Al-AlusiTaha · 20:108–114

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:108–114

20:108Page 319

يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨

That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].

صفحة 264

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ تُنْسَفُ الجِبالُ عَلى إضافَةِ يَوْمٍ إلى وقْتِ النَّسْفِ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ ظَرْفٌ وإنْ كانَ لا مانِعَ عَنْهُ عِنْدَ مَن عَرَفَهُ بِمُتَجَدِّدٍ يُقَدَّرُ بِهِ مُتَجَدِّدٌ آخَرُ. وقِيلَ: هو مِن إضافَةِ المُسَمّى إلى الِاسْمِ كَما قِيلَ في شَهْرِ رَمَضانَ. وهو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقِيلَ: بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ.

فالعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ فِيهِ، وفِيهِ الفَصْلُ الكَثِيرُ وفَواتُ ارْتِباطِ يَتَّبِعُونَ بِما قَبْلَهُ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ إلَخِ اسْتِطْرادٌ مُعْتَرِضٌ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ وضَمِيرُ (يَتَّبِعُونَ) لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالدّاعِي داعِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى المَحْشَرِ وهو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضَعُ الصُّورَ في فِيهِ ويَدْعُو النّاسَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ قائِمًا عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ والجُلُودُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ هَلُمُّوا إلى العَرْضِ إلى الرَّحْمَنِ فَيُقْبِلُونَ مِن كُلِّ صَوْبٍ إلى صَوْتِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: يَحْشُرُ اللَّهُ تَعالى النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلْمَةٍ، تُطْوى السَّماءُ وتَتَناثَرُ النُّجُومُ ويَذْهَبُ الشَّمْسُ والقَمَرُ ويُنادِي مُنادٍ فَيَتَّبِعُ النّاسُ الصَّوْتَ يَؤُمُّونَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ إلَخْ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: (الدّاعِيَ) هُنا الرَّسُولُ الَّذِي كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أصَحُّ.

﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أيْ لِلدّاعِي عَلى مَعْنى لا يَعْوَجُّ لَهُ مَدْعُوٌّ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ، وهَذا كَما يُقالُ: لا عِصْيانَ لَهُ أيْ لا يُعْصى ولا ظُلْمَ لَهُ أيْ لا يَظْلَمُ، وأصْلُهُ أنَّ اخْتِصاصَ الفِعْلِ بِمُتَعَلِّقِهِ ثابِتٌ كَما هو بِالفاعِلِ، وقِيلَ: أيْ لا عِوَجَ لِدُعائِهِ فَلا يُعْصى ولا ظُلْمَ لَهُ أيْ لا يُظْلَمُ، وأصْلُهُ أنَّ اخْتِصاصَ الفِعْلِ بِمُتَعَلِّقِهِ ثابِتٌ كَما هو بِالفاعِلِ، وقِيلَ: أيْ لا عِوَجَ لِدُعائِهِ فَلا يَمِيلُ إلى ناسٍ دُونَ ناسٍ بَلْ يَسْمَعُ جَمِيعَهم وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.

وقِيلَ: هو عَلى القَلْبِ أيْ لا عِوَجَ لَهم عَنْهُ بَلْ يَأْتُونَ مُقْبِلِينَ إلَيْهِ مُتَّبِعِينَ لِصَوْتِهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الدّاعِي أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا شَكَّ فِيهِ ولا يُخالِفُ وُجُودُهُ خَبَرَهُ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيْ خَفِيَتْ لِمَهابَتِهِ تَعالى وشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سَكَنَتْ والخُشُوعُ مَجازٌ في ذَلِكَ، وقِيلَ: لا مَجازَ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أصْحابُ الأصْواتِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿فَلا تَسْمَعُ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ السَّمْعُ ﴿إلا هَمْسًا﴾ أيْ صَوْتًا خَفِيًّا خافِتًا كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ هو الكَلامُ الخَفِيُّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ ( فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا ) وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُرى لا مِمّا يُسْمَعُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ خَفْقُ الأقْدامِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا

وذُكِرَ أنَّهُ يُقالُ لِلْأسَدِ الهَمُوسُ لِخَفاءِ وطْئِهِ فالمَعْنى سَكَنَتْ أصْواتُهم وانْقَطَعَتْ كَلِماتُهم فَلَمْ يُسْمَعْ مِنهم إلّا خَفْقُ أقْدامِهِمْ ونَقْلُها إلى المَحْشَرِ

20:109Page 319

يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩

That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَقَعُ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ وهو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مِن ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾، والمُرادُ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ مِنَ الشُّفَعاءِ أحَدًا ﴿إلا مَن أذِنَ﴾ في الشَّفاعَةِ.

﴿لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ و(مَن) مَفْعُولُ (تَنْفَعُ) وهي عِبارَةٌ عَنِ المَشْفُوعِ لَهُ (ولَهُ) مُتَعَلِّقٌ

صفحة 265

بِمُقَدَّرٍ مُتَعَلِّقٍ بِأذِنَ، وفي البَحْرِ أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ أيْ ورَضِيَ لِأجْلِهِ قَوْلَ الشّافِعِ وفي شَأْنِهِ أوْ رَضِيَ قَوْلَ الشّافِعِ لِأجْلِهِ وفي شَأْنِهِ فالمُرادُ بِالقَوْلِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ قَوْلُ الشّافِعِ، وجُوِّزَ فِيهِ أيْضًا أنْ لا يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، والمَعْنى ورَضِيَ قَوْلًا كائِنًا لَهُ فالمُرادُ بِالقَوْلِ قَوْلُ المَشْفُوعِ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا إلّا مَن أذِنَ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ لَهُ وكانَ مُؤْمِنًا، والمُرادُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا إلّا مَن أذِنَ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ لَهُ وكانَ مُؤْمِنًا، والمُرادُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا إلّا مَن ذُكِرَ وأمّا مَن عَداهُ فَلا تَكادُ تَنْفَعُهُ وإنْ فُرِضَ صُدُورُها عَنِ الشُّفَعاءِ المُتَصَدِّينَ لِلشَّفاعَةِ لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ .

وجُوِّزَ في البَحْرِ والدُّرِّ المَصُونِ أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ لِتَنْفَعَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ والِاسْتِثْناءُ مِن شَفاعَةٍ، ومَن في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنها بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ بِتَقْدِيرِهِ أيْضًا أيْ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ إلَخْ، ومِن عِبارَةٍ عَنِ الشّافِعِ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا إذا لَمْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ ومَحَلُّ ( مَن ) حِينَئِذٍ نُصِبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ ورُفِعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، واعْتُرِضَ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الشَّفاعَةِ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ بِأنَّ حُكْمَ الشَّفاعَةِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أنْ يَمْلِكَها ولا تَصْدُرُ عَنْهُ أصْلًا ومَعْنى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ لا يُؤْذَنُ لَها فِيها لا أنَّها لا تُقْبَلُ بَعْدَ وُقُوعِها فالإخْبارُ عَنْها بِمُجَرَّدِ عَدَمِ نَفْعِها لِلْمَشْفُوعِ لَهُ رُبَّما يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِها حِينَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ مَعَ إخْلالِهِ بِمُقْتَضى مَقامِ تَهْوِيلِ اليَوْمِ.

20:110Page 319

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠

He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ، وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي، وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وقِيلَ: عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولَيْنِ عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَهم مِنَ الأحْوالِ وما بَعْدَهم مِمّا يَسْتَقْبِلُونَهُ أوْ بِالعَكْسِ أوْ أُمُورُ الدُّنْيا وأُمُورُ الآخِرَةِ أوْ بِالعَكْسِ أوْ ما يُدْرِكُونَهُ وما لا يُدْرِكُونَهُ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ.

﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيْ لا يُحِيطُ عِلْمُهم بِمَعْلُوماتِهِ تَعالى فَعِلْمًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلَّهِ تَعالى، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. وقِيلَ: المُرادُ لا يُحِيطُ عِلْمُهم بِذاتِهِ سُبْحانَهُ أيْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ الشّامِلُ ويَقْتَضِي صِحَّةَ أنْ يُقالَ: عَلِمْتُ اللَّهَ تَعالى إذِ المَنفِيُّ العِلْمُ عَلى طَرِيقِ الإحاطَةِ.

وقالَ الجُبّائِيُّ: الضَّمِيرُ لِمَجْمُوعِ المَوْصُولَيْنِ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ جَمِيعَ ما ذُكِرَ ولا تَفْصِيلَ ما عَلِمُوا مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِأحَدِ المَوْصُولَيْنِ لا عَلى التَّعْيِينِ.

20:111Page 319

۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١

And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2

﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ أيْ ذَلَّتْ وخَضَعَتْ خُضُوعَ العُناةِ أيِ الأسارى، والمُرادُ بِالوُجُوهِ إمّا الذَّواتُ وإمّا الأعْضاءُ المَعْلُومَةُ وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ وآثارُ الذُّلِّ أوَّلُ ما تَظْهَرُ فِيها، وألْ فِيها لِلْعَهْدِ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ فَتَكُونُ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واخْتارَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ اعْتِراضًا ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِيَكُونَ أبْلَغَ، وقِيلَ: الوُجُوهُ الأشْرافُ أيْ عُظَماءُ الكَفَرَةِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الهَيْبَةِ ولُصُوقُ الذِّلَّةِ بِهِمْ أوْلى والظُّلْمُ الشِّرْكُ وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خابَ﴾ إلَخْ حالٌ والرّابِطُ الواوُ لا مُعْتَرِضَةٌ لِأنَّها

صفحة 266

فِي مُقابَلَةٍ وهو مُؤْمِنٌ فِيما بَعْدُ، انْتَهى. قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: الظّاهِرُ مَعَ الزَّمَخْشَرِيِّ والتَّقابُلُ المَعْنَوِيُّ كافٍ فَإنَّ الِاعْتِراضَ لا يَتَقاعَدُ عَنِ الحالِ. انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ مِمّا لا يَخْتَصُّ بِتَفْسِيرِ الوُجُوهِ بِالإشْرافِ وجَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا بَلْ يَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ الكُفّارُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ﴾ إلَخْ خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى ولَمْ يَتُبْ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الظّاهِرُ أنَّ ألْ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ خَضَعَتْ واسْتَسْلَمَتْ جَمِيعُ الوُجُوهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَدْ خابَ﴾ إلَخْ يَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ والحالِيَّةَ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُشْرِكُونَ وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ العُصاةِ، وخَيْبَةُ كُلِّ حامِلٍ بِقَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الظُّلْمِ، فَخَيْبَةُ المُشْرِكِ دائِمَةٌ، وخَيْبَةُ المُؤْمِنِ العاصِي مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتِ العُقُوبَةِ إنْ عُوقِبَ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ مَعْنى- الحَيِّ القَيُّومِ- في آيَةِ الكُرْسِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى

20:112Page 319

وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا ١١٢

But he who does of righteous deeds while he is a believer - he will neither fear injustice nor deprivation.

﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ ولِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ عَلى هَذا كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ أيْ ومَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أيْ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْيِيدِ بِذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الطّاعاتِ وقَبُولِ الحَسَناتِ ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾ أيْ: مَنعَ ثَوابٍ مُسْتَحَقٍّ بِمُوجِبِ الوَعْدِ ﴿ولا هَضْمًا﴾ ولا مَنعَ بَعْضٍ مِنهُ تَقُولُ العَرَبُ هَضَمْتَ حَقِّي أيْ نَقَصْتَ مِنهُ ومِنهُ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ أيْ ضامِرُهُما وهَضْمُ الطَّعامِ تَلاشى في المَعِدَةِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى فَلا يَخافُ أنْ يَظْلِمَ فَيُزادَ في سَيِّئاتِهِ ولا أنْ يَهْضِمَ فَيَنْقُصَ مِن حَسَناتِهِ. والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَلا يَخافُ جَزاءَ ظُلْمٍ وهَضْمٍ إذْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ظُلْمٌ ولا هَضْمُ حَقِّ أحَدٍ حَتّى يَخافَ ذَلِكَ أوْ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ جَزاؤُهُما مَجازًا، ولَعَلَّ المُرادَ عَلى ما قِيلَ نَفْيُ الخَوْفِ عَنْهُ مِن ذَلِكَ مِن حَيْثُ إيمانُهُ وعَمَلُهُ بَعْضَ الصّالِحاتِ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ نَفْيَ أنْ يَكُونَ العَمَلُ الصّالِحُ مَعَ الإيمانِ ظُلْمًا أوْ هَضْمًا.

وقِيلَ: المُرادُ أنَّ مَن يَعْمَلُ ذَلِكَ وهو مُؤْمِنٌ هَذا شَأْنُهُ لِصَوْنِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَنِ الظُّلْمِ أوِ الهَضْمِ ولِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِالعَمَلِ الصّالِحِ مَعَهُ. فَلا يَرِدُ ما قِيلَ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ وبَعْضِ العَمَلِ أنْ لا يَظْلِمَ غَيْرَهُ ويَهْضِمَ حَقَّهُ ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ القَوْلَ بِحَذْفِ المُضافِ والتَّجَوُّزِ في هَذِهِ الآيَةِ في غايَةِ البُعْدِ وما قِيلَ مِنَ الِاعْتِراضِ قَوِيٌّ وما أُجِيبَ بِهِ كَما تَرى. ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ كَلامِ الجَوْهَرِيِّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، وظاهِرُ الآيَةِ قاضٍ بِالفَرْقِ وكَذا قَوْلُ المُتَوَكِّلِ اللَّيْثِيِّ:

إنَّ الأذِلَّةَ واللِّئامَ لَمَعْشَرٌ مَوْلاهُمُ المُتَهَضِّمُ المَظْلُومُ

ومِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الماوَرْدَيُّ حَيْثُ قالَ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الظُّلْمَ مَنعُ الحَقِّ كُلِّهِ والهَضْمُ مِنهُ بَعْضَهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٍ ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ. قالَ الطِّيبِيُّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ تُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ﴾ إلَخْ مِن حَيْثُ الإخْبارُ وأبْلَغُ مِنَ القِراءَةِ الأُخْرى مِن حَيْثُ الِاسْتِمْرارُ والأُخْرى أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّها لا تَقْبَلُ التَّرَدُّدَ في الإخْبارِ.

20:113Page 319

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا ١١٣

And thus We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 and have diversified therein the warnings that perhaps they will avoid [sin] or it would cause them remembrance.

﴿وكَذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾ والإشارَةُ إلى إنْزالِ ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْوَعِيدِ المُنْبِئَةِ عَمّا سَيَقَعُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ (أنْزَلْناهُ) أيِ: القُرْآنَ كُلَّهُ وهو تَشْبِيهٌ

صفحة 267

لِإنْزالِ الكُلِّ بِإنْزالِ الجُزْءِ والمُرادُ أنَّهُ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ سَبْقِ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِنَباهَةِ شَأْنِهِ وكَوْنِهِ مَرْكُوزًا في العُقُولِ حاضِرًا في الأذْهانِ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِيَفْهَمَهُ العَرَبُ ويَقِفُوا عَلى ما فِيهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ خارِجًا عَنْ طَوْقِ الآدَمِيِّينَ نازِلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ أيْ كَرَرْنا فِيهِ بَعْضَ الوَعِيدِ أوْ بَعْضًا مِنَ الوَعِيدِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ وجَعْلُها حالًا قَيْدَ الإنْزالِ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.

﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في لَعَلَّ، والمُرادُ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ الكُفْرَ والمَعاصِيَ بِالفِعْلِ ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ أيْ: عِظَةً واعْتِبارًا مُؤَدِّيًا في الآخِرَةِ إلى الِاتِّقاءِ، وكَأنَّهُ لَمّا كانَتِ التَّقْوى هي المَطْلُوبَةَ بِالذّاتِ مِنهم أسْنَدَ فِعْلَها إلَيْهِمْ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الذِّكْرُ كَذَلِكَ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ إلى ما سَمِعْتَ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّقْوى مَلَكَتُها، وأُسْنِدَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّها مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تُناسِبُ الإسْنادَ لِمَن قامَتْ بِهِ، وبِالذِّكْرِ العِظَةُ الحاصِلَةُ مِنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ المُثَبِّطَةُ عَنِ المَعاصِي، ولَمّا كانَتْ أمْرًا يَتَجَدَّدُ بِسَبَبِ اسْتِماعِهِ ناسَبَ الإسْنادَ إلَيْهِ، ووَصْفُهُ بِالحُدُوثِ المُناسِبِ لِتَجَدُّدِ الألْفاظِ المَسْمُوعَةِ، ولا يَخْفى بَعْدَ تَفْسِيرِ التَّقْوى بِمَلَكَتِها عَلى أنَّ في القَلْبِ مِنَ التَّعْلِيلِ شَيْئًا.

وفِي البَحْرِ أسْنَدَ تَرَجِّيَ التَّقْوى إلَيْهِمْ لِأنَّ التَّقْوى عِبارَةٌ عَنِ انْتِفاءِ فِعْلِ القَبِيحِ وذَلِكَ اسْتِمْرارٌ عَلى العَدَمِ الأصْلِيِّ، وأسْنَدَ تَرَجِّيَ أحْداثِ الذِّكْرِ لِلْقُرْآنِ لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنِ انْتَهى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ الإمامِ وفي قَوْلِهِ: لِأنَّ التَّقْوى إلى آخِرِهِ عَلى إطْلاقِهِ مَنعُ ظاهِرٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّقْوى بِتَرْكِ المَعاصِي والذِّكْرَ بِفِعْلِ الطّاعاتِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَجازًا لِما بَيْنَهُما مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبِّبِيَّةِ، فَكَلِمَةُ أوْ عَلى ما قِيلَ لِلتَّنْوِيعِ، وفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ الأمْرِ التَّخْلِيَةُ والتَّحْلِيَةُ. والإمامُ ذَكَرَ في الآيَةِ وجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ المَعْنى إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ لِيَصِيرُوا مُحْتَرِزِينَ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا يَدْعُوهم إلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي فالكَلامُ مُشِيرٌ أيْضًا إلى التَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ارْتِكابُ المُجارِ، والثّانِي أنَّ المَعْنى أنْزَلْنا القُرْآنَ لِيَتَّقُوا فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُحْدِثَ لَهم ذِكْرًا وشَرَفًا وصِيتًا حَسَنًا، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ المَعْنى وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا أيْ فَصِيحًا ناطِقًا بِالحَقِّ ساطِعًا بَيِّناتُهُ لَعَلَّهم يَحْدُثُ لَهُمُ التَّأمُّلُ والتَّفَكُّرُ في آياتِهِ وبَيِّناتِهِ الوافِيَةِ الشّافِيَةِ فَيُذْعِنُونَ ويُطِيعُونَ وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ العَذابَ. فَفي الآيَةِ لَفٌّ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ وهي عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ وعِنْدِي كَوْنُ الآيَةِ مُتَضَمِّنَةً لِلتَّخْلِيَةِ والتَّحْلِيَةِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ الحَسَنُ ( أوْ يُحْدِثْ ) بِسُكُونِ الثّاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ومُجاهِدٌ وأبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ في رِوايَةٍ والجَحْدَرِيُّ وسَلّامٌ ( أوْ نُحْدِثُ ) بِالنُّونِ وسُكُونِ الثّاءِ وذَلِكَ حَمْلُ وصْلٍ عَلى وقْفٍ أوْ تَسْكِينِ حَرْفِ الإعْرابِ اسْتِثْقالًا لِحَرَكَتِهِ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيِّ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

اليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِي

وقَوْلِ جَرِيرٍ:

سِيرُوا بَنِي العَمِّ فالأهْوازُ مَنزِلُكم ∗∗∗ ونَهْرُ تِيرِي ولا يَعْرِفْكُمُ العَرَبُ

20:114Page 320

فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤

So high [above all] is Allāh, the Sovereign,1 the Truth.2 And, [O Muḥammad], do not hasten with [recitation of] the Qur’ān before its revelation is completed to you, and say, "My Lord, increase me in knowledge."

﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ اسْتِعْظامٌ لَهُ تَعالى ولِما صُرِّفَ في القُرْآنِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والأوامِرِ والنَّواهِي وغَيْرِ ذَلِكَ وتَنْزِيهٌ لِذاتِهِ المُتَعالِيَةِ أنْ لا يَكُونَ إنْزالُ قُرْآنِهِ الكَرِيمِ مُنْتَهِيًا إلى غايَةِ الكَمالِيَّةِ مِن تَسَبُّبِهِ لِتَرْكِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ المَعاصِي، ولِفِعْلِهِمُ الطّاعاتِ وفِيهِ تَعْجِيبٌ واسْتِدْعاءٌ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ وعَلى تَعْظِيمِهِ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ

صفحة 268

سُبْحانَهُ ﴿المَلِكُ﴾ أيِ: المُتَصَرِّفُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْجى وعْدُهُ ويُخْشى وعِيدُهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوارِعَ القُرْآنِ سِياساتٌ إلَهِيَّةٌ يَتَضَمَّنُ صَلاحَ الدّارِينَ لا يَحِيدُ عَنْها إلّا مَخْذُولٌ هالِكٌ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الحَقُّ﴾ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِلَّهِ تَعالى أيِ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِمُوجِدِ الشَّيْءِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَهُ صِفَةً لِلْمَلِكِ ومَعْناهُ خِلافَ الباطِلِ أيِ الحَقُّ في مِلْكِيَّتِهِ يَسْتَحِقُّها سُبْحانَهُ لِذاتِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ القُرْآنَ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ حَقٌّ كُلُّهُ لا يَحُومُ حَوْلَ حِماهُ الباطِلُ بِوَجْهٍ، وأنَّ المُحِقَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ بُشْرا شَرِّهِ وأنَّ المُبْطِلَ مَن أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّرِ زَواجِرِهِ، وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِوَصْلِ النَّهْيِ عَنِ العَجَلَةِ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ﴾ أيْ: يُتَمَّ ﴿وحْيُهُ﴾ أيْ: تَبْلِيغُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ فَإنَّ مِن حَقِّ الإقْبالِ ذَلِكَ وكَذَلِكَ مِن حَقِّ تَعْظِيمِهِ.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ لِما فِيهِ مِن إنْشاءِ التَّعَجُّبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ حَيْثُ نَبَّهْتَ عَلى عَظَمَةِ جَلالَةِ المُنَزِّلِ وأرْشَدْتَ إلى فَخامَةِ المُنَزَّلِ فَعَظِّمْ جَنابَهُ المَلِكِ الحَقِّ المُتَصَرِّفِ في المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وأقْبِلْ بِكُلِّكَ عَلى تَحَفُّظِ كِتابِهِ وتَحَقُّقِ مَبانِيهِ ولا تَعْجَلْ بِهِ، وكانَ ﷺ إذا ألْقى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ القُرْآنَ يَتْبَعُهُ عِنْدَ تَلَفُّظِ كُلِّ حَرْفٍ وكُلِّ كَلِمَةٍ خَوْفًا أنْ يَصْعَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَحْفَظْهُ ﷺ فَنَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ إذْ رُبَّما يَشْغَلُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةٍ عَنْ سَماعِ ما بَعْدَها، ونَزَلَ عَلَيْهِ أيْضًا ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ الآيَةَ، وأمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْتِفاضَةِ العِلْمِ واسْتَزادَتِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ فَقِيلَ: ﴿وقُلْ﴾ أيْ في نَفْسِكَ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أيْ: سَلِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَدَلَ الِاسْتِعْجالِ زِيادَةَ العِلْمِ مُطْلَقًا أوْ في القُرْآنِ فَإنَّ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ بَلْ كُلِّ حَرْفٍ مِنهُ أسْرارًا ورُمُوزًا وعُلُومًا جَمَّةً وذَلِكَ هو الأنْفَعُ لَكَ، وقِيلَ: وجُمْلَةُ ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ذُكِرَتْ بَعْدَ الإنْزالِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ تَبْلِيغِ ما كانَ مُجْمَلًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَيانُهُ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ تَبْلِيغَ المُجْمَلِ وتِلاوَتَهُ قَبْلَ البَيانِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ ومَشْرُوعِيَّتِهِ.

ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الأمْرِ بِكِتابَتِهِ قَبْلَ أنْ تُفَسَّرَ لَهُ المَعانِي وتَتَقَرَّرُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هو دُونَهُ بِكَثِيرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نُهِيَ عَنِ الحُكْمِ بِما مَن شَأْنُهُ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ قُرْآنٌ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّ زَوْجَها لَطَمَها فَقالَ لَها: بَيْنَكُما القِصاصُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَوَقَفَ ﷺ حَتّى نَزَلَ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾»، وقالَ الماوَرْدَيُّ: إنَّهُ نُهِيَ عَنِ العَجَلَةِ بِطَلَبِ نُزُولِهِ. وذَلِكَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ وأُسْقُفَ نَجْرانَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنْ كَذا وقَدْ ضَرَبْنا لَكَ أجَلًا ثَلاثَةَ أيّامٍ فَأبْطَأ الوَحْيُ عَلَيْهِ وفَشَتِ المَقالَةُ بَيْنَ اليَهُودِ وزَعَمُوا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ غُلِبَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ﷺ، واسْتَعْجَلَ الوَحْيَ فَنَزَلَتْ ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ إلَخْ» وفي كِلا القَوْلَيْنِ ما لا يَخْفى.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ ( نَقْضِيَ ) بِنُونِ العَظَمَةِ مَفْتُوحَ الياءِ ( وحْيَهُ ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الأعْمَشُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ مِن ( نَقْضِي )، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن لا يَرى فَتْحَ الياءِ بِحالٍ إذا انْكَسَرَ ما قَبْلَها وحَلَّتْ طَرَفًا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَضْلِ العِلْمِ حَيْثُ أمَرَ ﷺ بِطَلَبِ زِيادَتِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ ما أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ

صفحة 269

فِي شَيْءٍ إلّا العِلْمِ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِما عَلَّمْتَنِي وعَلِّمْنِي ما يَنْفَعُنِي وزِدْنِي عِلْمًا والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ» ) . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَدْعُو ( اللَّهُمَّ زِدْنِي إيمانًا وفِقْهًا ويَقِينًا وعِلْمًا ) وما هَذا إلّا لِزِيادَةِ فَضْلِ العِلْمِ، وفَضْلُهُ أُظْهَرُ مِن أنْ يَذْكُرَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَنا الزِّيادَةَ فِيهِ ويُوَفِّقَنا لِلْعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском