Al-AlusiTaha · 20:5–8

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:5–8, continued

واعْتُرِضَ بِأنَّ الآياتِ والأخْبارَ المُشْتَمِلَةَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ويَبْعُدُ غايَةَ البُعْدِ أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ العِبادَ فِيما يَرْجِعُ إلى الِاعْتِقادِ بِما لا يَدْرِي مَعْناهُ، وأيْضًا قَدْ ورَدَ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى فَهْمِ المُخاطَبِ المَعْنى مِن مِثْلِ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ الطَّبَرانِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عَيّاشُ بْنُ تَمِيمٍ حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أيُّوبَ المَقابِرِيُّ حَدَّثَنا سَلْمُ بْنُ سالِمٍ حَدَّثَنا خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاءَ بْنِ يَسارٍ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَضْحَكُ مِن يَأْسِ عِبادِهِ وقُنُوطِهِمْ وقُرْبِ الرَّحْمَةِ مِنهم ) فَقُلْتُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ أوَيَضْحَكُ رَبُّنا؟ قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيَضْحَكُ، قُلْتُ: فَلا يَعْدَمُنا خَيْرًا إذا ضَحِكَ» فَإنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَوْ لَمْ تَفْهَمْ مِن ضَحِكِهِ تَعالى مَعْنًى لَمْ تَقُلْ ما قالَتْ.

وقَدْ صَحَّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهم فَسَّرُوا، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ مُجاهِدٌ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلا عَلى العَرْشِ وقالَ أبُو العالِيَةِ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ ارْتَفَعَ، وقِيلَ: إنَّ السَّلَفَ قِسْمانِ قِسْمٌ مِنهم بَعْدَ أنْ نَفَوُا التَّشْبِيهَ عَيَّنُوا المَعْنى الظّاهِرَ، المُعَرّى عَنِ اللَّوازِمِ وقِسْمٌ رَأوْا صِحَّةَ تَعْيِينِ ذَلِكَ وصِحَّةَ تَعْيِينِ مَعْنًى آخَرَ لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى كَما فَعَلَ بَعْضُ الخَلَفِ فَراعَوُا الأدَبَ واحْتاطُوا في صِفاتِ الرَّبِّ فَقالُوا: لا نَدْرِي ما مَعْنى ذَلِكَ أيِ المَعْنى المُرادُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُنَزَّهِينَ عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ الظَّواهِرَ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ بَلِ المُرادُ مَعْنًى مُعَيَّنٌ هو كَذا وكَثِيرًا ما يَكُونُ ذَلِكَ مَعْنًى مَجازِيًّا، وقَدْ يَكُونُ مَعْنًى حَقِيقِيًّا لِلَّفْظِ، وهَؤُلاءِ جَماعَةٌ مِنَ الخَلَفِ وقَدْ يَتَّفِقُ لَهم تَفْوِيضُ المُرادِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا أيْضًا، وذَلِكَ إذا تَعَدَّدَتِ المَعانِي المَجازِيَّةُ أوِ الحَقِيقَةُ الَّتِي لا يُتَوَهَّمُ مِنها مَحْذُورٌ ولَمْ يَقُمْ عِنْدَهم قَرِينَةٌ تُرَجِّحُ واحِدًا مِنها فَيَقُولُونَ: يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ كَذا وكَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن ذَلِكَ. ومَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ وغَيْرُهُ إجْراءُ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ والتَّنْزِيهِ بِلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كَمَذْهَبِ السَّلَفِ الأوَّلِ، وقَوْلُهم بِالتَّجَلِّي في المَظاهِرِ عَلى هَذا النَّحْوِ، وكَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في هَذا المَقامِ مُضْطَرِبٌ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ ما سَمِعْتُ نَقْلَهُ عَنْهُ أوَّلًا مَعَ ما ذَكَرَهُ في الفَصْلِ الثّانِي مِنَ البابِ الثّانِي مِنَ الفُتُوحاتِ فَإنَّهُ قالَ في عَدِّ الطَّوائِفِ المُنَزِّهَةِ: وطائِفَةٌ مِنَ المُنَزِّهَةِ أيْضًا وهي العالِيَةُ وهم أصْحابُنا فَرَّغُوا قُلُوبَهم مِنَ الفِكْرِ والنَّظَرِ وأخْلَوْها وقالُوا: حَصَلَ في نُفُوسِنا مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ بِحَيْثُ لا نَقْدِرُ أنْ نَصِلَ إلى مَعْرِفَةِ ما جاءَنا مِن عِنْدِهِ بِدَقِيقِ فِكْرٍ ونَظَرٍ فَأشْبَهُوا في هَذا العَقْدِ المُحْدِثِينَ السّالِمَةَ عَقائِدِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُؤَوِّلُوا بَلْ قالُوا: ما فَهِمْنا فَقالَ أصْحابُنا بِقَوْلِهِمْ ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْ مَرْتَبَةِ هَؤُلاءِ بِأنْ قالُوا: لَنا أنْ نَسْلُكَ طَرِيقَةً أُخْرى في فَهْمِ هَذِهِ الكَلِماتِ وذَلِكَ بِأنْ نُفْرِغَ قُلُوبَنا مِنَ النَّظَرِ الفِكْرِيِّ ونَجْلِسَ مَعَ الحَقِّ تَعالى بِالذِّكْرِ عَلى بِساطِ الأدَبِ والمُراقَبَةِ والحُضُورِ والتَّهَيُّؤِ لِقَبُولِ ما يَرِدُ مِنهُ تَعالى حَتّى يَكُونَ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى مُتَوَلِّيَ تَعْلِيمِنا بِالكَشْفِ والتَّحَقُّقِ

صفحة 160

لَمّا سَمِعُوهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهَ﴾، و﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾، ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ فَعِنْدَما تَوَجَّهَتْ قُلُوبُهم وهِمَمُهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَجَأتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وألْقَتْ عَنْها ما اسْتَمْسَكَ بِهِ الغَيْرُ مِن دَعْوى البَحْثِ والنَّظَرِ ونَتائِجِ العُقُولِ كانَتْ عُقُولُهم سَلِيمَةً وقُلُوبُهم مُطَهَّرَةً فارِغَةً فَعِنْدَما كانَ مِنهم هَذا الِاسْتِعْدادُ تَجَلّى لَهُمُ الحَقُّ عِيانًا مُعْلَمًا فَأطْلَعَتْهم تِلْكَ المُشاهَدَةُ عَلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِماتِ دُفْعَةً واحِدَةً فَعَرَفُوا المَعْنى التَّنْزِيهِيَّ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ مَقاماتِ إيرادِها وهَذا حالُ طائِفَةٍ مِنّا وحالُ طائِفَةٍ أُخْرى مِنّا أيْضًا لَيْسَ لَهم هَذا التَّجَلِّي لَكِنَّ لَهُمُ الإلْقاءَ والإلْهامَ واللِّقاءَ والكِتابَ وهم مَعْصُومُونَ فِيما يُلْقى إلَيْهِمْ بِعَلاماتٍ عِنْدَهم لا يَعْرِفُها سِواهم فَيُخْبِرُونَ بِما خُوطِبُوا بِهِ وبِما أُلْهِمُوا وما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ أوْ كُتِبَ ا هـ

المُرادُ مِنهُ. ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِإجْراءِ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ كَمَذْهَبِ السَّلَفِ الأوَّلِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ طائِفَةٌ لَمْ يَحْصُلْ لَهم ما حَصَلَ لِهاتَيْنِ الطّائِفِينَ والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. هَذا بَقِيَ هَلْ يُسَمّى ما عَلَيْهِ السَّلَفُ تَأْوِيلًا أمْ لا؟ المَشْهُورُ عَدَمُ تَسْمِيَةِ ما عَلَيْهِ المُفَوِّضَةُ مِنهم تَأْوِيلًا وسَمّاهُ بَعْضُهم تَأْوِيلًا كالَّذِي عَلَيْهِ الخَلَفُ، قالَ اللَّقانِيُّ: أجْمَعَ الخَلَفُ ويُعَبَّرُ عَنْهم بِالمُؤَوِّلَةِ والسَّلَفُ ويُعَبَّرُ عَنْهم بِالمُفَوِّضَةِ عَلى تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنِ المَعْنى المُحالِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ وعَلى تَأْوِيلِهِ وإخْراجِهِ عَنْ ظاهِرِهِ المُحالِ وعَلى الإيمانِ بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وإنَّما اخْتَلَفُوا في تَعْيِينٍ مُحَمَّلٍ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ وعَدَمِ تَعْيِينِهِ بِناءً عَلى أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (إلّا اللَّهُ) ويُقالُ لِتَأْوِيلِ السَّلَفِ إجْمالِيٌّ ولِتَأْوِيلِ الخَلَفِ تَفْصِيلِيٌّ انْتَهى مُلَخَّصًا.

وكانَ شَيْخُنا العَلّامَةُ عَلاءُ الدِّينِ يَقُولُ: ما عَلَيْهِ المُفَوِّضَةُ تَأْوِيلٌ واحِدٌ وما عَلَيْهِ المُؤَوِّلَةُ تَأْوِيلانِ، ولَعَلَّهُ راجِعٌ إلى ما سَمِعْتَ، وأمّا ما عَلَيْهِ القائِلُونَ بِالظَّواهِرِ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ فِيهِ تَأْوِيلًا أيْضًا لِما فِيهِ مِن نَفْيِ اللَّوازِمِ، وظاهِرُ الألْفاظِ أنْفُسِها تَقْتَضِيها فَفِيهِ إخْراجُ اللَّفْظِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وإخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ ولَوْ مَرْجُوحًا تَأْوِيلٌ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ قائِلِينَ بِالظَّواهِرِ أنَّهم قائِلُونَ بِها في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: لا تَأْوِيلَ فِيهِ لِأنَّهم يَعْتَبِرُونَ اللَّفْظَ مِن حَيْثُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ وهو مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا يَقْتَضِي اللَّوازِمَ، فَلَيْسَ هُناكَ إخْراجُ اللَّفْظِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، ألا تَرى أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ أجْمَعُوا عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ مَعَ نَفْيِ لَوازِمِ الرُّؤْيَةِ في الشّاهِدِ مِنَ المُقابَلَةِ والمَسافَةِ المَخْصُوصَةِ وغَيْرِهِما مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم: إنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ في شَيْءٍ، وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: كُلُّ مَن فَسَّرَ فَقَدْ أوَّلَ وكُلُّ مَن لَمْ يُفَسِّرْ لَمْ يُؤَوِّلْ لِأنَّ التَّأْوِيلَ هو التَّفْسِيرُ فَمَن عَدا المُفَوِّضَةِ مُؤَوِّلَةٌ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ بِناءً عَلى أنَّ الوَقْفَ عَلى (إلّا اللَّهُ) ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ القائِلِينَ بِالظَّواهِرِ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ مِنَ المُؤَوِّلَةِ الغَيْرِ الدّاخِلِينَ في الرّاسِخِينَ في العِلْمِ بِناءً عَلى الوَقْفِ المَذْكُورِ لا يَتَسَنّى مَعَ القَوْلِ بِأنَّهم مِنَ السَّلَفِ الَّذِينَ هم هم وقَدْ يُقالُ: إنَّهم داخِلُونَ في الرّاسِخِينَ، والتَّأْوِيلُ بِمَعْنًى آخَرَ يَظْهَرُ بِالتَّتَبُّعِ والتَّأمُّلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُرادِ بِالمُتَشابِهاتِ وذَكَرْنا ما يُفْهَمُ مِنهُ الِاخْتِلافُ في مَعْنى التَّأْوِيلِ وأنا أمِيلُ إلى التَّأْوِيلِ وعَدَمِ القَوْلِ بِالظَّواهِرِ مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ في بَعْضِ ما يُنْسَبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ كَما في بَعْضِ القِراءاتِ، وكَذا قَوْلُهُ ﷺ إنْ صَحَّ: ( «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في أرْضِهِ فَمَن قَبَّلَهُ أوْ صافَحَهُ فَكَأنَّما صافَحَ اللَّهَ تَعالى وقَبَّلَ يَمِينَهُ» ).

فاجْعَلِ الكَلامَ فِيهِ خارِجًا مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ لِظُهُورِ القَرِينَةِ، ولا أقُولُ: الحَجَرُ الأسْوَدُ مِن صِفاتِهِ تَعالى كَما قالَ السَّلَفُ

صفحة 161

فِي اليَمِينِ، وأرى مَن يَقُولُ بِالظَّواهِرِ ونَفْيِ اللَّوازِمِ في الجَمِيعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْلِ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قالَهُ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ مِثْلَ ما بَيْنَ سَوادِ العَيْنِ وبَياضِها، وأمِيلُ أيْضًا إلى القَوْلِ بِتَقْبِيبِ العَرْشِ لِصِحَّةِ الحَدِيثِ في ذَلِكَ، والأقْرَبُ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القَوْلُ بِكُرِّيَّتِهِ ومَن قالَ بِذَلِكَ أجابَ عَنِ الأخْبارِ السّابِقَةِ بِما لا يَخْفى عَلى الفَطِنِ.

وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الحادِي والسَّبْعِينَ والثَّلاثِمِائَةٍ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّهُ ذُو أرْكانٍ أرْبَعَةٍ ووُجُوهٍ أرْبَعَةٍ هي قَوائِمُهُ الأصْلِيَّةُ وبَيْنَ كُلِّ قائِمَتَيْنِ قَوائِمُ وعَدَدُها مَعْلُومٌ عِنْدَنا ولا أُبَيِّنُها إلى آخِرِ ما قالَ، ويُفْهِمُ كَلامُهُ أنَّ قَوائِمَهُ لَيْسَتْ بِالمَعْنى الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ أحَدُ حَمَلَتِهِ وأنَّهُ أُنْزِلَ عِنْدَ أفْضَلِ القَوائِمِ وهي خِزانَةُ الرَّحْمَةِ، وذَكَرَ أنَّ العَمى مُحِيطٌ بِهِ وأنَّ صُورَةَ العالَمِ بِجُمْلَتِهِ صُورَةٌ دائِرَةٌ فَلَكِيَّةٌ، وأطالَ الكَلامَ في هَذا البابِ وأتى فِيهِ بِالعَجَبِ العُجابِ، ولَيْسَ لَهُ في أكْثَرِ ما ذَكَرَهُ فِيهِ مُسْتَنَدٌ نَعْلَمُهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ومِنهُ ما لا يَجُوزُ لَنا أنْ نَقُولَ بِظاهِرِهِ، والظّاهِرُ أنَّ العَرْشَ واحِدٌ، وقالَ مَن قالَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِتَعَدُّدِهِ، ولا يَخْفى ما في نِسْبَةِ الِاسْتِواءِ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ مِمّا يَزِيدُ قُوَّةَ الرَّجاءِ بِهِ جَلَّ وعَلا، وسُبْحانَ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

20:6Page 312

لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦

To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.

وجُعِلَ فاعِلُ الِاسْتِواءِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ و(لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿العَرْشِ﴾ ويَكُونُ المَعْنى اسْتَقامَ لَهُ تَعالى كُلُّ ذَلِكَ وهو عَلى مُرادِهِ تَعالى بِتَسْوِيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أوِ اسْتَوى كُلُّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى فَلا شَيْءَ أقْرَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن شَيْءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ( «لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى» ).

مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا، والرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، ولَعَلَّ الَّذِي دَعا القائِلَ بِهِ إلَيْهِ الفِرارُ مِن نِسْبَةِ الِاسْتِواءِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، ويا لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ وهو بِظاهِرِهِ الَّذِي يَظُنُّ مُخالَفَتَهُ لِما يَقْتَضِيهِ عَقْلُهُ مِثْلَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ بَلْ (لَهُ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أيْ لَهُ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لا شَرِكَةَ ولا اسْتِقْلالًا مِن حَيْثُ المُلْكُ والتَّصَرُّفُ والإحْياءُ والإماتَةُ والإيجادُ والإعْدامُ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالجُزْئِيَّةِ مِنهُما أوْ بِالحُلُولِ فِيهِما ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ الكائِنَةِ في الجَوِّ دائِمًا كالهَواءِ والسَّحابِ وخَلْقٍ لا نَعْلَمُهم هو سُبْحانَهُ يَعْلَمُهم أوْ أكْثَرِيًّا كالطَّيْرِ الَّذِي نَراهُ ﴿وما تَحْتَ الثَّرى﴾ أيْ: ما تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ وهي صَخْرَةٌ خَضْراءُ، وأخْرَجَ أبُو يُعْلى «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ ما تَحْتَ الأرْضِ؟ قالَ: الماءُ، قِيلَ: فَما تَحْتَ الماءِ؟ قالَ: ظَلَمَةٌ، قِيلَ: فَما تَحْتَ الظُّلْمَةِ؟ قالَ: الهَواءُ، قِيلَ: فَما تَحْتَ الهَواءِ؟ قالَ: الثَّرى، قِيلَ: فَما تَحْتَ الثَّرى؟ قالَ: انْقَطَعَ عِلْمُ المَخْلُوقِينَ عِنْدَ عِلْمِ الخالِقِ» .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الثَّرى التُّرابُ النَّدِيُّ أوِ الَّذِي إذا بُلَّ لَمْ يَصِرْ طِينًا كالثُّرَيّا مَمْدُودَةٌ، ويُقالُ: في تَثْنِيَتِهِ ثَرَيانِ وثَرَوانِ وفي جَمْعِهِ أثْراءٌ ويُقالُ: ثَرِيَتِ الأرْضُ كَرِضى تُثْرِي ثَرًى فَهي ثَرِيَّةٌ كَغَنِيَّةٍ وثَرْياءُ إذا نَدِيَتْ ولانَتْ بَعْدَ الجُدُوبَةِ واليُبْسِ وأثْرَتْ كَثُرَ ثَراؤُها وثَرى التُّرْبَةَ تَثْرِيَةً

صفحة 162

بَلَّها والمَكانَ رَشَّهُ وفُلانًا ألْزَمَ يَدَهَ الثَّرى، وفُسِّرَ بِمُطْلَقِ التُّرابِ أيْ ولَهُ تَعالى ما واراهُ التُّرابُ وذَكَرَهُ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ ما في الأرْضِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وإذا كانَ ما في الأرْضِ ما هو عَلَيْها فالأمْرُ ظاهِرٌ، وما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ لَهُ تَعالى كُلُّ ذَلِكَ مِلْكًا وتَصَرُّفًا هو الظّاهِرُ.

وقِيلَ: المَعْنى لَهُ عِلْمُ ذَلِكَ أيْ إنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى:

20:7Page 312

وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧

And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.

﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِجَمِيعِ الأشْياءِ إثْرَ بَيانِ شُمُولِ قُدْرَتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ الكائِناتِ، والخِطابُ عَلى ما قالَهُ في البَحْرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عامًّا أيْ وإنْ تَرْفَعْ صَوْتَكَ أيُّها الإنْسانُ بِالقَوْلِ ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ: ما أسْرَرْتَهُ إلى غَيْرِكَ ولَمْ تَرْفَعْ صَوْتَكَ بِهِ (وأخْفى) أيْ وشَيْئًا أخْفى مِنهُ وهو ما أخْطَرْتَهُ بِبالِكَ مِن غَيْرِ أنْ تَنْفُوهُ بِهِ أصْلًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أوْ ما أسْرَرْتَهُ في نَفْسِكَ وما سَتُسِرُّهُ فِيها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ورُوِيَ عَنِ السَّيِّدَيْنِ الباقِرِ والصّادِقِ السِّرُّ ما أخْفَيْتَهُ في نَفْسِكَ والأخْفى ما خَطَرَ بِبالِكَ ثُمَّ أُنْسِيتَهُ.

وقِيلَ: (أخْفى) فِعْلٌ ماضٍ عُطِفَ عَلى (يَعْلَمُ) يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أسْرارَ العِبادِ وأخْفى ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ عَنْهم وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ورَوى ذَلِكَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ والتَّنْكِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الخَفاءِ، والمُتَبادَرُ مِنَ القَوْلِ ما يَشْمَلُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم، وخَصَّهُ جَماعَةٌ بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ ودُعائِهِ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ لِأنَّ اسْتِواءَ الجَهْرِ والسِّرِّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ في الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ الجَهْرَ المَذْكُورَ في خِطابِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى القَوْلَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى (فَإنَّهُ) إلَخْ قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ ولَيْسَ الجَوابُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى السِّرَّ وأخْفى ثابِتٌ قَبْلَ الجَهْرِ بِالقَوْلِ وبَعْدِهِ وبِدُونِهِ.

والأصْلُ عِنْدَ البَعْضِ وإنْ يَجْهَرْ بِالقَوْلِ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى فَضْلًا عَنْهُ، وعِنْدَ الجَماعَةِ وإنْ تَجْهَرْ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ فَإنَّهُ إلَخْ، وهَذا عَلى ما قِيلَ إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى التَّحَرِّي والِاحْتِياطِ حِينَ الجَهْرِ فَإنَّ مِن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ جَهْرَهُ لَمْ يَجْهَرْ بِسُوءٍ، وخَصَّ الجَهْرَ بِذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ المُحاوَراتِ ومُخاطِباتِ النّاسِ بِهِ، وقِيلَ: إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلى أنَّ الجَهْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ودُعائِهِ لَيْسَ لِإسْماعِهِ سُبْحانَهُ بَلْ لِغَرَضٍ آخَرَ مِن تَصْوِيرِ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ وتَثْبِيتِهِ فِيها ومَنعِها مِنَ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ وقَطْعِ الوَسْوَسَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: نُهِيَ عَنِ الجَهْرِ بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ والدُّعاءِ مَنهِيٌّ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى إطْلاقِهِ.

والَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ النَّوَوِيُّ في فَتاوِيهِ أنَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ حَيْثُ لا مَحْذُورَ شَرْعِيًّا مَشْرُوعٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ بَلْ هو أفْضَلُ مِنَ الإخْفاءِ في مَذْهَبِ الإمامِ الشّافِعِيِّ، وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الإمامِ مالِكٍ بِنَقْلِ الحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي وهو قَوْلٌ لِقاضِيخانَ في فَتاوِيهِ في تَرْجَمَةِ مَسائِلِ كَيْفِيَّةِ القِراءَةِ وقَوْلِهِ في بابِ غُسْلِ المَيِّتِ: ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لِمَن يَمْشِي مَعَ الجِنازَةِ كَما هو مَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ لا مُطْلَقًا كَما تُفْهِمُهُ عِبارَةُ البَحْرِ الرّائِقِ وغَيْرِهِ وهو قَوْلُ الإمامَيْنِ في تَكْبِيرِ عِيدِ الفِطْرِ كالأضْحى، ورِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَلْ في مُسْنَدِهِ ما ظاهِرُهُ اسْتِحْبابُ الجَهْرِ بِالذِّكْرِ مُطْلَقًا، نَعَمْ قالَ

صفحة 163

ابْنُ نَجِيمٍ في البَحْرِ نَقْلًا عَنِ المُحَقِّقِ ابْنِ الهُمامِ في فَتْحِ القَدِيرِ ما نَصُّهُ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ بِدْعَةٌ مُخالِفَةٌ لِلْأمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ فَيَقْتَصِرُ عَلى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وقَدْ ورَدَ بِهِ في الأضْحى وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ .

وأجابَ السُّيُوطِيُّ في نَتِيجَةِ الذِّكْرِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ السّابِقَةِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمّا هاجَرَ ﷺ سَقَطَ ذَلِكَ، الثّانِي أنَّ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى الذِّكْرِ حالَ قِراءَةِ القُرْآنِ وأنَّهُ أُمِرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالذِّكْرِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ أنْ تُرْفَعَ عِنْدَهُ الأصْواتُ، ويُقَوِّيهِ اتِّصالُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ الآيَةَ، الثّالِثُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أنَّ الأمْرَ في الآيَةِ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ الكامِلُ المُكَمَّلُ وأمّا غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ هو مَحَلُّ الوَساوِسِ فَمَأْمُورٌ بِالجَهْرِ لِأنَّهُ أشَدُّ تَأْثِيرًا في دَفْعِها وفِيهِ ما فِيهِ.

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ دُونَ الجَهْرِ البالِغِ أوِ الزّائِدِ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ فَيَكُونُ الجَهْرُ المُعْتَدِلُ والجَهْرُ بِقَدْرِ الحاجَةِ داخِلًا في المَأْمُورِ بِهِ، فَقَدْ صَحَّ ما يَزِيدُ عَلى عِشْرِينَ حَدِيثًا في أنَّهُ ﷺ كَثِيرًا ما كانَ يَجْهَرُ بِالذِّكْرِ.

وصَحَّ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سَلَّمَ مِن صَلاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الأعْلى ( لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المَلِكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ولا نَعْبُدُ إلّا إيّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ ولَهُ الفَضْلُ ولَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ» ) .

وهُوَ مَحْمُولٌ عَلى اقْتِضاءِ حاجَةِ التَّعْلِيمِ ونَحْوِهِ لِذَلِكَ، وما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وكُنّا إذا أشْرَفْنا عَلى وادٍ هَلَّلْنا وكَبَّرْنا ارْتَفَعَتْ أصْواتُنا فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ( يا أيُّها النّاسُ ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكم فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمًّا ولا غائِبًا إنَّهُ مَعَكم إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» )

مَحْمُولٌ عَلى أنَّ النَّهْيَ المُسْتَفادَ التِزامًا مِن أمْرِ ارْبَعُوا الَّذِي بِمَعْنى ارْفُقُوا ولا تُجْهِدُوا أنْفُسَكُمْ، مُرادٌ بِهِ النَّهْيُ عَنِ المُبالَغَةِ في رَفْعِ الصَّوْتِ، وبِتَقْسِيمِ الجَهْرِ واخْتِلافِ أقْسامِهِ في الحُكْمِ يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وما ذُكِرَ في الواقِعاتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن أنَّهُ رَأى قَوْمًا يُهَلِّلُونَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ في المَسْجِدِ فَقالَ: ما أراكم إلّا مُبْتَدِعِينَ حَتّى أخْرَجَهم مِنَ المَسْجِدِ لا يَصِحُّ عِنْدَ الحُفّاظِ مِنَ الأئِمَّةِ المُحَدِّثِينَ، وعَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ هو مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الجَهْرِ مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمّا رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الحُفّاظِ أوْ مَحْمُولٌ عَلى الجَهْرِ البالِغِ، وخَبَرُ: خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ وخَيْرُ الرِّزْقِ أوِ العَيْشِ ما يَكْفِي. صَحِيحٌ.

وعَزاهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ إلى الإمامِ أحْمَدَ وابْنِ حِبّانَ والبَيْهَقِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعَزاهُ أبُو الفَتْحِ في سِلاحِ المُؤْمِنِ إلى أبِي عَوانَةَ في مُسْنَدِهِ الصَّحِيحِ أيْضًا، وهو مَحْمُولٌ عَلى مَن كانَ في مَوْضِعٍ يَخافُ فِيهِ الرِّياءَ أوِ الإعْجابَ أوْ نَحْوَهُما، وقَدْ صَحَّ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَهَرَ بِالدُّعاءِ وبِالمَواعِظِ لَكِنْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ: إنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ أفْضَلُ. وحَدُّ الجَهْرِ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ في المَنهَجِ القَوِيمِ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُسْمِعُ غَيْرَهُ والإسْرارُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ. وعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ في رِوايَةٍ: أدْنى الجَهْرِ إسْماعُ نَفْسِهِ وأدْنى المُخافَتَةِ تَصْحِيحُ الحُرُوفِ وهو قَوْلُ الكَرْخِيِّ.

وفِي كِتابِ الإمامِ مُحَمَّدٍ إشارَةٌ إلَيْهِ، والأصَحُّ كَما في المُحِيطِ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ الهِنْدُوانِيُّ والفَضْلِيُّ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ أنَّ أدْنى الجَهْرِ إسْماعُ غَيْرِهِ وأدْنى المُخافَتَةِ إسْماعُ نَفْسِهِ. ومِن هُنا قالَ في فَتْحِ القَدِيرِ: إنَّ تَصْحِيحَ

صفحة 164

الحُرُوفِ بِلا صَوْتٍ إيماءٌ إلى الحُرُوفِ بِعَضَلاتِ المَخارِجِ لا حُرُوفَ، إذِ الحُرُوفُ كَيْفِيَّةُ تَعَرُّضٍ لِلصَّوْتِ فَإذا انْتَفى الصَّوْتُ المَعْرُوضُ انْتَفى الحَرْفُ العارِضُ وحَيْثُ لا حَرْفَ فَلا كَلامَ بِمَعْنى المُتَكَلِّمِ بِهِ فَلا قِراءَةَ بِمَعْنى التَّكَلُّمِ الَّذِي هو فِعْلُ اللِّسانِ فَلا مُخافَتَةَ عِنْدَ انْتِفاءِ الصَّوْتِ كَما لا جَهْرَ انْتَهى مُحَرَّرًا، وقَدْ ألَّفَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في تَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ رِسالَتَيْنِ جَلِيلَتَيْنِ سَمّى أُولاهُما- نَشْرَ الزَّهْرِ في الذِّكْرِ بِالجَهْرِ- وثانِيَتَهُما- بِإتْحافِ المُنِيبِ الأوّاهِ بِفَضْلِ الجَهْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ- رَدَّ فِيها عَلى بَعْضِ أهْلِ القَرْنِ التّاسِعِ مِن عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ مِن أعْيانِ دَوْلَةِ مِيرْزا ألْغَ بِيكْ بْنِ شاهْ دُخْ الكُورَكانِيِّ حَيْثُ أطْلَقَ القَوْلَ بِكَوْنِ الجَهْرِ بِالذِّكْرِ بِدْعَةً مُحَرَّمَةً وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً، ولَعَلَّهُ يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى زِيادَةُ بَسْطٍ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

20:8Page 312

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨

Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿اللَّهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَوْصُوفُها ذَلِكَ المَعْبُودُ الحَقُّ أيْ ذَلِكَ المَنعُوتُ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَصْرِيحٌ بِما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ مِنِ اخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِن خَلْقِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ والعُلُوِّ اللّائِقِ بِشَأْنِهِ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ والرَّحْمانِيَّةِ والمالِكِيَّةِ لِلْعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والعِلْمُ الشّامِلُ مِمّا يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً بَيِّنًا، وقَوْلُهُ تَبارَكَ اسْمُهُ ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِنَ الخالِقِيَّةِ وغَيْرِها أسْماءَهُ تَعالى وصِفاتَهُ مِن غَيْرِ تَعَدُّدٍ في ذاتِهِ تَعالى، وجاءَ الِاسْمُ بِمَعْنى الصِّفَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ وصِفَةُ المُؤَنَّثَةِ المُفْرَدَةِ تَجْرِي عَلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ وحُسْنِ ذَلِكَ كَوْنُها وقَعَتْ فاصِلَةً، وقِيلَ: تَضْمَنُها الإشارَةُ إلى عَدَمِ التَّعَدُّدِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى عَدَمِ زِيادَةِ صِفاتِهِ تَعالى عَلى ذاتِهِ واتِّحادِها مَعَها وفَضْلِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى عَلى سائِرِ الأسْماءِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ خَبَرُهُ وجُمْلَةُ ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٌ، وظاهِرُ صَنِيعِهِ يَقْتَضِي اخْتِيارَهُ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ،

صفحة 165

ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ أوَّلِيَّةُ ما تَقَدَّمَ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском