Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:50–52
20:50Page 314
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠
He said, "Our Lord is He who gave each thing its form and then guided [it]."
﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَبَدَّ بِالجَوابِ مِن حَيْثُ إنَّهُ خُصَّ بِالسُّؤالِ ﴿رَبُّنا﴾ مُبْتَدَأٌ
صفحة 201
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ خَبَرُهُ، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو رَبُّنا والمَوْصُولُ صِفَتُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ وأخاهُ عَلَيْهِما السَّلامُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أرادَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ورَدًّا عَلى اللَّعِينِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ و(كُلَّ شَيْءٍ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لَأعْطى و(خَلْقَهُ) مَفْعُولُهُ الثّانِي وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِشَيْءٍ والعُمُومُ المُسْتَفادُ مِن (كُلَّ) يُعْتَبَرُ بَعْدَ إرْجاعِهِ إلَيْهِ لِئَلّا يُرَدَّ الِاعْتِراضُ المَشْهُورُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عُمُومُ الأفْرادِ أيْ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الأمْرَ الَّذِي طَلَبَهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ مِنَ الصُّورَةِ والشَّكْلِ والمَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ أوِ الأمْرَ اللّائِقَ بِما نِيطَ بِهِ مِنَ الخَواصِّ والمَنافِعِ المُطابِقِ لَهُ كَما أعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ وكَذَلِكَ الأنْفَ واليَدَ والرِّجْلَ واللِّسانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرُ نابٍ عَنْهُ، وقِيلَ: الخَلْقُ باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ بِمَعْنى الإيجادِ أيْ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ الإيجادَ الَّذِي اسْتَعَدَّ لَهُ أوِ اللّائِقَ بِهِ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ أوْ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ وهو كَما تَرى.
وحَمَلَ بَعْضُهُمُ العُمُومَ عَلى عُمُومِ الأنْواعِ دُونَ عُمُومِ الأفْرادِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِئَلّا يَلْزَمَ الخُلْفَ، ويُرَدُّ النَّقْضُ بِأنَّ بَعْضَ الأفْرادِ لَمْ يَكْمُلْ لِعارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ، والحَقُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى راعِي الحِكْمَةِ فِيما خَلَقَ وأمَرَ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا وهَذا مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ كَما نَقَلَ صاحِبُ المَواقِفِ وعُيُونِ الجَواهِرِ، فَكُلُّ شَيْءٍ كامِلٌ في مَرْتَبَتِهِ حَسَنٌ في حَدِّ ذاتِهِ، فَقَدْ قالَ تَعالى العَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ (خَلْقَهُ) وجَعْلُ العُمُومِ في هَذا عُمُومَ الأنْواعِ مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ أحَدٌ، وقالَ سُبْحانَهُ:﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلى الرَّحْمَنِ وخَلْقُهُ إيّاهُ عَلى طِبْقِ الحِكْمَةِ بِمُقْتَضى الجُودِ والرَّحْمَةِ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ الأشْياءِ إنَّما هو إذا أُضِيفَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، فالعُدُولُ عَمّا هو الظّاهِرُ مِن عُمُومِ الأفْرادِ إلى عُمُومِ الأنْواعِ لِما ذُكِرَ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّحْقِيقِ، وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ العُدُولِ كَوْنُ (أعْطى) حَقِيقَةً في الماضِي، فَلَوْ حُمِلَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى عُمُومِ الأفْرادِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها قَدْ وُجِدَ وأُعْطِيَ مَعَ أنَّ مِنها بَلْ أكْثَرُها لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يُعْطَ بَعْدُ بِخِلافِ ما إذا حُمِلَ عَلى عُمُومِ الأنْواعِ فَإنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ إذِ الأنْواعُ جَمِيعُها قَدْ وُجِدَ ولا يَتَجَدَّدُ بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ فَلْيُفْهَمْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى أعْطى كُلَّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ نَظِيرَهُ في الخَلْقِ والصُّورَةِ أُنْثى، وكَأنَّهم جَعَلُوا كُلًّا لِلتَّكْثِيرِ وإلّا فالعُمُومُ مُطْلَقًا باطِلٌ كَما لا يَخْفى، وعِنْدِي أنَّ هَذا المَعْنى مِن فُرُوعِ المَعْنى السّابِقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن قالَهُ التَّمْثِيلُ وإلّا فَهو بَعِيدٌ جِدًّا ولا يَكادُ يَقُولُهُ مَن نُسِبَ إلَيْهِ.
وقِيلَ: (خَلْقَهُ) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ والمَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ أيْضًا، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْمَوْصُولِ و(كُلَّ شَيْءٍ) هو المَفْعُولُ الثّانِي والمَعْنى: أعْطى مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ، وقَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ المَقْصُودَ الِامْتِنانُ بِهِ ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى الجُبّائِيِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ لَفْظًا ومَعْنًى.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ والحَسَنُ ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ وابْنُ نُوحٍ عَنْ قُتَيْبَةَ وسَلّامٍ ( خَلَقَهُ ) عَلى صِيغَةِ الماضِي المَعْلُومِ
صفحة 202
عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِلْمُضافِ إلَيْهِ أوِ المُضافِ عَلى شُذُوذٍ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الثّانِي اخْتِصارًا لِدَلالَةِ قَرِينَةِ الحالِ عَلَيْهِ أيْ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَعالى ما يُصْلِحُهُ أوْ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن بابٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ أيْ كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُخْلِهِ مِن عَطائِهِ وإنْعامِهِ، ورَجَّحَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ أبْلَغُ وأظْهَرُ، وقِيلَ: الأوَّلُ أحْسَنُ صِناعَةً ومُوافَقَةً لِلْمَقامِ وهو عِنْدِي أوْفَقُ بِالمَعْنى الأوَّلِ لِلْقِراءَةِ الأُولى وفِيما ذَكَرَهُ في الكَشْفِ تَرَدُّدٌ.
﴿ثُمَّ هَدى﴾ أيْ أرْشَدَ ودَلَّ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى وُجُودِهِ، فَإنَّ مَن نَظَرَ في هَذِهِ المُحَدَّثاتِ وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَقائِقِ الحِكْمَةِ عَلِمَ أنَّ لَها صانِعًا واجِبَ الوُجُودِ عَظِيمَ العَطاءِ والجُودِ، ومُحَصَّلُ الآيَةِ رَبُّنا الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ أوْ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ وجَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، وهَذا الجَعْلُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا بِالذّاتِ عَنِ الخَلْقِ ولَيْسَ بَيْنَهُما تَراخٍ في الزَّمانِ أصْلًا لَكِنَّهُ جِيءَ بِكَلِمَةِ ثُمَّ لِلتَّراخِي بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ كَما لا يَخْفى وجْهُهُ عَلى المُتَأمِّلِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾ إلى طَرِيقِ الِانْتِفاعِ والِارْتِفاقِ بِما أعْطاهُ، وعَرَّفَهُ كَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلى بَقائِهِ وكَمالِهِ إمّا اخْتِيارًا كَما في الحَيَواناتِ أوْ طَبْعًا كَما في الجَماداتِ والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ.
ولَمّا كانَ الخَلْقُ الَّذِي هو تَرْكِيبُ الأجْزاءِ وتَسْوِيَةُ الأجْسامِ مُتَقَدِّمًا عَلى الهِدايَةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إبْداعِ القُوى المُحَرِّكَةِ والمُدْرِكَةِ في تِلْكَ الأجْسادِ وسَّطَ بَيْنَهُما كَلِمَةَ التَّراخِي انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الخَلْقَ لُغَةً أعَمُّ مِمّا ذَكَرَهُ وأنَّ القُوى المُحَرِّكَةَ والمُدْرِكَةَ داخِلَةٌ في عُمُومِ (كُلَّ شَيْءٍ) سَواءٌ كانَ عُمُومَ الأفْرادِ أوْ عُمُومَ الأنْواعِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ نَوْعٍ مِنَ المَجازِ في (هَدى) عَلى تَفْسِيرِهِ، وقِيلَ: عَلى التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن مَعَهُ ثُمَّ هَداهُ إلى الِاجْتِماعِ بِإلْفِهِ والمُناكَحَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيْنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ، ومِن هُنا قِيلَ: كانَ مِنَ الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبُّنا رَبُّ العالَمِينَ لَكِنْ سَلَكَ طَرِيقَ الإرْشادِ والأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وأشارَ إلى حُدُوثِ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها واحْتِياجِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ واخْتِلافِ مَراتِبِها وأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ الحَكِيمُ الغَنِيُّ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ كانَ مُعانِدًا لِأنَّ جُمْلَةَ الصِّلَةِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً ومَتى كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْلُومَةً لَهُ كانَ عارِفًا بِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا مَذْهَبُ البَعْضِ فِيهِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، واسْتَدَلُّوا لَهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا إنْكارُ المَعادِ دُونَ المَبْدَأِ، وقَوْلُهُ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ فَإنَّهُ عَنى بِهِ أنِّي أطْلُبُ مِنهُ شَرْحَ الماهِيَّةِ وهو يَشْرَحُ الوُجُودَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأصْلِ الوُجُودِ وبِأنَّ مُلْكَهُ لَمْ يَتَجاوَزِ القِبْطَ ولَمْ يَبْلُغْ الشّامَ ألا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هَرَبَ إلى مَدْيَنَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَكَيْفَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إلَهُ العالَمِ وبِأنَّهُ كانَ عاقِلًا ضَرُورَةَ أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا وكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ فَيَكُونُ قائِلًا بِالمُدَبِّرِ وبِأنَّهُ سَألَ هاهُنا بِمَن طالِبًا لِلْكَيْفِيَّةِ، وفي الشُّعَراءِ بِما طالِبا لِلْماهِيَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ بِمَن سابِقٌ فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى الوُجُودِ تَرَكَ المُنازَعَةَ مَعَهُ
صفحة 203
فِي هَذا المَقامِ لِعِلْمِهِ بِظُهُورِهِ وشَرَعَ في مَقامٍ أصْعَبَ لِأنَّ العِلْمَ بِماهِيَّتِهِ تَعالى غَيْرُ حاصِلَةٍ لِلْبَشَرِ. ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الأدِلَّةِ مِنَ القِيلِ والقالِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ جاهِلًا بِاللَّهِ تَعالى بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ العاقِلَ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ جَهْلِهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ أصْلًا ولَعَلَّهُ كانَ يَقُولُ بِعَدَمِ احْتِياجِ المُمْكِنِ في وُجُودِهِ إلى مُؤَثِّرٍ وإنَّ وُجُودَ العالَمِ اتِّفاقِيٌّ كَما نُقِلَ عَنْ دِيمُقْراطِيسَ وأتْباعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ فَلْسَفِيًّا قائِلًا بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِنَ الحُلُولِيَّةِ المُجَسِّمَةِ وأمّا ادِّعاؤُهُ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ فَبِمَعْنى أنَّهُ يَجِبُ عَلى مَن تَحْتَ يَدِهِ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لَهُ وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِطاعَةِ غَيْرِهِ، واسْتَدَلَّ بِشُرُوعِهِ في المُناظَرَةِ وطَلَبِ الحُجَّةِ دُونَ السَّفاهَةِ والشَّغَبِ مَعَ كَوْنِهِ جَبّارًا شَدِيدَ البَطْشِ عَلى أنَّ الشَّغَبَ والسَّفاهَةَ مَعَ مَن يَدْعُو إلى الحَقِّ في غايَةِ القُبْحِ، فَلا يَنْبَغِي لِمَن يَدَّعِي الإسْلامَ والعِلْمَ أنْ يَرْتَضِيَ لِنَفْسِهِ ما لَمْ يَرْتَضِهِ فِرْعَوْنُ لِنَفْسِهِ. وبِاشْتِغالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى المَطْلُوبِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ في أمْثالِ هَذا المَطْلَبِ وفَسادِ قَوْلِ القائِلِ: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى تُسْتَفادُ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ، وبِحِكايَةِ كَلامِ فِرْعَوْنَ وجَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ حِكايَةُ كَلامِ المُبْطِلِ مَقْرُونًا بِالجَوابِ لِئَلّا يَبْقى الشَّكُّ، وعَلى أنَّ المُحِقَّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ شُبْهَةِ المُبْطِلِ حَتّى يُمْكِنَهُ الِاشْتِغالُ بِحَلِّها
20:51Page 314
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١
[Pharaoh] said, "Then what is the case of the former generations?"
﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لَمّا شاهَدَ اللَّعِينُ ما نَظَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في سَلَكِ الجَوابِ مِنَ البُرْهانِ النَّيِّرِ عَلى الطِّرازِ الرّائِعِ خافَ أنْ يَظْهَرَ لِلنّاسِ حَقِّيَةُ مَقالاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبُطْلانُ خُرافاتِ نَفْسِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا أرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ سُنَنِهِ إلى ما لا يَعْنِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها في نَفْسِ الأمْرِ بِالرِّسالَةِ مِنَ الحِكاياتِ مُوهِمًا أنَّ لَها تَعَلُّقًا بِذَلِكَ ويَشْغَلُهُ عَمّا هو بِصَدَدِهِ، عَسى يَظْهَرُ فِيهِ نَوْعُ غَفْلَةٍ فَيَتَسَلَّقُ بِذَلِكَ إلى أنْ يَدَّعِيَ بَيْنَ يَدَيْ قَوْمِهِ نَوْعَ مَعْرِفَةٍ، فَقالَ ﴿فَما بالُ﴾ إلَخْ. وأصْلُ البالِ الفِكْرُ، يُقالُ: خَطَرَ بِبالِي كَذا ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الحالِ الَّتِي يَعْتَنِي بِها وهو المُرادُ، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ إلّا شُذُوذًا في قَوْلِهِمْ بِآلاتٍ. وكَأنَّ الفاءَ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى دَعْوى الرِّسالَةِ أيْ إذا كُنْتَ رَسُولًا فَأخْبِرْنِي ما حالُ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ، وماذا جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الحَوادِثِ المُفَصَّلَةِ.
20:52Page 315
قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢
[Moses] said, "The knowledge thereof is with my Lord in a record. My Lord neither errs nor forgets."
﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنَّما أنا عَبْدٌ لا أعْلَمُ مِنها إلّا ما عَلَّمَنِيهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّسالَةِ والعِلْمِ بِأحْوالِ القُرُونِ وما جَرى عَلَيْهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ مِمّا لا مُلابَسَةَ فِيهِ بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ كَما زَعَمْتَ. وقِيلَ: إنَّما سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَ أنَّهُ نَبِيٌّ أوْ هو مِن جُمْلَةِ القُصّاصِ الَّذِينَ دارَسُوا قِصَصَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وقالَ النَّقّاشُ: إنَّ اللَّعِينَ لَمّا سَمِعَ وعْظَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ الآيَةَ سَألَ عَنْ ذَلِكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ فَإنَّهُ كانَ نُزُولُها بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ السُّؤالَ مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ إلَخْ أيْ فَما حالُ القُرُونِ السّالِفَةِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، والمُرادُ بَيانُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ فَفَصِّلَ لَنا حالَ مَن مَضى مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ولِذا رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامُ العِلْمَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّهُ لَوْ كانَ المَسْؤُولُ عَنْهُ ما ذُكِرَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لَأُجِيبَ بِبَيانِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى مِنهم فَقَدْ سَلِمَ ومَن
صفحة 204
تَوَلّى فَقَدْ عُذِّبَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والسَّلامُ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ إلَخْ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى كَذَّبُوا ثُمَّ ما عُذِّبُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ والسُّؤالُ عَنِ البَعْثِ، والضَّمِيرُ في ﴿عِلْمُها﴾ لِلْقِيامَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى القِيامَةِ أدْهى مِن أمْرِ التَّعَلُّقِ (وأمَرَّ) .
وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِراضًا عَلى ما تُضَمِّنُهُ مِن عِلْمِهِ تَعالى بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها المُسْتَتْبِعِ إحاطَةَ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا بِالأشْياءِ كُلِّها كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى كَما أشَرْتَ فَما تَقُولُ في القُرُونِ الخالِيَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وتَمادِي مُدَّتِهِمْ وتَباعُدِ أطْرافِهِمْ، كَيْفَ إحاطَةُ عِلْمِهِ تَعالى بِهِمْ وبِأجْزائِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَأجابَ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلى آخِرِ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وتَخْصِيصُ القُرُونِ الأُولى عَلى هَذا بِالذِّكْرِ مَعَ أوْلَوِيَّةِ التَّعْمِيمِ قِيلَ لِعِلْمِ فِرْعَوْنَ بِبَعْضِها وبِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِن مَعْرِفَةِ صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ بَيَّنَ أحْوالَها، وقِيلَ: إنَّهُ لِإلْزامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَبْكِيتِهِ عِنْدَ قَوْمِهِ في أسْرَعِ وقْتٍ لِزَعْمِهِ أنَّهُ لَوْ عَمَّمَ رُبَّما اشْتَغَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَفْصِيلِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمَوْجُوداتِ المَحْسُوسَةِ الظّاهِرَةِ فَتَطُولُ المُدَّةُ ولا يَتَمَشّى ما أرادَهُ، وأيًّا ما كانَ يَسْقُطُ ما قِيلَ: إنَّهُ يَأْبى هَذا الوَجْهُ تَخْصِيصَ القُرُونِ الأُولى مِن بَيْنِ الكائِناتِ، فَإنَّهُ لَوْ أخَذَها بِجُمْلَتِها كانَ أظْهَرَ وأقْوى في تَمَشِّي ما أرادَ، نَعَمْ بُعْدُ هَذا الوَجْهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ اعْتِراضٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ ما ذَكَرْتُ مِن دَلِيلِ إثْباتِ المَبْدَأِ في هَذِهِ الغايَةِ مِنَ الظُّهُورِ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى نَسُوهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ تَعالى فَلَوْ كانَتِ الدَّلالَةُ واضِحَةً وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها ومَآلُهُ عَلى ما قالَ الإمامُ مُعارَضَةُ الحُجَّةِ بِالتَّقْلِيدِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما يُقالُ إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ هَدى﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، وحاصِلُ الجَوابِ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ ذَلِكَ مِن سِرِّ القَدَرِ وعِلْمُهُ عِنْدَ رَبِّي جَلَّ شَأْنُهُ ﴿فِي كِتابٍ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِـ ”عِلْمُها“ والخَبَرُ الأوَّلُ ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونا خَبَرًا واحِدًا مِثْلَ هَذا حُلْوٌ حامِضٌ وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾، و﴿فِي كِتابٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ أوْ هو مَعْمُولٌ لَهُ. وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ في كِتابٍ و(عِنْدَ رَبِّي) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ والعامِلُ الظَّرْفُ وهو يَعْمَلُ مُتَأخِّرًا عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: يَكُونُ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في ﴿عِلْمُها﴾، وقِيلَ: يَكُونُ ظَرْفًا لِلظَّرْفِ الثّانِي، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِلْعِلْمِ ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ ثُمَّ قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي كِتابٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِعِلْمِها و﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ الخَبَرُ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ خَبَرِهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أوَّلَ الأوْجُهِ هو الأوْجَهُ وكَأنَّهُ عَنى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ أيْ عِلْمُها مُثَبَّتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِتَفاصِيلِهِ وهَذا مِن بابِ المَجازِ، إذِ المُثْبَتُ حَقِيقَةً إنَّما هو النُّقُوشُ الدّالَّةُ عَلى الألْفاظِ المُتَضَمَّنَةِ شَرْحَ أحْوالِهِمُ المَعْلُومَةِ لَهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ الدَّفْتَرَ كَما هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِتَمَكُّنِهِ وتَقَرُّرِهِ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما اسْتَحْفَظَهُ العالِمُ وقَيَّدَهُ بِكَتَبَتِهِ في جَرِيدَةٍ ولَعَلَّهُ أوْلى، ويُلَوِّحُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ فَإنَّ عَدَمَ الضَّلالِ والنِّسْيانِ أوْفَقُ بِإتْقانِ العِلْمِ، والظّاهِرُ أنَّ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ دَفْعَ تَوَهُّمِ الِاحْتِياجِ لِأنَّ الإثْباتَ في الكِتابِ إنَّما يَفْعَلُهُ مَن يَفْعَلُهُ لِخَوْفِ النِّسْيانِ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، والإثْباتُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِحِكَمٍ ومَصالِحَ يَعْلَمُ بَعْضَها العالِمُونَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الأوَّلِ تَكْمِيلٌ لِدَفْعِ ما يَتَوَهَّمُ مِن أنَّ الإثْباتَ في اللَّوْحِ لِلِاحْتِياجِ لِاحْتِمالِ خَطَأٍ أوْ نِسْيانٍ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ، وعَلى
صفحة 205
الثّانِي تَذْيِيلٌ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والمَعْنى لا يُخْطِئُ رَبِّي ابْتِداءً بِأنْ لا يَدْخُلَ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ في واسِعِ عِلْمِهِ فَلا يَكُونُ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ مُحِيطًا بِالأشْياءِ ولا يَذْهَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَقاءً بِأنْ يَخْرُجَ عَنْ دائِرَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَ أنْ دَخَلَ بَلْ هو عَزَّ وجَلَّ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا أزَلًا وأبَدًا، وتَفْسِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِما ذُكِرَ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ القَفّالُ ووافَقَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولا يَخْفى حُسْنُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ولَيْسَ بِذاكَ، والفِعْلانِ قِيلَ: مُنَزَّلانِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقِيلَ: هُما باقِيانِ عَلى تَعَدِّيهِما والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ لا يَضِلُّ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ولا يَنْساهُ، وقِيلَ: شَيْئًا مِن أحْوالِ القُرُونِ الأُولى، وعَنِ الحَسَنِ لا يَضِلُّ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ وكَأنَّهُ جَعَلَ السُّؤالَ عَنِ البَعْثِ وخَصَّصَ لِأجْلِهِ المَفْعُولَ وقَدْ عَلِمْتَ حالَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: لا يَتْرُكُ مَن كَفَرَ بِهِ حَتّى يَنْتَقِمَ مِنهُ ولا يَتْرُكُ مَن وحَّدَهُ حَتّى يُحازِيَهُ وكَأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ جَعَلَ السُّؤالَ عَنْ حالِهِمْ مِن حَيْثُ السَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكِتابٍ والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ لا يُضِلُّهُ رَبِّي ولا يَنْساهُ، وقِيلَ: العائِدُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ في الفِعْلِ (ورَبِّي) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ أيْ لا يَضِلُّ الكِتابَ رَبِّي أيْ عَنْهُ. وفي ﴿يَنْسى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلَيْهِ أيْضًا أيْ ولا يَنْسى الكِتابَ شَيْئًا أيْ لا يَدَعُهُ عَلى حَدِّ ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ .
والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إلى مَثَلِ هَذِهِ الأقْوالِ، وإظْهارُ (رَبِّي) في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلتَّلَذُّذِ بِذِكْرِهِ تَعالى ولِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإشْعارِ بِعَلِيَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ مِمّا تَقْتَضِي عَدَمَ الضَّلالِ والنِّسْيانِ حَتْمًا.
وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ( لا يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ مَن أضَلَّ وأضْلَلْتُ الشَّيْءَ وضَلَلْتُهُ قِيلَ بِمَعْنًى. وفي الصَّحّاحِ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ يُقالُ: أضْلَلْتُ بَعِيرِي إذا ذَهَبَ مِنكَ وضَلَلْتُ المَسْجِدَ والزّادَ إذا لَمْ تَعْرِفْ مَوْضِعَهُما وكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ مُقِيمٌ لا يُهْتَدى إلَيْهِ، وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الفَرّاءِ وابْنِ عِيسى، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ وجْهَيْنِ جَعَلَ (رَبِّي) مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والمَعْنى لا يُضِلُّ أحَدٌ رَبِّي عَنْ عِلْمِهِ، وجَعَلَهُ فاعِلًا والمَعْنى لا يَجِدُ رَبِّي الكِتابَ ضالًّا أيْ ضائِعًا، وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( لا يُضَلُّ رُبِّيَ ولا يُنْسى ) بِبِناءِ الفِعْلَيْنِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences