Al-AlusiTaha · 20:45–49

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:45–49

20:45Page 314

قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥

They said, "Our Lord, indeed we are afraid that he will hasten [punishment] against us or that he will transgress."

﴿قالا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا حِينَ أُمِرا بِما أُمِرا؟ فَقِيلَ قالا إلَخْ، وأُسْنِدَ القَوْلُ إلَيْهِما مَعَ أنَّ القائِلَ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القَوْلِ بِغَيْبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّغْلِيبِ كَما مَرَّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ اجْتِماعِهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَكى قَوْلَهُ مَعَ قَوْلِ مُوسى عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَإنَّ هَذا الخِطابَ قَدْ حُكِيَ لَنا بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنَ المُخاطَبِينَ لَمْ يُخاطَبْ إلّا بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُما مُجْتَمَعَيْنِ عِنْدَ الطُّورِ وقالا جَمِيعًا ﴿رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ أيْ أنْ يَعْجَلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ ولا يَصْبِرَ إلى إتْمامِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ المُعْجِزَةِ مِن فَرَطَ إذا تَقَدَّمَ، ومِنهُ الفارِطُ المُتَقَدِّمُ المَوْرِدُ والمَنزِلُ، وفَرَسٌ فارِطٌ يَسْبِقُ الخَيْلَ، وفاعِلُ (يَفْرُطَ) عَلى هَذا فِرْعَوْنُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا مِنهُ قَوْلٌ فَأضْمَرَ القَوْلَ كَما تَقُولُ فَرَطَ مِنِّي قَوْلٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَرَأ يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ في رِوايَةٍ ( يُفْرَطَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مِن أفَرَطْتْهْ إذا حَمَلْتَهُ عَلى العَجَلَةِ أيْ نَخافُ أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ مِنَ الِاسْتِكْبارِ أوِ الخَوْفِ عَلى المِلْكِ أوْ غَيْرِهِما عَلى المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ والزَّعْفَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ ( يُفْرِطَ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ. واسْتَشْكَلَ هَذا القَوْلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ فَإنَّهُ مَذْكُورٌ قَبْلَ قَوْلِهِما هَذا بِدَلالَةِ ( سَنَشُدُّ ) وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُما مَحْفُوظانِ مِن عُقُوبَتِهِ وأذاهُ فَكَيْفَ يَخافانِ مِن ذَلِكَ. وأُجِيبَ: بِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَصِلُونَ بِالعُقُوبَةِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ لا يَصِلُونَ إلى إلْزامِكُما بِالحُجَّةِ مَعَ أنَّ التَّقَدُّمَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ولَوْ قُدِّمَ في الحِكايَةِ لا سِيَّما والواوُ لا تَدُلُّ عَلى تَرْتِيبِ، والتَّفْسِيرُ المَذْكُورُ مَأْثُورٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وزَعَمَ الإمامُ أنَّهُما قَدْ أمِنا وُقُوعَ ما يَقْطَعُهُما عَنِ الأداءِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ إلّا أنَّهُما طَلَبا بِما ذُكِرَ ما يَزِيدُ في ثَباتِ قُلُوبِهِما بِأنْ يَنْضافَ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ وذَلِكَ نَظِيرَ ما وقَعَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ ولا يَخْفى أنَّ في دَعْوى عِلْمِهِما بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَدَمُ وُقُوعِ ما يَقْطَعُهُما عَنِ الأداءِ عَبَثًا. واسْتَشْكَلَ أيْضًا حُصُولُ الخَوْفِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَمْنَعُ عَنْ حُصُولِ شَرْحَ الصَّدْرِ لَهُ الدّالُّ عَلى تَحَقُّقِهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ سُؤالِهِ إيّاهُ ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . وأجابَ الإمامُ بِأنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنْ قُوَّتِهِ عَلى ضَبْطِ تِلْكَ الأوامِرِ والنَّواهِي وحِفْظِ تِلْكَ الشَّرائِعِ عَلى وجْهٍ لا يَتَطَرَّقُ

صفحة 197

إلَيْها السَّهْوُ والتَّحْرِيفُ وذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ زَوالِ الخَوْفِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ هُنا عِبارَةٌ عَنْ تَوْسِيعِهِ وهو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الضَّجَرِ والقَلَقِ القَلْبِيِّ مِمّا يَرُدُّ مِنَ المَشاقِّ في طَرِيقِ التَّبْلِيغِ وتَلَقِّي ذَلِكَ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ وحُسْنِ الثَّباتِ.

وأُجِيبَ عَلى هَذا بِأنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الخَوْفِ مِن شَيْءٍ والصَّبْرِ عَلَيْهِ وعَدَمِ الضَّجَرِ مِنهُ إذا وقَعَ، ألا تَرى كَثِيرًا مِنَ الكامِلِينَ يَخافُونَ مِنَ البَلاءِ ويَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى الحِفْظَ مِنهُ، وإذا نَزَلَ بِهِمُ اسْتَقْبَلُوهُ بِصَدْرٍ واسِعٍ وصَبَرُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَضْجَرُوا مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ لَمْ يَخافا مِنَ العُقُوبَةِ إلّا لِقَطْعِها الأداءَ المَرْجُوَّ بِهِ الهِدايَةُ، فَخَوْفُهُما في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ القَطْعِ وعَدَمِ إتْمامِ التَّبْلِيغِ، ولَمْ يَسْألْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَرْحَ الصَّدْرِ لِتَحَمُّلِ ذَلِكَ. واسْتُشْكِلَ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ سَألَ وأُوتِيَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ فَكَيْفَ يَخافُ قَطْعَ الأداءِ بِالعُقُوبَةِ. وأُجِيبَ: بِأنَّ هَذا تَنْصِيصٌ عَلى طَلَبِ رَفْعِ المانِعِ الخاصِّ بَعْدَ طَلَبِ رَفْعِ المانِعِ العامِّ وطَلَبٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلى رَفْعِهِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّ في الآيَةِ تَغْلِيبًا مِنهُ لِأخِيهِ هارُونَ عَلى نَفْسِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلى أمْنِهِ عَلَيْهِ فَتَأمَّلَ، واسْتَشْكَلَ أيْضًا عَدَمُ الذَّهابِ والتَّعَلُّلِ بِالخَوْفِ مَعَ تَكَرُّرِ الأمْرِ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى المَعْصِيَةِ وهي غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الصَّحِيحِ.

وأجابَ الإمامُ بِأنَّ الدَّلالَةَ مُسَلَّمَةٌ لَوْ دَلَّ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ ولَيْسَ فَلَيْسَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَضِي الفَوْرَ إذا ضَمَمْتُ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، و(أوْ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ لِمَنعِ الخُلُوِّ، والمُرادُ أوْ أنْ يَزْدادَ طُغْيانًا إلى أنْ يَقُولَ في شَأْنِكَ ما لا يَنْبَغِي لِكَمالِ جَراءَتِهِ وقَساوَتِهِ وإطْلاقِهِ مِن حُسْنِ الأدَبِ، وفِيهِ اسْتِنْزالٌ لِرَحْمَتِهِ تَعالى وإظْهارُ كَلِمَةِ أنْ مَعَ سَدادِ المَعْنى بِدُونِهِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالأمْرِ والإشْعارِ بِتَحَقُّقِ الخَوْفِ مِن كُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ.

20:46Page 314

قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦

[Allāh] said, "Fear not. Indeed, I am with you both; I hear and I see.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ، ولَعَلَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ كَما قِيلَ لِلْإشْعارِ بِانْتِقالِ الكَلامِ مِن مَساقٍ إلى مَساقٍ آخَرَ فَإنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ الوارِدَةِ عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ حِكايَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِخِلافِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ فَإنَّ ما قَبْلَهُ أيْضًا وارِدٌ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُما رَبُّهُما عِنْدَ تَضَرُّعِهِما إلَيْهِ سُبْحانَهُ؟ فَقِيلَ: قالَ أيْ لَهُما ﴿لا تَخافا﴾ مِمّا ذَكَرْتُما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ النَّهْيِ ومَزِيدُ تَسْلِيَةٍ لَهُما، والمُرادُ بِمَعِيَّتِهِ سُبْحانَهُ كَمالُ الحِفْظِ والنُّصْرَةِ كَما يُقالُ: اللَّهُ تَعالى مَعَكَ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ وهو بِتَقْدِيرِ المَفْعُولِ أيْ ما يَجْرِي بَيْنَكُما وبَيْنَهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ، فَأفْعَلُ في كُلِّ حالٍ ما يَلِيقُ بِها مِن دَفْعِ شَرٍّ وجَلْبِ خَيْرٍ.

وقالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في مُقابَلَةِ القَوْلِ السّابِقِ ويَكُونانِ قَدْ عَنَيا أنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا بِأنْ لا يَسْمَعَ مِنّا أوْ أنْ يَطْغى بِأنْ يَقْتُلَنا فَأجابَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ﴾ أيْ: كَلامَكُما فَأُسَخِّرُهُ لِلِاسْتِماعِ (وأرى) أفْعالَهُ فَلا أتْرُكُهُ يَفْعَلُ بِكُما ما تَكْرَهانِهِ فَقَدَّرَ المَفْعُولَ أيْضًا لَكِنَّهُ كَما تَرى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جائِزٌ أنْ لا يُقَدَّرَ شَيْءٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أنا حافِظٌ لَكُما وناصِرُ سامِعٌ مُبْصِرٌ وإذا كانَ الحافِظُ والنّاصِرُ كَذَلِكَ تَمَّ الحِفْظُ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نَظَرَ إلى المَفْعُولِ وقَدْ نَزَلَ الفِعْلُ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِأنَّهُ أُرِيدَ تَتْمِيمُ ما يَسْتَقِلُّ بِهِ الحِفْظُ

صفحة 198

والنُّصْرَةُ ولَيْسَ مِن بابِ قَوْلِ المُتَنَبِّي:

شَجْوُ حُسّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعٍ

عَلى ما زَعَمَ الطِّيبِيُّ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ صِفَتانِ زائِدَتانِ عَلى العِلْمِ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ دالٌّ عَلى العِلْمِ ولَوْ دَلَّ ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ عَلَيْهِ لَزِمَ التَّكْرارُ وهو خِلافُ الأصْلِ.

20:47Page 314

فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧

So go to him and say, 'Indeed, we are messengers of your Lord, so send with us the Children of Israel and do not torment them. We have come to you with a sign from your Lord. And peace1 will be upon he who follows the guidance.

﴿فَأْتِياهُ﴾ أمْرٌ بِإتْيانِهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَ ما أُمِرا بِالذَّهابِ إلَيْهِ فَلا تَكْرارَ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿لا تَخافا﴾ بِاعْتِبارِ تَعْلِيلِهِ بِما بَعْدَهُ ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أُمِرا بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِيَعْرِفَ الطّاغِيَةُ شَأْنَهُما ويَبْنِيَ جَوابَهُ عَلَيْهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى وإنْ رَأى اللَّعِينُ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيرًا لَهُ حَيْثُ إنَّهُ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ ولا يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ الإغْلاظِ في القَوْلِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى آخِرِهِ خِلافًا لِلْإمامِ، والفاءُ في (فَأرْسِلْ) لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ رَسُولَيْ رَبِّهِ تَعالى مِمّا يُوجِبُ إرْسالَهم مَعَهُما والمُرادُ بِالإرْسالِ إطْلاقُهم مِنَ الأُسَرِ وإخْراجُهم مِن تَحْتِ يَدِهِ العادِيَةِ لا تَكْلِيفُهم أنْ يَذْهَبُوا مَعَهُما إلى الشّامِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ أيْ بِإبْقائِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ فَإنَّهم كانُوا تَحْتَ مَلِكَةِ القِبْطِ يَسْتَخْدِمُونَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ كالحَفْرِ والبِناءِ ونَقْلِ الأحْجارِ وكانُوا يَقْتُلُونَ أبْناءَهم عامًا دُونَ عامٍ ويَسْتَخْدِمُونَ نِساءَهُمْ، ولَعَلَّهُما إنَّما بَدَآ بِطَلَبِ إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ دَعْوَةِ الطّاغِيَةِ وقَوْمِهِ إلى الإيمانِ لِلتَّدْرِيجِ في الدَّعْوَةِ، فَإنَّ إطْلاقَ الأسْرى دُونَ تَبْدِيلِ الِاعْتِقادِ، وقِيلَ: لِأنَّ تَخْلِيصَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكَفَرَةِ أهَمُّ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ وهَذا بَعْدَ تَسْلِيمِهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الباطِنِ أوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا بُدَّ لِذَلِكَ مِن دَلِيلٍ، وقِيلَ: إنَّما بَدَأ بِطَلَبِ إرْسالِهِمْ لِما فِيهِ مِن إزالَةِ المانِعِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ وهي أهَمُّ مِن دَعْوَةِ القِبْطِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ هُنا لِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ ودَفْعِ طُغْيانِهِ فَهي الأهَمُّ دُونَ دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ ما طَلَبا مِنهُ الإيمانُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ آيَةُ النّازِعاتِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُنا اكْتِفاءً بِما هُناكَ كَما أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ هُناكَ بِهَذا الطَّلَبِ اكْتِفاءً بِما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ وتَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الإرْسالِ، فَإنَّ مَجِيئَهُما بِآيَةٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِمّا يُحَقِّقُ رِسالَتَهُما ويُقَرِّرُها ويُوجِبُ الِامْتِثالَ بِأمْرِهِما، وإظْهارُ اسْمِ الرَّبِّ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِتَأْكِيدِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّقْرِيرِ والتَّعْلِيلِ، وجِيءَ بِقَدْ لِلتَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ أيْضًا، وتَكَلَّفَ لِإفادَتِها التَّوَقُّعَ وتَوْحِيدَ الآيَةِ مَعَ تَعَدُّدِها لِأنَّ المُرادَ إثْباتُ الدَّعْوى بِبُرْهانِها لا بَيانُ تَعَدُّدِ الحُجَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْناكَ بِما يُثْبِتُ مُدَّعانا، وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ اليَدُ، وقِيلَ: العَصا والقَوْلانِ كَما تَرى.

﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ أيِ: السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ في الدّارَيْنِ لِمَنِ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِ آياتِ اللَّهِ تَعالى الهادِيَةِ إلى الحَقِّ، فالسَّلامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السَّلامَةِ كالرِّضاعِ والرَّضاعَةِ، وعَلى بِمَعْنى اللّامِ كَما ورَدَ عَكْسُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وحُرُوفُ الجَرِّ كَثِيرًا ما تَتَقارَضُ، وقَدْ حَسَّنَ ذَلِكَ هُنا المُشاكَلَةُ حَيْثُ جِيءَ بِعَلى في قَوْلِهِ تَعالى

20:48Page 314

إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨

Indeed, it has been revealed to us that the punishment will be upon whoever denies and turns away.'"

﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ مِن جِهَةِ رَبِّنا ﴿أنَّ العَذابَ﴾ الدُّنْيَوِيَّ والأُخْرَوِيَّ ﴿عَلى مَن كَذَّبَ﴾ بِآياتِهِ

صفحة 199

عَزَّ وجَلَّ ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْ قَبُولِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وسَلامُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ الجَنَّةِ عَلى المُهْتَدِينَ وتَوْبِيخُ خَزَنَةِ النّارِ والعَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ. وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ جَعَلَ السَّلامَ تَحِيَّةَ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لِلْمُهْتَدِينَ المُتَضَمِّنَةِ لِوَعْدِهِمْ بِالجَنَّةِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِغَيْرِهِمْ بِتَوْبِيخِ خَزَنَةِ النّارِ المُتَضَمِّنِ لِوَعِيدِهِمْ بِعَذابِها لِأنَّ المَقامَ لِلتَّرْغِيبِ فِيما هو حَسَنُ العاقِبَةِ وهو تَصْدِيقُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والتَّنْفِيرُ عَنْ خِلافِهِ فَلَوْ جُعِلَ السَّلامُ بِمَعْنى السَّلامَةِ لَمْ يُفِدْ أنَّ ذَلِكَ في العاقِبَةِ.

فَما قِيلَ: إنَّهُ لا إشْعارَ في اللَّفْظِ بِهَذا التَّخْصِيصِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتَحِيَّةٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ في ابْتِداءِ اللِّقاءِ يَرُدُّهُ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تَحِيَّةَ الأخَوَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ بَلْ تَحِيَّةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ.

وفِي البَحْرِ هو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ وأنَّهُ إذا أُرِيدَ مِنَ العَذابِ العَذابُ في الدّارَيْنِ، ومِنَ السَّلامِ السَّلامَةُ مِن ذَلِكَ العَذابِ حَصَلَ التَّرْغِيبُ في التَّصْدِيقِ والتَّنْفِيرِ عَنْ خِلافِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿والسَّلامُ﴾ إلَخْ فَصْلٌ لِلْكَلامِ ﴿والسَّلامُ﴾ فِيهِ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ، وجاءَ ذَلِكَ عَلى ما هو العادَةُ مِنَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ القَوْلِ إلّا أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ رَغِبا بِذَلِكَ عَنْ فِرْعَوْنَ وخَصّا بِهِ مُتَّبِعِي الهُدى تَرْغِيبًا لَهُ بِالِانْتِظامِ في سَلَكِهِمْ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى مَنعِ السَّلامِ عَلى الكَفّارِ وإذا احْتِيجَ إلَيْهِ في خِطابٍ أوْ كِتابٍ جِيءَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ ( «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى» )، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ. والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: التَّسْلِيمُ عَلى أهْلِ الكِتابِ إذا دَخَلْتَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم أنْ تَقُولَ: السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، ولا يَخْفى أنَّ الِاسْتِظْهارَ المَذْكُورَ غَيْرُ بَعِيدٍ لَوْ كانَ كَلامُهُما عَلَيْهِما السَّلامُ قَدِ انْقَطَعَ بِهَذا السَّلامِ لَكِنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ بَلْ قالا بَعْدَهُ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ إلَخْ، وكَأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى جَمِيعِ التَّفاسِيرِ اسْتِئْنافٌ لِلتَّعْلِيلِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَفْهُومِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المُلَقَّنِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَقُولَ المُلَقَّنُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ وما بَعْدَ كَلامِ مَن قَبْلَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ أتَيا بِهِ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ. واسْتَدَلَّ المُرْجِئَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ غَيْرَ الكَفَرَةِ لا يُعَذَّبُونَ أصْلًا. وأُجِيبُ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ تَعْرِيفُ العَذابِ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، أمّا إذا كانَ لِلْعَهْدِ أيِ العَذابُ النّاشِئُ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ أوِ الدّائِمِ مَثَلًا فَلا، وكَذا إذا أُرِيدَ الجِنْسُ أوِ الِاسْتِغْراقُ الِادِّعائِيُّ مُبالَغَةً وجَعَلَ العَذابَ المُتَناهِيَ الَّذِي يَعْقُبُهُ السَّلامَةُ الغَيْرُ المُتَناهِيَةِ كَلا عَذابٍ لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُعَذِّبَ المُؤْمِنَ المُقَصِّرَ في العَمَلِ أصْلًا.

20:49Page 314

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩

[Pharaoh] said, "So who is the Lord of you two, O Moses?"

﴿قالَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ بَعْدَما أتَياهُ وبَلَّغاهُ ما أُمِرا بِهِ، وإنَّما طَوى ذِكْرَ ذَلِكَ لِلْإيجازِ والإشْعارِ بِأنَّهُما كَما أُمِرا بِذَلِكَ سارَعا إلى الِامْتِثالِ بِهِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وبِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما لَمّا أُمِرا بِإتْيانِهِ وقَوْلِ ما ذُكِرَ لَهُ جاءا جَمِيعًا إلى بابِهِ فَأقاما حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما ثُمَّ أذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ فَدَخَلا وكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.

وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أُمِرَ أقْبَلَ إلى فِرْعَوْنَ في مَدِينَةٍ قَدْ جُعِلَ حَوْلَها الأسَدُ في غَيْضَةٍ قَدْ غَرَسَها والأسَدُ فِيها مَعَ ساسَتِها إذا أشَلْتَها عَلى أحَدٍ أكَلَ ولِلْمَدِينَةِ أرْبَعَةُ أبْوابٍ في الغَيْضَةِ فَأقْبَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ الَّذِي يَراهُ فِرْعَوْنُ فَلَمّا رَأتْهُ الأُسَدُ

صفحة 200

صاحَتْ صِياحَ الثَّعالِبِ فَأنْكَرَ ذَلِكَ السّاسَةُ وفَرِقُوا مِن فِرْعَوْنَ فَأقْبَلَ حَتّى انْتَهى إلى البابِ فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ وعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفِ وسَراوِيلُ فَلَمّا رَآهُ البَوّابُ عَجِبَ مِن جُرْأتِهِ فَتَرَكَهُ ولَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي بابَ مَن أنْتَ تَضْرِبُ؟ إنَّما أنْتَ تَضْرِبُ بابَ سَيِّدِكَ، قالَ: أنْتَ وأنا وفِرْعَوْنُ عَبِيدٌ لِرَبِّي فَأنا ناصِرُهُ، فَأخْبَرَ البَوّابُ الَّذِي يَلِيهِ مِنَ البَوّابِينَ حَتّى بَلَغَ ذَلِكَ أدْناهُمْ، ودُونَهُ سَبْعُونَ حاجِبًا، كُلُّ حاجِبٍ مِنهم تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الجُنُودِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى حَتّى خَلَصَ الخَبَرُ إلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ عَلَيَّ فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: أعْرِفُكَ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، فَرَدَّ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي رَدَّ، قالَ فِرْعَوْنُ: خُذُوهُ، فَبادَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَحَمَلَتْ عَلى النّاسِ فانْهَزَمُوا مِنها فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا وقامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا حَتّى دَخَلَ البَيْتَ فَقالَ: يا مُوسى اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا نَنْظُرُ فِيهِ، قالَ مُوسى: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ إنَّما أُمِرْتُ بِمُناجِزَتِكَ وإنْ أنْتَ لَمْ تَخْرُجْ إلَيَّ دَخَلْتُ عَلَيْكَ.

فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِ اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ أجَلًا، وقُلْ لَهُ أنْتَ: اجْعَلْ ذَلِكَ فَقالَ فِرْعَوْنُ: اجْعَلْهُ إلى أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَفَعَلَ وكانَ لا يَأْتِي الخَلاءَ إلّا في كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً، فاخْتَلَفَ ذَلِكَ اليَوْمُ أرْبَعِينَ مَرَّةً، وخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا مَرَّ بِالأُسْدِ خَضَعَتْ لَهُ بِأذْنابِها وسارَتْ مَعَهُ تَشَيُّعُهُ ولا تُهَيِّجُهُ ولا أحَدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

والظّاهِرُ أنَّ هارُونَ كانَ مَعَهُ حِينَ الإتْيانِ، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يُذْكَرْ في هَذا الخَبَرِ اكْتِفاءً بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُما حِينَ عَرَضا عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى فِرْعَوْنَ ما عَرَضا شاوَرَ آسِيَةَ فَقالَتْ: ما يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَرُدَّ ما دَعَيا إلَيْهِ، فَشاوَرَ هامانَ وكانَ لا يَبُتُّ أمْرًا دُونَ رَأْيِهِ فَقالَ لَهُ: كُنْتُ أعْتَقِدُ أنَّكَ ذُو عَقْلٍ تَكُونُ مالِكًا فَتَصِيرُ مَمْلُوكًا ورَبًّا، فَتَصِيرُ مَرْبُوبًا فامْتَنَعَ مِن قَبُولِ ما عَرَضَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ المُشاوَرَةَ قَبْلَ المُقاوَلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّها بَعْدَها والأوْلى في أمْثالِ هَذِهِ القِصَصِ الِاكْتِفاءُ بِما في المُنَزَّلِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يُوثَقَ بِصِحَّتِهِ أوْ لا يَكُونُ في المُنَزَّلِ ما يُعَكِّرُ عَلَيْهِ كالخَبَرِ السّابِقِ، فَإنَّ كَوْنَ فِرْعَوْنَ جَعَلَ الأجَلَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ طَلَبَ مِنهُ فِرْعَوْنُ أنْ يَجْعَلَ مَوْعِدًا ﴿”مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ“﴾، والظّاهِرُ عَدَمُ تَعَدُّدِ الحادِثَةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ حِينَ أتَياهُ وقالا لَهُ ما قالا؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ لَمْ يُضِفِ الرَّبَّ إلى نَفْسِهِ ولَوْ بِطَرِيقِ حِكايَةِ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ لِغايَةِ عُتُوِّهِ ونِهايَةِ طُغْيانِهِ بَلْ إضافَةً إلَيْهِما لِما أنَّ المُرْسِلَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ رَبًّا لِلرَّسُولِ، وقِيلَ: لِأنَّهُما قَدْ صَرَّحا بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْكُلِّ بِأنْ قالا: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَما وقَعَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، والِاقْتِصارُ هاهُنا عَلى ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِفِرْعَوْنَ لِكِفايَتِهِ فِيما هو المَقْصُودُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِهِما رَسُولَيْ رَبِّهِما أيْ إذا كُنْتُما رَسُولَيْ رَبِّكُما الَّذِي أرْسَلَكُما فَأخْبِرا مَن رَبُّكُما الَّذِي أرْسَلَكُما، وتَخْصِيصُ النِّداءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِما لِما ظَهَرَ لَهُ مِن أنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ وزِيرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهُ رَبُّهُ كَما قالَ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، قِيلَ: وهَذا أوْفَقُ بِتَلْبِيسِهِ عَلى الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَتَّةً فَأرادَ أنْ يُسْكِتَهُ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن بَقاءِ رَتَّةٍ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском