Al-AlusiTaha · 20:60–65

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:60–65

20:60Page 315

فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠

So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ أيِ انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ، وقِيلَ: تَوَلّى الأمْرَ بِنَفْسِهِ ولَيْسَ بِذاكَ.

وقِيلَ: أعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أيْ: ما يُكادُ بِهِ مِنَ السَّحَرَةِ وأدَواتِهِمْ أوْ ذَوِي كَيْدِهِ ﴿ثُمَّ أتى﴾ أيِ: المَوْعِدَ ومَعَهُ ما جَمَعَهُ. وفي كَلِمَةِ التَّراخِي إيماءٌ إلى أنَّهُ لَمْ يُسارِعْ إلَيْهِ بَلْ أتاهُ بَعْدَ بُطْءٍ وتَلَعْثُمٍ،

20:61Page 315

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١

Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."

ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ إتْيانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ قالَ جَلَّ وعَلا ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ إتْيانِ فِرْعَوْنَ بِمَن جَمَعَهُ مِنَ السَّحَرَةِ. فَقِيلَ:

قالَ لَهم بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ تَدَعُوا آياتِهِ الَّتِي سَتَظْهَرُ عَلى يَدَيَّ سِحْرًا كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أيْ يَسْتَأْصِلُكم بِسَبَبِ ذَلِكَ، ﴿بِعَذابٍ﴾ هائِلٍ لا يُقادَرُ قَدْرَهُ. وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ وابْنِ عَبّاسٍ ( فَيُسْحِتَكم ) بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِنَ الثُّلاثِيِّ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، والإسْحاتُ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ، وأصْلُ ذَلِكَ اسْتِقْصاءُ الحَلْقِ لِلشِّعْرِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإهْلاكِ والِاسْتِئْصالِ مُطْلَقًا ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ أيْ: عَلى اللَّهِ تَعالى كائِنًا مَن كانَ بِأيِّ وجْهٍ كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الِافْتِراءُ المَنهِيُّ عَنْهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ قَدْ خابَ فِرْعَوْنُ المُفْتَرِي فَلا تَكُونُوا مِثْلَهُ في الخَيْبَةِ وعَدَمِ نَجاحِ الطَّلَبَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

20:62Page 315

فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢

So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.

﴿فَتَنازَعُوا﴾ أيِ: السَّحَرَةُ حِينَ سَمِعُوا كَلامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّ ذَلِكَ غاظَهم فَتَنازَعُوا ﴿أمْرَهُمْ﴾ الَّذِي أُرِيدَ مِنهم مِن مُغالَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَشاوَرُوا وتَناظَرُوا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ في كَيْفِيَّةِ المُعارَضَةِ وتَجاذَبُوا أهْدابَ القَوْلِ في ذَلِكَ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ بالَغُوا في إخْفاءِ كَلامِهِمْ عَنْ مُوسى وأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِئَلّا يَقِفا عَلَيْهِ فَيُدافِعاهُ، وكانَ نَجْواهم عَلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ ما نَطَقَ بِهِ.

20:63Page 315

قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣

They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا﴾ أيْ: بِطَرِيقِ التَّناجِي والإسْرارِ ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ ونَتِيجَةُ التَّنازُعِ وخُلاصَةُ ما اسْتَقَرَّتْ

صفحة 221

عَلَيْهِ آراؤُهم بَعْدَ التَّناظُرِ والتَّشاوُرِ.

وقِيلَ: كانَ نَجْواهم أنْ قالُوا حِينَ سَمِعُوا مَقالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إسْحاقَ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ أنْ قالُوا: إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ أنْ قالُوا: إنْ كانَ هَذا ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ المُرادُ مِن (أمْرَهُمْ) أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإضافَتُهُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِوُقُوعِهِ فِيما بَيْنَهم واهْتِمامِهِمْ بِهِ ويَكُونُ أسْرارُهم مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ إلَخْ عَلى أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم مِنَ الأقاوِيلِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ آراؤُهم عَلى ذَلِكَ وأبَوْا إلّا المُناصَبَةَ لِلْمُعارَضَةِ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِلنّاسِ بَعْدَ تَمامِ التَّنازُعِ فَقِيلَ: ﴿قالُوا إنْ هَذانِ﴾ إلَخْ.

وجُعِلَ الضَّمِيرُ في (قالُوا): لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِلسَّحَرَةِ رَدًّا لَهم عَنِ الِاخْتِلافِ وأمْرًا بِالإجْماعِ والإزْماعِ، وإظْهارُ الجَلادَةِ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، نَعَمْ لَوْ جُعِلَ ضَمِيرُ ( تَنازَعُوا ) والضَّمائِرُ الَّذِي بَعْدَهُ لَهم كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أيْضًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ الإخْلالُ وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ وقَدْ أُهْمِلَتْ عَنِ العَمَلِ واللّامُ فارِقَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ نُونِ (هَذانِّ) وهو عَلى خِلافِ القِياسِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وغَيْرِها.

وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا أيْ ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ. وفي رِوايَةٍ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قُرى ( إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ ) . وقُرِئَ ( إنْ ذانِ ) بِدُونِ هاءِ التَّنْبِيهِ ( إلّا ساحِرانِ ) . وعَزاها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ وبَعْضُهم إلى أُبَيٍّ وهي تُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا. وقُرِئَ ( إنْ ذانِ لَساحِرانِ ) بِإسْقاطِ هاءِ التَّنْبِيهِ فَقَطْ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحُمَيْدٌ وأيُّوبُ وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ: وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ. والأخَوانِ. والصّاحِبانِ مِنَ السَّبْعَةِ (إنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ ( هَذانِ ) بِألِفٍ ونُونٍ خَفِيفَةٍ، واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ حَتّى قِيلَ: إنَّها لَحْنٌ وخَطَأٌ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ لَحْنِ القُرْآنِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ﴾ فَقالَتْ: يا ابْنَ أخِي هَذا عَمَلُ الكُتّابِ أخْطَؤُوا في الكِتابِ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ. وهَذا مُشْكِلٌ جِدًّا إذْ كَيْفَ يُظَنُّ بِالصَّحابَةِ أوَّلًا أنَّهم يَلْحَنُونَ في الكَلامِ فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ وهُمُ الفُصَحاءُ اللَّدُّ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثانِيًا الغَلَطُ في القُرْآنِ الَّذِي تَلَقَّوْهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أنْزِلُ ولَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في حِفْظِهِ وضَبْطِهِ وإتْقانِهِ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثالِثًا اجْتِماعُهم كُلُّهم عَلى الخَطَأِ وكِتابَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ رابِعًا عَدَمُ تَنَبُّهِهِمْ ورُجُوعِهِمْ عَنْهُ، ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ خامِسًا الِاسْتِمْرارُ عَلى الخُطا وهو مَرْوِيٌّ بِالتَّواتُرِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ولَوْ ساغَ مِثْلَ ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ بِالقُرْآنِ.

وقَدْ خَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وُجُوهٍ الأوَّلُ أنَّ (إنْ) بِمَعْنى نَعَمْ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ الصَّغِيرُ وأنْشَدُوا قَوْلَهُ:

صفحة 222

بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ

ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ

والجَيِّدُ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِمَن قالَ لَهُ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ إنْ وراكِبُها إذْ قَدْ قِيلَ: في البَيْتِ إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ إنْ فِيهِ بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ بَلْ هي النّاصِبَةُ والهاءُ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ بِها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّهُ كَذَلِكَ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّها في الخَبَرِ كَذَلِكَ وحُذِفَ الجُزْءانِ لِأنَّ حَذْفَ الجُزْأيْنِ جَمِيعًا لا يَجُوزُ.

وضَعَّفَ هَذا الوَجْهَ بِأنَّ كَوْنَها بِمَعْنى نَعَمْ لَمْ يَثْبُتْ، أوْ هو نادِرٌ. وعَلى تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ مِن غَيْرِ نُدْرَةٍ لَيْسَ قَبْلَها ما يَقْتَضِي جَوابًا حَتّى تَقَعَ نَعَمْ في جَوابِهِ. والقَوْلُ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِن صَدْرِ الكَلامِ أنَّ مِنهم مَن قالَ: هُما ساحِرانِ فَصَدَقَ وقِيلَ: نَعَمْ بَعِيدٌ. ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ تَصْدِيقٌ لِما يُفْهَمُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ وأيْضًا إنَّ لامَ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ.

وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ اللّامَ زائِدَةٌ ولَيْسَ لِلِابْتِداءِ كَما في قَوْلِهِ:

أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَةْ

أوْ بِأنَّها داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ لَهُما ساحِرانِ، كَما اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقالَ: عَرَضْتُهُ عَلى عالِمِنا وشَيْخِنا وأُسْتاذِنا مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ يَعْنِي المُبَرِّدَ. والقاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادً فَقَبِلاهُ، وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا أوْ بِأنَّها دَخَلَتْ بَعْدَ إنْ هَذِهِ لِشَبَهِها بِإنَّ المُؤَكِّدَةِ لَفْظًا كَما زِيدَتْ إنْ بَعْدَ ما المَصْدَرِيَّةِ لِمُشابَهَتِها لِلنّافِيَةِ في قَوْلِهِ:

ورَجِّ الفَتى لِلْخَيْرِ ما إنْ رَأيْتَهُ ∗∗∗ عَلى السِّنِّ خَيْرًا لا يَزالُ يَزِيدُ

ورَدَّ الأوَّلَ بِأنَّ زِيادَتَها في الخَبَرِ خاصَّةٌ بِالشِّعْرِ وما هُنا مَحَلُّ النِّزاعِ فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ كَما تَوَهَّمَ النَّيْسابُورِيُّ وزَيَّفَ الثّانِيَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ بِما خُلاصَتُهُ أنَّ التَّأْكِيدَ فِيما خِيفَ لَبْسُهُ فَإذا بَلَغَ بِهِ الشُّهْرَةُ الحَذْفَ اسْتَغْنى لِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ ما ذُكِرَ وجْهًا لَمْ يُحْمَلْ نَحْوَ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ عَلى الضَّرُورَةِ ولا تُقاسُ عَلى أنْ حَيْثُ حُذِفَ مَعَها الخَبَرُ في: إنَّ مَحَلًّا وإنَّ مُرْتَحَلًا وإنِ اجْتَمَعا في التَّأْكِيدِ لِأنَّها مُشَبَّهَةٌ بِلا وحُمِلَ والنَّقِيضُ عَلى النَّقِيضِ شائِعٌ، وابْنُ جِنِّيٍّ بِأنَّ الحَذْفَ مِن بابِ الإيجازِ والتَّأْكِيدَ مِن بابِ الإطْنابِ، والجَمْعَ بَيْنَهُما مُحالٌ لِلتَّنافِي.

وأُجِيبَ: بِأنَّ الحَذْفَ لِقِيامِ القَرِينَةِ والِاسْتِغْناءِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ والتَّأْكِيدُ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا لِلْمَحْذُوفِ والحَمْلُ في البَيْتِ مُمْكِنٌ أيْضًا واقْتِصارُهم فِيهِ عَلى الضَّرُورَةِ ذُهُولٌ وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْآخَرِ، واجْتِماعُ الإيجازِ والإطْنابِ مَعَ اخْتِلافِ الوَجْهِ غَيْرُ مُحالٍ. وأصْدَقُ شاهِدٍ عَلى دُخُولِ اللّامِ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ ( أغْبَطُ أوْلِيائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الحاذِ ) نَعَمْ لا نِزاعَ في شُذُوذِ هَذا الحَذْفِ اسْتِعْمالًا وقِياسًا.

الثّانِي أنَّ إنْ مِنَ الحُرُوفِ النّاصِبَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وما بَعْدُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُدَماءُ النُّحاةِ.

وضَعُفَ بِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ مَوْضُوعٌ لِتَقْوِيَةِ الكَلامِ وما كانَ كَذَلِكَ لا يُناسِبُهُ الحَذْفُ والمَسْمُوعُ مِن حَذْفِهِ كَما في قَوْلِهِ:

إنَّ مَن لامَ في بَنِي بِنْتِ حَسّا ∗∗∗ نَ ألُمْهُ وأعُصِهِ في الخُطُوبِ

وقَوْلِهِ:

إنَّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا ∗∗∗ يَلْقَ فِيها جَآذِرًا وظِباءَ

صفحة 223

ضَرُورَةٌ أوْ شاذٌّ إلّا في بابِ أنِ المَفْتُوحَةِ إذا خُفِّفَتْ فاسْتَسْهَلُوهُ لِوُرُودِهِ في كَلامٍ بُنِيَ عَلى التَّخْفِيفِ فَحُذِفَ تَبَعًا لِحَذْفِ النُّونِ ولِأنَّهُ لَوْ ذُكِرَ لَوَجَبَ التَّشْدِيدُ إذِ الضَّمائِرُ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ثُمَّ يَرِدُ بَحْثُ دُخُولِ اللّامِ في الخَبَرِ، وإنِ التُزِمَ تَقْدِيرُ مُبْتَدَأٍ داخِلَةٌ هي عَلَيْهِ فَقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، الثّالِثُ أنَّها النّاصِبَةُ وهاءُ ضَمِيرِ القِصَّةِ اسْمُها وجُمْلَةُ (ذانِ لَساحِرانِ) خَبَرُها، وضَعُفَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي وصْلَ ها بِإنْ مِن إثْباتِ الألِفِ وفَصْلِ ها مِن ( ذانِ ) في الرَّسْمِ وما في المُصْحَفِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ومَعَ ذَلِكَ يَرِدُ بَحْثُ دُخُولِ اللّامِ.

الرّابِعُ: أنَّ إنْ مُلْغاةٌ وإنْ كانَتْ مُشَدَّدَةً حَمْلًا لَها عَلى المُخَفَّفَةِ وذَلِكَ كَما أعْمَلْتَ المُخَفَّفَةَ حَمْلًا لَها عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ أوْ حَطًّا لِرُتْبَتِها عَنِ الفِعْلِ لِأنَّ عَمَلَها لَيْسَ بِالأصالَةِ بَلْ بِالشَّبَهِ لَهُ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وفِيهِ أنَّ هَذا الإلْغاءَ لَمْ يُرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وهو مَحَلُّ النِّزاعِ وبَحْثُ اللّامِ فِيهِ بِحالِهِ. والخامِسُ: وهو أجْوَدُ الوُجُوهِ وأوْجَهُها. واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وابْنُ مالِكٍ والأخْفَشُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وجَماعَةٌ أنَّها النّاصِبَةُ واسْمُ الإشارَةِ اسْمُها: واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ و( ساحِرانِ ) خَبَرُها ومَجِيءُ اسْمِ الإشارَةِ بِالألِفِ مَعَ أنَّهُ مَنصُوبٌ جارٍ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ مِن إجْراءِ المُثَنّى بِالألِفِ دائِمًا قالَ شاعِرُهم:

واهًا لِرَيّا ثُمَّ واهًا واهًا ∗∗∗ يا لَيْتَ عَيْناها لَنا وفاها

ومَوْضِعُ الخَلْخالِ مِن رِجْلاها ∗∗∗ بِثَمَنٍ نُرْضِي بِهِ أباها

وقالَ الآخَرُ:

وأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ يَرى ∗∗∗ مَساغًا لَنا باهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما

وقالُوا: ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ ومَن يَشْتَرِي الخُفّانِ وهي لُغَةٌ لِكِنانَةَ حَكى ذَلِكَ أبُو الخَطّابِ ولِبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وخَثْعَمٍ وزُبَيْدٍ وأهْلِ تِلْكَ النّاحِيَةِ حَكى ذَلِكَ الكِسائِيُّ ولِبَنِي العَنْبَرِ وبَنِي الهَيْجَمِ ومُرادٍ وعُذْرَةَ وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقْلِبُ كُلَّ ياءٍ يَنْفَتِحُ ما قَبْلَها ألِفًا، وابْنُ الحاجِبِ يَقُولُ:

إنَّ (هَذانِ) مَبْنِيٌّ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى الإشارَةِ: وإنَّ قَوْلَ الأكْثَرِينَ هَذَيْنِ جَرًّا ونَصْبًا لَيْسَ إعْرابًا أيْضًا.

قالَ ابْنُ هِشامٍ: وعَلى هَذا فَقِراءَةُ هَذانِ أقْيَسُ إذِ الأصْلُ في المَبْنِيِّ أنْ لا تَخْتَلِفَ صِيغَتُهُ مَعَ أنَّ فِيها مُناسَبَةً لِألِفِ ( ساحِرانِ ) ا هـ. وأمّا الخَبَرُ السّابِقُ عَنْ عائِشَةَ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ أُشْتَةَ وتَبِعَهُ ابْنُ جُبارَةَ في شَرْحِ الرّائِيَّةِ بِأنَّ قَوْلَها: أخْطَؤُوا عَلى مَعْنى أخْطَؤُوا في اخْتِيارِ الأوْلى مِنَ الأحْرُفِ السَّبْعَةِ لِجَمْعِ النّاسِ عَلَيْهِ لا أنَّ الَّذِي كَتَبُوا مِن ذَلِكَ خَطَأٌ لا يَجُوزُ فَإنَّ ما لا يَجُوزُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَرْدُودٌ بِالإجْماعِ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ وُقُوعِهِ وبِنَحْوِ هَذا يُجابُ عَنْ أخْبارٍ رُوِيَتْ عَنْها أيْضًا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذا البابِ تُشَكِّلُ ظَواهِرَها. ثُمَّ أخْرَجَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ أنَّهُ قالَ: إنْ هَذانِ لَساحِرانِ وإنْ هَذَيْنَ لَساحِرانِ سَواءٌ لَعَلَّهم كَتَبُوا الألِفَ مَكانَ الياءِ يَعْنِي أنَّهُ مِن إبْدالِ حَرْفٍ في الكِتابَةِ بِحَرْفٍ كَما وقَعَ في صَلاةٍ وزَكاةٍ وحَياةٍ. ويَرُدُّ عَلى هَذا أنَّهُ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَتِ القِراءَةُ بِالياءِ في ذَلِكَ. ثُمَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ لِبَقاءِ تَسْمِيَةِ عُرْوَةَ ذَلِكَ في السُّؤالِ لَحْنًا اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: أرادَ بِاللَّحْنِ اللُّغَةَ كَما قالَ ذَلِكَ ابْنُ أُشْتَةَ في قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ بِطُرُقٍ في ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ هو لَحْنٌ مِنَ الكاتِبِ أوْ يُقالُ: أرادَ بِهِ اللَّحْنَ بِحَسَبِ بادِئِ الرَّأْيِ وابْنُ الأنْبارِيِّ جَنَحَ إلى تَضْعِيفِ الرِّواياتِ في

صفحة 224

هَذا البابِ ومُعارَضَتِها بِرِواياتٍ أُخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الأحْرُفِ الَّتِي قِيلَ فِيها ما قِيلَ في القِراءَةِ. ولَعَلَّ الخَبَرَ السّابِقَ الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ صَحِيحُ الإسْنادِ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ داخِلٌ في ذَلِكَ لَكِنْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّ الجَوابَ الأوَّلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أُشْتَةَ أوْلى وأقْعَدَ. وقالَ العَلاءُ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا كُتِبَتِ المَصاحِفُ عُرِضَتْ عَلى عُثْمانَ فَوَجَدَ فِيها حُرُوفًا مِنَ اللَّحْنِ فَقالَ: لا تُغَيِّرُوها فَإنَّ العَرَبَ سَتُغَيِّرُها أوْ قالَ: سَتَقْرَؤُها بِألْسِنَتِها لَوْ كانَ الكاتِبُ مِن ثَقِيفٍ والمُمْلِي مِن هُذَيْلٍ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الحُرُوفُ إنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْ عُثْمانَ فَإنَّ إسْنادَهُ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبٌ مُنْقَطِعٌ.

والَّذِي أجْنَحُ أنا إلَيْهِ والعاصِمُ هو اللَّهُ تَعالى تَضْعِيفُ جَمِيعِ ما ورَدَ مِمّا فِيهِ طَعْنٌ بِالمُتَواتِرِ ولَمْ يَقْبَلْ تَأْوِيلًا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ ويَقْبَلُهُ الذَّوْقُ وإنْ صَحَّحَهُ مَن صَحَّحَهُ. والطَّعْنُ في الرُّواةِ أهْوَنُ بِكَثِيرٍ مِنَ الطَّعْنِ بِالأئِمَّةِ الَّذِينَ تَلَقَّوُا القُرْآنَ العَظِيمَ الَّذِي وصَلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في إتْقانِهِ وحِفْظِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ المُصْطَلَحِ أنَّ مِمّا يُدْرَكُ بِهِ وضْعُ الخَبَرِ ما يُؤْخَذُ مِن حالِ المَرْوِيِّ كَأنْ يَكُونَ مُناقِضًا لِنَصِّ القُرْآنِ أوِ السُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ أوِ الإجْماعِ القَطْعِيِّ أوْ صَرِيحِ العَقْلِ حَيْثُ لا يَقْبَلْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ التَّأْوِيلَ أوْ لَمْ يَحْتَمِلْ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنهُ يَزُولُ بِهِ المَحْذُورُ فَلَوْ قالَ قائِلٌ بِوَضْعِ بَعْضِ هاتِيكَ الأخْبارِ لَمْ يَبْعُدْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( إنَّ هَذَيْنِ ) بِتَشْدِيدِ نُونِ ( إنَّ ) وبِالياءِ في ( هَذَيْنِ ) . ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ والحَسَنِ والأعْمَشِ والنَّخَعِيِّ والجَحْدَرِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ عُبَيْدٍ وإعْرابُ ذَلِكَ واضِحٌ إذْ جاءَ عَلى المَهْيَعِ المَعْرُوفِ في مِثْلِهِ لَكِنْ في الدُّرِّ المَصُونِ قَدِ اسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّها مُخالِفَةٌ لِرَسْمِ الإمامِ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ فِيهِ بِدُونِ ألِفٍ وياءٍ فَإثْباتُ الياءِ زِيادَةٌ عَلَيْهِ. ولِذا قالَ الزَّجّاجُ: أنا لا أُجِيزُها ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ ولَوْ سَلِمَ فَكَمْ في القِراءاتِ ما خالَفَ رَسْمُهُ القِياسَ مَعَ أنَّ حَذْفَ الألِفِ لَيْسَ عَلى القِياسِ أيْضًا.

﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْها (بِسِحْرِهِما) الَّذِي أظْهَراهُ مِن قَبْلُ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ لِهارُونَ لِما أنَّهم رَأوْهُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ سالِكًا طَرِيقَتَهُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ أيْ بِمَذْهَبِكُمُ الَّذِي هو أفْضَلُ المَذاهِبِ وأمْثَلُها بِإظْهارِ مَذْهَبِهِما وإعْلاءِ دِينِهِما يُرِيدُونَ بِهِ ما كانَ عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لا طَرِيقَةَ السِّحْرِ فَإنَّهم ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا. وقِيلَ: أرادُوا أهْلَ طَرِيقَتِكم فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وكانُوا أرْبابَ عِلْمٍ فِيما بَيْنَهم.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتُعُقِّبَ بِأنَّ إخْراجَهم مِن أرْضِهِمْ إنَّما يَكُونُ بِالِاسْتِيلاءِ عَلَيْها تَمَكُّنًا وتَصَرُّفًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ نَقْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى الشّامِ. وحَمْلُ الإخْراجِ عَلى إخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنها مَعَ بَقاءِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ عَلى حالِهِمْ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، عَلى أنَّ هَذا المَقالَ مِنهم لِلْإغْراءِ بِالمُبالَغَةِ في المُغالَبَةِ والِاهْتِمامِ بِالمُناصَبَةِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الإنْذارُ والتَّحْذِيرُ بِأشَدِّ المَكارِهِ وأشَقِّها عَلَيْهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ إخْراجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَيْنِهِمْ والذَّهابَ بِهِمْ إلى الشّامِ وهم آمِنُونَ في دِيارِهِمْ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مَحْذُورٍ وهو كَلامٌ يُلَوِّحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ القَبُولِ فَلَعَلَّ الخَبَرَ عَنِ الحِبْرِ لا يَصِحُّ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الطَّرِيقَةَ اسْمٌ لِوُجُوهِ القَوْمِ وأشْرافِهِمْ. وحَكى فُلانٌ

صفحة 225

طَرِيقَةَ قَوْمِهِ أيْ سَيِّدُهم. وكَأنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلى الوُجُوهِ مَجازٌ لِاتِّباعِهِمْ كَما يُتْبَعُ الطَّرِيقُ، وأخْرَجا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وكَأنَّهم أرادُوا بِهَؤُلاءِ الوُجُوهِ الوُجُوهَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أرْبابَ المَناصِبِ وأصْحابَ التَّصَرُّفِ والمَراتِبِ، فَيَكُونُوا قَدْ حَذَّرُوهم بِالإخْراجِ مِن أوْطانِهِمْ وفَصْلِ ذَوِي المَناصِبِ مِنهم عَنْ مَناصِبِهِمْ، وفي ذَلِكَ غايَةُ الذُّلِّ والهَوانِ ونِهايَةُ حَوادِثِ الزَّمانِ، فَما قِيلَ: إنَّ تَخْصِيصَ الإذْهابِ بِهِمْ مِمّا لا مَزِيَّةَ فِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّهم أرادُوا بِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِنهم نَسَبًا وأشْرَفَ نَسَبًا وفِيهِ ما مَرَّ آنِفًا، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ يُنافِيهِ اسْتِعْبادُهم واسْتِخْدامُهم وقَتْلُ أوْلادِهِمْ وسَوْمُهُمُ العَذابَ.

وأُجِيبَ بِالمَنعِ فَكَمْ مِن مَتْبُوعٍ مَقْهُورٌ وشَرِيفٌ بِأيْدِي الأنْذالِ مَأْسُورٌ وهو كَما تَرى

20:64Page 315

فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤

So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."

﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَطْلُوبِ إثْرَ تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِما ساحِرَيْنِ يُرِيدانِ بِكم ما يُرِيدانِ فَأزْمِعُوا كَيْدَكم واجْعَلُوهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مِنكم أحَدٌ وارْمُوا عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ وأبُو حاتِمٍ ( فاجْمَعُوا ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ مِنَ الجَمْعِ. ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وفي الفَرْقِ بَيْنَ جَمَعَ وأجْمَعَ كَلامٌ لِلْعُلَماءِ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: إنَّ أجْمَعَ يَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي فَقَطْ وجَمَعَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَعانِي والذَّواتِ. وفي عُمْدَةِ الحُفّاظِ حِكايَةُ القَوْلِ بِأنَّ أجْمَعَ أكْثَرُ ما يُقالُ في المَعانِي وجَمَعَ في الأعْيانِ فَيُقالُ: أجْمَعْتُ أمْرِي وجَمَعْتُ قَوْمِي وقَدْ يُقالُ بِالعَكْسِ. وفي المُحْكَمِ أنَّهُ يُقالُ: جَمَعَ الشَّيْءَ عَنْ تَفْرِقَةٍ يَجْمَعُهُ جَمْعًا وأجْمَعَهُ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما، وقالَ الفَرّاءُ: إذا أرَدْتَ جَمْعَ المُتَفَرِّقِ قُلْتَ: جَمَعْتُ القَوْمَ فَهم مَجْمُوعُونَ وإذا أرَدْتَ جَمْعَ المالِ قُلْتَ جَمَّعْتُ بِالتَّشْدِيدِ ويَجُوزُ تَخْفِيفُهُ والإجْماعُ الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِعَلى تَقُولُ: أجْمَعْتُ الخُرُوجَ وأجْمَعْتُ عَلى الخُرُوجِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ جَمَعْتُ الشَّيْءَ إذا جِئْتَ بِهِ مِن هُنا ومِن هُنا وأجْمَعْتُهُ إذا صَيَّرْتَهُ جَمِيعًا، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا وعَزَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا وتَفْرِقَتُهُ أنْ يَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا والجَمْعُ أنْ يَجْمَعَ شَيْئًا إلى شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْ لا تَدَعُوا شَيْئًا مِن كَيْدِكم إلّا جِئْتُمْ بِهِ ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ أُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ أهْيَبُ في صُدُورِ الرّائِينَ وأدْخَلُ في اسْتِجْلابِ الرَّهْبَةِ مِنَ المُشاهِدِينَ. قِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلٍّ مِنهم حَبْلٌ وعَصا، وأقْبَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إقْبالَةً واحِدَةً، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا اثْنانِ مِنَ القِبْطِ والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: تِسْعَمِائَةٍ ثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الفُرْسِ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الرُّومِ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، ولا يَخْفى حالُ الأخْبارِ في ذَلِكَ والقَلْبُ لا يَمِيلُ إلى المُبالَغَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ولَعَلَّ المَوْعِدَ كانَ مَكانًا مُتَّسِعًا خاطَبَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ في قُطْرٍ مِن أقْطارِهِ، وتَنازَعُوا أمْرَهم في قُطْرٍ آخَرَ مِنهُ ثُمَّ أُمِرُوا أنْ يَأْتُوا وسَطَهُ عَلى الحالِ المَذْكُورَةِ، وقَدْ فَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الصَّفَّ بِالمَكانِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِعِيدِهِمْ وصَلَواتِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَأنَّهُ عُلِمَ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِن مَكانِ يَوْمِ الزِّينَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ (صَفًّا) مَفْعُولًا بِهِ.

وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَبّادٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عَنْهُ ( ثُمَّ ايتُوا ) بِكَسْرِ المِيمِ وإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَلَطٌ ولا وجْهَ لِكَسْرِ المِيمِ مِن ثُمَّ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ ذَلِكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما كانَتِ الفَتْحَةُ في

صفحة 226

قِراءَةِ العامَّةِ كَذَلِكَ ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مِن قَبِلَهم مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ أيْ قَدْ فازَ بِالمَطْلُوبِ مَن غَلَبَ. فاسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ كَما في الصَّحّاحِ أوْ مِن طَلَبِ العُلُوِّ والغَلَبِ وسَعى سَعْيَهُ عَلى ما في البَحْرِ. فاسْتَفْعَلَ عَلى بابِهِ، ولَعَلَّهُ أبْلَغُ في التَّحْرِيضِ حَيْثُ جَعَلُوا الفَوْزَ لِمَن طَلَبَ الغَلَبَ فَضْلًا عَمَّنْ غَلَبَ بِالفِعْلِ وأرادُوا بِالمَطْلُوبِ ما وعَدَهم فِرْعَوْنُ مِنَ الأجْرِ والتَّقْرِيبِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ وبِمَنِ اسْتَعْلى أنْفُسَهم جَمِيعًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ بِعَزَّةِ فِرْعَوْنَ ﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ أوْ مَنِ اسْتَعْلى مِنهم حَثًّا عَلى بَذْلِ المَجْهُودِ في المُغالَبَةِ.

وقالَ الرّاغِبُ: الِاسْتِعْلاءُ قَدْ يَكُونُ لِطَلَبِ العُلُوِّ المَذْمُومِ وقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ وهو هاهُنا يَحْتَمِلُهُما، فَلِهَذا جازَ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مَحْكِيًّا عَنْ هَؤُلاءِ القائِلِينَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى إجْماعِهِمْ واهْتِمامِهِمْ وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فالمُسْتَعْلى مُوسى، وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا تَحْرِيضَ فِيهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ هو الأوَّلُ

20:65Page 316

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥

They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بَعْدَ ما قالُوا ذَلِكَ؟ فَقِيلَ ( قالُوا ﴿يا مُوسى﴾ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإجْماعِهِمْ وإتْيانِهِمْ مُصْطَفِّينَ إشْعارًا بِظُهُورِ أمْرِهِما وغَنائِهِما عَنِ البَيانِ ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ أيْ: ما تُلْقِيهِ أوَّلًا عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ أوْ تَفْعَلُ الإلْقاءَ أوَّلًا عَلى أنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ما يُلْقِيهِ أوْ أوَّلَ مَن يَفْعَلُ الإلْقاءَ، خَيَّرُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ إظْهارًا لِلثِّقَةِ بِأمْرِهِمْ، وقِيلَ: مُراعاةً لِلْأدَبِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأنْ مَعَ ما في حَيِّزِها مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ إمّا تَخْتارُ إلْقاءَكَ أوْ تَخْتارُ كَوْنَنا أوَّلَ مَن ألْقى أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ إمّا إلْقاؤُكَ أوْ كَوْنُنا أوَّلَ مَن ألْقى. واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أيْ إلْقاؤُكَ أوَّلَ بِقَرِينَةِ (إمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى) وبِهِ تَتِمُّ المُقابَلَةُ لَكِنَّها مَعْنَوِيَّةٌ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском