Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:80–82
2:80Page 12
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠
And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"
﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عِنْدَ فَرِيقٍ مِنهُمْ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَلى ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ﴾ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها اعْتِراضٌ لِرَدِّ ما قالُوا حِينَ أُوعِدُوا عَلى ما تَقَدَّمَ بِالوَيْلِ، بَلْ جَمِيعُ الجُمَلِ عِنْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ﴾ إلَخْ ذُكِرَ اسْتِطْرادًا بَيْنَ القِصَّتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ، فالضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى ”الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ“ والمَسُّ اتِّصالُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِآخَرَ عَلى وجْهِ الإحْساسِ والإصابَةِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ كاللَّمْسِ، لَكِنَّ اللَّمْسَ قَدْ يُقالُ لِطَلَبِ الشَّيْءِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ كَقَوْلِهِ:
وألْمَسُهُ فَلا أجِدُهُ.
والمُرادُ مِنَ النّارِ نارُ الآخِرَةِ، ومِنَ المَعْدُودَةِ المَحْصُورَةُ القَلِيلَةُ، وكَنّى بِالمَعْدُودَةِ عَنِ القَلِيلَةِ لِما أنَّ الأعْرابَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالحِسابِ وقَوانِينِهِ تُصُوِّرَ القَلِيلُ مُتَيَسِّرَ العَدَدِ والكَثِيرُ مُتَعَسِّرَهُ، فَقالُوا: شَيْءٌ مَعْدُودٌ، أيْ قَلِيلٌ، وغَيْرُ مَعْدُودٍ أيْ كَثِيرٌ، والقَوْلُ بِأنَّ القِلَّةَ تُسْتَفادُ مِن أنَّ الزَّمانَ إذا كَثُرَ لا يُعَدُّ بِالأيّامِ بَلْ بِالشُّهُورِ والسَّنَةِ والقَرْنِ يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ إلى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”وواعِدُنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً“ ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، ثُمَّ يُنادى: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّهم يُعَذَّبُونَ سَبْعَةَ أيّامٍ، لِكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا يَوْمٌ، وهي سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم زَعَمُوا أنَّهم وجَدُوا مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ: إنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، إلى أنْ يَنْتَهُوا إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمٍ مَسِيرَةَ سَنَةٍ، فَيُكْمِلُونَها، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ حِينَ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ، وسَمِعَهُ المُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ تَبْكِيتٌ لَهُمْ، وتَوْبِيخٌ، والعَهْدُ مَجازٌ عَنْ خَبَرِهِ تَعالى، أوْ وعْدِهِ بِعَدَمِ مِساسِ النّارِ لَهم سِوى الأيّامِ المَعْدُودَةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ عَهْدًا لِأنَّهُ أوْكَدُ مِنَ العُهُودِ المُؤَكَّدَةِ بِالقَسَمِ، والنُّذُرِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ هُنا بِالوَعْدِ مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ فَإنَّ ﴿لَنْ تَمَسَّنا﴾ إلَخْ فَرْعُ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِأنَّ مِساسَ النّارِ وعِيدٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوَعِيدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالِاسْتِفْهامِ الوَعْدُ، لا الوَعِيدُ، فَإنَّهُ ثابِتٌ في حَقِّهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: هَلْ قُلْتُمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وآمَنتُمْ وأطَعْتُمْ، فَتَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ خُرُوجَكم مِنَ النّارِ، ويُؤَوَّلُ إلى: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ بِإظْهارِ الذّالِ، والباقُونَ بِإدْغامِهِ، وحُذِفَتْ مِنَ (اتَّخَذَ) هَمْزَةُ الوَصْلِ لِوُقُوعِها في الدَّرْجِ.
﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلَفَ، وقَدَّرَهُ العَلّامَةُ: إنْ كُنْتُمُ اتَّخَذْتُمْ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ لا يُغَيِّرُ مَعْنًى كانَ، وفِيهِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: لا يَصِحُّ جَعْلُ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾ جَزاءً لِامْتِناعِ السَّبَبِيَّةِ، والتَّرَتُّبِ لِكَوْنِ (لَنْ) لِمَحْضِ الِاسْتِقْبالِ، قُلْتُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ في الفاءِ الفَصِيحَةِ كَقَوْلِهِ:
قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
صفحة 305
ولَوْ سُلِّمَ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلى اتِّخاذِ العَهْدِ الحُكْمُ بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ العَهْدَ فِيما يَسْتَقْبِلُ مِنَ الزَّمانِ فَقَطْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ كَذا أفادَهُ العَلّامَةُ، والجَوابُ الأوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفاءَ الفَصِيحَةَ لا تُنافِي تَقْدِيرَ الشَّرْطِ، وأنَّها تُفِيدُ كَوْنَ مَدْخُولِها سَبَبًا عَنِ المَحْذُوفِ سَواءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، أوْ تَأخَّرَ، لِتَوَقُّفِهِ عَلى أمْرٍ آخَرَ بِدَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: فَقَدْ جِئْنا خُراسانا، عُلِمَ عِنْدَهم في الفَصِيحَةِ مَعَ كَوْنِهِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ، وعَدَمِ التَّرَتُّبِ، كَما في شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ، ومَبْنى الثّانِي عَلى أنَّ المُرادَ حُكْمُهم لا حُكْمُهُ تَعالى حِينَ النُّزُولِ، ولِخَفاءِ ذَلِكَ قالَ المَوْلى عِصامٌ: الأظْهَرُ أنَّهُ دَلِيلُ الجَزاءِ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، أيْ إنْ كُنْتُمُ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا، فَقَدْ نَجَوْتُمْ، لِأنَّهُ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ فافْهَمْ.
ومِنَ النّاسِ مَن لا يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا ويَجْعَلُ الفاءَ سَبَبِيَّةً لِيَكُونَ اتِّخاذُ العَهْدِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ عَدَمُ إخْلافِ اللَّهِ تَعالى عَهْدَهُ، ويَكُونَ المُنَكَّرُ حِينَئِذٍ المَجْمُوعَ، فَتَفَطَّنْ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ اتَّخَذْتُمْ، والمُعادِلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ عَدَمَ الِاخْتِلافَ مِن قَضِيَّةِ الأُلُوهِيَّةِ، والعَهْدُ مُضافٌ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى، لِذَلِكَ أيْضًا، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ عُهُودِهِ لِعُمُومِهِ بِالإضافَةِ، فَيَدْخُلُ العَهْدُ المَعْهُودُ مَعَ التَّجافِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ كَلامِهِمْ، وإنْ كانَ مُعَلَّقًا عَلى اتِّخاذِ المُعَلَّقِ بِحِبالِ العَدَمِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى نَفْيِ الخُلْفِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ بِحَمْلِ العَهْدِ عَلى الخَبَرِ الشّامِلِ لَهُما، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ العَهْدَ ظاهِرٌ في الوَعْدِ، بَلْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيهِ، فَلا دَلِيلَ فِيها عَلى نَفْيِ الخُلْفِ في الوَعِيدِ.
﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً لِلْمُعادَلَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِمَعْنى أيُّ هَذَيْنِ واقِعٌ اتِّخاذُكُمُ العَهْدَ أمْ قَوْلُكم عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، وخُرِّجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ المُتَرَدِّدِ في تَعْيِينِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ لِعِلْمِ المُسْتَفْهِمِ، وهو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوُقُوعِ أحَدِهِما، وهو قَوْلُهُمْ: بِما لا يَعْلَمُونَ، عَلى التَّعْيِينِ، فَلا يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ الواقِعَ بَعْدَ (أمِ) المُتَّصِلَةِ قَدْ يَكُونُ جُمْلَةً، لِأنَّ التَّسْوِيَةَ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ الحُكْمَيْنِ، وبِهَذا صَرَّحَ ابْنُ الحاجِبِ في الإيضاحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أتَقُولُونَ، ومَعْنى بَلْ فِيها الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِنَ التَّوْبِيخِ بِالإنْكارِ عَلى الِاتِّخاذِ إلى ما تُفِيدُ هَمْزَتُها مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى القَوْلِ، وظاهِرُ كَلامِ صاحِبِ المِفْتاحِ تَعَيُّنُ الِانْقِطاعِ حَيْثُ جَعَلَ عَلامَةَ المُنْقَطِعَةِ كَوْنَ ما بَعْدَها جُمْلَةً، وإنَّما عُلِّقَ التَّوْبِيخُ بِإسْنادِهِمْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ مَعَ أنَّ ما أسْنَدُوهُ إلَيْهِ تَعالى مِن قَبِيلِ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ، المُبالَغَةُ في التَّوْبِيخِ، فَإنَّ التَّوْبِيخَ عَلى الأدْنى يَسْتَلْزِمُ التَّوْبِيخَ عَلى الأعْلى، بِطَرِيقِ الأوْلى، وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لا يَكُونُ إلّا بِإسْنادِ سَبَبِهِ إلَيْهِ تَعالى.
2:81Page 12
بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١
Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ، وإبْطالٌ لَهُ عَلى وجْهٍ أعَمَّ شامِلٍ لَهُمْ، ولِسائِرِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ تَمَسُّكم وغَيْرُكم دَهْرًا طَوِيلًا وزَمانًا مَدِيدًا لا كَما تَزْعُمُونَ، ويَكُونُ ثُبُوتُ الكُلِّيَّةِ كالبُرْهانِ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ بِجَعْلِهِ كُبْرى لِصُغْرى سَهْلَةِ الحُصُولِ، فَبَلى داخِلَةٌ عَلى ما ذُكِرَ بَعْدَها، وإيجازُ الِاخْتِصارِ أبْلَغُ مِن إيجازِ الحَذْفِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، وأنَّ المَعْنى عَلى تَمَسُّكِمْ أيّامًا مَعْدُودَةً، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وهي حَرْفُ جَوابٍ كَجَيْرِ ونَعَمْ، إلّا أنَّها لا تَقَعُ جَوابًا إلّا لِنَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ سَواءٌ دَخَلَهُ اسْتِفْهامٌ أمْ لا، فَتَكُونُ إيجابًا لَهُ، وهي بَسِيطَةٌ، وقِيلَ: أصْلُها بَلْ، فَزِيدَتْ عَلَيْها الألِفُ، والكَسْبُ جَلْبُ النَّفْعِ، والسَّيِّئَةُ الفاحِشَةُ المُوجِبَةُ لِلنّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مَن فَسَّرَها بِالكَبِيرَةِ
صفحة 306
لِأنَّها الَّتِي تُوجِبُ النّارَ، أيْ يَسْتَحِقُّ فاعِلُها النّارَ إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّها هُنا الكُفْرُ، وتَعْلِيقُ الكَسْبِ بِالسَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ: إنَّهم بِتَحْصِيلِ السَّيِّئَةِ اسْتَجْلَبُوا نَفْعًا قَلِيلًا فانِيًا، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ أوْقَعَ عَلَيْهِ الكَسْبَ، والمُرادُ بِالإحاطَةِ الِاسْتِيلاءُ، والشُّمُولُ، وعُمُومُ الظّاهِرِ، والباطِنِ، والخَطِيئَةُ السَّيِّئَةُ، وغَلَبَتْ فِيما يُقْصَدُ بِالعَرَضِ، أيْ لا يَكُونُ مَقْصُودًا في نَفْسِهِ، بَلْ يَكُونُ القَصْدُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، لَكِنْ تَوَلَّدَ مِنهُ ذَلِكَ الفِعْلُ كَمَن رَمى صَيْدًا، فَأصابَ إنْسانًا، وشَرِبَ مُسْكِرًا، فَجَنى جِنايَةً، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ولِذَلِكَ أضافَ الإحاطَةَ إلَيْها إشارَةً إلى أنَّ السَّيِّئاتِ بِاعْتِبارِ وصْفِ الإحاطَةِ داخِلَةٌ تَحْتَ القَصْدِ بِالعَرَضِ، لِأنَّها بِسَبَبِ نِسْيانِ التَّوْبَةِ، ولِكَوْنِها راسِخَةً فِيهِ مُتَمَكِّنَةً حالَ الإحاطَةِ أضافَها إلَيْهِ بِخِلافِ حالِ الكَسْبِ، فَإنَّها مُتَعَلِّقُ القَصْدِ بِالذّاتِ، وغَيْرُ حاصِلَةٍ فِيهِ، فَضْلًا عَنِ الرُّسُوخِ، فَلِذا أضافَ الكَسْبَ إلى سَيِّئَةٍ ونَكَّرَها، وإضافَةُ الأصْحابِ إلى النّارِ عَلى مَعْنى المُلازَمَةِ، لِأنَّ الصُّحْبَةَ، وإنْ شَمِلَتِ القَلِيلَ والكَثِيرَ لَكِنَّها في العُرْفِ تُخَصُّ بِالكَثْرَةِ، والمُلازَمَةِ، ولِذا قالُوا: لَوْ حَلَفَ مَن لاقى زَيْدًا أنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ لَمْ يَحْنَثْ، والمُرادُ بِالخُلُودِ الدَّوامُ، ولا حُجَّةَ في الآيَةِ عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، لِأنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ، لِأنَّ غَيْرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوى تَصْدِيقِ قَلْبِهِ، وإقْرارِ لِسانِهِ فَلَمْ تُحِطْ خَطِيئَتُهُ بِهِ، لِكَوْنِ قَلْبِهِ ولِسانِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الخَطِيئَةِ، وهَذا لا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ التَّصْدِيقِ والإقْرارِ حَسَنَتَيْنِ، بَلْ عَلى أنْ لا يَكُونا سَيِّئَتَيْنِ، فَلا يَرِدُ البَحْثُ بِأنَّ الخَصْمَ يَجْعَلُ العَمَلَ شَرْطًا لِكَوْنِهِما حَسَنَتَيْنِ، كَما يَجْعَلُ الِاعْتِقادَ شَرْطًا لِكَوْنِ الأعْمالِ حَسَناتٍ، فَلا يَتِمُّ عِنْدَهُ أنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ، ولا يَحْتاجُ إلى الدَّفْعِ، بِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ في الآيَةِ، وهَذا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الإحاطَةِ مَمْنُوعَةً في غَيْرِ الكافِرِ، فَلَوْ ثَبَتَ أنَّ العَمَلَ داخِلٌ في الإيمانِ صارَتِ الآيَةُ حُجَّةً، ودُونَ إثْباتِهِ خَرْطُ القَتادِ، ثُمَّ أنَّ نَفْيَ الحُجِّيَّةِ بِحَمْلِ الإحاطَةِ عَلى ما ذُكِرَ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ إذا كانَتِ السَّيِّئَةُ والخَطِيئَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو مُطْلَقُ الفاحِشَةِ، أمّا إذا فُسِّرَتِ السَّيِّئَةُ بِالكُفْرِ أوِ الخَطِيئَةِ بِهِ، حَسْبَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي وائِلٍ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ والرَّبِيعِ، فَنَفْيُ الحُجِّيَّةِ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن نَفاها بِحَمْلِ الخُلُودِ عَلى أصْلِ الوَضْعِ، وهو اللُّبْثُ الطَّوِيلُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ فِيهِ تَهْوِينَ الخَطْبِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ مَعَ عَدَمِ مُلائَمَتِهِ حَمْلَ الخُلُودِ في الجَنَّةِ عَلى الدَّوامِ، وكَذا لا حُجَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى ما زَعَمَهُ الجُبّائِيُّ حَيْثُ قالَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما وعَدَ مُوسى، ولا سائِرَ الأنْبِياءِ بَعْدَهُ بِإخْراجِ أهْلِ الكَبائِرِ والمَعاصِي مِنَ النّارِ بَعْدَ التَّعْذِيبِ، وإلّا لَما أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ﴾ إلَخْ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أوْعَدَ العُصاةَ بِالعَذابِ زَجْرًا لَهم عَنِ المَعاصِي، فَقَدْ ثَبَتَ أنْ يَكُونَ عَذابُهم دائِمًا، وإذا ثَبَتَ في سائِرِ الأُمَمِ، وجَبَ ثُبُوتُهُ في هَذِهِ الأُمَّةِ، إذِ الوَعِيدُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ في الأُمَمِ، إذا كانَ قَدْرُ المَعْصِيَةِ واحِدًا، لِأنَّ ما أنْكَرَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ جَزْمُهم بِقِلَّةِ العَذابِ لِانْقِطاعِهِ مُطْلَقًا، عَلى أنَّ ذَلِكَ في حَقِّ الكُفّارِ لا العُصاةِ، كَما لا يَخْفى، (ومَن) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والمُسَوِّغاتُ لِجَوازِ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا مَوْجُودَةٌ، ويُحَسِّنُ المَوْصُولِيَّةَ مَجِيءُ المَوْصُولِ في قَسِيمِهِ، وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِحْضارِ المُشارِ إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ الأوْصافِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِصاحِبِيَّةِ النّارِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ، والخَطايا، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِعُنْوانِ الجَمْعِيَّةِ مُراعاةً لِجانِبِ المَعْنى في كَلِمَةٍ (مَن) بَعْدَ مُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ، لِما أنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ في تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ، فَإنَّ كَسْبَ السَّيِّئَةِ، وإحاطَةَ الخَطِيئَةِ بِهِ في حالَةِ الإفْرادِ، وصاحِبِيَّةَ النّارِ في حالَةِ الِاجْتِماعِ
صفحة 307
قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وقَرَأ نافِعٌ (خَطِيئَآتُهُ)، وبَعْضُ (خَطِيّاهُ)، و(خَطِيَّتُهُ)، و(خَطِيّاتُهُ) بِالقَلْبِ والإدْغامِ، واسْتَحْسَنُوا قِراءَةَ الجَمْعِ، بِأنَّ الإحاطَةَ لا تَكُونُ بِشَيْءٍ واحِدٍ، ووُجِّهَتْ قِراءَةُ الإفْرادِ بِأنَّ الخَطِيئَةَ وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةً لَكِنَّها لِإضافَتِها مُتَعَدِّدَةٌ، مَعَ أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ قَدْ يُحِيطُ كالحَلْقَةِ، فَلا تَغْفُلْ.
2:82Page 12
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢
But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أهْلَ النّارِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الهَلاكِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أهْلِ الإيمانِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الخُلُودِ في الجِنانِ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى أنْ يَشْفَعَ وعْدَهُ بِوَعِيدِهِ مُراعاةً لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في إرْشادِ العِبادِ مِنَ التَّرْغِيبِ تارَةً والتَّرْهِيبِ أُخْرى، وقِيلَ: إنَّ في الجَمْعِ تَرْبِيَةَ الوَعِيدِ بِذِكْرِ ما فاتَ أهْلَهُ مِنَ الثَّوابِ، وتَرْبِيَةَ الوَعْدِ بِذِكْرِ ما نَجا مِنهُ أهْلُهُ مِنَ العِقابِ، وعَطْفُ العَمَلِ عَلى الإيمانِ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ مُسَمّاهُ، إذْ لا يُعْطَفُ الجُزْءُ عَلى الكُلِّ، ولا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ بِهِ حَتّى يَدُلَّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ غَيْرُ خارِجٍ عَنِ الإيمانِ، وتَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً عَلى الوَعِيدِيَّةِ كَما قالَهُ المَوْلى عِصامٌ، فَإنْ قُلْتَ لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: العَطْفُ لِلتَّشْرِيفِ لِكَوْنِ العَمَلِ أشَقَّ وأحْمَزَ مِنَ التَّصْدِيقِ، وأفْضَلُ الأعْمالِ أحْمَزُها، أُجِيبَ بِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ مِنَ العَمَلِ لِكَوْنِهِ أساسَ جَمِيعِ الحَسَناتِ، إذِ الأعْمالُ ساقِطَةٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ عَدَمِهِ، ويَخْطُرُ في البالِ إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ هُنا مَعَ الإيمانِ نُكْتَةٌ، وهو أنْ يَكُونَ الإيمانُ في مُقابَلَةِ السَّيِّئَةِ المُفَسَّرَةِ بِالكُفْرِ عِنْدَ بَعْضٍ، والعَمَلُ الصّالِحُ في مُقابَلَةِ الخَطِيئَةِ المُفَسَّرَةِ بِما عَداهُ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومُؤْمِنُو الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ، وهو الظّاهِرُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ خاصَّةً، وذِكْرُ الفاءِ فِيما سَبَقَ وتَرْكُها هُنا إمّا لِأنَّ الوَعِيدَ مِنَ الكَرِيمِ مَظِنَّةُ الخُلْفِ دُونَ الوَعْدِ، فَكانَ الأوَّلُ حَرِيًّا بِالتَّأْكِيدِ دُونَ الثّانِي، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ، فَإنَّ النُّحاةَ قالُوا: مَن دَخَلَ دارِي فَأُكْرِمُهُ، يَقْتَضِي إكْرامَ كُلِّ داخِلٍ، لَكِنْ عَلى خَطَرٍ أنْ لا يُكْرِمَ، وبِدُونِ الفاءِ يَقْتَضِي إكْرامَهُ البَتَّةَ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ خُلُودَهم في النّارِ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ السَّيِّئَةِ، وعِصْيانِهِمْ، وخُلُودُهم في الجَنَّةِ بِمَحْضِ لُطْفِهِ تَعالى، وكَرَمِهِ، وإلّا فالإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ لا يَفِي بِشُكْرِ ما حَصَلَ لِلْعَبْدِ مِنَ النِّعَمِ العاجِلَةِ، وإلى كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ، والقَوْلُ بِأنَّ تَرْكَ الفاءِ هُنا لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ في ذِكْرِ ما لَهم لَيْسَ بِشَيْءٍ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences