Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:90–93

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:90–93

2:90Page 14

بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allāh has revealed through [their] outrage that Allāh would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ باعُوا، فالأنْفُسُ بِمَنزِلَةِ المُثَمَّنِ، والكُفْرُ بِمَنزِلَةِ الثَّمَنِ، لِأنَّ أنْفُسَهُمُ الخَبِيثَةَ لا تُشْتَرى بَلْ تُباعُ، وهو عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ إنَّهُمُ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، وبَذَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ، لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ العِقابِ أتى بِأعْمالٍ يَظُنُّ أنَّها تُخَلِّصُهُ، فَكَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ بِها، فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ لَمّا اعْتَقَدُوا فِيما أتَوْا بِهِ أنَّهُ يُخَلِّصُهم مِنَ العِقابِ ظَنُّوا أنَّهُمُ اشْتَرَوْا أنْفُسَهُمْ، وخَلَّصُوها، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُدَّعى أنَّهم ظَنُّوا ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فَإذا عَلِمُوا مُخالَفَةَ الحَقِّ، كَيْفَ يَظُنُّونَ نَجاتَهم بِما فَعَلُوا، وإرادَةُ العِقابِ الدُّنْيَوِيِّ كَتَرْكِ الرِّياسَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ لا يُشْتَرى بِهِ الأنْفُسُ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم ظَنُّوا عَلى ما هو ظاهِرُ حالِهِمْ مِنَ التَّصَلُّبِ في اليَهُودِيَّةِ، والخَوْفِ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وادِّعاءِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ، فَلا يُنافِي عَدَمَ ظَنِّهِمْ في الواقِعِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، والمُرادُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ المُصَدِّقَ، وفي تَبْدِيلِ المَجِيءِ بِالإنْزالِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ مَعَ الإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى إيذانٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعِظَمِهِ المُوجِبِ لِلْإيمانِ بِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وأنْ يُرادَ الجَمِيعُ، والكُفْرُ بِبَعْضِها كُفْرٌ بِكُلِّها، واخْتُلِفَ في (ما) الواقِعَةُ بَعْدَ (بِئْسَ)، ألَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا؟ فَذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّها لا مَحَلَّ لَها، وأنَّها مَعَ بِئْسَ شَيْءٌ واحِدٌ كَحَبَّذا، وذَهَبَ

صفحة 322

الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَها مَحَلًّا، واخْتُلِفَ أهُوَ نَصْبٌ أمْ رَفْعٌ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى الأوَّلِ عَلى أنَّها تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِّفَةِ، وفاعِلُ بِئْسَ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِها، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ هو شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ، وأنْ يَكْفُرُوا هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّهُ المُوجِبُ لِلْعَذابِ المُهِينِ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصَ مَحْذُوفًا، واشْتَرَوْا صِفَةٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ، وأنْ يَكْفُرُوا بَدَلٌ مِنَ المَحْذُوفِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ قَدَّرَ بَعْدَها ما أُخْرى مَوْصُولَةً، هي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، واشْتَرَوْا صِلَتُها، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا الَّذِي اشْتَرَوْا، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى الثّانِي عَلى أنَّها فاعِلُ بِئْسَ، وهي مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ، أيْ شَيْءٌ اشْتَرَوْا، وعَزى هَذا إلى الكِسائِيِّ أيْضًا، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الفارِسِيِّ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى سِيبَوَيْهِ، وهو وهْمٌ، ونَقَلَ المَهْدَوِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَحَصِّلُ فاعِلُ بِئْسَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ بِئْسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، ولَكَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ لا تَجْعَلَ ذَلِكَ فاعِلًا، بَلْ تَجْعَلُهُ المَخْصُوصَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، والتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراءً اشْتِراؤُهُمْ، فَلا يَلْزَمُ الِاعْتِراضُ، نَعَمْ يَرِدُ عَوْدُ ضَمِيرِ (بِهِ) عَلى (ما)، والمَصْدَرِيَّةُ لا يَعُودُ عَلَيْها الضَّمِيرُ، لِأنَّها حَرْفٌ عِنْدَ غَيْرِ الأخْفَشِ، فافْهَمْ، ﴿بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ البَغْيُ في الأصْلِ الظُّلْمُ والفَسادُ مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ فَسَدَ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطَّلَبُ، وتَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَفي طَلَبِ زَوالِ النِّعْمَةِ حَسَدٌ، والتَّجاوُزُ عَلى الغَيْرِ ظُلْمٌ، والزِّنا فُجُورٌ، والمُرادُ بِهِ هُنا بِمَعُونَةِ المَقامِ طَلَبُ ما لَيْسَ لَهُمْ، فَيَؤُولُ إلى الحَسَدِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، (لِيَكْفُرُونَ) فَيُفِيدُ أنَّ كُفْرَهم كانَ لِمُجَرَّدِ العِنادِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ الحَسَدِ لا لِلْجَهْلِ، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، لِأنَّ الجاهِلَ قَدْ يُعْذَرُ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّهُ عِلَّةُ (اشْتَرَوْا) ورُدَّ بِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الفَصْلَ بِالأجْنَبِيِّ، وهو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ الذَّمِّ وفاعِلِهِ، لَكِنْ لا خَفاءَ في أنَّهُ أجْنَبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ تَمْيِيزُ الفاعِلِ، والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم حَسَدًا، وهو الكُفْرُ لا عَلى ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ، وهو الكُفْرُ حَسَدًا تَحَكُّمٌ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّما يَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ، إذا كانَ المَخْصُوصُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ بِئْسَما، أمّا لَوْ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وهو المُخْتارُ، فَلا، لِأنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ جَوابٌ لِلسُّؤالِ عَنْ فاعِلِ بِئْسَ، فَيَكُونُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْلُولِ وعِلَّتِهِ بِما هو بَيانٌ لِلْمَعْلُولِ، ولا امْتِناعَ فِيهِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عِلَّةً (لِاشْتَرَوْا) مَحْذُوفًا فِرارًا مِنَ الفَصْلِ، ومِنهم مَن أعْرَبَهُ حالًا ومَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمُقَدَّرٍ، أيْ بَغَوْا بَغْيًا، (وأنْ يُنَزِّلَ)، إمّا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ لِلْبَغْيِ أيْ حَسَدًا لِأجْلِ تَنْزِيلِ اللَّهِ، وإمّا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ المُتَعَلِّقِ بِالبَغْيِ، أيْ حَسَدًا عَلى أنْ يُنَزِّلَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ما في قَوْلِهِ: ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ بَعِيدٌ جِدًّا، ورُبَّما يَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والبَغْيُ بِمَعْنى طَلَبِ الشَّخْصِ ما لَيْسَ لَهُ، يَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ تارَةً، وبِاللّامِ أُخْرى، والمَفْعُولُ الأوَّلُ ها هُنا أعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَحْذُوفٌ لِتَعَيُّنِهِ، ولِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الحَسَدَ مَذْمُومٌ في نَفْسِهِ كائِنًا ما كانَ المَحْسُودُ، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ (يُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أرادَ بِهِ الوَحْيَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ شَيْئًا كائِنًا مِن فَضْلِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ أيْ عَلى مَن يَخْتارُهُ لِرِسالَةٍ، وفي البَحْرِ: أنَّ المُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ومِن ولَدِ إسْماعِيلَ، ولَمْ يَكُنْ مِن ولَدِهِ نَبِيٌّ سِواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ،

صفحة 323

وإضافَةُ العِبادِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، (ومَن) إمّا مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ.

﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ فَرَجَعُوا مُتَلَبِّسِينَ بِغَضَبٍ كائِنٍ عَلى غَضَبٍ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ، حَسْبَما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والحَسَدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِعِبادَةِ العِجْلِ، والثّانِيَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ ﷺ، وقالَ قَتادَةُ: الأوَّلُ: كُفْرُهم بِالإنْجِيلِ، والثّانِي كُفْرُهم بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: هُما الكُفْرُ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ قَوْلُهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ و﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، وكُفْرُهُمُ الأخِيرُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْفى أنَّ فاءَ العَطْفِ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم أحِقّاءَ بِتَرادُفِ الغَضَبِ، لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ مَثَلًا غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيما سَبَقَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ التَّرادُفُ والتَّكاثُرُ لا غَضَبانِ فَقَطْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَشْدِيدِ الحالِ عَلَيْهِمْ جِدًّا كَما في قَوْلِهِ:

ولَوْ كانَ رُمْحًا واحِدًا لاتَّقَيْتُهُ ولَكِنَّهُ رُمْحٌ وثانٍ وثالِثُ

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ، والمَعْنى: فَإذا كَفَرُوا وحَسَدُوا عَلى ما ذُكِرَ باؤُوا إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ اللّامُ في الكافِرِينَ لِلْعَهْدِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لِما حاقَ بِهِمْ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ المَعْهُودُونَ فِيهِ عَلى طِرازِ ما مَرَّ، والمُهِينُ المُذِلُّ، وأصْلُهُ مُهْوِنٌ فَأُعِلَّ، وإسْنادُهُ إلى العَذابِ مَجازٌ، مِنَ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، والوَصْفُ بِهِ لِلتَّقْيِيدِ والِاخْتِصاصِ الَّذِي يُفْهِمُهُ تَقْدِيمُ الخَبَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَغَيْرُ الكافِرِينَ إذا عُذِّبَ فَإنَّما يُعَذَّبُ لِلتَّطْهِيرِ لا لِلْإهانَةِ والإذْلالِ، ولِذا لَمْ يُوصَفْ عَذابُ غَيْرِهِمْ بِهِ في القُرْآنِ، فَلا تَمَسُّكَ لِلْخَوارِجِ بِأنَّهُ خَصَّ العَذابَ بِالكافِرِينَ، فَيَكُونُ الفاسِقُ كافِرًا، لِأنَّهُ مُعَذَّبٌ، ولا لِلْمُرْجِئَةِ أيْضًا،

2:91Page 14

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١

And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِقالُوا، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ”قالُوا قُلُوبَنا غَلَّفَ“ ولا غَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِالقائِلِ، فَلِذا بُنِيَ الفِعْلُ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ.

﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: سائِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إجْراءً لِما عَلى العُمُومِ، ومَعَ هَذا جُلُّ الغَرَضِ الأمْرُ بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ، لَكِنْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّعْمِيمِ مِنهُ، إشْعارًا بِتَحَتُّمِ الِامْتِثالِ مِن حَيْثُ مُشارَكَتُهُ لِما آمَنُوا بِهِ فِيما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ومُوافَقَتُهُ لَهُ في المَضْمُونِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإيمانَ بِما عَداهُ مِن غَيْرِ إيمانٍ بِهِ لَيْسَ إيمانًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ، ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيْ نَسْتَمِرُّ عَلى الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، وما في حُكْمِها مِمّا أُنْزِلَ لِتَقْرِيرِ حُكْمِها، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبُ إلّا هو سُبْحانَهُ، ولِجَرَيانِ ذِكْرِهِ في الخِطابِ، ومُرادُهم بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إمّا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو الظّاهِرُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ كانَ بَغْيًا وحَسَدًا عَلى نُزُولِهِ عَلى مَن لَيْسَ مِنهُمْ، وإمّا أنْفُسِهِمْ، ومَعْنى الإنْزالِ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفُهم بِما في المُنَزَّلِ مِنَ الأحْكامِ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِما فِيها مِنَ التَّعْرِيضِ بِشَأْنِ القُرْآنِ، ودَسائِسُ اليَهُودِ مَشْهُورَةٌ، أوْ لِأنَّهم تَأوَّلُوا الأمْرَ المُطْلَقَ العامَّ، ونَزَّلُوهُ عَلى خاصٍّ، هو الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، كَما هو دَيْدَنُهم في تَأْوِيلِ الكِتابِ الصَّغِيرِ المُرادِ مِنهُ، ﴿ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قالُوا، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ اسْتِغْرابًا لِلْكُفْرِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُفْرَهم مُسْتَمِرٌّ إلى زَمَنِ الإخْبارِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، وعَلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا إمّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ المُضارِعِ المُثْبَتِ حالًا مَعَ الواوِ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ أيْ: وهم

صفحة 324

يَكْفُرُونَ، والتَّقْيِيدُ بِالحالِ حِينَئِذٍ لِإفادَةِ بَيانِ شَناعَةِ حالِهِمْ، بِأنَّهم مُتَناقِضُونَ في إيمانِهِمْ، لِأنَّ كُفْرَهم بِما وراءَهُ حالَ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ، وهَذا أدْخَلُ في رَدِّ مَقالَتِهِمْ، ولِهَذا اخْتارَ هَذا الوَجْهَ بَعْضُ الوُجُوهِ، ووَراءٌ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لِاشْتِقاقِ المُواراةِ، والتَّوارِي مِنهُ، والمَزِيدُ فَرْعُ المُجَرَّدِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِعْلُهُ المُجَرَّدُ أصْلًا، ثُمَّ جُعِلَ ظَرْفَ مَكانٍ، ويُضافُ إلى الفاعِلِ، فَيُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، وإلى المَفْعُولِ، فَيُرادُ بِهِ الفاعِلُ، أعْنِي السّائِرَ، ولِصِدْقِهِ عَلى الضِّدَّيْنِ الخَلْفِ والأمامِ عُدَّ مِنَ الأضْدادِ، ولَيْسَ مَوْضُوعًا لَهُما، وفي المُوازَنَةِ لِلْأُمَوِيِّ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنها، وإنَّما هو مِنَ المُواراةِ، والِاسْتِتارِ فَما اسْتَتَرَ عَنْكَ فَهو وراءٌ خَلْفًا كانَ أوْ قُدّامًا، إذا لَمْ تَرَهُ، فَأمّا إذا رَأيْتَهُ فَلا يَكُونُ وراءَكَ، والمُرادُ هُنا بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وأُرِيدَ بِهِ القُرْآنُ كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقالَ الواحِدِيُّ: هو والإنْجِيلُ، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِما وراءَهُ باطِنُ مَعانِي ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الَّتِي هي وراءَ ألْفاظِها، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهم بِظاهِرِ اللَّفْظِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الباطِنِ القُرْآنُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ لِما وراءَهُ حالٌ مِنهُ، وقِيلَ: مِن فاعِلِ (يَكْفُرُونَ)، والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ المُقْتَرِنَةُ بِالواوِ لا يَلْزَمُ أنْ يَعُودَ مِنها ضَمِيرٌ إلى ذِي الحالِ، كَجاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، وعَلى فَرْضِ اللُّزُومِ يُنَزَّلُ وُجُودُ الضَّمِيرِ فِيما هو مِن تَتِمَّتِها مَنزِلَةَ وُجُودِهِ فِيها، والمَعْنى: وهم مُقارِنُونَ لِحَقِّيَّتِهِ أيْ عالِمُونَ بِها، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ مِن كُفْرِهِمْ بِما هو حَقٌّ في نَفْسِهِ، والأوَّلُ أوْلى لِظُهُورِهِ، ولا تَفُوتُ تِلْكَ الأبْلَغِيَّةُ عَلَيْهِ أيْضًا، إذْ تَعْرِيفُ الحَقِّ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ مُسَلَّمُ الِاتِّصافِ بِهِ، مَعْرُوفُهُ مِن قَبِيلِ: والِدُكَ العَبْدُ، في فَيُفِيدُ أنَّ كُفْرَهم بِهِ كانَ لِمُجَرَّدِ العِنادِ، وقِيلَ: التَّعْرِيفُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّجْهِيلِ بِمَعْنى أنَّهُ خاصَّةً الحَقَّ الَّذِي يُقارِنُ تَصْدِيقَ كِتابِهِمْ، ولَوْلا الحالُ أعْنِي مُصَدِّقًا لَمْ يَسْتَقِمِ الحَصْرُ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ كِتابِهِمْ، وهو حَقٌّ أيْضًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ ولَوْ لُوحِظَ الحالُ بِناءً عَلى تَخْصِيصِ ذِي الضَّمِيرِ بِالقُرْآنِ، لِأنَّ الإنْجِيلَ حَقٌّ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ أيْضًا، نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ بِالحَقِّ الثّابِتُ المُقابِلُ لِلْمَنسُوخِ لاسْتَقامَ الحَصْرُ مُطْلَقًا، إلّا أنَّهُ بَعِيدٌ، ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، فالتَّصْدِيقُ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ، وقَدْ قَرَّرَتْ مَضْمُونَ الخَبَرِ، لِأنَّها كالِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، ولِهَذا تَضَمَّنَتْ رَدَّ قَوْلِهِمْ ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ حَيْثُ إنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِما وافَقَ التَّوْراةَ لَمْ يُصَدِّقْ بِها، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ مِمّا مَعَهُمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، كَما في البَحْرِ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ سِباقًا وسِياقًا.

﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهُمْ، حَيْثُ قَتَلُوا الأنْبِياءَ مَعَ ادِّعاءِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، وهي لا تُسَوِّغُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِمَن يُرِيدُ جِدالَهم كائِنًا مَن كانَ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلِمَ إلَخْ، (وما) اسْتِفْهامِيَّةٌ، حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ، ويَقِفُ البَزِّيُّ في مِثْلِ ذَلِكَ بِالهاءِ وغَيْرُهُ بِغَيْرِها، وإيرادُ صِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ الظَّرْفِ الدّالِّ عَلى المُضِيِّ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى القَتْلِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ، وقِيلَ: لِحِكايَةِ تِلْكَ الحالِ، والمُرادُ بِالقَتْلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، وإسْنادُهُ إلى الأخْلافِ المُعاصِرِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّ صُدُورَهُ مِنَ الأسْلافِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَ الفاعِلِ الحَقِيقِيِّ وما أُسْنِدَ إلَيْهِ، وهَذا كَما يُقالُ لِأهْلِ قَبِيلَةٍ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ زَيْدًا، إذا كانَ القاتِلُ آباءَهُمْ، وقِيلَ: القَتْلُ مَجازٌ عَنِ الرِّضا، أوِ العَزْمِ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ الِاعْتِراضَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أقْوى تَبْكِيتًا مِنهُ عَلى الآخَرِينَ، فَتَدَبَّرْ، وفي إضافَةِ أنْبِياءَ إلى الِاسْمِ الكَرِيمِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، وإيذانٌ بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لِمَن جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعَظَّمَ ويُنْصَرَ، لا أنْ يُقْتَلَ، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

صفحة 325

تَكْرِيرٌ لِلِاعْتِراضِ لِتَأْكِيدِ الإلْزامِ وتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلِمَ تَقْتُلُونَهُمْ، وقَدْ حُذِفَ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ ما حُذِفَ ثِقَةً بِما أثْبَتَ في الأُخْرى، عَلى طَرِيقِ الِاحْتِباكِ، وقِيلَ: إنَّ المَذْكُورَ قَبْلُ جَوابٌ لِهَذا الشَّرْطِ بِناءً عَلى جَوازِ تَقْدِيمِهِ، وهو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، وأبِي زَيْدٍ، واخْتارَهُ في البَحْرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: (إنَّ) هُنا نافِيَةٌ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

2:92Page 14

۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢

And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.

﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ، فَهو مِن تَمامِ التَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ، وكَذا ما يَأْتِي بَعْدَ لا تَكْرِيرٌ لِما قَصَّ مِن قَبْلُ، والمُرادُ بِالبَيِّناتِ الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ، والمُعْجِزاتُ المُؤَيِّدَةُ لِنُبُوَّتِهِ كالعَصا، واليَدِ، وانْفِلاقِ البَحْرِ مَثَلًا، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِها الدَّلائِلُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّهُ أدْخَلُ في التَّقْرِيعِ بِما بَعْدُ، وعِنْدِي الحَمْلُ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ ذَلِكَ أيْضًا أوْلى وأظْهَرُ، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيِ الَّذِي صَنَعَهُ لَكُمُ السّامِرِيُّ مِن حُلِّيِّكم إلَهًا مِن بَعْدِهِ، أيْ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِها، ومَن عَدَّ التَّوْراةَ، وانْفِجارَ الماءِ مِنها لَمْ يُرِدِ الجَمِيعَ بَلِ الجِنْسَ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ قِصَّةِ العِجْلِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) عَلى هَذا لِلِاسْتِبْعادِ، لِئَلّا يَلْغُوَ القَيْدُ، وقَدْ يُقالُ: الضَّمِيرُ لِمُتَقَدِّمٍ مَعْنًى، وهو الذَّهابُ إلى الطُّورِ، فَكَلِمَةُ (ثُمَّ) عَلى حَقِيقَتِها، وعَدُّ ما ذَكَرْنا مِنَ البَيِّناتِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، ويُشِيرُ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَّظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكْثَرُ شَناعَةً لِحالِهِمْ، والتَزَمَ بَعْضُهم رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى البَيِّناتِ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ مِن بَعْدِ تَدَبُّرِ الآياتِ لِيَظْهَرَ ذَلِكَ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى العِجْلِ، والمُرادُ بَعْدَ وُجُودِهِ، أيْ عَبَدْتُمُ الحادِثَ الَّذِي حَدَثَ بِمَحْضَرِكُمْ، لِيَكُونَ فِيهِ التَّوْبِيخُ العَظِيمُ، لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ العَظِيمِ المُسْتَغْنى عَنْهُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ، ﴿وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أيْ واضِعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ اللّائِقِ بِهِ، أوْ مُخِلُّونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، وهي جارِيَةٌ مَجْرى القَرِينَةِ عَلى إرادَةِ العِبادَةِ مِنَ الِاتِّخاذِ، وفِيها تَعْرِيضٌ بِأنَّهم صَرَفُوا العِبادَةَ عَنْ مَوْضِعِها الأصْلِيِّ إلى غَيْرِ مَوْضِعِها، وإيهامُ المُبالَغَةِ مِن حَيْثُ أنَّ إطْلاقَ الظُّلْمِ يُشْعِرُ بِأنَّ عِبادَةَ العِجْلِ كُلُّ الظُّلْمِ، وأنَّ مَنِ ارْتَكَبَها لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَها اعْتِراضًا لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِتَمامِها دُونَ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ الهَيْئَةِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحالِيَّةُ، أيْ وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ، واسْتَمَرَّ مِنكم ومِنهُ عِبادَةُ العِجْلِ، والَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ زَعْمُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى الحالِيَّةِ أنْ يَكُونَ تَكْرارًا مَحْضًا، فَإنَّ عِبادَةَ العِجْلِ لا تَكُونُ إلّا ظُلْمًا بِخِلافِهِ عَلى هَذا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَيانًا لِرَذِيلَةٍ لَهم تَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا ذَكَرْنا، وإذا حُمِلَ الِاتِّخاذُ عَلى الحَقِيقَةِ نَحْوَ اتَّخَذْتُ خاتَمًا، تَكُونُ الحالِيَّةُ أوْلى بِلا شُبْهَةٍ، لِأنَّ الِاتِّخاذَ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ ظُلْمًا إلّا إذا قُيِّدَ بِعِبادَتِهِ، كَما لا يَخْفى،

2:93Page 14

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣

And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ أيْ قُلْنا لَهم خُذُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في التَّوْراةِ بِجِدٍّ وعَدَمِ فُتُورٍ، واسْمَعُوا، أيْ سَماعَ تَقَبُّلٍ وطاعَةٍ، إذْ لا فائِدَةَ في الأمْرِ بِالمُطْلَقِ بَعْدَ الأمْرِ بِالأخْذِ بِقُوَّةٍ بِخِلافِهِ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْيِيدِ، فَإنَّهُ يُؤَكِّدُهُ ويُقَرِّرُهُ لِاقْتِضائِهِ كَمالَ إبائِهِمْ عَنْ قَبُولِ ما آتاهم إيّاهُ، ولِذا رُفِعَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ، وكَثِيرًا ما يُرادُ مِنَ السَّماعِ القَبُولُ، ومِن ذَلِكَ ”سَمْع اللَّهِ لِمَن حَمْدُهُ“ وقَوْلُهُ:

دَعَوْتُ اللَّهَ حَتّى خِفْتُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ ما أقُولُ

﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ سَمِعْنا قَوْلَكَ: خُذُوا، واسْمَعُوا، وعَصَيْنا أمْرَكَ، فَلا نَأْخُذُ، ولا نَسْمَعُ سَماعَ الطّاعَةِ، ولَيْسَ هَذا جَوابًا لِاسْمَعُوا، بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ أمْرَيْنِ، لِأنَّهُ يَبْقى خُذُوا بِلا جَوابٍ، وذَهَبَ الجَمُّ إلى ذَلِكَ، وأوْرَدُوا هُنا سُؤالًا وجَوابًا، حاصِلُ الأوَّلِ أنَّ السَّماعَ في الأمْرِ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَوْلُهُمْ: سَمِعْنا طاعَةٌ، وعَصَيْنا مُناقِضٌ

صفحة 326

وإنْ كانَ القَبُولَ، فَإنْ كانَ في الجَوابِ كَذَلِكَ كَذِبٌ وتَناقُضٌ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالسُّؤالِ، وزُبْدَةُ الجَوابِ أنَّ السَّماعَ هُناكَ مُقَيَّدٌ، والأمْرَ مُشْتَمِلٌ عَلى أمْرَيْنِ سَماعِ قَوْلِهِ، وقَبُولِهِ بِالعَمَلِ، فَقالُوا: نَمْتَثِلُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، ومَرْجِعُهُ إلى القَوْلِ بِالمُوجِبِ، ونَظِيرُهُ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنٌ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ وقِيلَ: المَعْنى قالُوا بِلِسانِ القالِ سَمِعْنا، وبِلِسانِ الحالِ عَصَيْنا، أوْ سَمِعْنا أحْكامًا قَبْلُ وعَصَيْنا، فَنَخافُ أنْ نَعْصِيَ بَعْدَ سَماعِ قَوْلِكَ هَذا، وقِيلَ: ”سَمِعْنا“ جَوابُ ”اسْمَعُوا“ و”عَصَيْنا“ جَوابُ ”خُذُوا“ وقالَ أبُو مَنصُورٍ: إنَّ قَوْلَهم ”عَصَيْنا“ لَيْسَ عَلى إثْرِ قَوْلِهِمْ ”سَمْعنا“ بَلْ بَعْدَ زَمانٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فَلا حاجَةَ إلى الدَّفْعِ بِما ذُكِرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ بَعْدَ ما سَمِعْتَ كَما لا يَخْفى.

﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قالُوا، أوْ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ: قَدْ، أوْ بِدُونِهِ، والعامِلُ قالُوا، والإشْرابُ مُخالَطَةُ المائِعِ الجامِدَ، وتُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ في اللَّوْنَيْنِ، ومِنهُ بَياضٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ حُبَّ العِجْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العِجْلُ مَجازًا عَنْ صُورَتِهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى الحَذْفِ، وذِكْرُ القُلُوبِ لِبَيانِ مَكانِ الإشْرابِ، وذِكْرُ المَحَلِّ المُتَعَيِّنِ يُفِيدُ مُبالَغَةً في الإثْباتِ، والمَعْنى: داخَلَهم حُبُّ العِجْلِ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ صُورَتُهُ لِفَرْطِ شَغَفِهِمْ بِهِ، كَما داخَلَ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وأنْشَدُوا:

إذا ما القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ ∗∗∗ فَلا تَأْمُلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرافا

وقِيلَ: أُشْرِبُوا مِن أُشْرِبَتِ البَعِيرُ إذا شَدَدْتَ في عُنُقِهِ حَبْلًا، كَأنَّ العِجْلَ شُدَّ في قُلُوبِهِمْ لِشَغَفِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: مِنَ الشَّرابِ، ومِن عادَتِهِمْ أنَّهم إذا عَبَّرُوا عَنْ مُخامَرَةِ حُبٍّ، أوْ بُغْضٍ اسْتَعارُوا لَهُ اسْمَ الشَّرابِ، إذْ هو أبْلَغُ مُنْساغٍ في البَدَنِ، ولِذا قالَ الأطِبّاءُ: الماءُ مَطِيَّةُ الأغْذِيَةِ، والأدْوِيَةِ، ومَرْكَبُها الَّذِي تُسافِرُ بِهِ إلى أقْطارِ البَدَنِ، وقالَ الشّاعِرُ:

تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرابٌ ∗∗∗ ولا حُزْنٌ ولَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ

وقِيلَ: مِنَ الشُّرْبِ حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّ السُّدِّيَّ نَقَلَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَرَدَ العِجْلَ بِالمِبْرَدِ، ورَماهُ في الماءِ، وقالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا، فَشَرِبُوا جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بِرادَتُهُ عَلى شَفَتَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ يُبْعِدُ هَذا القَوْلَ جِدًّا، عَلى أنَّ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا في كِتابِهِ عَمّا فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِجْلِ يُبْعِدُ ظاهِرَ هَذِهِ الرِّوايَةِ أيْضًا، وبِناءُ أُشْرِبُوا لِلْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ، ولا فاعِلَ سِواهُ تَعالى، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو عَلى حَدِّ قَوْلِ القائِلِ: أنَسِيتَ كَذا، ولَمْ يُرِدْ أنَّ غَيْرَهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وإنَّما المُرادُ نَسِيتَ وأنَّ الفاعِلَ مَن زَيَّنَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، ودَعاهم إلَيْهِ كالسّامِرِيِّ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا مُجَسِّمَةً، يُجَوِّزُونَ أنْ يَكُونَ جِسْمٌ مِنَ الأجْسامِ إلَهًا، أوْ حُلُولِيَّةً يُجَوِّزُونَ حُلُولَهُ فِيهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَمْ يَرَوْا جِسْمًا أعْجَبَ مِنهُ، فَتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ما سُوِّلَ لَهُمْ، وثُعْبانُ العَصا كانَ لا يَبْقى زَمانًا مُمْتَدًّا، ولا يَبْعُدُ مِن أُولَئِكَ أنْ يَعْتَقِدُوا عِجْلًا صَنَعُوهُ عَلى هَيْئَةِ البَهائِمِ إلَهًا، وإنْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما تَرى مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ الَّذِينَ كانَ أكْثَرُهم أعْقَلَ مِن كَثِيرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ مَصْحُوبًا بِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ.

﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ حَسْبَما تَدَّعُونَ، وإسْنادُ الأمْرِ إلى الإيمانِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلتَّهَكُّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ قَتْلُ الأنْبِياءِ، وكَذا وكَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ مَخْصُوصًا بِقَوْلِهِمْ: عَصَيْنا أمْرَكَ، وأُراهُ عَلى القُرْبِ بَعِيدًا.

﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَدْحٌ في دَعْواهُمُ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ، وإبْطالٌ لَها، وجَوابُ الشَّرْطِ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 327

﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ المَذْكُورَةِ في رَدِّ دَعْواهُمُ الإيمانَ، أوِ الجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ السّابِقَةُ، إمّا بِتَأْوِيلٍ، أوْ بِلا تَأْوِيلٍ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ما رَخَّصَ لَكم إيمانُكم بِالقَبائِحِ الَّتِي فَعَلَّكُمْ، بَلْ مَنَعَ عَنْها، فَتَناقَضْتُمْ في دَعْواكم لَهُ، فَتَكُونُ باطِلًا، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها فَبِئْسَما أمَرَكم بِهِ إيمانُكم بِها، أوْ فَقَدْ أمَرَكم إيمانُكم بِالباطِلِ، لَكِنَّ الإيمانَ بِها لا يَأْمُرُ بِهِ، فَإذَنْ لَسْتُمْ بِمُؤْمِنِينَ، والمُلازَمَةُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ عَلى الأوَّلِ، بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ، وإبْطالِ الدَّعْوى بِلُزُومِ التَّناقُضِ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ المُلازَمَةُ بِالنَّظَرِ إلى حالِهِمْ مِن تَعاطِي القَبائِحِ مَعَ ادِّعائِهِمُ الإيمانَ، والمُؤْمِنُ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَتَعاطى إلّا ما يُرَخِّصُهُ إيمانُهُ، وإبْطالُ التّالِي بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم في هَذا، ونَظائِرِهِ كَوْنَ الجَزاءِ مَعْرِفَةَ السّابِقِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تَعْرِفُونَ أنَّهُ بِئْسَ المَأْمُورُ بِهِ، وقِيلَ: (إنْ) نافِيَةٌ، وقِيلَ: لِلتَّشْكِيكِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشّافِ، وفِيهِ أنَّ المَقْصِدَ إبْطالُ دَعَوَتُهم بِإبْرازِ إيمانِهِمُ القَطْعِيِّ العَدَمِ مَنزِلَةَ ما لا قَطْعَ بِعَدَمِهِ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ، لا لِلتَّشْكِيكِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمالُ (إنْ) لِتَشْكِيكِ السّامِعِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (بِهُو إيمانُكُمْ) بِضَمِّ الهاءِ، ووَصْلِها بِواوٍ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском