتُمْ أخَذْتُمْ، ويَنْبَغِي أنْ يُغْمِضَ طَرَفٌ القَبُولَ عَنْهُ، ومِنَ البَعِيدِ في الآيَةِ ما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ إلّا إنْ أغْمَضْتُمْ فِيهِ ومَآلُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمِنهُ تُنْفِقُونَ الخ، وهو عَلى بُعْدِهِ خِلافُ التَّفاسِيرِ المَأْثُورَةِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
صفحة 40
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ نَفَقاتِكم وإنَّما أمَرَكم بِها لِانْتِفاعِكُمْ، وفي الأمْرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِ عِلْمِهِمْ بِهِ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى ما يَصْنَعُونَ مِن إعْطاءِ الخَبِيثِ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الجَهْلِ بِشَأْنِهِ عَنْ شَأْنِهِ ﴿حَمِيدٌ﴾ [ 267 ] أيْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ عَلى نِعَمِهِ، ومِن جُمْلَةِ الحَمْدِ اللّائِقِ بِجَلالِهِ تَحَرِّي إنْفاقِ الطَّيِّبِ مِمّا أنْعَمَ بِهِ، وقِيلَ: حامِدٌ بِقَبُولِ الجَيِّدِ والإثابَةِ عَلَيْهِ.
واحْتُجَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ زَكاةِ قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ وكَثِيرُهُ حَتّى البَقْلُ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ مَن زَرَعَ في أرْضٍ اِكْتَراها فالزَّكاةُ عَلَيْهِ لا عَلى رَبِّ الأرْضِ لِأنَّ ﴿أخْرَجْنا لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَلى الزّارِعِ وعَلى أنَّ صاحِبَ الحَقِّ لا يُجْبَرُ عَلى أخْذِ المَعِيبِ بَلْ لَهُ الرَّدُّ وأخْذُ سَلِيمِ بَدَلِهِ.
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سَبَبِ تَيَمُّمِ الخَبِيثِ في الإنْفاقِ وتَوْهِينِ شَأْنِهِ، والوَعْدُ في أصْلِ وضْعِهِ لُغَةٌ شائِعٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وأمّا في الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ فالوَعْدُ في الخَيْرِ والإيعادُ في الشَّرِّ حَتّى يَحْمِلُوا خِلافَهُ عَلى المَجازِ والتَّهَكُّمِ، وقَدِ اُسْتُعْمِلَ هُنا في الشَّرِّ نَظَرًا إلى أصْلِ الوَضْعِ لِأنَّ الفَقْرَ مِمّا يَراهُ الإنْسانُ شَرًّا، ولِهَذا يُخَوِّفُ الشَّيْطانُ بِهِ المُتَصَدِّقِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: لا تُنْفِقُوا الجَيِّدَ مِن أمْوالِكم وأنَّ عاقِبَةَ إنْفاقِكم أنْ تَفْتَقِرُوا، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ وعْدًا مَعَ أنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الإخْبارُ بِما سَيَكُونُ مِن جِهَةِ المُخْبِرِ والشَّيْطانِ لَمْ يُضِفْ مَجِيءَ الفَقْرِ إلى جِهَتِهِ لِلْإيذانِ بِمُبالَغَةِ اللَّعِينِ في الإخْبارِ بِتَحَقُّقِ مَجِيئِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَهُ في تَقَرُّرِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ أفْعالِهِ الواقِعَةِ حَسَبَ إرادَتِهِ، أوْ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ وعْدِهِ تَعالى عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ اِسْتِعْمالَ الوَعْدِ هُنا في الخَيْرِ حَسَبَ الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ، والمُرادُ أنَّ ما يُخَوِّفُكم بِهِ هو وعْدُ الخَيْرِ لِأنَّ الفَقْرَ لِلْإنْفاقِ أجَلُّ خَيْرٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَراحِلَ عَنْ مَذاقِ التَّنْزِيلِ، وقُرِئَ الفَقْرُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ وبِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتَيْنِ وكُلُّها لُغاتٌ في الفَقْرِ وأصْلُهُ كَسْرُ فَقارِ الظَّهْرِ.
﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيِ الخَصْلَةِ الفَحْشاءِ وهي البُخْلُ وتَرْكُ الصَّدَقاتِ والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ فاحِشًا قالَ كَعْبٌ:
أخِي يا أخِي (لا فاحِشًا) عِنْدَ بَيْتِهِ ولا ورِعٌ عِنْدَ اللِّقاءِ هَيُوبُ
والمُرادُ بِالأمْرِ بِذَلِكَ الإغْراءُ والحَثُّ عَلَيْهِ فَفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَحْشاءِ سائِرُ المَعاصِي وحَمْلُها عَلى الزِّنا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنهُ؛ وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ بِمَعْنى الكَلِمَةِ السَّيِّئَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلْأُولى وقُدِّمَ وعْدُ الشَّيْطانِ عَلى أمْرِهِ لِأنَّهُ بِالوَعْدِ يَحْصُلُ الِاطْمِئْنانُ إلَيْهِ فَإذا اِطْمَأنَّ إلَيْهِ وخافَ الفَقْرَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالأمْرِ إذْ فِيهِ اِسْتِعْلاءٌ عَلى المَأْمُورِ.
﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ في الإنْفاقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ ﴿مَغْفِرَةً﴾ لِذُنُوبِكُمْ، وعَنْ قَتادَةَ لِفَحْشائِكُمْ، والتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّفْخِيمِ وكَذا وصْفُها بِقَوْلِهِ تَعالى: (مِنهُ) فَهو مُؤَكِّدٌ لِفَخامَتِها، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا مِنَ الوَعْدِ كَما عَلِمْتَ مُبالَغَةً في تَوْهِينِ أمْرِ الشَّيْطانِ ﴿وفَضْلا﴾ أيْ رِزْقًا وخَلَفًا وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَتَكُونُ المَغْفِرَةُ إشارَةً إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، وهَذا إشارَةٌ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا. وفي الحَدِيثِ:«ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ فِيهِ العِبادُ إلّا مَلِكانِ يَنْزِلانِ يَقُولُ أحَدَهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ويَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» وقَدَّمَ مَنافِعَ الآخِرَةِ لِأنَّها أهَمُّ عِنْدَ المُصَدِّقِ بِها، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ والفَضْلُ كِلاهُما في الآخِرَةِ وتَقْدِيمُ الأوَّلِ حِينَئِذٍ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ ولِكَوْنِ رَفْعِ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، وفي الآيَةِ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ وحَذَفَ صِفَةَ الثّانِي لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها.
﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ بِالرَّحْمَةِ والفَضْلِ ﴿عَلِيمٌ﴾ [ 268 ] بِما تُنْفِقُونَهُ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى:
2:269Page 45
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩
He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.
صفحة 41
﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ ناسِخِهِ ومَنسُوخِهِ ومُتَشابِهِهِ ومُحْكَمِهِ ومُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ وحَلالِهِ وحَرامِهِ وأمْثالِهِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: الفِقْهُ في القُرْآنِ، ومِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وما رَوى اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها النُّبُوَّةُ يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ عَلى هَذا لِما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ ثُلْثَ القُرْآنِ أُعْطِيَ ثُلْثَ النُّبُوَّةِ، ومَن قَرَأ نِصْفَ القُرْآنِ أُعْطِيَ نِصْفَ النُّبُوَّةِ، ومَن قَرَأ ثُلْثَيْهِ أُعْطِيَ ثُلْثَيِ النُّبُوَّةِ، ومَن قَرَأ القُرْآنَ كُلَّهُ أُعْطِيَ كُلَّ النُّبُوَّةِ، ويُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ اِقْرَأْ وارْقَ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتّى يُنْجِزَ ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، فَيُقالُ لَهُ اِقْبِضْ فَيَقْبِضُ، فَيُقالُ لَهُ هَلْ تَدْرِي ما في يَدَيْكَ؟ فَإذا في يَدِهِ اليُمْنى الخُلْدُ وفي الأُخْرى النَّعِيمُ» ولَيْسَ المُرادُ مِنَ القِراءَةِ في هَذا الخَبَرِ مُجَرَّدَها إذْ ذَلِكَ مِمّا يَشْتَرِكُ فِيهِ البَرُّ والفاجِرُ، ولَكِنَّ المُرادَ قِراءَةٌ بِفِقْهٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ ”اَلْحِكْمَةُ قِراءَةُ القُرْآنِ والفِكْرَةُ فِيهِ“ وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها القُرْآنُ والعِلْمُ والفِقْهُ، وفي أُخْرى العِلْمُ الَّذِي تَعْظُمُ مَنفَعَتُهُ وتَجِلُّ فائِدَتُهُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها المَعْرِفَةُ بِاَللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو عُثْمانَ: هي نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الوَسْواسِ والإلْهامِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وفي «اَلْبَحْرِ» أنَّ فِيها تِسْعَةً وعِشْرِينَ قَوْلًا لِأهْلِ العِلْمِ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وعَدَّ بَعْضُهُمِ الأكْثَرَ مِنها اِصْطِلاحًا واقْتِصارًا عَلى ما رَآهُ القائِلُ فَرْدًا مُهِمًّا مِنَ الحِكْمَةِ وإلّا فَهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ في عِلْمٍ أوْ عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِيها كُلِّها، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها فُسِّرَتْ في القُرْآنِ بِأرْبَعَةِ أوْجُهٍ، فَتارَةً بِمَواعِظِ القُرْآنِ، وأُخْرى بِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأسْرارِ، ومَرَّةً بِالعِلْمِ والفَهْمِ، وأُخْرى بِالنُّبُوَّةِ. قِيلَ: ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِالمَقامِ ما يَنْتَظِمُ الأحْكامُ المُبَيِّنَةُ في تَضاعِيفِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أحَدِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، ومَعْنى إيتائِها تَبْيِينُها والتَّوْفِيقُ لِلْعَمَلِ بِها أيْ تَبْيِينُها ويُوَفِّقُ لِلْعِلْمِ والعَمَلِ بِها.
﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ أنْ يُؤْتِيَها إيّاهُ بِمُوجِبِ سِعَةِ فَضْلِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ كَما آتاكم ما بَيَّنَهُ في ضِمْنِ الآيِ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ مَنافِعِكم فاغْتَنَمُوها وسارِعُوا إلى العَمَلِ بِها ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إمّا لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ فَضِيلَةِ مَن نالَ الحِكْمَةَ بِقِطَعِ النَّظَرِ عَنِ الفاعِلِ وإمّا لِتُعَيِّنِ الفاعِلِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ هَذا المَظْهَرِ ولِهَذا قُدِّمَ مِن قَبْلُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ يُؤْتِي عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وجَعَلَ مَن الشَّرْطِيَّةَ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا أوْ مُبْتَدَأً والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ويُؤَيِّدُ الثّانِي قِراءَةُ الأعْمَشِ (ومَن يُؤْتَهُ الحِكْمَةَ).
﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ عَظِيمًا ﴿كَثِيرًا﴾ إذْ قَدْ جُمِعَ لَهُ خَيْرُ الدّارَيْنِ. أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لُقْمانَ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِمُجالَسَةِ العُلَماءِ واسْمَعْ كَلامَ الحُكَماءِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي القَلْبَ المَيِّتَ بِنُورِ الحِكْمَةِ كَما يُحْيِي الأرْضَ المَيْتَةَ بِوابِلِ المَطَرُ» وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا حَسَدَ إلّا في اِثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا فَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بِها ويُعَلِّمُها» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى العِبادَ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُمَيِّزُ العُلَماءَ فَيَقُولُ: يا مَعْشَرَ العُلَماءِ إنِّي لَمْ أضَعْ فِيكم عِلْمِي لِأُعَذِّبَكُمُ اِذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» وفي رِوايَةٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحَكَمِ «أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: «إنِّي لَمْ أجْعَلْ عِلْمِي وحُكْمِي فِيكم إلّا وأنا أُرِيدُ أنْ
صفحة 42
أغْفِرَ لَكم عَلى ما كانَ مِنكم ولا أُبالِي».» وهَذا بِالنِّسْبَةِ إلى حَمَلَةِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي جاءَ بِهِ حَكِيمُ الأنْبِياءِ ونَبِيُّ الحُكَماءِ حَضْرَةُ خاتَمِ الرِّسالَةِ ومُحَدِّدُ جِهاتِ العَدالَةِ والبَسالَةِ ﷺ لا ما ذَهَبَ إلَيْهِ جالِينُوسُ ودِيمُقْراطِيسُ وأفْلاطُونُ وأرُسْطالِيسُ ومَن مَشى عَلى آثارِهِمْ واعْتَكَفَ في رِواقِ أفْكارِهِمْ فَإنَّ الجَهْلَ أوْلى بِكَثِيرٍ مِمّا ذَهَبُوا إلَيْهِ وأسْلَمَ بِمَراتِبَ مِمّا عَوَّلُوا عَلَيْهِ حَتّى إنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ نَهَوْا عَنِ النَّظَرِ في كُتُبِهِمْ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اِسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَوامِعَ كَتَبَها مِنَ التَّوْراةِ لِيَقْرَأها ويَزْدادَ بِها عِلْمًا إلى عِلْمِهِ فَغَضِبَ ولَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وقالَ: ”لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اِتِّباعِي“ وفي رِوايَةٍ ”يَكْفِيكم كِتابُ اللَّهِ تَعالى“» ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ ﷺ لَمْ يُبِحِ اِسْتِعْمالَ الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى هُدى ونُورًا في وقْتٍ كانَتْ فِيهِ أنْوارُ النُّبُوَّةِ ساطِعَةً وسَحائِبُ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ مُنْقَشِعَةً فَكَيْفَ يُباحُ الِاشْتِغالُ بِما وضَعَهُ المُتَخَبِّطُونَ مِن فَلاسِفَةِ اليُونانِ إفْكًا وزُورًا في وقْتٍ كَثُرَتْ فِيهِ الظُّنُونُ وعَظُمَتْ فِيهِ الأوْهامُ وعادَ الإسْلامُ فِيهِ غَرِيبًا، وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى غِنًى عَمّا سِواهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن مَيَّزَ القِشْرَ مِنَ اللَّبابِ والخَطَأ مِنَ الصَّوابِ.
﴿وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [ 269 ] أيْ ما يَتَّعِظُ أوْ ما يَتَفَكَّرُ في الآياتِ إلّا ذَوُو العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ وظُلْمِ اِتِّباعِ الهَوى وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الحِكْمَةَ ولِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَدْحِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ أوِ اِعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: أنَّها اِشْتَمَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ إنْفاقاتٍ مُتَفاضِلَةٍ، الأوَّلُ: الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو إنْفاقٌ في عالَمِ المُلْكِ عَنْ مَقامِ تَجَلِّي الأفْعالِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الخ، والثّانِي: الإنْفاقُ عَنْ مَقامِ مُشاهِدَةِ الصِّفاتِ وهو الإنْفاقُ لِطَلَبِ رِضا اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى:﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ ومِن تَمْثِيلِهِ بِجَنَّةٍ يُعْلَمُ مِقْدارُ فَضْلِهِ عَلى الأوَّلِ المُمَثِّلِ بِحَبَّةٍ، ولَعَلَّ فَضْلَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ كَفَضْلِ الجَنَّةِ عَلى الحَبَّةِ، ومِمّا يَزِيدُ في الفَرْقِ أنَّ الجَنَّةَ مَعَ إيتاءِ أُكُلِها تَبْقى بِحالِها بِخِلافِ الحَبَّةِ، ولِتَأْكِيدِ الإشارَةِ إلى اِرْتِفاعِ رُتْبَةِ هَذا الإنْفاقِ عَلى الأوَّلِ أتى بِالرَّبْوَةِ وهي المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، والثّالِثُ: الإنْفاقُ بِاَللَّهِ تَعالى وهو عَنْ مَقامِ شُهُودِ الذّاتِ وهو إنْفاقُ النَّفْسِ بَعْدَ تَزَكِّيها وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ والنَّفْسُ مُكْتَسِبَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وجَزاءُ الإنْفاقِ الأوَّلِ الإضْعافُ إلى سَبْعِمِائَةٍ وتَزِيدُ لِأنَّ يَدَ الطُّولِ طَوِيلَةٌ، وجَزاءُ الثّانِي الجَنَّةُ الصِّفاتِيَّةُ المُثْمِرَةُ لِلْإضْعافِ؛ وجَزاءُ الثّالِثِ الحِكْمَةُ اللّازِمَةُ لِلْوُجُودِ المَوْهُوبِ بَعْدَ البَذْلِ وهي الخَيْرُ العَظِيمُ الكَثِيرُ لِأنَّها أخَصُّ صِفاتِهِ تَعالى، وصاحِبُ هَذا الإنْفاقِ لا يَزالُ يُنْفِقُ مِنَ الحِكَمِ الإلَهِيَّةِ والعُلُومِ اللَّدُنْيَّةِ لِارْتِفاعِ البَيْنِ وشُهُودِ العَيْنِ وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ في أثْناءِ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْفاقَ يُبْطِلُهُ المَنُّ والأذى لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَحْمُودًا لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: كَوْنُهُ مُوافِقًا لِلْأمْرِ وهو حالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وكَوْنُهُ مُزِيلًا لِرَذائِلِ البُخْلِ وهو حالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُنْفِقِ نَفْسِهِ، وكَوْنُهُ نافِعًا مُرِيحًا وهو حالٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُسْتَحِقِّ، فَإذا مَنَّ صاحِبُهُ وآذى فَقَدْ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى وأتى بِما يُنافِي راحَةَ المُسْتَحِقِّ ونَفْعِهِ وظَهَرَتْ نَفْسُهُ بِالِاسْتِطالَةِ والِاعْتِدادِ والعَجَبِ والِاحْتِجابِ بِفِعْلِها ورُؤْيَةِ النِّعْمَةِ مِنها لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّها رَذائِلُ أرْدَأُ مِنَ البُخْلِ ولِهَذا كانَ القَوْلُ الجَمِيلُ خَيْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ المَتْبُوعَةِ بِالأذى بَلْ لا نِسْبَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences