Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:275–280

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:275–280

2:275Page 47

ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥

Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ أيْ يَأْخُذُونَهُ فَيَعُمُّ سائِرَ أنْواعِ الِانْتِفاعِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالأكْلِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما قُصِدَ بِهِ، والرِّبا في الأصْلِ الزِّيادَةُ مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، وفي الشَّرْعِ عِبارَةً عَنْ فَضْلِ مالٍ لا يُقابِلُهُ عِوَضٍ في مُعاوَضَةِ مالٍ بِمالٍ وإنَّما يُكْتَبُ بِالواوِ كالصَّلاةِ لِلتَّفْخِيمِ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ وزِيدَتِ الألْفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ فَصارَ اللَّفْظُ بِهِ عَلى طِبْقِ المَعْنى في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُشْتَمِلًا عَلى زِيادَةٍ غَيْرِ مُسْتَحَقَّةٍ، فَأخَذَ لَفْظُ الرِّبا الحَرْفَ الزّائِدَ وهو الألْفُ بِسَبَبِ اللَّفْظِ الَّذِي يُشابِهُهُ وهو واوُ الجَمْعِ حَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ الألْفُ كَما يَأْخُذُ مَعْنى لَفْظِ الرِّبا بِمُشابَهَتِهِ مَعْنى لَفْظِ البَيْعِ لِاشْتِمالِ المَعْنَيَيْنِ عَلى مُعاوَضَةِ المالِ بِالمالِ بِالرِّضا، وإنْ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ أزِيدَ، وقِيلَ: الكِتابَةُ بِالواوِ والألِفِ لِأنَّ لِلَّفْظِ نَصِيبًا مِنهُما، وإنَّما لَمْ تَكْتُبِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ بِهِما لِئَلّا يَكُونُ في مَظِنَّةِ الِالتِباسِ بِالجَمْعِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهم تَعَلَّمُوا الخَطَّ مِن أهْلِ الحَيْرَةِ وهم نَبَطٌ لُغَتُهم رَبُوا بِواوٍ ساكِنَةٍ فَكُتِبَ كَذَلِكَ، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ كِتابَتَهُ وكَذا تَثْنِيَتُهُ بِالياءِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي في أوَّلِهِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وهو خَطَأٌ عِنْدِنا.

﴿لا يَقُومُونَ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ وبِهِ قُرِئَ كَما في «اَلدُّرِّ المَنثُورِ»

صفحة 49

﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ إلّا قِيامًا كَقِيامِ المُتَخَبِّطِ المَصْرُوعِ في الدُّنْيا، والتَّخَبُّطُ تَفَعُّلٌ بِمَعْنى فَعْلٍ وأصْلُهُ ضَرْبٌ مُتَوالٍ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ كُلِّ ضَرْبٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ، وقِيامُ المُرابِي يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيّاكَ والذُّنُوبَ الَّتِي لا تُغْفَرُ، الغُلُولُ فَمَن غَلَّ شَيْئًا أتى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأكْلُ الرِّبا فَمِن أكْلِ الرِّبا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مَجْنُونًا يَتَخَبَّطُ ”ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ،» وهو مِمّا لا يُحِيلُهُ العَقْلُ ولا يَمْنَعُهُ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ عَلامَةً لَهُ يُعْرَفُ بِها يَوْمَ الجَمْعِ الأعْظَمِ عُقُوبَةً لَهُ كَما جَعَلَ لِبَعْضِ المُطِيعِينَ أمارَةً تَلِيقُ بِهِ يُعْرَفُ بِها كَرامَةً لَهُ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ تَشْبِيهُ المُرابِي في حِرْصِهِ وتَحَرُّكِهِ في اِكْتِسابِهِ في الدُّنْيا بِالمُتَخَبِّطِ المَصْرُوعِ كَما يُقالُ لِمَن يُسْرِعُ بِحَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: قَدْ جُنَّ، ولا يَخْفى أنَّهُ مُصادَمَةٌ لِما عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن غَيْرِ داعٍ سِوى الِاسْتِبْعادِ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ.

﴿مِنَ المَسِّ﴾ أيِ الجُنُونِ، يُقالُ: مُسَّ الرَّجُلُ فَهو مَمْسُوسٌ إذا جُنَّ وأصْلُهُ اللَّمْسُ بِاليَدِ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَمَسُّ الرَّجُلَ وأخْلاطُهُ مُسْتَعِدَّةٌ لِلْفَسادِ فَتَفْسَدُ ويَحْدُثُ الجُنُونُ، وهَذا لا يُنافِي ما ذَكَرَهُ الأطِبّاءُ مِن أنَّ ذَلِكَ مِن غَلَبَةِ مُرَّةِ السَّوْداءِ لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ سَبَبٌ قَرِيبٌ وما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ سَبَبٌ بَعِيدٌ ولَيْسَ بِمُطَّرِدٍ أيْضًا بَلْ ولا مُنْعَكِسٍ فَقَدْ يَحْصُلُ مَسٌّ ولا يَحْصُلُ جُنُونٌ كَما إذا كانَ المِزاجُ قَوِيًّا وقَدْ يَحْصُلُ جُنُونٌ ولَمْ يَحْصُلْ مَسٌّ كَما إذا فَسَدَ المِزاجُ مِن دُونِ عُرُوضِ أجْنَبِيٍّ، والجُنُونُ الحاصِلُ بِالمَسِّ قَدْ يَقَعُ أحْيانًا، ولَهُ عِنْدُ أهْلِ الحاذِقِينَ أماراتٌ يَعْرِفُونَهُ بِها، وقَدْ يَدْخُلُ في بَعْضِ الأجْسادِ عَلى بَعْضِ الكَيْفِيّاتِ رِيحٌ مُتَعَفِّنٌ تَعَلَّقَتْ بِهِ رُوحٌ خَبِيثَةٌ تُناسِبُهُ فَيَحْدُثُ الجُنُونُ أيْضًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ ورُبَّما اِسْتَوْلى ذَلِكَ البُخارُ عَلى الحَواسِّ وعَطَّلَها، واسْتَقَلَّتْ تِلْكَ الرُّوحُ الخَبِيثَةُ بِالتَّصَرُّفِ فَتَتَكَلَّمُ وتَبْطِشُ وتَسْعى بِآلاتِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي قامَتْ بِهِ مِن غَيْرِ شُعُورٍ لِلشَّخْصِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهَذا كالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ الَّذِي يَكادُ يُعَدُّ مُنْكِرُهُ مُكابِرًا مُنْكِرًا لِلْمُشاهَداتِ.

وقالَ المُعْتَزِلَةُ والقَفّالُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ: إنَّ كَوْنَ الصَّرَعِ والجُنُونِ مِنَ الشَّيْطانِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ و(ما) هُنا وارِدٌ عَلى ما يَزْعُمُهُ العَرَبُ ويَعْتَقِدُونَهُ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ وأنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ ولَيْسَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ هو مِن تَخَبُّطِ الشَّيْطانِ بِقائِلِهِ ومِن زَعَماتِهِ المَرْدُودَةِ بِقَواطِعِ الشَّرْعِ، فَقَدْ ورَدَ «“ ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا يَمَسُّهُ الشَّيْطانُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا ”وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: «إلّا طَعَنَ الشَّيْطانُ في خاصِرَتِهِ»» ومِن ذَلِكَ يَسْتَهِلُّ صارِخًا إلّا مَرْيَمَ وابْنَها لِقَوْلِ أُمِّها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وقَوْلُهُ ﷺ: «“ كُفُّوا صِبْيانَكم أوَّلَ العَشاءِ فَإنَّهُ وقْتُ اِنْتِشارِ الشَّياطِينِ» وقَدْ ”ورَدَ في حَدِيثِ المَفْقُودِ الَّذِي اِخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ ورَدَّتْهُ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ حَدَثَ مِن شَأْنِهِ مَعَهم قالَ: ««فَجاءَنِي طائِرٌ كَأنَّهُ جَمَلٌ قَبَعْثَرِيٌّ فاحْتَمَلَنِي عَلى خافِيَةٍ مِن خَوافِيهِ“» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ، وفي «لُقَطِ المَرْجانِ في أحْكامِ الجانِّ» كَثِيرٌ مِنها، واعْتِقادُ السَّلَفِ وأهْلِ السُّنَّةِ أنَّ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ أُمُورٌ حَقِيقِيَّةٌ واقِعَةٌ كَما أخْبَرَ الشَّرْعُ عَنْها، والتِزامُ تَأْوِيلِها كُلِّها يَسْتَلْزِمُ خَبْطًا طَوِيلًا لا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا المُعْتَزِلَةُ ومَن حَذا حَذْوَهم وبِذَلِكَ ونَحْوِهِ خَرَجُوا عَنْ قَواعِدِ الشَّرْعِ القَوِيمِ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفِكُونَ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرُوها في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى مُدَعّاهم لا تَدُلُّ عَلَيْهِ إذِ السُّلْطانُ المَنفِيُّ فِيها إنَّما

صفحة 50

هُوَ القَهْرُ والإلْجاءُ إلى مُتابَعَتِهِ لا التَّعَرُّضُ لِلْإيذاءِ والتَّصَدِّي لِما يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ الهَلاكُ، ومَن تَتَبَّعَ الأخْبارَ النَّبَوِيَّةَ وجَدَ الكَثِيرَ مِنها قاطِعًا بِجَوازِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ بَلْ وُقُوعِهِ بِالفِعْلِ، وخَبَرُ ««اَلطّاعُونُ مِن وخْزِ أعْدائِكُمُ الجِنِّ»» صَرِيحٌ في ذَلِكَ، وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ مَشايِخِنا المُتَأخِّرِينَ عَلى نَحْوِ ما حَمَلْنا عَلَيْهِ مَسْألَةَ التَّخَبُّطِ والمَسِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ الهَواءَ إذا تَعَفَّنَ تَعَفُّنًا مَخْصُوصًا مُسْتَعِدًّا لِلْخَلْطِ والتَّكْوِينِ تَنْفَرِزُ مِنهُ وتَنْحازُ أجْزاءٌ سَمِيَّةٌ باقِيَةٌ عَلى هَوائِيَّتِها أوْ مُنْقَلِبَةٌ بِأجْزاءٍ نارِيَّةٍ مُحْرِقَةٍ فَيَتَعَلَّقُ بِها رُوحٌ خَبِيثَةٌ تُناسِبُها في الشَّرارَةِ وذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الجِنِّ فَإنَّها عَلى ما عُرِفَ في الكَلامِ أجْسامٌ حَيَّةٌ لا تُرى؛ إمّا الغالِبُ عَلَيْها الهَوائِيَّةُ أوِ النّارِيَّةُ، ولَها أنْواعٌ عُقَلاءُ وغَيْرُ عُقَلاءَ تَتَوالَدُ وتَتَكَوَّنُ، فَإذا نَزَلَ واحِدٌ مِنها طَبْعًا أوْ إرادَةً عَلى شَخْصٍ أوْ نَفَذَ في مَنافِذِهِ، أوْ ضَرَبَ وطَعَنَ نَفْسَهُ بِهِ يَحْصُلُ فِيهِ بِحَسَبِ ما في ذَلِكَ الشَّرِّ مِنَ القُوَّةِ السَّمِيَّةِ وما في الشَّخْصِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِلتَّأثُّرِ مِنهُ كَما هو مُقْتَضى الأسْبابِ العادِيَّةِ في المُسَبِّباتِ ألَمٌ شَدِيدٌ مُهْلِكٌ غالِبًا مَظْهَرٌ لِلدَّمامِيلِ والبَثَراتِ في الأكْثَرِ بِسَبَبِ إفْسادِهِ لِلْمِزاجِ المُسْتَعِدِّ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأقْوالِ في هَذا البابِ وهو تَحْقِيقٌ حَسَنٌ لَمْ نَجِدْهُ لِغَيْرِهِ كَما لَمْ نَجِدْ ما حَقَّقْناهُ في شَأْنِ اِلْمَسِّ لِأحَدٍ سِوانا فَلْيُحْفَظْ.

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِناءً عَلى أنَّ ما قَبْلَ (إلّا) يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا كانَ ظَرْفًا كَما في «اَلدُّرِّ المَصُونِ» أيْ لا يَقُومُونَ مِن جِهَةِ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ بِسَبَبِ أكْلِهِمُ الرِّبا أوْ بِ (يَقُومُ) أوْ بِ (يَتَخَبَّطُهُ) .

(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الأكْلِ أوْ إلى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ ﴿بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أرادُوا نَظْمَهُما في سِلْكٍ واحِدٍ لِإفْضائِهِما إلى الرِّبْحِ فَحَيْثُ حَلَّ بَيْعٌ ما قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمَيْنِ حَلَّ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ إلّا أنَّهم جَعَلُوا الرِّبا أصْلًا في الحِلِّ وشَبَّهُوا البَيْعَ بِهِ رَوْمًا لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ:

ومُهِمُّهُ مُغْبَرَّةٌ أرْجاؤُهُ كَأنَّ (لَوْنَ أرْضِهِ سَماؤُهُ)

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ غَيْرَ مَقْلُوبٍ بِناءً عَلى ما فَهِمُوهُ أنَّ البَيْعَ إنَّما حَلَّ لِأجْلِ الكَسْبِ والفائِدَةِ وذَلِكَ في الرِّبا مُتَحَقِّقٌ وفي غَيْرِهِ مَوْهُومٌ.

﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ وإنْكارًا لِتَسْوِيتِهِمْ، وحاصِلُهُ أنَّ ما ذَكَرْتُمْ قِياسٌ فاسِدُ الوَضْعِ لِأنَّهُ مُعارِضٌ لِلنَّصِّ فَهو مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ عَلى أنَّ بَيْنَ البابَيْنِ فَرْقًا، وهو أنَّ مَن باعَ ثَوْبًا يُساوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدْ جُعِلَ الثَّوْبُ مُقابِلًا لِدِرْهَمَيْنِ فَلا شَيْءَ مِنهُما إلّا وهو في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الثَّوْبِ، وأمّا إذا باعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدْ أخَذَ الدِّرْهَمَ الزّائِدَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ولا يُمْكِنُ جَعْلُ الإمْهالِ عِوَضًا إذِ الإمْهالُ لَيْسَ بِمالٍ حَتّى يَكُونَ في مُقابَلَةِ المالِ، وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ أحَدَ الدِّرْهَمَيْنِ في الثّانِي ضائِعٌ حَتْمًا وفي الأوَّلِ مُنْجَبِرٌ بِمِساسِ الحاجَةِ إلى السِّلْعَةِ أوْ بِتَوَقُّعِ رَواجِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الكُفّارِ إنْكارًا لِلشَّرِيعَةِ ورَدًّا لَها أيْ مِثْلَ هَذا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ المُتَماثِلاتِ لا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَهي حِينَئِذٍ حالِيَّةٌ، وفِيها قَدُّ مَقْدِرَةٍ ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ البَيْعِ والرِّبا في كُلِّ بَيْعٍ وفي كُلِّ رِبا إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ البُيُوعِ وإحْلالِ بَعْضِ الرِّبا، وقِيلَ: هُما مُجْمَلانِ فَلا يُقْدَمُ عَلى تَحْلِيلِ بَيْعٍ ولا تَحْرِيمِ رِبًا إلّا بِبَيانٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مِن آخِرِ ما أُنْزِلَ آيَةُ الرِّبا وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها لَنا فَدَعَوا الرِّبا والرِّيبَةَ.

﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ أيْ فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ وزَجْرٌ كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا واسْتِحْلالِهِ، و(مَن)

صفحة 51

شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، و﴿مَوْعِظَةٌ﴾ فاعِلُ جاءَ وسَقَطَتِ التّاءُ لِلْفَصْلِ وكَوْنِ التَّأْنِيثِ مَجازِيًّا مَعَ ما في المَوْعِظَةِ مَعْنًى مِنَ التَّذْكِيرِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ (جاءَتْهُ) بِإلْحاقِ التّاءِ، ﴿مِن رَبِّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (جاءَهُ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْعِظَةٍ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَأْنِيسٌ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ إذْ فِيهِ إشْعارٌ بِإصْلاحِ عَبْدِهِ و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ وحُذِفَ المُضافُ، ﴿فانْتَهى﴾ عُطِفَ عَلى ﴿جاءَهُ﴾ أيْ فاتَّعِظْ بِلا تَراخٍ وتَبِعَ النَّهْيَ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ أخْذُهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ لا يُسْتَرَدُّ مِنهُ، وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ الباقِرِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ فِيما تَقَدَّمَ لَهُ أخَذُهُ مِنَ الرِّبا قَبْلُ، والفاءُ إمّا لِلْجَوابِ أوْ صِلَةٌ في الخَبَرِ، و(ما) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالظَّرْفِ إنْ جُعِلَتْ (مَن) مَوْصُولَةً، وبِالِابْتِداءِ إنْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً عَلى رَأْيِ مَن يَشْتَرِطُ الِاعْتِمادَ، وكَوْنُ المَرْفُوعِ اِسْمُ حَدَثٍ، ومَن لا يَشْتَرِطُهُما يُجَوِّزُ كَوْنَهُ فاعِلَ الظَّرْفِ ﴿وأمْرُهُ﴾ أيِ المُنْتَهى بَعْدَ التَّحْرِيمِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ إنْ شاءَ عَصَمَهُ مِنَ الرِّبا فَلَمْ يَفْعَلْ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ يُجازِيهِ عَلى اِنْتِهائِهِ إنْ كانَ عَنْ قَبُولِ المَوْعِظَةِ وصِدْقِ النِّيَّةِ أوْ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما شاءَ لا اِعْتِراضَ لَكم عَلَيْهِ. ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِما سَلَفَ أوْ لِلرِّبا وكِلاهُما خِلافُ الظّاهِرِ.

﴿ومَن عادَ﴾ أيْ رَجَعَ إلى ما سَلَفَ ذِكْرُهُ مِن فِعْلِ الرِّبا واعْتِقادِ جَوازِهِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ بِقِياسِهِ عَلى البَيْعِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن عادَ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ مُلازِمُوها ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ 275 ] أيْ ماكِثُونَ أبَدًا لِكَفْرِهِمْ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَعَلِّقُ عادَ الرِّبا فاسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ وعَلى ما ذَكَرَنا وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ لا يَبْقى لِلِاسْتِدْلالِ بِها مُساغٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الخُلُودَ لَوْ جُعِلَ جَزاءً لِلِاسْتِحْلالِ بَقِيَ جَزاءُ مُرْتَكِبِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ اِسْتِحْلالٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ أصْلًا لا عِبارَةً ولا إشارَةً مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ الأهَمُّ بِخِلافِ ما لَوْ جُعِلَ ذَلِكَ جَزاءَ أصْلِ الفِعْلِ فَإنَّ المَقْصُودَ يَكُونُ مَذْكُورًا صَرِيحًا مَعَ إفادَتِهِ جَزاءَ الِاسْتِحْلالِ وأنَّهُ أمْرٌ فَوْقَ الخُلُودِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما يُكَفِّرُ مُسْتَحِلَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِن كَبائِرِ المُحَرَّماتِ وجَزاؤُها مَعْلُومٌ ولِذا لَمْ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الجَوابِ: إنَّ جَعْلَ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الأكْلِ كانَ الجَزاءُ القِيامَ المَذْكُورَ مِنَ القُبُورِ إلى المَوْقِفِ وكَفى بِهِ نَكالًا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ حامِلَهم عَلى الأكْلِ كانَ هَذا القَوْلُ فَأشْعَرَ الوَصْفُ أوَّلًا أنَّ الوَعِيدَ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مُوجِبَ اِجْتِرائِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ وعِيدُ كُلِّ آكِلٍ سَواءً كانَ حامِلُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ القَوْلُ أوْ لا.

وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ﴾ فَهو في القائِلِ المُعْتَقِدِ وإنَّ جُعِلَ إشارَةً إلى القِيامِ المَذْكُورِ فالجَزاءُ ما يُفْهَمُ مِن ضَمِّ الفِعْلِ إلى القَوْلِ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ في التَّعْذِيبِ لَمْ يَحْسُنْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُتَعَلِّقَ الرِّبا والآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّغْلِيظِ خِلافُ الظّاهِرِ، فَتَدَبَّرْ.

2:276Page 47

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ يُذْهِبُ بَرَكَتَهُ ويُهْلِكُ المالَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ، أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جُرَيْجٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنِ الرِّبا وإنْ كَثُرَ فَعاقِبَتُهُ تَصِيرُ إلى قِلٍّ،» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: سَمِعْنا أنَّهُ لا يَأْتِي عَلى صاحِبِ الرِّبا أرْبَعُونَ سَنَةً حَتّى يُمْحَقَ، ولَعَلَّ هَذا مَخْرَجُ الغالِبِ، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ هَذا المَحْقَ في الآخِرَةِ بِأنْ يَبْطُلَ ما يَكُونُ مِنهُ مِمّا يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ فَلا يَبْقى

صفحة 52

لِأهْلِهِ مِنهُ شَيْءٌ ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ يُزِيدُها ويُضاعِفُ ثَوابَها ويُكْثِرُ المالَ الَّذِي أُخْرِجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ. أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى إلّا طَيِّبًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلْوَهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ ”،» وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ مِثْلَ ذَلِكَ، والنُّكْتَةُ في الآيَةِ أنَّ المُرَبِّيَ إنَّما يَطْلُبُ في الرِّبا زِيادَةً في المالِ ومانِعُ الصَّدَقَةِ إنَّما يَمْنَعُها لِطَلَبِ زِيادَةِ المالِ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الرِّبا سَبَبُ النُّقْصانِ دُونَ النَّماءِ وأنَّ الصَّدَقَةَ سَبَبُ النَّماءِ دُونَ النُّقْصانِ كَذا قِيلَ وجَعَلُوهُ وجْهًا لِتَعْقِيبِ آياتِ الإنْفاقِ بِآيَةِ الرِّبا.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ لا يَرْتَضِي ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾ مُتَمَسِّكٍ بِالكُفْرِ مُقِيمٍ عَلَيْهِ مُعْتادٍ لَهُ ﴿أثِيمٍ﴾ [ 276 ] مُنْهَمِكٍ في اِرْتِكابِهِ، والآيَةُ لِعُمُومِ السَّلْبِ لا لِسَلْبِ العُمُومِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَظاعَةِ آكِلِ الرِّبا ومُسْتَحِلِّهِ، وقَدْ ورَدَ في شَأْنِ الرِّبا وحْدَهُ ما ورَدَ فَكَيْفَ حالُهُ مَعَ الِاسْتِحْلالِ؟ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ. فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“ دِرْهَمٌ رِبًا أشَدُّ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن سِتٍّ وثَلاثِينَ زَنْيَةً» وقالَ: «مَن نَبَتَ لَحْمُهُ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ،» وأخْرَجَ اِبْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ الرِّبا سَبْعُونَ بابًا أدْناها مِثْلُ أنْ يَقَعَ الرَّجُلُ عَلى أُمِّهِ وإنَّ أرْبى الرِّبا اِسْتِطالَةُ المَرْءِ في عِرْضِ أخِيهِ“،» وأخْرَجَ جَمِيلُ بْنُ دَرّاجٍ عَنِ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «دِرْهَمٌ رِبًا أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن سَبْعِينَ زَنْيَةً كُلُّها بِذاتِ مَحْرَمٍ في بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ». وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: «”لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الرِّبا خَمْسَةً آكِلَهُ ومُوكِلَهُ وشاهِدَيْهِ وكاتِبَهُ“».

2:277Page 47

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما وجَبَ الإيمانُ بِهِ ﴿وعَمِلُوا﴾ الأعْمالَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ تَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ مَعَ اِنْدِراجِهِما في الأعْمالِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ فَضْلِهِما، فَإنَّ الأُولى: أعْظَمُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والثّانِيَةَ: أفْضَلُ الأعْمالِ المالِيَّةِ، ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ المَوْعُودُ لَهم حالَ كَوْنِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مَزِيدُ لُطْفٍ وتَشْرِيفٍ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ 277 ] لِوُفُورِ حَظِّهِمْ.

2:278Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الظّاهِرِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم عِقابَهُ ﴿وذَرُوا﴾ أيِ اُتْرُكُوا ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ لَكم عِنْدَ النّاسِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ 278 ] عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ فَإنَّ دَلِيلَهُ اِمْتِثالُ ما أُمِرْتُمْ بِهِ وهو شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ ثِقَةً بِما قَبْلَهُ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (بَقِيَ)، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِ (بَقِيَ) وقَرَأ الحَسَنُ بَقى بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ، والآيَةُ كَما قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اِبْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ورَجُلٍ مِن بَنِي المُغِيرَةِ كانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسَلِّفانِ في الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثَقِيفٍ مِن بَنِي عَمْرَةَ وهم بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الرِّبا فَتَرَكُوها حِينَ نَزَلَتْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ الثَّقَفِيِّ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو ورَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو وحَبِيبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكُلُّهم أُخْوَةٌ وهُمُ الطّالِبُونَ، والمَطْلُوبُونَ

صفحة 53

بَنُو المُغِيرَةِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ وكانُوا يُدايِنُونَ بَنِي المُغِيرَةِ في الجاهِلِيَّةِ بِالرِّبا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ صالَحَ ثَقِيفًا فَطَلَبُوا رِباهم إلى بَنِي المُغِيرَةِ وكانَ مالًا عَظِيمًا فَقالَ بَنُو المُغِيرَةِ: واَللَّهِ لا نُعْطِي الرِّبا في الإسْلامِ وقَدْ وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَنِ المُسْلِمِينَ فَعَرَّفُوا شَأْنَهم مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ ويُقالُ عِتابَ بْنَ أُسَيْدٍ، فَكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَطْلُبُونَ رِباهم عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنْ أعْرِضْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ فَإنْ فَعَلُوا فَلَهم رُؤُوسُ أمْوالِهِمْ وإنْ أبَوْا فَآذِنْهم بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾».

2:279Page 47

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ وتَرْكِ البَقايا إمّا مَعَ إنْكارِ حُرْمَتِهِ وإمّا مَعَ الِاعْتِرافِ ﴿فَأْذَنُوا﴾ أيْ فَأيْقَنُوا، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهو كَحَرْبِ المُرْتَدِّينَ عَلى الأوَّلِ وكَحَرْبِ البُغاةِ عَلى الثّانِي، وقِيلَ: لا حَرْبٌ حَقِيقَةٌ وإنَّما هو تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ اِبْنِ عَيّاشٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ أيْ فَأعْلِمُوا بِها أنْفُسَكم أوْ بَعْضَكم بَعْضًا أوْ غَيْرَكُمْ، وهَذا مُسْتَلْزِمٌ لِعِلْمِهِمْ بِالحَرْبِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وتَنْكِيرُ حَرْبٍ لِلتَّعْظِيمِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ بِحَرْبِ اللَّهِ تَعالى بِالإضافَةِ، أخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ ثَقِيفٌ لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ.

﴿وإنْ تُبْتُمْ﴾ عَمّا يُوجِبُ الحَرْبَ ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ تَأْخُذُونَها لا غَيْرَ ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ [ 279 ] أنْتُمْ مَن قَبْلَهم بِالنَّقْصِ مِن رَأْسِ المالِ أوْ بِهِ وبِنَحْوِ المَطْلِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ لا تَظْلِمُونَ الأوَّلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والثّانِي بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى عَكْسِ القِراءَةِ الأُولى، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ وهو الظّاهِرُ، وإمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَكُمْ) والعامِلُ ما تَضَمَّنَهُ الجارُّ مِنَ الِاسْتِقْرارِ لِوُقُوعِهِ خَبَرًا وهو رَأْيُ الأخْفَشِ، ومِن ضَرُورَةِ تَعْلِيقِ هَذا الحُكْمِ بِتَوْبَتِهِمْ عَدَمُ ثُبُوتِهِ عِنْدَ عَدَمِها لِأنَّ عَدَمَها إنْ كانَ مَعَ إنْكارِ الحُرْمَةِ فَهُمُ المُرْتَدُونَ ومالَهُمُ المَكْسُوبُ في حالِ الرِّدَّةِ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكَذا سائِرُ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعِنْدَنا هو لِوَرَثَتِهِمْ ولا شَيْءَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ وإنْ كانَ مَعَ الِاعْتِرافِ فَإنْ كانَ لَهم شَوْكَةٌ فَهم عَلى شَرَفِ القَتْلِ لَمْ يَكَدْ تَسْلَمُ لَهم رُؤُوسُهم فَكَيْفَ بِرُؤُوسِ أمْوالِهِمْ وإلّا فَكَذَلِكَ عِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن كانَ مُقِيمًا عَلى الرِّبا لا يَنْزِعُ عَنْهُ فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضُرِبَ عُنُقُهُ، ومِثْلُهُ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأمّا عِنْدَ غَيْرِهِما فَهم مَحْبُوسُونَ إلى أنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهم ولا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ رَأْسًا فَما لَمْ يَتُوبُوا لَمْ يُسَلَّمْ لَهم شَيْءٌ مِن أمْوالِهِمْ بَلْ إنَّما يُسَلَّمُ بِمَوْتِهِمْ لِوَرَثَتِهِمْ، قالَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ وغَيْرُهُ: واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُمْتَنِعَ عَنْ أداءِ الدَّيْنِ مَعَ القُدْرَةِ ظالِمٌ يُعاقَبُ بِالحَبْسِ وغَيْرِهِ وقَدْ فَصَّلَ ذَلِكَ الفُقَهاءُ أتَمَّ تَفْصِيلٍ.

2:280Page 47

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أيْ إنْ وقَعَ المَطْلُوبُ ذا إعْسارٍ لِضِيقِ حالٍ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ، وجَوَّزُ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، و(ذُو) اِسْمُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ لَكم عَلَيْهِ حَقٌّ أوْ غَرِيمًا أوْ مِن غُرَمائِكُمْ، وقَرَأ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (ذا عُسْرَةٍ)، وقُرِئَ (ومَن كانَ ذا عُسْرَةٍ) وعَلى القِراءَتَيْنِ (كانَ) ناقِصَةٌ واسْمُها ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ فِيها يَعُودُ لِلْغَرِيمِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما قالَ الكَلْبِيُّ: حِينَ قالَتْ بَنُو المُغِيرَةِ لِبَنِي عَمْرِو

صفحة 54

بْنِ عُمَيْرٍ: نَحْنُ اليَوْمَ أهْلُ عُسْرَةٍ فَأخِّرُونا إلى أنْ تُدْرَكَ الثَّمَرَةُ فَأبَوْا أنْ يُؤَخِّرُوهم.

﴿فَنَظِرَةٌ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ ونَظِرَةٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَعَلَيْكم نَظِرَةٌ أوْ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ فَتَجِبُ نَظِرَةٌ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فالأمْرُ، أوْ فالواجِبُ نَظِرَةٌ، والنَّظِرَةُ كالنَّظْرَةِ بِسُكُونِ الظّاءِ الِانْتِظارُ، والمُرادُ بِهِ الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ، وقَرَأ عَطاءٌ (فَناظِرُهُ) بِإضافَةِ ناظِرٍ إلى ضَمِيرِ ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ أيْ فالمُسْتَحَقُّ ناظِرُهُ أيْ مُنْتَظِرِهِ ومُمْهِلِهِ وصاحِبُ نَظْرَتِهِ عَلى طَرِيقِ لِابْنٍ وتامِرٍ، وعَنْهُ أيْضًا (فَناظِرْهُ) أمْرًا مِنَ المُفاعَلَةِ، أيْ فَسامِحْهُ بِالنَّظِرَةِ ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ أيْ إلى وقْتٍ أوْ وُجُودِ يَسارٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ ونافِعٌ (مَيْسُرَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ وهُما لُغَتانِ كَمُشْرِقَةٍ ومُشْرُقَةٍ، وقُرِئَ بِهِما مُضافَيْنِ بِحَذْفِ التّاءِ وإقامَةِ الإضافَةِ مَقامَها فانْدَفَعَ ما أُورِدَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ مَفْعُلًا بِالضَّمِّ مَعْدُومٌ أوْ، شاذٌّ وحاصِلُهُ أنَّها مَفْعُلَةٌ لا مَفْعُلٌ، وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّهُ مَعْدُومٌ في الآحادِ وهَذا جَمْعُ مَيْسُرَةٍ كَما قِيلَ في مَكْرَمٍ جَمْعِ مَكْرُمَةٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ مَيْسُورَةٌ فَخُفِّفَتْ بِحَذْفِ الواوِ بِدَلالَةِ الضَّمَّةِ عَلَيْها.

﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَصَدَّقُوا فَقُلِبَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ صادًا وأُدْغِمَتْ أيْ وتَصَدُّقُكم عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِرُؤُوسِ أمْوالِكم كُلًّا أوْ بَعْضًا ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الإنْظارِ، أوْ خَيْرٌ مِمّا تَأْخُذُونَهُ لِنَفادِ ذَلِكَ وبَقاءِ هَذا. أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: النَّظِرَةُ واجِبَةٌ وخَيْرُ اللَّهِ تَعالى الصَّدَقَةُ عَلى النَّظِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ الإنْظارُ لِما أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ حَقٌّ فَأخَّرَهُ كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» وضَعَّفَهُ الإمامُ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْمَأْثُورِ بِأنَّ وُجُوبَ الإنْظارِ ثَبَتَ بِالآيَةِ الأُولى فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ وبِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالواجِبِ بَلْ بِالمَندُوبِ.

واسْتَدَلَّ بِإطْلاقِ الآيَةِ مَن قالَ بِوُجُوبِ إنْظارِ المُعْسِرِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ الدَّيْنُ دَيْنُ رَبًا أمْ لا وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والحَسَنُ والضَّحّاكُ وأئِمَّةُ أهْلِ البَيْتِ، وذَهَبَ شُرَيْحٌ وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في رِوايَةٍ عَنْهُ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ إلّا في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً وتَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ.

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ 280 ] جَوابُ (إنَّ) مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمُوهُ وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى الفِعْلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском