Al-AlusiTaha · 20:66–70

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:66–70

20:66Page 316

قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦

He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أنْتُمْ أوَّلًا إظْهارًا لِعَدَمِ المُبالاةِ بِسِحْرِهِمْ وإسْعافًا لِما أوْهَمُوا مِنَ المَيْلِ إلى البَدْءِ في شِقِّهِمْ حَيْثُ غَيَّرُوا النَّظْمَ إلى وجْهٍ أبْلَغَ إذْ كانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولُوا: وإمّا أنْ نُلْقِيَ ولِيُبْرِزُوا ما مَعَهم ويَسْتَفْرِغُوا جُهْدَهم ويَسْتَنْفِذُوا قُصارى وُسْعِهِمْ ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ سُلْطانَهُ فَيَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ.

قِيلَ: وفي ذَلِكَ أيْضًا مُقابَلَةُ أدَبٍ بِأدَبٍ، واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم هَذا الأمْرَ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَجْوِيزَ السِّحْرِ فَحَمَلَهُ دَفْعًا لِذَلِكَ عَلى الوَعِيدِ عَلى السِّحْرِ كَما يُقالُ لِلْعَبْدِ العاصِي: افْعَلْ ما أرَدْتَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هو مَقْرُونٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ألْقُوا إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ. وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ عَدَمَ إحْقاقِهِمْ فَلا يُجْدِي التَّقْدِيرُ بِدُونِ مُلاحَظَةِ غَيْرِهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ ولا إشْكالَ فَإنَّ هَذا كالأمْرِ بِذِكْرِ الشُّبْهَةِ لِتَنْكَشِفَ. والقَوْلُ بِأنَّ تَقْدِيمَ سَماعِ الشُّبْهَةِ عَلى الحُجَّةِ غَيْرُ جائِزٍ لِجَوازِ أنْ لا يَتَفَرَّغَ لِإدْراكِ الحُجَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْقى مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُسارَعَتِهِمْ إلى الإلْقاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَألْقَوْا فَإذا حِبالُهم إلَخْ. وهي في الحَقِيقَةِ عاطِفَةٌ لِجُمْلَةِ المُفاجَأةِ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ. وإذا فُجائِيَّةٌ وهي عِنْدَ الكُوفِيِّينَ حَرْفٌ وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ أبِي حَيّانِ وظَرْفُ زَمانٍ عِنْدَ الرِّياشِيِّ وهو كَذَلِكَ عِنْدَهُ أيْضًا وظَرْفُ مَكانٍ عِنْدَ المُبَرِّدِ وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ ومُخْتارُ

صفحة 227

أبِي حَيّانَ والعامِلُ فِيها هُنا (ألْقُوا) عِنْدَ أبِي البَقاءِ. ورُدَّ بِأنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ العَمَلِ، وفي البَحْرِ إنَّما هي مَعْمُولَةٌ لِخَبَرِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ إنْ لَمْ نَجْعَلْها هي في مَوْضِعِ الخَبَرِ بَلْ جَعَلْنا الخَبَرَ جُمْلَةَ (يُخَيَّلُ) وإذا جَعَلْناها في مَوْضِعِ الخَبَرِ وجَعَلْنا الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ فالأمْرُ واضِحٌ. وهَذا نَظِيرُ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ رابِضٌ ورابِضًا. ولِصِحَّةِ وُقُوعِها خَبَرًا يُكْتَفى بِها وبِالمَرْفُوعِ بَعْدَها كَلامًا فَيُقالُ: خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ. ونَصَّ الأخْفَشُ في الأوْسَطِ عَلى أنَّها قَدْ يَلِيها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مَصْحُوبَةٌ بِقَدْ فَيُقالُ: خَرَجَتْ فَإذا قَدْ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وفي الكَشّافِ التَّحْقِيقُ فِيها أنَّها إذا الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها وجُمْلَةٌ تُضافُ إلَيْها خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ يَكُونَ ناصِبُها فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرَ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ فَفاجَأ مُوسى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وهَذا تَمْثِيلٌ، والمَعْنى عَلى: مُفاجَأةُ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ مُخَيِّلَةٌ إلَيْهِ السَّعْيَ انْتَهى، وفِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما قَدَّمْنا ما فِيهِ لَكِنَّ أمْرَ العَطْفِ عَلَيْهِ أوْفَقُ كَما لا يَخْفى، وعَنى بِقَوْلِهِ: هَذا تَمْثِيلُ أنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْإعْرابِ وأنَّ إذا وقْتِيَّةٌ أوْقَعَ عَلَيْها فِعْلَ المُفاجَأةِ تَوَسُّعًا لِأنَّها سَدَّتْ مَسَدَّ الفِعْلِ والمَفْعُولِ ولِأنَّ مُفاجَأةَ الوَقْتِ يَتَضَمَّنُ مُفاجَأةَ ما فِيهِ بِوَجْهٍ أبْلَغَ. وما قِيلَ: إنَّهُ أرادَ الِاسْتِعارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ فَيَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ لِتَحْصِيلِها. وضَمِيرُ (إلَيْهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو كالمُتَعَيِّنِ، وقِيلَ: لِفِرْعَوْنَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وأنْ وما في حَيِّزِها نائِبُ فاعِلِ ﴿يُخَيَّلُ﴾ أيْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ بِسَبَبِ سِحْرِهِمْ سَعْيُها وكَأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ السِّيمِياءِ وهي عِلْمٌ يُقْتَدَرُ بِهِ عَلى إراءِ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ غالِبًا أنْ يَكُونَ لَها مادَّةٌ في الخارِجِ في الجُمْلَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عُمَرَ البَغْدادِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى رِسالَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الغَنِيِّ النّابْلُسِيِّ في وحْدَةِ والوُجُودِ بِواسِطَةِ أسْماءَ وغَيْرِها.

وذَكَرَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ أنَّ عِلْمَ السِّيمِياءِ حاصِلُهُ إحْداثُ مَثالاتٍ خَيالِيَّةٍ لا وُجُودَ لَها في الحِسِّ ويُطْلَقُ عَلى إيجادِ تِلْكَ المَثالاتِ بِصُوَرِها في الحِسِّ وتَكُونُ صُوَرًا في جَوْهَرِ الهَواءِ وهي سَرِيعَةُ الزَّوالِ بِسَبَبِ سُرْعَةِ تَغَيُّرِ جَوْهَرِهِ، ولَفْظُ سِيمِياءَ مُعَرَّبُ شيم يه ومَعْناهُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى انْتَهى وما ذَكَرَهُ مِن سُرْعَةِ الزَّوالِ لا يُسَلَّمُ كُلِّيًّا وهو عِنْدِي بَعْضٌ مِن عِلْمِ السِّحْرِ. وعَرَّفَهُ البَيْضاوِيُّ بِأنَّهُ عِلْمٌ يُسْتَفادُ مِنهُ حُصُولُ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ يُقْتَدَرُ بِها عَلى أفْعالٍ غَرِيبَةٍ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ثُمَّ قالَ: والسِّحْرُ مِنهُ حَقِيقِيٌّ. ومِنهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ويُقالُ لَهُ: الأخْذُ بِالعُيُونِ وسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ أتَوْا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ انْتَهى، والمَشْهُورُ أنَّ هَؤُلاءِ السَّحَرَةَ جَعَلُوا في الحِبالِ والعِصِيِّ زِئْبَقًا، فَلَمّا أصابَتْها حَرارَةُ الشَّمْسِ اضْطَرَبَتْ واهْتَزَّتْ فَخُيِّلَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَمْشِي كَشَيْءٍ فِيهِ حَياةٌ. ويُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَآها كَأنَّها حَيّاتٌ وقَدْ أخَذَتْ مَيْلًا في مَيْلٍ، وقِيلَ: حَفَرُوا الأرْضَ وجَعَلُوا فِيها نارًا ووَضَعُوا فَوْقَها تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ، فَلَمّا أصابَتْها حَرارَةُ النّارِ تَحَرَّكَتْ ومَشَتْ. وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ كِلا القَوْلَيْنِ شَيْءٌ.

والظّاهِرُ أنَّ التَّخَيُّلَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ حَصَلَ حَقِيقَةً بِواسِطَةِ سِحْرِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبٍ.

وقِيلَ: لَمْ يَحْصُلْ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شاهِدٌ شَيْئًا لَوْلا عِلْمُهُ بِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ لَظَنَّ فِيها أنَّها تَسْعى فَيَكُونُ تَمْثِيلًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ( عُصْيُهم ) بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الصّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَعَ الرَّفْعِ وهو جَمْعٌ كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ ورُوحٌ وابْنُ ذَكْوانَ وغَيْرُهم ( تَخَيَّلُ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وفِيهِ ضَمِيرُ الحِبالِ والعِصِيِّ. و﴿أنَّها تَسْعى﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ ولا يَضُرُّ الإبْدالُ مِنهُ في كَوْنِهِ رابِطًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ ساقِطًا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ( تَخَيَّلُ ) بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَتَخَيَّلُ وفِيهِ أيْضًا ضَمِيرُ ما ذُكِرَ و(أنَّها تَسْعى) بَدَلٌ مِنهُ أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

صفحة 228

هُوَ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ حُبارَةَ الهُذَلِيُّ الأنْدَلُسِيُّ في كِتابِ الكامِلِ: عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قُرِئَ ( تُخَيِّلُ ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الياءِ والضَّمِيرُ فِيهِ فاعِلٌ و( أنَّها تَسْعى ) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ إلى الحَسَنِ وعِيسى الثَّقَفِيِّ ومَن بَنى ( تُخَيَّلُ ) لِلْمَفْعُولِ فالمُخَيِّلُ لَهم ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى لِلْمِحْنَةِ والِابْتِلاءِ.

ورَوى الحَسَنُ بْنُ يَمَنَ عَنْ أبِي حَيْوَةَ ( نُخَيِّلُ ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الياءِ فالفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى و﴿أنَّها تَسْعى﴾ مَفْعُولٌ بِهِ.

20:67Page 316

فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧

And he sensed within himself apprehension, did Moses.

﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ الإيجاسُ الإخْفاءُ والخِيفَةُ الخَوْفُ وأصْلُهُ خِوَفَةٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَوْفَةً بِفَتْحِ الخاءِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِلتَّناسُبِ والأوَّلُ أوْلى.

والتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ أيْ أخْفى فِيها بَعْضَ خَوْفٍ مِن مُفاجَأةِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى طَبْعِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الأمْرِ المَهُولِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقالَ مُقاتِلٌ: خافَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنْ يَعْرِضَ لِلنّاسِ ويَخْتَلِجَ في خَواطِرِهِمْ شَكٌّ وشُبْهَةٌ في مُعْجِزَةِ العَصا لِما رَأوْا مِن عِصِيِّهِمْ. وإضْمارُ خَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ لِئَلّا تَقْوى نُفُوسُهم إذا ظَهَرَ لَهم فَيُؤَدِّي إلى عَدَمِ اتِّباعِهِمْ، وقِيلَ: التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ أخْفى فِيها خَوْفًا عَظِيمًا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الصِّيغَةَ لِكَوْنِها فِعْلَةً وهي دالَّةٌ عَلى الهَيْئَةِ والحالَةِ اللّازِمَةِ تُشْعِرُ بِذَلِكَ ولِذا اخْتِيرَتْ عَلى الخَوْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ ولا يَأْباهُ الإيجاسُ، وقِيلَ: يَأْباهُ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِحالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانَ خَوْفُهُ مِمّا قالَهُ الحَسَنُ والثّانِي هو الأنْسَبُ بِحالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانَ خَوْفُهُ مِمّا قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أنْسَبُ أيْضًا بِوَصْفِ السِّحْرِ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وأيَّدَ بَعْضُهم كَوْنَ التَّنْوِينِ لِذَلِكَ بِإظْهارِ مُوسى وعَدَمِ إضْمارِهِ فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ لَمّا قالُوا إمّا أنْ تُلْقِيَ إلَخِ ألْقُوا يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى فَخافَ لِذَلِكَ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى لا يُغْلَبُونَ ولا يَكادُ يَصِحُّ والنَّظْمُ الكَرِيمُ يَأْباهُ. وتَأْخِيرُ الفاعِلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ

20:68Page 316

قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨

We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.

﴿قُلْنا لا تَخَفْ﴾ أيْ لا تَسْتَمِرَّ عَلى خَوْفِكَ مِمّا تَوَهَّمْتَ وادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ ما اعْتَراكَ فالنَّهْيُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقِيلَ: حَرِجَ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّشْجِيعِ وتَقْوِيَةِ القَلْبِ ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُوجِبُهُ النَّهْيُ مِنَ الِانْتِهاءِ عَنِ الخَوْفِ وتَقْرِيرٌ لِغَلَبَتِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ، وحَرْفُ التَّحْقِيقِ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرُ وتَعَرُّفُ الخَبَرِ ولَفْظُ العُلُوِّ المُنْبِئُ عَنِ الغَلَبَةِ الظّاهِرَةِ وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ. والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ الصِّيغَةَ المَذْكُورَةَ لِمُجَرَّدِ الزِّيادَةِ فَإنَّ كَوْنَها لِلْمُشارَكَةِ والزِّيادَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلسَّحَرَةِ عُلُوٌّ وغَلَبَةٌ ظاهِرَةٌ أيْضًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وإثْباتُ ذَلِكَ لَهم بِالنِّسْبَةِ إلى العامَّةِ كَما قِيلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا مُغالَبَةَ بَيْنَهم وبَيْنَهم.

20:69Page 316

وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩

And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."

﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ أيْ: عَصاكَ كَما وقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْها بِذَلِكَ لِتَذْكِيرِهِ ما وقَعَ وشاهَدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها يَوْمَ قالَ سُبْحانَهُ لَهُ ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّما أُوثِرَ الإبْهامُ تَهْوِيلًا لِأمْرِها وتَفْخِيمًا لِشَأْنِها وإيذانًا بِأنَّها لَيْسَتْ مَن جِنْسِ العِصِيِّ المَعْهُودَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْآثارِ المُعْتادَةِ بَلْ خارِجَةٌ عَنْ حُدُودِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ مُبْهَمَةً لَكِنَّها مُسْتَتْبِعَةٌ لِآثارٍ غَرِيبَةٍ، وعَدَمُ مُراعاةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ عِنْدَ حِكايَةِ الأمْرِ في مَواضِعَ أُخَرَ لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ مُراعاتِها عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ انْتَهى. وحاصِلُهُ أنَّ الإبْهامَ لِلتَّفْخِيمِ كَأنَّ العَصا لِفَخامَةِ شَأْنِها لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ العِلْمِ نَحْوَ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ووَقَعَ حِكايَةُ الأمْرِ في مَواضِعَ أُخَرَ بِالمَعْنى والواقِعُ نَفْسُهُ ما تَضَمَّنَ هَذِهِ النُّكْتَةَ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظٍ

صفحة 229

عَرَبِيٍّ وإنَّما لَمْ يُعْتَبَرِ العَكْسُ لِأنَّ المُتَضَمِّنَ أوْفَقُ بِمَقامِ النَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ وتَشْجِيعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ عَصاكَ لِما في اليَمِينِ مِن مَعْنى اليُمْنِ والبَرَكَةِ، وفِيهِ أنَّ الخِطابَ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ، وقِيلَ: الإبْهامُ لِلتَّحْقِيرِ بِأنْ يُرادَ لا تُبالِي بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وألْقِ العُوَيْدَ الَّذِي في يَدِكَ فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَلْقَفُها مَعَ وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها وصِغَرِهِ وعِظَمِها. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ظُهُورُ حالِها فِيما مَرَّ مَرَّتَيْنِ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما يَلِيقُ بِما لَوْ فَعَلَتِ العَصا ما فَعَلَتْ وهي عَلى الهَيْئَةِ الأصْلِيَّةِ، وقَدْ كانَ مِنها ما كانَ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى كُلٍّ مِنَ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: الأنْسَبُ عَلى الأوَّلِ الأوَّلُ وعَلى الثّانِي الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ بِالجَزْمِ جَوابُ الأمْرِ مِن لَقِفَهُ نالَهُ بِالحَذْفِ بِاليَدِ أوْ بِالفَمِ، والمُرادُ هُنا الثّانِي والتَّأْنِيثُ بِكَوْنِ ما عِبارَةٌ عَنِ العَصا أيْ تَبْتَلِعُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ الَّتِي خُيِّلَ إلَيْكَ سَعْيُها، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما صَنَعُوا لِلتَّحْقِيرِ والإيذانِ بِالتَّمْوِيهِ والتَّزْوِيرِ. وقَرَأ الأكْثَرُونَ (تَلَقَّفَ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ وإسْقاطِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن ( تَتَلَقَّفُ ) .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الفِعْلَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ ألْقِ بِناءً عَلى تَسَبُّبِهِ أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ مُتَلَقِّفًا أوْ مُتَلَقِّفَةً وجُمْلَةُ الأمْرِ مَعْطُوفَةٌ عَلى النَّهْيِ مُتَمِّمَةٌ بِما في حَيِّزِها لِتَعْلِيلِ مُوجِبِهِ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عُلُوِّهِ وغَلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ ابْتِلاعَ عَصاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأباطِيلِهِمُ الَّتِي مِنها أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً يَقْلَعُ مادَّةَ الخَوْفِ بِالكُلِّيَّةِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ خَوْفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن مُخالَجَةِ الشَّكِّ لِلنّاسِ في مُعْجِزَةِ العَصا وإلّا لِعِلَلٍ بِما يُزِيلُهُ مِنَ الوَعْدِ بِما يُوجِبُ إيمانَهم وفِيهِ تَأمُّلٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما صَنَعُوا﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى (تَلْقَفْ ما صَنَعُوا) وما إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ أوْ إنَّ شَيْئًا صَنَعُوهُ أوْ إنَّ صُنْعَهم ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرْ إنَّ أيْ كَيْدُ جِنْسِ السّاحِرِ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن تَنْكِيرِ المُضافِ ولَوْ عُرِفَ لَكانَ المُضافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً ولَيْسَ مُرادًا. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُهُ الإضافِيُّ حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ وهو كالنَّكِرَةِ مَعْنًى وإنَّما الفَرْقُ بَيْنَهُما حُضُورُهُ في الذِّهْنِ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِهِ فَإنَّهُ مِمّا عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ( يُخَيَّلُ ) إلَخْ وإنَّما الغَرَضُ بَعْدَ تَعْيِينِهِ أنْ يُذْكَرَ أنَّهُ أمْرٌ مُمَوَّهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ وهَذا مِمّا يُعْرَفُ بِالذَّوْقِ، وقِيلَ: نُكِّرَ لِيُتَوَسَّلَ بِهِ إلى تَحْقِيرِ المُضافِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ إفادَةِ ذَلِكَ تَحْقِيرُ المُضافِ لا يُناسِبُ المَقامَ ولِأنَّهُ يُفِيدُ انْقِسامَ السِّحْرِ إلى حَقِيرٍ وعَظِيمٍ ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ. وأيْضًا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ إلّا أنْ يُقالَ: عِظَمُهُ مِن وجْهٍ لا يُنافِي حَقارَتَهُ في نَفْسِهِ وهو المُرادُ مِن تَحْقِيرِهِ. وقِيلَ: إنَّما نُكِّرَ لِئَلّا يَذْهَبَ الذِّهْنُ إلى أنَّ المُرادَ ساحِرٌ مَعْرُوفٌ فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ ( كَيْدَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (صَنَعُوا) وما كافَّةٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَحْرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ ( سِحْرٍ ) بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ عَلى مَعْنى ذِي سِحْرٍ أوْ عَلى تَسْمِيَةِ السّاحِرِ سِحْرًا مُبالَغَةً كَأنَّهُ لِتَوَغُّلِهِ في السِّحْرِ صارَ نَفْسَ السِّحْرِ. وقِيلَ: عَلى أنَّ الإضافَةَ لِبَيانِ أنَّ الكَيْدَ مِن جِنْسِ السِّحْرِ. وهَذِهِ الإضافَةُ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ. وهي عَلى مَعْنى اللّامِ عِنْدَ شارِحِ الهادِي

صفحة 230

وعَلى مَعْنى مِن عَلى ما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الشَّرِيفِ في أوَّلِ شَرْحِ المِفْتاحِ وتُسَمّى إضافَةً بَيانِيَّةً. ويُحْمَلُ فِيما وُجِدَتْ فَهي المُضافُ إلَيْهِ عَلى المُضافِ. ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ وبَعْضُهم شَرَطَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسُ ﴿حَيْثُ أتى﴾ حَيْثُ كانَ وأيْنَ أقْبَلَ فَحَيْثُ ظَرْفُ مَكانٍ أُرِيدَ بِهِ التَّعْمِيمُ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَأْنِ العَصا وكَوْنِها مُعْجِزَةً إلَهِيَّةً مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَقْوِيَةِ التَّعْلِيلِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أمْرِها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أخَذْتُمُ السّاحِرَ فاقْتُلُوهُ ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ قالَ لا يُؤْمِنُ حَيْثُ وُجِدَ» ).

وقَرَأتْ فِرْقَةُ ( أيْنَ أتى )

20:70Page 316

فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠

So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ فَضِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ جُمَلٍ غَنِيَّةٍ عَنِ التَّصْرِيحِ أيْ فَزالَ الخَوْفُ وألْقى ما في يَمِينِهِ وصارَتْ حَيَّةً وتَلَقَّفَتْ حِبالَهم وعِصِيَّهم وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُعْجِزٌ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ عَلى وُجُوهِهِمْ سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى تائِبِينَ مُؤْمِنِينَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وبِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

رُوِيَ أنَّ رَئِيسَهم قالَ: كُنّا نَغْلِبُ النّاسَ وكانَتِ الآلاتُ تُبْقِي عَلَيْنا فَلَوْ كانَ هَذا سِحْرًا فَأيْنَ ما ألْقَيْنا فاسْتُدِلَّ بِتَغَيُّرِ أحْوالِ الأجْسامِ عَلى الصّانِعِ القَدِيرِ العَلِيمِ، وبِظُهُورِ ذَلِكَ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ. وكَأنَّ هاتِيكَ الحِبالَ والعِصِيَّ صارَتْ هَباءً مُنْبَثًّا وانْعِدامُها بِالكُلِّيَّةِ مُمْكِنٌ عِنْدَنا، وفي التَّعْبِيرِ بِأُلْقِيَ دُونَ فَسَجَدَ إشارَةً إلى أنَّهم شاهَدُوا ما أزْعَجَهم فَلَمْ يَتَمالَكُوا حَتّى وقَعُوا عَلى وُجُوهِهِمْ ساجِدِينَ، وفِيهِ إيقاظُ السّامِعِ لِإلْطافِ اللَّهِ تَعالى في نَقْلِهِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ مِن غايَةِ الكُفْرِ والعِنادِ إلى نِهايَةِ الإيمانِ والسَّدادِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ والتَّناسُبِ، والمُرادُ أنَّهم أسْرَعُوا إلى السُّجُودِ، قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَرْفَعُوا رُؤُوسَهم مِنَ السُّجُودِ حَتّى رَأوُا الجَنَّةَ والنّارَ والثَّوابَ والعِقابَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ المُنْذِرِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم لَمّا خَرُّوا سُجَّدًا أراهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُجُودِهِمْ مَنازِلَهم في الجَنَّةِ. واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ القاضِي بِأنَّهُ كالإلْجاءِ إلى الإيمانِ وأنَّهُ يُنافِي التَّكْلِيفَ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ حَيْثُ كانَ الإيمانُ مُقَدَّمًا عَلى هَذا الكَشْفِ فَلا مُنافاةَ ولا إلْجاءَ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ لا يُنافِيهِ قَوْلُهم: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ إلَخْ لِأنَّ كَوْنَ تِلْكَ المَنازِلِ مَنازِلَهم بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ عَنْهم.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ تَأْخِيرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ حِكايَةِ كَلامِهِمُ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ المُقَدَّمِ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أشْرَفُ مِن هارُونَ، والدَّعْوَةُ والرِّسالَةُ إنَّما هي لَهُ أوَّلًا وبِالذّاتِ وظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامُهم بِهَذا التَّرْتِيبِ وقَدَّمُوا هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أكْبَرُ سَنًّا، وقَوْلُ السَّيِّدِ في شَرْحِ المِفْتاحِ: إنَّ مُوسى أكْبَرُ مِن هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ سَهْوٌ. وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنِ التَّوَهُّمِ الباطِلِ مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ حَيْثُ كانَ فِرْعَوْنُ رَبّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَوْ قَدَّمُوا مُوسى لَرُبَّما تَوَهَّمَ اللَّعِينُ وقَوْمُهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ مُرادَهم فِرْعَوْنُ وتَقْدِيمُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ تَقْدِيمٌ في الحِكايَةِ لِتِلْكَ النُّكْتَةِ.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ ما هُنا قَوْلَ طائِفَةٍ مِنهم وما هُناكَ قَوْلَ أُخْرى وراعى كُلَّ نُكْتَةٍ فِيما فَعَلَ لَكِنَّهُ لَمّا اشْتَرَكَ القَوْلُ في المَعْنى صَحَّ نِسْبَةُ كُلٍّ مِنهُما إلى الجَمِيعِ. واخْتِيارُ هَذا القَوْلِ هُنا لِأنَّهُ أوْفَقُ بِآياتِ هَذِهِ السُّورَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском