Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:33–39
20:33–34Page 313
كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣
That we may exalt You much
وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤
And remember You much.
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ غايَةٌ لِلْأدْعِيَةِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ فَإنَّ فِعْلَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُكْثِرًا لِفِعْلِ الآخَرِ ومُضاعِفًا لَهُ بِسَبَبِ انْضِمامِهِ إلَيْهِ مُكْثِرٌ لَهُ في نَفْسِهِ أيْضًا بِسَبَبِ تَقْوِيَتِهِ وتَأْيِيدِهِ، إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ ما يَكُونُ مِنهُما بِالقَلْبِ أوْ في الخَلَواتِ حَتّى لا يَتَفاوَتَ حالُهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ بَلْ ما يَكُونُ مِنهُما في تَضاعِيفِ أداءِ الرِّسالَةِ ودَعْوَةِ المَرَدَةِ العُتاةِ إلى الحَقِّ وذَلِكَ مِمّا
صفحة 186
لا رَيْبَ في اخْتِلافِ حالَةٍ في حالَتَيِ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَصْدُرُ عَنْهُ بِتَأْيِيدِ الآخَرِ مِن إظْهارِ الحَقِّ ما لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُهُ حالَ الِانْفِرادِ، (وكَثِيرًا) في المَوْضِعَيْنِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ نُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَدَّعِيهِ فِرْعَوْنُ الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُهُ مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ مِنَ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ ونَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَمالِ والجَلالِ تَنْزِيهًا كَثِيرًا ووَصْفًا كَثِيرًا أوْ زَمانًا كَثِيرًا مِن جُمْلَتِهِ زَمانَ دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ وأوانَ المُحاجَّةِ مَعَهُ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.
وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ نُسَبِّحَكَ التَّسْبِيحَ في حالِ كَثْرَتِهِ، وكَذا يُقالُ في الأخِيرِ ولَيْسَ بِذاكَ، وتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ عَلى الذِّكْرِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ عَمّا يَلِيقُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ والذِّكْرُ ثَناءٌ بِما يَلِيقُ ومَحَلُّهُ اللِّسانُ، والقَلْبُ مُقَدَّمٌ عَلى اللِّسانِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَيْ نُصَلِّيَ لَكَ كَثِيرًا ونَحْمَدَكَ ونُثْنِيَ عَلَيْكَ كَثِيرًا بِما أوْلَيْتَنا مِن نِعَمِكَ ومَنَنْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن تَحْمِيلِ رِسالَتِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ.
﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ عالِمًا بِأحْوالِنا وبِأنَّ ما دَعَوْتُكَ بِهِ مِمّا يُصْلِحُنا ويُفِيدُنا في تَحْقِيقِ ما كَلَّفْتَهُ مِن إقامَةِ مَراسِمِ الرِّسالَةِ وبِأنَّ هارُونَ نِعْمَ الرَّدْءُ في أداءِ ما أمَرْتَ بِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَصِيرًا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْمُعَلِّلِ الأوَّلِ بَعْدَ اعْتِبارِ تَعْلِيلِهِ بِالعِلَّةِ الأُولى، ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ سَكَّنَ كافَ الضَّمِيرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، وجاءَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَعا بِمِثْلِ هَذا الدُّعاءِ إلّا أنَّهُ أقامَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَقامَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: ( رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإزاءِ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِمّا سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي عَلِيًّا أخِي اشْدُدْ بِهِ أزْرِي وأشْرِكْهُ في أمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» )، ولا يَخْفى أنَّهُ يَتَعَيَّنُ هُنا حَمْلُ الأمْرِ عَلى أمْرِ الإرْشادِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى النُّبُوَّةِ، ولا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ عَلى خِلافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِلا فَصْلٍ. ومِثْلُهُ فِيما ذُكِرَ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلى أهْلِ بَيْتِهِ: ( «أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي» ) كَما بَيَّنَ في التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، نَعَمْ في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ فَضْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ما لا يَخْفى، ويَنْبَغِي أيْضًا أنْ يُتَأوَّلَ طَلَبُهُ ﷺ حَلَّ العُقْدَةِ بِنَحْوِ اسْتِمْرارِ ذَلِكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أفْصَحَ النّاسِ لِسانًا
20:36Page 313
قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦
[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.
﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أيْ: قَدْ أُعْطِيتَ سُؤْلَكَ فَفُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ والأُكْلِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ والمَأْكُولِ، والإيتاءُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِوُقُوعِ تِلْكَ المَطالِبِ وحُصُولِها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ البَتَّةَ وتَقْدِيرُهُ تَعالى إيّاها حَتْمًا فَكُلُّها حاصِلَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ وُقُوعُ بَعْضِها بِالفِعْلِ مُرَتَّبًا بَعْدُ كَتَيْسِيرِ الأمْرِ وشَدِّ الأزْرِ وبِاعْتِبارِهِ قِيلَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ وظاهِرُ بَعْضِ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّ شَرِكَةَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ أيِ اسْتِنْبائِهِ كَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَتْ في ذَلِكَ المَقامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ مَعَ أخِيهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ نَبِّئْ هارُونَ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ونِداؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْرِيفٌ لَهُ بِالخِطابِ إثْرَ تَشْرِيفٍ.
20:37Page 313
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧
And We had already conferred favor upon you another time,
صفحة 187
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ وزِيادَةُ تَوْطِينٍ لِنَفْسِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقَبُولِ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ التّامَّةِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دُعاءٍ وطَلَبٍ مِنهُ فَلَأنْ يُنْعَمَ عَلَيْهِ بِمِثْلِها وهو طالِبٌ لَهُ وداعٍ أوْلى وأحْرى. وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ أنْعَمْنا ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ أيْ في وقْتٍ غَيْرِ هَذا الوَقْتِ عَلى أنَّ أُخْرى تَأْنِيثٌ آخَرُ بِمَعْنى مُغايَرَةٍ (ومَرَّةً) ظَرْفٌ زَمانٍ والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ المُمْتَدُّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ في المِنَنِ العَظِيمَةِ الكَثِيرَةِ وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِلْمُرُورِ الواحِدِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ فِعْلَةٍ واحِدَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ كانَتْ أوْ لازِمَةٍ ثُمَّ شاعَ في كُلِّ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ ما لَهُ أفْرادٌ مُتَجَدِّدَةٌ، فَصارَ عَلَمًا في ذَلِكَ حَتّى جُعِلَ مِعْيارًا لِما في مَعْناهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ، فَقِيلَ هَذا بِناءُ المَرَّةِ ويَقْرُبُ مِنهُ الكَرَّةُ والتّارَةُ والدَّفْعَةُ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ مِنهُ غَيْرُ هَذِهِ المِنَّةِ ولَيْسَتْ (أُخْرى) تَأْنِيثُ آخِرٍ بِكَسْرِ الخاءِ لِتَكُونَ مُقابِلَةً لِلْأُولى. وتَوَهَّمَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: سَمّاها سُبْحانَهُ أُخْرى وهي أُولى لِأنَّها أُخْرى في الذِّكْرِ.
20:38Page 314
إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨
When We inspired to your mother what We inspired,
﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ظَرْفٌ لِمَنَّنا سَواءٌ كانَ بَدَلًا مِن مَرَّةٍ أمْ لا، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ بِالإيحاءِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ما كانَ بِإلْهامٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّهُ قالَ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ومِثْلُهُ لا يُعْلَمُ بِالإلْهامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّها قَدْ تَكُونُ شاهَدَتْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ وأنَّهُ تَعالى لا يُضَيِّعُهُ، وإلْهامُ الأنْفُسِ القُدْسِيَّةِ مِثْلُ ذَلِكَ لا بُعْدَ فِيهِ فَإنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الكَشْفِ. ألا تَرى قَوْلَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وقَدْ سَمّى نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُحَمَّدًا فَقِيلَ لَهُ: لِمَ سَمَّيْتَ ولَدَكَ مُحَمَّدًا ولَيْسَ في أسْماءِ آبائِكَ؟: إنَّهُ سَيُحْمَدُ، وفي رِوايَةٍ رَجَوْتُ أنْ يُحْمَدَ في السَّماءِ والأرْضِ مَعَ أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ داخِلًا في المُلْهَمِ لَيْسَ بِلازِمٍ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ كانَ يُبْعَثُ مَلَكٌ إلَيْها لا عَلى جِهَةِ النُّبُوَّةِ كَما بُعِثَ إلى مَرْيَمَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَلَكَ يُبْعَثُ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو الصَّحِيحُ لَكِنْ قِيلَ: عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ يُنْتَقَضُ تَعْرِيفُ النَّبِيِّ بِأنَّهُ مَن أُوحِيَ إلَيْهِ، عَلى وجْهِ النُّبُوَّةِ دارَ التَّعْرِيفِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ. ولَوْ قِيلَ: مَن أُوحِيَ إلَيْهِ بِأحْكامٍ شَرْعِيَّةٍ لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِها لَمْ يَلْزَمْ مَحْذُورٌ. وقالَ الجُبّائِيُّ: أنَّهُ كانَ بِالإراءَةِ مَنامًا. وقِيلَ: كانَ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ في وقْتِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافَ الظّاهِرِ فَإنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ كانَ نَبِيٌّ في مِصْرَ زَمَنَ فِرْعَوْنَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ النَّبِيِّ في مِصْرَ، وقَدْ كانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا في زَمَنِ فِرْعَوْنَ في مَدْيَنَ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أخْبَرَها بِذَلِكَ عَلى أنَّ كَثْرَةَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا شاعَ وذاعَ، والحَقُّ أنَّ إنْكارَ كَوْنِ ذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ مُكابَرَةٌ. واخْتُلِفَ في اسْمِ أُمِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَشْهُورُ أنَّهُ يُوحانْذُ، وفي الإتْقانِ هي مِحْيانَةُ بِنْتُ يَصْهَرَ بْنِ لاوِي، وقِيلَ: بارْخا وقِيلَ: بازَخْتُ وما اشْتُهِرَ مِن خاصِّيَّةِ فَتْحِ الأقْفالِ بِهِ بَعْدَ رِياضَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَهُ مِمّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ أثَرًا ولَعَلَّهُ حَدِيثُ خُرافَةٍ، والمُرادُ بِما يُوحى ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى فِيما بَعْدُ مِنَ الأمْرِ بِقَذْفِهِ في التّابُوتِ. وقَذْفُهُ في البَحْرِ أبْهَمُ أوَّلًا تَهْوِيلًا لَهُ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ثُمَّ فُسِّرَ لِيَكُونَ أقَرَّ عِنْدَ النَّفْسِ، وقِيلَ: مَعْناهُ ما يَنْبَغِي أنْ يُوحى ولا يُخَلَّ بِهِ لِعِظَمِ شَأْنِهِ وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِهِ كَما يُقالُ هَذا مِمّا يُكْتَبُ، وقِيلَ: لا يُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِكُلٍّ مِنَ المَعانِي السّابِقَةِ المُرادَةِ بِالإيحاءِ إلّا أنَّهُ قِيلَ: عَلَيْهِ إنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ
صفحة 188
مِنهُ التَّفْخِيمَ والتَّهْوِيلَ لَقِيلَ إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما أوْحَيْنا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾، وقالَ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ فَإنْ تَمَّ هَذا فَما قِيلَ في مَعْناهُ ثانِيًا أوْلى فَتَدَبَّرْ.
20:39Page 314
أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩
[Saying], 'Cast him into the chest and cast it into the river, and the river will throw it onto the bank; there will take him an enemy to Me and an enemy to him.' And I bestowed upon you love from Me1 that you would be brought up under My eye [i.e., observation and care].
وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ الوَحْيَ مِن بابِ القَوْلِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الباءُ أيْ بِأنِ اقْذِفِيهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أنْ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ بَدَلٌ مِن ما، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْلِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلِ الأمْرِ، والمُرادُ بِالقَذْفِ ها هُنا الوَضْعُ، وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ فالمُرادُ بِهِ الإلْقاءُ والطَّرْحُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الوَضْعَ في المَوْضِعَيْنِ، و(اليَمِّ) البَحْرُ لا يُكْسَرُ ولا يُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ، وفي البَحْرِ هو اسْمٌ لِلْبَحْرِ العَذْبِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلنِّيلِ خاصَّةً ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهَذا التَّفْصِيلُ هُنا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ لا القَذْفُ بِلا تابُوتٍ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ أيْ بِشاطِئِهِ وهو الجانِبُ الخالِي عَنِ الماءِ مَأْخُوذٌ مِن سَحْلِ الحَدِيدِ أيْ بَرَدَهُ وقَشَرَهُ وهو فاعِلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ أيْ يُقَشِّرُهُ أوْ هو لِلنَّسَبِ أيْ ذُو سَحْلٍ يَعُودُ الأمْرُ إلى مَسْحُولٍ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ يَسْحَلُ الماءَ أيْ يُفَرِّقُهُ ويُضَيِّعُهُ وقِيلَ: هو مِنَ السَّحِيلِ وهو النَّهِيقُ لِأنَّهُ يُسْمَعُ مِنهُ صَوْتٌ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُقابِلُ الوَسَطَ وهو ما يَلِي السّاحِلَ مِنَ البَحْرِ حَيْثُ يَجْرِي ماؤُهُ إلى نَهْرِ فُوعُونَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالسّاحِلِ الجانِبُ والطَّرَفُ مُطْلَقًا والمُرادُ مِنَ الأمْرِ الخَبَرُ واخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: ( «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم» ) ولِإخْراجِ ذَلِكَ مَخْرَجَ الأمْرِ حُسْنُ الجَوابِ فِيما بَعْدُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ لَمّا كانَ إلْقاءُ البَحْرِ إيّاهُ بِالسّاحِلِ أمْرًا واجِبَ الوُقُوعِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِهِ جُعِلَ البَحْرُ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ مُطِيعُ أمْرٍ بِذَلِكَ، وأخْرَجَ الجَوابَ مَخْرَجَ الأمْرِ فَفي اليَمِّ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ وإثْباتُ الأمْرِ تَخْيِيلٌ، وقِيلَ: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً والضَّمائِرُ كُلُّها لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ والمَقْذُوفُ في البَحْرِ والمُلْقى بِالسّاحِلِ، وإنْ كانَ هو التّابُوتُ أصالَةً لَكِنْ لَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ ما فِيهِ جُعِلَ التّابُوتُ تَبَعًا لَهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّمِيرانِ الأخِيرانِ لِلتّابُوتِ، ومَتى كانَ الضَّمِيرُ صالِحًا لِأنْ يَعُودَ عَلى الأقْرَبِ وعَلى الأبْعَدِ كانَ عُودُهُ عَلى الأقْرَبِ راجِحًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ، وبِهَذا رُدَّ عَلى أبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في دَعْواهُ عَوْدَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ عَلى لَحْمٍ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ لا عَلى خِنْزِيرٍ فَيَحِلُّ شَحْمُهُ وغُضْرُوفُهُ وعَظْمُهُ وجِلْدُهُ عِنْدَهُ لِذَلِكَ، والحَقُّ أنَّ عَدَمَ التَّفْكِيكِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أوْلى، وما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما لا يَخْفى ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِالإلْقاءِ وتَكْرِيرُ العَدُوِّ لِلْمُبالَغَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَداوَتَهُ كَثِيرَةٌ لا واحِدَةٌ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ لِلْواقِعِ والثّانِيَ لِلْمُتَوَقَّعِ ولَيْسَ مِنَ التَّكْرِيرِ لِلْمُبالَغَةِ في شَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْعُ جَوازٍ أنْ يُقالَ: عَدُوٌّ لِي ولَهُ وهو لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ القائِلِينَ بِجَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ ولَيْسَ فِيهِ الجَمْعُ المَذْكُورُ فَإنَّ فِرْعَوْنَ وقْتَ الأخْذِ مُتَّصِفٌ بِالعَداوَةِ لِلَّهِ تَعالى ولَهُ في الواقِعِ، أمّا اتِّصافُهُ بِعَداوَةِ اللَّهِ تَعالى فَظاهِرٌ، وأمّا اتِّصافُهُ بِعَداوَةِ مُوسى فَمِن حَيْثُ إنَّهُ يُبْغِضُ كُلَّ مَوْلُودٍ في تِلْكَ السَّنَّةِ، ولَوْ قُلْنا بِعَدَمِ الِاتِّصافِ بِعَداوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ أيْضًا ويُعْتَبَرَ عُمُومُ المَجازِ وهو المُخَلِّصُ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فِيما يُدَّعى فِيهِ ذَلِكَ.
صفحة 189
وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ الجَمْعُ لِأنَّ (عَدُوٌّ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ دالَّةٌ عَلى الثُّبُوتِ الشّامِلِ لِلْواقِعِ والمُتَوَقَّعِ. ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ الثُّبُوتَ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِمَعْنى الدَّوامِ، وقَدْ قالَ هو في الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾: إنَّ مَعْنى دَلالَتِها عَلى الثُّبُوتِ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى تَجَدُّدٍ وحُدُوثٍ لا أنَّها تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، فَما يُقالُ إنَّ (مَرَحًا) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ ونَفْيُهُ لا يَقْتَضِي نَفْيَ أصْلِهِ مُغالَطَةٌ نَشَأتْ مِن عَدَمِ فَهْمِ مَعْنى الثُّبُوتِ فِيها انْتَهى، عَلى أنَّ كَلامَهُ هُنا بَعْدَ الإغْماضِ عَنْ مُنافاتِهِ لِما ذَكَرَهُ قَبْلُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
ومِمّا ذَكَرَهُ فِيما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِ مَعْنى الثُّبُوتِ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُقْبَلْ إيمانُهُ وماتَ كافِرًا كَما هو الحَقُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وكَمْ لَهُ مِن دَلِيلٍ صَحِيحٍ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ لَها هَذا العَدُوَّ ولَمْ يُعْلِمْها بِاسْمِهِ وإلّا لَما قالَتْ لِأُخْتِهِ (قُصِّيهِ) .
﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ كَلِمَةُ مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما في تَنْكِيرِها مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ مَحَبَّةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنِّي قَدْ زَرَعْتُها في القُلُوبِ، فَكُلُّ مَن رَآكَ أحَبَّكَ بِحَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنْكَ، قالَ مُقاتِلٌ: كانَ في عَيْنَيْهِ مَلاحَةً ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جُعِلَتْ عَلَيْهِ مَسْحَةُ جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ، رُوِيَ أنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُوحِيَ إلَيْها ما أُوحِيَ جَعَلَتْهُ في تابُوتٍ مِن خَشَبٍ، وقِيلَ: مِن بَرْدِيٍّ عَمِلَهُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وسَدَّتْ خُرُوقَهُ وفَرَشَتْ فِيهِ نِطْعًا، وقِيلَ: قُطْنًا مَحْلُوجًا وسَدَّتْ فَمَهُ وجَصَّصَتْهُ وقَيَّرَتْهُ وألْقَتْهُ في اليَمِّ، فَبَيْنَمافِرْعَوْنُ في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِّيلِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ إذْ رَأى التّابُوتَ عِنْدَ السّاحِلِ فَأمَرَ بِهِ فَفُتِحَ فَإذا صَبِيٌّ أصْبَحُ النّاسِ وجْهًا فَأحَبَّهُ هو وامْرَأتُهُ حُبًّا شَدِيدًا.
وقِيلَ: إنَّ التّابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَتْ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ مِنها الماءَ فَأخَذْنَ التّابُوتَ وجِئْنَ بِهِ إلَيْها وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّ فِيهِ مالًا، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَبَّتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَتَّخِذَهُ ولَدًا، وقالَتْ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ، فَقالَ لَها: يَكُونُ لَكِ وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ. ومِن هُنا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما رَواهُ النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ( «والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ بِأنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ لَهَداهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ» )، وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ جالِسًا عَلى رَأْسِ بِرْكَةٍ لَهُ في بُسْتانٍ ومَعَهُ امْرَأتُهُ فَرَأى التّابُوتَ وقَدْ دَفَعَهُ الماءُ إلى البِرْكَةِ مِن نَهْرٍ يَشْرَعُ مِنَ اليَمِّ فَأمَرَ بِإخْراجِهِ فَأُخْرِجَ فَفَتَحَ فَإذا صَبِيٌّ أجْمَلُ النّاسِ وجْهًا فَأحَبَّهُ حَتّى لا يَكادَ يَصْبِرُ عَنْهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بِحَضْرَتِهِ حِينَ رَأى التّابُوتَ أرْبَعُمِائَةِ غُلامٍ وجارِيَةٍ فَحِينَ أشارَ بِأخْذِهِ وعَدَ مَن يَسْبِقُ إلى ذَلِكَ بِالإعْتاقِ، فَتَسابَقُوا جَمِيعًا ولَمْ يَظْفَرْ بِأخْذِهِ إلّا واحِدٌ مِنهم فَأعْتَقَ الكُلَّ، وفي هَذا ما يُطْمِعُ المُقَصِّرَ في العَمَلِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، وقِيلَ: كَلِمَةُ مِن مُتَعَلِّقَةٍ بِألْقَيْتُ فالمَحَبَّةُ المُلْقاةُ بِحَسَبِ الذَّوْقِ هي مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لَهُ أيْ أحْبَبْتُكَ ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ تَعالى أحَبَّتْهُ القُلُوبُ لا مَحالَةَ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا بِأنَّ في الصِّغَرِ لا يُوصَفُ الشَّخْصُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَإنَّها تَرْجِعُ إلى إيصالِ الثَّوابِ وهو إنَّما يَكُونُ لِلْمُكَلَّفِ. ورُدَّ بِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ المُؤَوِّلِينَ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ والنَّفْعِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ جَزاءً عَلى عَمَلٍ أوْ لا يَكُونُ والرَّدُّ عِنْدَ مَن لا يُؤَوِّلُ أظْهَرُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم إرادَةَ المَعْنى الثّانِي عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في التَّعَلُّقِ وإرادَةِ المَعْنى الأوَّلِ عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ، وزَعَمَ أنَّ وجْهَ التَّخْصِيصِ غَيْرُ ظاهِرٍ وهو لا يَخْفى
صفحة 190
عَلى ذِي ذِهْنٍ مُسْتَقِيمٍ وذَوْقٍ سَلِيمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْتُ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى عِلَّةٍ مُضْمَرَةٍ أيْ لِيُتَعَطَّفَ عَلَيْكَ ولِتُصْنَعَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ أيْ ولِتُصْنَعَ إلَخْ فَعَلْتُ ذَلِكَ أيْ إلْقاءَ المَحَبَّةِ عَلَيْكَ، وزَعَمَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْتُ عَلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ وعَلى عَيْنِي أيْ بِمَرْأًى مِنِّي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَتِرِ في ( تُصْنَعَ ) وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْحِفْظِ والصَّوْنِ فَإنَّ المَصُونَ يُجْعَلُ بِمَرْأً والصُّنْعُ الإحْسانُ، قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ صَنَعْتُ الفَرَسَ إذا أحْسَنْتُ إلَيْهِ.
والمَعْنى ولِيَفْعَلَ بِكَ الصَّنِيعَةَ والإحْسانَ وتُرَبّى بِالحُنُوِّ والشَّفَقَةِ وأنا مُراعِيكَ ومُراقِبُكَ كَما يُراعِي الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ إذا اعْتَنى بِهِ. ويُجْعَلُ ذَلِكَ تَمْثِيلًا يَنْدَفِعُ ما قالَهُ الواحِدِيُّ مِن أنَّ تَفْسِيرَ ﴿عَلى عَيْنِي﴾ بِما تَقَدَّمَ صَحِيحٌ ولَكِنْ لا يَكُونُ في ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ: هَذا الِاخْتِصاصُ لِلتَّشْرِيفِ كاخْتِصاصِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى والكَعْبَةِ بِبَيْتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الكُلَّ مَوْجُودٌ بِكُنْ وكُلَّ البُيُوتِ بَيْتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى لِتُغَذّى عَلى مَحَبَّتِي وإرادَتِي وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ الأنْبارِيِّ وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّهُ الصَّحِيحُ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو نَهِيكٍ ولِتَصْنَعَ ) بِفَتْحِ التّاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: المَعْنى لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكِ عَلى عَيْنٍ مِنِّي لِئَلّا تُخالِفَ أمْرِي.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ ( ولِتُصْنَعْ ) بِكَسْرِ اللّامِ وجَزْمِ الفِعْلِ بِها لِأنَّها لامُ الأمْرِ وأمْرُ المُخاطَبِ بِاللّامِ شاذٌّ لَكِنْ لَمّا كانَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هُنا وكانَ أصْلُهُ مُسْنَدًا لِلْغائِبِ ولا كَلامَ في أمْرِهِ بِاللّامِ اسْتَصْحَبَ ذَلِكَ بَعْدَ نَقْلِهِ إلى المَفْعُولِ لِلِاخْتِصارِ، والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ إلّا أنَّ فِيهِ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وفِيهِ كَلامٌ مَشْهُورٌ لَكِنْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ هَوَّنَ أمْرَهُ كَوْنُ الأمْرِ في مَعْنى الخَبَرِ.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (فَلْيُلْقِهِ) فَلا عَطْفَ فِيهِ لِلْإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ أُخْرى كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سَكَّنَ اللّامَ وهي لامُ الأمْرِ أيْضًا وبَقِيَّةُ الكَلامِ نَحْوُ ما مَرَّ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ سُكِّنَتْ تَخْفِيفًا ولَمْ يَظْهَرْ فَتْحُ العَيْنِ لِلْإدْغامِ، قالَ الخَفاجِيُّ: وهَذا حَسَنٌ جِدًّا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences