Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:62–65

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:62–65

2:62Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ إلى ذِكْرِ وعِيدِ أهْلِ الكِتابِ قَرَنَ بِهِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وبِهَذا يَتَّضِحُ وجْهُ تَوْسِيطِ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها بَيْنَ تَعْدادِ النِّعَمِ، وفي المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا هُنا أقْوالٌ، والمَرْوِيُّ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ بِدَلِيلِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ الكَفَرَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ دُونَ عُنْوانِ النِّفاقِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ المَرْتَبَةَ، وإنْ عَبَّرَ عَنْها بِالإيمانِ لا تُجِدِيهِمْ نَفْعًا ولا تُنْقِذُهم مِن ورْطَةِ الكُفْرِ قَطْعًا، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ الحَنِيفِيُّونَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقِ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، ومَن لَحِقَهُ كَأبِي ذَرٍّ وبَحِيرى، ووَفْدِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ كانُوا يَنْتَظِرُونَ البَعْثَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعِيسى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُوسى إلى أنْ جاءَ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَآمَنُوا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهم أصْحابُ سَلْمانَ الَّذِينَ قَصَّ حَدِيثَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ لَهُ: «(هم في النّارِ)،» فَأظْلَمَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ كَما رَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآيَةُ إلى (يَحْزَنُونَ)، قالَ سَلْمانُ: فَكَأنَّما كُشِفَ عَنِّي جَبَلٌ، وقِيلَ: إنَّهُمُ المُتَدَيِّنُونَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخْلِصِينَ، أوْ مُنافِقِينَ، واخْتارَهُ القاضِي، وكانَ سَبَبُ الِاخْتِلافِ قَوْلَهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن أحَدِهِما غَيْرَ المُرادِ مِنَ الآخَرِ، وأقَلُّ الأقْوالِ مُؤْنَةً أوَّلُها، ”الَّذِينَ هادَوْا“ أيْ تَهَوَّدُوا، يُقالُ هادَ وتَهَوَّدَ إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ، ويَهُودُ إمّا عَرَبِيٌّ مِن هادَ إذا تابَ سُمُّوا بِذَلِكَ لَمّا تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ كَوْنُ تَوْبَتِهِمْ أشَقَّ الأعْمالِ كَما مَرَّ، وإمّا مُعَرَّبُ يَهُوذا بِذالٍ مُعْجَمَةٍ وألِفٍ مَقْصُورَةٍ، كَأنَّهم سُمُّوا بِأكْبَرِ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ (هادَوْا) بِفَتْحِ الدّالِ أيْ مالَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، والنَّصارى جَمْعُ نَصْرانٍ بِمَعْنى نَصْرانِيٍّ، ووَرَدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنْ أنْكَرَهُ البَعْضُ كَقَوْلِهِ:

تَراهُ إذا دارَ العَشِيَّ مُحَنِّفًا ويَضْحى لَدَيْهِ وهو نَصْرانٌ شامِسُ

ويُقالُ في المُؤَنَّثِ نَصْرانٌ، كَنَدْمانٍ ونَدْمانَةٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وأُنْشِدَ: كَما سَجَدَتْ نْصَرانَةٌ لَمْ تُحَنِّفِ

والياءُ في نَصْرانِيٍّ عِنْدَهُ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُقالُ لِلْأحْمَرِ أحْمَرِيٌّ إشارَةً إلى أنَّهُ عَرِيقٌ في وصْفِهِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْفَرْقِ بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ، كَزِنْجٍ وزِنْجِيٍّ، ورُومٍ ورُومِيٍّ، وقِيلَ: النَّصارى جَمْعُ نَصْرى كَمَهْرى ومَهارى حُذِفَتْ إحْدى ياءَيْهِ، وقُلِبَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً لِلتَّخْفِيفِ، فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الخَلِيلُ، وهو اسْمٌ لِأصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم

صفحة 279

نَصَرُوهُ، أوْ لِنَصْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِدَ في بَيْتِ لَحْمٍ بِالقُدْسِ، ثُمَّ سارَتْ بِهِ أُمُّهُ إلى مِصْرَ، ولَمّا بَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً عادَتْ بِهِ إلى الشّامِ، وأقامَتْ بِقَرْيَةِ ناصِرَةَ، وقِيلَ: نَصْرايا، وقِيلَ: نَصْرى، وقِيلَ: نَصْرانَةَ، وقِيلَ: نَصْرانَ، وعَلَيْهِ الجَوْهَرِيُّ، فَسُمِّيَ مَن مَعَهُ بِاسْمِها، أوْ أُخِذَ لَهُمُ اسْمٌ مِنها، والصّابِئِينَ هم قَوْمٌ مَدارُ مَذاهِبِهِمْ عَلى التَّعَصُّبِ لِلرُّوحانِيِّينَ، واتِّخاذِهِمْ وسائِطَ، ولَمّا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمُ التَّقَرُّبُ إلَيْها بِأعْيانِها، والتَّلَقِّي مِنها بِذَواتِها، فَزِعَتْ جَماعَةٌ مِنهم إلى هَياكِلِها، فَصابِئَةُ الرُّومِ مَفْزَعُها السَّيّاراتُ، وصابِئَةُ الهِنْدِ مَفْزَعُها الثَّوابِتُ، وجَماعَةٌ نَزَلُوا عَنِ الهَياكِلِ إلى الأشْخاصِ الَّتِي لا تَسْمَعُ، ولا تُبْصِرُ، ولا تُغْنِي عَنْ أحَدٍ شَيْئًا، فالفِرْقَةُ الأُولى هم عَبَدَةُ الكَواكِبِ، والثّانِيَةُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ، وكُلٌّ مِن هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ أصْنافٌ شَتّى مُخْتَلِفُونَ في الِاعْتِقاداتِ والتَّعَبُّداتِ، والإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: إنَّهم لَيْسُوا بِعَبَدَةِ أوْثانٍ، وإنَّما يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ كَما تُعَظَّمُ الكَعْبَةُ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مُوَحِّدُونَ يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ ويُقِرُّونَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ كَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهم يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى، ويَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويُصَلُّونَ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ: إلى مَهَبِّ الجَنُوبِ، وقَدْ أخَذُوا مِن كُلِّ دِينٍ شَيْئًا، وفي جَوازِ مُناكَحَتِهِمْ وأكْلِ ذَبائِحِهِمْ كَلامٌ لِلْفُقَهاءِ يُطْلَبُ في مَحَلِّهِ، واخْتُلِفَ في اللَّفْظِ، فَقِيلَ: غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مِن صَبَأ بِالهَمْزِ إذا خَرَجَ، أوْ مِن صَبا مُعْتَلًّا بِمَعْنى مالَ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ ومَيْلِهِمْ إلى الباطِلِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِالياءِ، وذَلِكَ إمّا عَلى الأصْلِ، أوِ الإبْدالِ لِلتَّخْفِيفِ.

﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ والنُّبُوّاتِ وبِالنَّشْأةِ الثّانِيَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وأتى بِعَمَلٍ صالِحٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ بِما ذُكِرَ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أوَّلِ الأقْوالِ، والقائِلُونَ بِآخِرِها مِنهم مَن فَسَّرَ الآيَةَ بِمَنِ اتَّصَفَ مِن أُولَئِكَ بِالإيمانِ الخالِصِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ عَلى الإطْلاقِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلَيْهِ، كَإيمانِ المُخْلِصِينَ، أوْ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وإنْشائِهِ كَإيمانِ مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ، وسائِرِ الطَّوائِفِ، وفائِدَةُ التَّعْمِيمِ لِلْمُخْلِصِينَ مَزِيدُ تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ بِبَيانِ أنَّ تَأخُّرَهم في الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ، ومِنهم مَن فَسَّرَها بِمَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ، فَيَعُمُّ الحُكْمُ المُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ تابُوا واليَهُودَ والنَّصارى الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَّحْرِيفِ والنَّسْخِ والصّابِئِينَ الَّذِينَ ماتُوا زَمَنَ اسْتِقامَةِ أمْرِهِمْ إنْ قِيلَ: إنَّ لَهم دِينًا، وكَذا يَعُمُّ اليَهُودَ والصّابِئِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وماتُوا في زَمَنِهِ، وكَذا مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ الفِرَقِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفائِدَةُ ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى هَذا مَعَ أنَّ الوَعِيدَ السّابِقَ كانَ في اليَهُودِ لِتَسْكِينِ حَمِيَّةِ اليَهُودِ بِتَسْوِيَةِ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ في أنَّ كَوْنَ كُلٍّ في دِينِهِ قَبْلَ النَّسْخِ يُوجِبُ الأجْرَ، وبَعْدَهُ يُوجِبُ الحِرْمانَ، كَما أنَّ ذِكْرَ الصّابِئِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أبْيَنَ المَذْكُورِينَ ضَلالًا يُتابُ عَلَيْهِمْ إذا صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَغَيْرُهم بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وانْفِهامُ قَبْلَ النَّسْخِ مِن ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ إذْ لا صَلاحَ في العَمَلِ بَعْدَهُ، وهَذا هو المُوافِقُ لِسَبَبِ النُّزُولِ، لا سِيَّما عَلى رِوايَةِ أنَّ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حُسْنَ حالِ الرُّهْبانِ الَّذِينَ صَحِبَهُمْ، فَقالَ: «(ماتُوا وهم في النّارِ)،» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(مَن ماتَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِي فَهو عَلى خَيْرٍ، ومَن سَمِعَ ولَمْ يُؤْمِن بِي فَقَدْ هَلَكَ)».

والمُناسِبُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وعَدَمِ صَرْفِهِ إلى تَخْصِيصِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى﴾ بِالكَفَرَةِ مِنهم

صفحة 280

وتَخْصِيصِ ﴿مَن آمَنَ﴾ إلَخْ، بِالدُّخُولِ في مِلَّةِ الإسْلامِ، إلّا أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ أنْ يَكُونَ لِلصّابِئِينَ دِينٌ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ لَهم دِينٌ تَجُوزُ رِعايَتُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَفي (المِلَلِ والنِّحَلِ) أنَّ الصَّبْوَةَ في مُقابَلَةِ الحَنِيفِيَّةِ، ولِمَيْلِ هَؤُلاءِ عَنْ سُنَنِ الحَقِّ وزَيْغِهِمْ عَنْ نَهْجِ الأنْبِياءِ، قِيلَ لَهُمُ: الصّابِئَةُ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ كانَ لَهم دِينٌ سَماوِيٌّ، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْهُ فَمَن مَضى مِن أهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنهُ لَيْسُوا مِنَ الصّابِئِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها إلَيْهِمْ، عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ، وارْتِكابُ إرْجاعِهِ إلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ قَصْدًا إلى إدْراجِ الفَرِيقِ المَذْكُورِ فِيهِمْ ضَرُورَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ قَبْلَ نَسْخِهِ مِن مَجْمُوعِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ بِحُكْمِ اشْتِمالِهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصّابِئِينَ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ ! عَلى أنَّ فِيهِ بَعْدُ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ، (ومَن) مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والخَبَرُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ودَخَلَتِ الفاءُ لِتُضَمِّنَ المُبْتَدَأ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ الآيَةَ، وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وفي خَبَرِها خِلافٌ، هَلِ الشَّرْطُ أوِ الجَزاءُ أوْ هُما، وجُمْلَةُ ﴿مَن آمَنَ﴾ إلَخْ، خَبَرُ (إنَّ)؟ فَإنْ كانَتْ (مَن) مَوْصُولَةً وهو الشّائِعُ هُنا احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مِنهم عائِدًا، وإنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً لَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْدِيرِهِ، إذِ العُمُومُ يُغْنِي عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ وغَيْرُهم إذا آمَنُوا فَلَهم إلَخْ، عَلى ما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ (مَن) بَدَلًا مِنِ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرُها ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّها بَدَلٌ مِنَ المَعاطِيفِ الَّتِي بَعْدَ اسْمِ (إنَّ) فَيَصِحُّ إذْ ذاكَ المَعْنى، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِن غَيْرِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ومَن آمَنَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ فَلَهُمْ، إلَخْ، وقَدْ حُمِلَتِ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ، كَما أنَّ إفْرادَ ما في الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وفي البَحْرِ: إنَّ هَذَيْنِ الحَمْلَيْنِ لا يَتِمّانِ إلّا بِإعْرابٍ (مَن) مُبْتَدَأً، وأمّا عَلى إعْرابِها بَدَلًا، فَلَيْسَ فِيها إلّا حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ فَقَطْ، فافْهَمْ.

ثُمَّ المُرادُ مِنَ الأجْرِ الثَّوابُ الَّذِي وُعِدُوهُ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإضافَتُهُ إلَيْهِمْ واخْتِصاصُهُ بِهِمْ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ، لا بِالِاسْتِيجابِ كَما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رِعايَةً لِلِاعْتِزالِ، لَكِنَّ تَسْمِيَتَهُ أجْرًا لِعَدَمِ التَّخَلُّفِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ المُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يَضِيعُ، لِأنَّهُ عِنْدَ لَطِيفٍ حَفِيظٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَهُمْ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (أجْرِهِمْ).

﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِها في آخِرِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ هُنا،

2:63Page 10

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَتِهِمْ، والظّاهِرُ مِنَ المِيثاقِ هُنا العَهْدُ، ولَمْ يَقُلْ: مَواثِيقَكُمْ، لِأنَّ ما أُخِذَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أُخِذَ عَلى غَيْرِهِ، فَكانَ مِيثاقًا واحِدًا، ولَعَلَّهُ كانَ بِالِانْقِيادِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتُلِفَ في أنَّهُ مَتى كانَ؟ فَقِيلَ: قَبْلَ رَفْعِ الطُّورِ، ثُمَّ لَمّا نَقَضُوهُ رُفِعَ فَوْقَهم لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ، وقِيلَ: لِلْحالِ، والطُّورُ قِيلَ: جَبَلٌ مِنَ الجِبالِ وهو سُرْيانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وقِيلَ: الجَبَلُ المُعَيَّنُ، وعَنْ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ، وما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ جِبْرِيلَ بِقَلْعِ الطُّورِ، فَظَلَّلَهُ فَوْقَهم حَتّى قَبِلُوا، وكانَ عَلى قَدْرِ عَسْكَرِهِمْ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، ورُفِعَ فَوْقَهم قَدْرَ قامَةِ الرَّجُلِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى الإلْجاءِ

صفحة 281

إلى الإيمانِ، فَيُنافِي التَّكْلِيفَ، وأجابَ الإمامُ بِأنَّهُ لا إلْجاءَ، لِأنَّ الأكْثَرَ فِيهِ خَوْفُ السُّقُوطِ عَلَيْهِمْ، فَإذا اسْتَمَرَّ في مَكانِهِ مُدَّةً، وقَدْ شاهَدُوا السَّماواتِ مَرْفُوعَةً بِلا عِمادٍ، جازَ أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ الخَوْفُ، فَيَزُولُ الإلْجاءُ ويَبْقى التَّكْلِيفُ، وقالَ العَلّامَةُ: كَأنَّهُ حَصَلَ لَهم بَعْدَ هَذا الإلْجاءِ قَبُولٌ اخْتِيارِيٌّ، أوْ كانَ يَكْفِي في الأُمَمِ السّالِفَةِ مِثْلُ هَذا الإيمانِ، وفِيهِ كَما قالَ السّالِيكُوتِيُّ: إنَّ الكَلامَ في أنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ (بِخُذُوا) إلَخْ مَعَ القَسْرِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مَبْناهُ عَلى الِاخْتِيارِ، فالحَقُّ أنَّهُ إكْراهٌ لِأنَّهُ حَمْلُ الغَيْرِ عَلى أنْ يَفْعَلَ ما لا يَرْضاهُ، ولا يَخْتارُهُ، لَوْ خُلِّيَ ونَفْسَهُ، فَيَكُونُ مُعْدِمًا لِلرِّضا لا لِلِاخْتِيارِ، إذِ الفِعْلُ يَصْدُرُ بِاخْتِيارِهِ كَما فُصِّلَ في الأُصُولِ، وهَذا كالمُحارَبَةِ مَعَ الكُفّارِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَقَدْ كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِهِ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ قُلْنا أوْ قائِلِينَ (خُذُوا)، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لا يَحْتاجُ إلى إضْمارِهِ، لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ قَوْلٌ، والمَعْنى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا ما آتَيْناكُمْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ هُنا بِالقُوَّةِ الجِدُّ والِاجْتِهادُ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويَؤُولُ إلى عَدَمِ التَّكاسُلِ والتَّغافُلِ، فَحِينَئِذٍ لا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَنِ ادَّعى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، إذْ لا يُقالُ: خُذْ هَذا بِقُوَّةٍ إلّا والقُوَّةُ حاصِلَةٌ فِيهِ، لِأنَّ القُوَّةَ بِهَذا المَعْنى لا تُنْكَرُ صِحَّةُ تَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ، ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيِ ادْرُسُوهُ واحْفَظُوهُ، ولا تَنْسَوْهُ، أوْ تَدَبَّرُوا مَعْناهُ، أوِ اعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، فالذِّكْرُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ والقَلْبِيُّ، والأعَمُّ مِنهُما، وما يَكُونُ كاللّازِمِ لَهُما، والمَقْصُودُ مِنهُما أعْنِي العَمَلَ، ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّرَجِّي في كَلامِهِ تَعالى، وقَدْ ذُكِرَ ها هُنا أنَّ كَلِمَةً (لَعَلَّ) مُتَعَلِّقَةٌ (بِخُذُوا) (واذْكُرُوا)، إمّا مَجازٌ يُؤَوَّلُ مَعْناهُ بَعْدَ الِاسْتِعارَةِ إلى تَعْلِيلِ ذِي الغايَةِ بِغايَتِهِ، أوْ حَقِيقَةٌ لِرَجاءِ المُخاطَبِ، والمَعْنى: خُذُوا واذْكُرُوا راجِينَ أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ، ويُرَجِّحُ المَعْنى المَجازِيُّ أنَّهُ لا مَعْنى لِرَجائِهِمْ فِيما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، أعْنِي التَّقْوى، اللَّهُمَّ إلّا بِاعْتِبارِ تَكَلُّفِ أنَّهم سَمِعُوا مَناقِبَ المُتَّقِينَ، ودَرَجاتِهِمْ، فَلِذا كانُوا راجِينَ لِلِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ، وجَوَّزَ المُعْتَزِلَةُ كَوْنَها مُتَعَلِّقَةً (بِقُلْنا) المُقَدَّرِ، وأوَّلُوا التَّرَجِّيَ بِالإرادَةِ، أيْ قُلْنا: واذْكُرُوا إرادَةَ أنْ تَتَّقُوا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أصْلِهِمُ الفاسِدِ مِن أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِأفْعالِ العِبادِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلصُّدُورِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنِ العِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ، وجَوَّزَ العَلّامَةُ تَعَلُّقَها إذا أُوِّلَ التَّرَجِّي بِالإرادَةِ (بِخُذُوا) أيْضًا عَلى أنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلطَّلَبِ لا لِلْمَطْلُوبِ، وجَوَّزَ الشِّهابُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَوْلِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالطَّلَبِ، والتَّخَلُّفُ فِيهِ جائِزٌ، وفِيهِ إنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ وهو ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ بِعَيْنِهِ طَلَبُ التَّقْوى فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: خُذُوا ما آتَيْناكم طالِبًا مِنكُمُ التَّقْوى إلّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ، فافْهَمْ،

2:64Page 10

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ بَعْدَ أخْذِهِ، وخالَفْتُمْ، وأصْلُ التَّوَلِّي الإعْراضُ المَحْسُوسُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ المَعْنَوِيِّ كَعَدَمِ القَبُولِ، ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُمُ امْتَثَلُوا الأمْرَ ثُمَّ تَرَكُوهُ.

﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الفَضْلُ التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ والرَّحْمَةُ قَبُولُها، أوِ الفَضْلُ والرَّحْمَةُ بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإدْراكُهم لِمُدَّتِهِ، فالخِطابُ عَلى الأوَّلِ جارٍ عَلى سُنَنِ الخِطاباتِ السّابِقَةِ مَجازًا بِاعْتِبارِ الأسْلافِ، وعَلى الثّانِي جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ، والخُسْرانُ ذَهابُ رَأْسِ المالِ، أوْ نَقْصُهُ، والمُرادُ: لَكُنْتُمْ مَغْبُونِينَ هالِكِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي، أوْ بِالخَبْطِ في مَهاوِي الضَّلالِ عِنْدَ الفَتْرَةِ، وكَلِمَةُ (لَوْلا) إمّا بَسِيطَةً أوْ مُرَكَّبَةً مِن (لَوِ) الِامْتِناعِيَّةِ

صفحة 282

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، وحَرْفِ النَّفْيِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا لِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، وسَدَّ الجَوابُ مَسَدَّهُ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ حاصِلانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ خَبْرًا لِكَوْنِهِ في الأغْلَبِ خالِيًا عَنِ العائِدِ إلى المُبْتَدَإ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لَوْلا ثَبَتَ فَضْلُ اللَّهِ تَعالى إلَخْ، ولَكُنْتُمْ جَوابُ لَوْلا، ويَكْثُرُ دُخُولُ اللّامِ عَلى الجَوابِ إذا كانَ مُوجَبًا، وقِيلَ: إنَّهُ لازِمٌ إلّا في الضَّرُورَةِ، كَقَوْلِهِ:

لَوْلا الحَياءُ ولَوْلا الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

وجاءَ في كَلامِهِمْ بَعْدَ اللّامِ (قَدْ) كَقَوْلِهِ:

لَوْلا الأمِيرُ ولَوْلا خَوْفُ طاعَتِهِ ∗∗∗ لَقَدْ شَرِبْتُ وما أحْلى مِنَ العَسَلِ

وقَدْ جاءَ أيْضًا حَذْفُ اللّامِ، وإبْقاءُ قَدْ، نَحْوُ: لَوْلا زَيْدٌ قَدْ أكْرَمْتُكَ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ مُثْبَتًا إلّا بِاللّامِ، إلّا فِيما زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهَمَّ بِها﴾ جَوابُ لَوْلا، قُدِّمَ عَلَيْها هَذا،

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ في الآيَةِ: وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمُ المَأْخُوذُ بِدَلائِلِ العَقْلِ بِتَوْحِيدِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، ورَفَعْنا فَوْقَكم طُورَ الدِّماغِ لِلتَّمَكُّنِ مِن فَهْمِ المَعانِي، وقَبُولِها، أوْ أشارَ سُبْحانَهُ بالطُّورِ إلى مُوسى القَلْبِ، وبِرَفْعِهِ إلى عُلُوِّهِ واسْتِيلائِهِ في جَوِّ الإرْشادِ، وقُلْنا: خُذُوا أيِ اقْبَلُوا، وما آتَيْناكم مِن كِتابِ العَقْلِ الفُرْقانِيِّ بِجِدٍّ، وعُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَعارِفِ والعُلُومِ والشَّرائِعِ لِكَيْ تَتَّقُوا الشِّرْكَ والجَهْلَ والفِسْقَ، ثُمَّ أعْرَضْتُمْ بِإقْبالِكم إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوْلا حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى بِإمْهالِهِ وحُكْمِهِ بِإفْضالِهِ لَعاجَلَتْكُمُ العُقُوبَةُ، ولَحَلَّ بِكم عَظِيمُ المُصِيبَةِ.

إلى اللَّهِ يُدْعى بِالبَراهِينِ مَن أبى فَإنْ لَمْ يُجِبْ بادَتْهُ بِيضُ الصَّوارِمِ

2:65Page 10

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ اللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، وعَلِمَ هُنا كَعَرَفَ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وظاهِرُ هَذا أنَّهم عَلِمُوا أعْيانَ المُعْتَدِينَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُضافًا، أيِ اعْتِداءَ الَّذِينَ، وقِيلَ: أحْكامَهُمْ، (ومِنكُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، والسَّبْتُ اسْمٌ لِلْيَوْمِ المَعْرُوفِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبْتِ الَّذِي هو القَطْعُ، لِأنَّهُ سُبِتَ فِيهِ خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وعَمَلُهُ، وقِيلَ: مِنَ السُّبُوتِ، وهو الرّاحَةُ، والدَّعَةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا اليَوْمُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ في حُكْمِ السَّبْتِ، لِأنَّ الِاعْتِداءَ والتَّجاوُزَ لَمْ يَقَعْ في اليَوْمِ، بَلْ وقَعَ في حُكْمِهِ بِناءً عَلى ما حُكِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ يَوْمًا خالِصًا لِلطّاعَةِ، وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ فَخالَفُوهُ، وقالُوا: نَجْعَلُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ دَعْهُمْ، وما اخْتارُوا، ثُمَّ امْتَحَنَهم فِيهِ، فَأمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ صَيْدَ الحِيتانِ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَدَوْا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً عَلى السّاحِلِ يُقالُ لَها أيْلَةُ، وإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ في البَحْرِ إلّا حُظِرَ هُناكَ، وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ، وإذا مَضى تَفَرَّقَتْ، فَحَفَرُوا حِياضًا، وأشْرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ، وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ بِالمَوْجِ، فَلا تَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ لِبُعْدِ العُمْقِ، وقِلَّةِ الماءِ، فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ، ورُوِيَ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ زَمانًا فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ، فاسْتَبْشَرُوا، وقالُوا: قَدْ أُحِلَّ لَنا العَمَلُ في السَّبْتِ، فاصْطادُوا فِيهِ عَلانِيَةً وباعُوا في الأسْواقِ، وعَلى هَذا يَصِحُّ جَعْلُ اليَوْمِ ظَرْفًا لِلِاعْتِداءِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّبْتِ هُنا مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، ولَيْسَ بِمَعْنى اليَوْمِ، فَحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، إذْ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُمُ اعْتَدَوْا في التَّعْظِيمِ، وهَتَكُوا الحُرْمَةَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ تَسْمِيَةَ العَرَبِ لِلْأيّامِ بِهَذِهِ الأسْماءِ المَشْهُورَةِ حَدَثَتْ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ أسْماءَها قَبْلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ:

صفحة 283

أُؤَمِّلُّ أنْ أعِيشَ وأنَّ يَوْمِي بِأوَّلَ أوْ بِأهْوَنَ أوْ جُبارِ

أوِ التّالِي دُبارٍ فَإنْ أفُتْهُ فَمُونِسٍ ∗∗∗ أوْ عَرُوبَةَ أوْ شِبارِ

واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الحِيَلِ في الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ كالرِّبا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ، فَلا تَجُوزُ عِنْدَهُ بِحالٍ، قالَ الكَواشِيُّ: وجَوَّزَها أكْثَرُهم ما لَمْ يَكُنْ فِيها إبْطالُ حَقٍّ، أوْ إحْقاقُ باطِلٍ، وأجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ فَأنَّها لَيْسَتْ حِيلَةٌ، وإنَّما هي عَيْنُ المَنهِيِّ عَنْهُ، لِأنَّهم إنَّما نُهُوا عَنْ أخْذِها، ولا يَخْفى ما في هَذا الجَوابِ، وتَحْقِيقُهُ في كُتُبِ الفِقْهِ، ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ القِرَدَةُ جَمْعُ قِرْدٍ، وهو مَعْرُوفٌ ويُجْمَعُ فِعْلٌ الِاسْمُ قِياسًا عَلى فُعُولٍ وقَلِيلًا عَلى فِعَلَةٍ، والخُسُوُّ الصَّغارُ والذِّلَّةُ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْكَلْبِ: أخْسَأْ، وقِيلَ: الخُسُوءُ والخَسْأُ مَصْدَرُ خَسَأ الكَلْبُ بَعُدَ، وبَعْضُهم ذَكَرَ الطَّرْدَ عِنْدَ تَفْسِيرِ الخُسُوءِ كالإبْعادِ، فَقِيلَ: هو لِاسْتِيفاءِ مَعْناهُ لا لِبَيانِ المُرادِ، وإلّا لَكانَ الخاسِئُ بِمَعْنى الطّارِدِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ في المَفْهُومِ إلّا أنَّهُ بِالمَعْنى المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وكَذَلِكَ الإبْعادُ، فالخاسِئُ الصّاغِرُ المُبْعَدُ المَطْرُودُ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً عَلى الحَقِيقَةِ، وعَلى ذَلِكَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو الصَّحِيحُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم أنَّهم بَعْدَ أنْ مُسِخُوا لَمْ يَأْكُلُوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، ولَمْ يَتَناسَلُوا، ولَمْ يَعِيشُوا أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم عاشُوا سَبْعَةَ أيّامٍ، وماتُوا في اليَوْمِ الثّامِنِ، واخْتارَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ أنَّهم عاشُوا، وأنَّ القِرَدَةَ المَوْجُودِينَ اليَوْمَ مِن نَسْلِهِمْ، ويَرُدُّهُ ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِمَن سَألَهُ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ أهِيَ مِمّا مُسِخَ؟ (إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)،» ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ ما مُسِخَتْ صُوَرُهم ولَكِنْ مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، فَلا تَقْبَلُ وعْظًا، ولا تَعِي زَجْرًا، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَشْبِيهُهم بِالقِرَدَةِ كَقَوْلِهِ:

إذا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ ولَمْ تَدْرِ ما الهَوى ∗∗∗ فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدا

(وكُونُوا) عَلى الأوَّلِ لَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقَةً لِأنَّ صَيْرُورَتَهم إلى ما ذُكِرَ لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لَهُمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ أعْيانِهِمْ، بَلِ المُرادُ مِنهُ سُرْعَةُ التَّكْوِينِ، وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ، كَما أرادَ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ، ولا لُبْثٍ.

وعَلى الثّانِي يَكُونُ الأمْرُ مَجازًا عَنِ التَّخْلِيَةِ، والتَّرْكِ، والخِذْلانِ، كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(اصْنَعْ ما شِئْتَ)،» وقَدْ قَرَّرَهُ العَلّامَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا﴾ والمَنصُوبانِ خَبَرانِ لِلْفِعْلِ النّاقِصِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ خاسِئِينَ حالًا مِنَ الِاسْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(قِرَدَةً)، والمُرادُ وصْفُهم بِالصَّغارِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنْ يُجْعَلَ مُسْخُهم وتَعْجِيلُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا لِدَفْعِ ذُنُوبِهِمْ، ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ.

واعْتُرِضَ أنَّهُ لَوْ كانَ صِفَةً لَها لَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: خاسِئَةً لِامْتِناعِ الجَمْعِ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ ذَوِي العِلْمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى تَشْبِيهِهِمْ بِالعُقَلاءِ، كَما في ساجِدِينَ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا عُقَلاءَ، أوْ بِأنَّ المَسْخَ إنَّما كانَ بِتَبَدُّلِ الصُّورَةِ فَقَطْ، وحَقِيقَتُهم سالِمَةٌ عَلى ما رُوِيَ أنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَأْتِيهِ الشَّخْصُ مِن أقارِبِهِ الَّذِينَ نَهَوْهم فَيَقُولُ لَهُ: ألَمْ أنْهَكَ؟ فَيَقُولُ: بَلى، ثُمَّ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلى خَدِّهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ في الآيَةِ بِمَسْخِ شَيْءٍ مِنهم خَنازِيرَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الشَّبابَ صارُوا قِرَدَةً، والشُّيُوخَ صارُوا خَنازِيرَ، وما نَجا إلّا الَّذِينَ نَهَوْا، وهَلَكَ سائِرُهُمْ، وقُرِئَ (قَرِدَةً) بِفَتْحِ القافِ، وكَسْرِ الرّاءِ، و(خاسِينَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском