Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:85–89
20:85Page 317
قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥
[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ نَشَأ مِن حِكايَةِ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو السِّرُّ في وُرُودِهِ عَلى صِيغَةِ الغائِبِ لا أنَّهُ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِما أنَّ المُقَدَّرَ فِيما سَبَقَ عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَةِ السّامِعِينَ: فَماذا قالَ لَهُ رَبُّهُ تَعالى حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ سُبْحانَهُ ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ أيِ اخْتَبَرْناهم بِما فَعَلَ السّامِرِيُّ أوْ أوْقَعْناهم في فِتْنَةٍ أيْ مَيْلٍ مَعَ الشَّهَواتِ ووُقُوعٍ في اخْتِلافٍ ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم وذَهابِكَ مِن بَيْنِهِمْ ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ حَيْثُ أخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ودَعاهم إلى عِبادَتِهِ. وقِيلَ: قالَ لَهم بَعْدَ أنْ غابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهم عِشْرِينَ لَيْلَةً: إنَّهُ قَدْ كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ فَجَعَلَ العِشْرِينَ مَعَ أيّامِها أرْبَعِينَ لَيْلَةً. ولَيْسَ مِن مُوسى عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولَيْسَ إخْلافُهُ مِيعادَكم إلّا لِما مَعَكم مِن حُلِيِّ القَوْمِ وهو حَرامُ عَلَيْكم فَجَمَعُوهُ وكانَ مِن أمْرِ العِجْلِ ما كانَ. والمُرادُ بِقَوْمِكَ هُنا الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا عَلى ما قِيلَ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما نَجا مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا فالمُرادُ بِهِمْ غَيْرُ المُرادِ بِقَوْمِكَ فِيما تَقَدَّمَ، ولِذا لَمْ يُؤْتَ بِضَمِيرِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْمِ في المَوْضِعَيْنِ المُتَخَلِّينَ لِتَعَيُّنِ إرادَتِهِمْ هُنا، والمَعْرِفَةُ المُعادَةُ عَيْنُ الأُولى. ومَعْنى ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ هم بِالقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَنِي.
وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلَفْظِ الأثَرِ ولا هو مُطابِقٌ لِتَمْهِيدِ عُذْرِ العَجَلَةِ ومِن أيْنَ لِصاحِبِ هَذا التَّأْوِيلِ النَّقْلُ بِأنَّهم كانُوا عَلى القُرْبِ مِنَ الطُّورِ وحَدِيثُ المَعْرِفَةِ المُعادَةِ إنَّما هو إذا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّغايُرِ وقَدْ قامَ، عَلى أنَّ لَنا أنْ تَقُولَ: هي عَيْنُ الأُولى لِأنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الجِنْسُ في المَوْضِعَيْنِ لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أوَّلًا النُّقَباءُ وثانِيًا المُتَخَلِّفُونَ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن نَفْيِ النَّقْلِ الدّالِّ عَلى القُرْبِ فِيهِ مُقالٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا مِنَ الأخْبارِ ما يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى القُرْبِ إلّا أنّا لَمْ نَقِفْ عَلى تَصْحِيحِهِ أوْ تَضْعِيفِهِ.
وما ذُكِرَ مِن تَفْسِيرِ ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ عَلى إرادَةِ المُتَخَلِّفِينَ في الأوَّلِ أيْضًا نَقَلَهُ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ الحَسَنِ، ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُهُ بِأنَّهم عَلى دِينِي ومِنهاجِي والأمْرُ عَلَيْهِ أهْوَنُ. والفاءُ لِتَعْلِيلِ ما يُفْهِمُهُ الكَلامُ السّابِقُ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْبَغِي عَجَلَتُكَ عَنْ قَوْمِكَ وتَقَدُّمُكَ عَلَيْهِمْ وإهْمالُ أمْرِهِمْ لِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَإنَّهم لِحَداثَةِ عُهَدِهِمْ بِاتِّباعِكَ ومَزِيدِ بَلاهَتِهِمْ وحَماقَتِهِمْ بِمَكانٍ يَحِيقُ فِيهِ مَكْرُ الشَّيْطانِ ويَتَمَكَّنُ مِن إضْلالِهِمْ فَإنَّ القَوْمَ الَّذِينَ خَلَّفْتَهم مَعَ أخِيكَ قَدْ فُتِنُوا وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ بِخُرُوجِكَ مِن بَيْنِهِمْ فَكَيْفَ تَأْمَنُ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْفَلْتَهم وأهْمَلْتَ أمْرَهم.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إنَّها لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ بِما ذُكِرَ مِنَ الِابْتِلاءِ عَلى أخْبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَجَلَتِهِ لَكِنْ لا لِأنَّ الأخْبارَ بِها سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلْإخْبارِ بِهِ بَلْ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ المُصَحِّحَةِ لِلِانْتِقالِ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ مِن حَيْثُ إنَّ مَدارَ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ عَجَلَةُ القَوْمِ ولَيْسَ بِذاكَ. وأمّا قَوْلُ الخَفاجِيِّ: إنَّها لِلتَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ تَعْلِيلٍ أخَرَ أقُولُ لَكَ عَقِبَ ما ذُكِرَ إنّا قَدْ فُتِنّا إلى آخِرِهِ فَفِيهِ سَهْوٌ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى إنَّما يَتَسَنّى لَوْ كانَتِ الفاءُ داخِلَةً عَلى القَوْلِ لَكِنَّها داخِلَةٌ عَلى ما بَعْدَهُ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِتَنَ وإضْلالَ السّامِرِيِّ إيّاهم قَدْ تَحَقَّقا ووَقَعا قَبْلَ الإخْبارِ بِهِما إذْ صِيغَةُ الماضِي ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ، والظّاهِرُ أيْضًا عَلى ما قَرَّرْنا أنَّ الإخْبارَ كانَ عِنْدَ مَجِيئِهِ عَلَيْهِ
صفحة 244
السَّلامُ لِلطَّوْرِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إلّا العِتابُ والِاعْتِذارُ. وفي الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ وُقُوعَ ما ذُكِرَ كانَ بَعْدَ عِشْرِينَ لَيْلَةً مِن ذَهابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجانِبِ الطُّورِ، وقِيلَ: بَعْدَ سِتٍّ وثَلاثِينَ يَوْمًا وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الماضِي لِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ أوْ لِأنَّهُ قَرِيبُ الوُقُوعِ مُتَرَقَّبُهُ أوْ لِأنَّ السّامِرِيَّ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى إيقاعِ الفِتْنَةِ عِنْدَ ذَهابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصَدّى لِتَرْتِيبِ مَبادِئِها وتَمْهِيدِ مَبانِيها فَنَزَّلَ مُباشَرَةَ الأسْبابِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ. والسّامِرِيُّ عِنْدَ الأكْثَرِ كَما قالَ الزَّجّاجُ: كانَ عَظِيمًا مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ وهم إلى هَذِهِ الغايَةِ في الشّامِ يُعْرَفُونَ بِالسّامِرِيِّينَ، وقِيلَ: هو ابْنُ خالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ابْنُ عَمِّهِ، وقِيلَ: كانَ عِلْجًا مَن كِرْمانَ، وقِيلَ: كانَ مِن أهْلِ باجِرْما قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِن مِصْرَ أوْ قَرْيَةٍ مِن قُرى مُوصِلَ، وقِيلَ: كانَ مِنَ القِبْطِ وخَرَجَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُظْهِرًا الإيمانَ وكانَ جارَهُ.
وقِيلَ: كانَ مِن عُبّادِ البَقَرِ وقَعَ في مِصْرَ فَدَخَلَ في بَنِي إسْرائِيلَ بِظاهِرِهِ وفي قَلْبِهِ عِبادَةُ البَقَرِ. واسْمُهُ قِيلَ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ، وقِيلَ: مُنَجّا، والأوَّلُ أشْهَرُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أُمَّهُ حِينَ خافَتْ أنْ يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْتِيهِ فَيَغْذُوهُ بِأصابِعِهِ في واحِدَةٍ لَبَنًا وفي الأُخْرى عَسَلًا، وفي الأُخْرى سَمْنًا ولَمْ يَزَلْ يَغْذُوهُ حَتّى نَشَأ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ:
إذا المَرْءُ لَمْ يُخْلَقْ سَعِيدًا تَحَيَّرَتْ عُقُولُ مُرَبِّيهِ وخابَ المُؤَمِّلُ
فَمُوسى الَّذِي رَبّاهُ جِبْرِيلُ كافِرٌ ∗∗∗ ومُوسى الَّذِي رَبّاهُ فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ
وبِالجُمْلَةِ كانَ عِنْدَ الجُمْهُورِ مُنافِقًا يُظْهِرُ الإيمانُ ويُبْطِنُ الكُفْرَ، وقَرَأ مُعاذٌ (أضَلُّهُمْ) عَلى أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ أيْ أشَدُّهم ضَلالًا لِأنَّهُ ضالٌّ ومُضِلٌّ
20:86Page 317
فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦
So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"
﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ عِنْدَ رُجُوعِهِ المَعْهُودِ أيْ بَعْدَ ما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ ذا القِعْدَةِ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ وأخَذَ التَّوْراةَ لا عَقِيبَ الإخْبارِ المَذْكُورِ فَسَبَبِيَّةُ ما قَبْلَ الفاءِ لِما بَعْدَها إنَّما هي بِاعْتِبارِ قَيْدِ الرُّجُوعِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ وإنْ كانَتْ داخِلَةً عَلَيْهِ حَقِيقَةً فَإنَّ كَوْنَ الرُّجُوعِ بَعْدَ تَمامِ الأرْبَعِينَ أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى كَوْنِهِ عِنْدَ الإخْبارِ المَذْكُورِ كَما إذا قُلْتَ: شايَعْتُ الحُجّاجَ ودَعَوْتُ لَهم بِالسَّلامَةِ فَرَجَعُوا سالِمِينَ، فَإنَّ أحَدًا لا يَرْتابُ في أنَّ المُرادَ رُجُوعُهُمُ المُعْتادُ لا رُجُوعُهم أثَرُ الدُّعاءِ وإنَّ سَبَبِيَّةَ الدُّعاءِ بِاعْتِبارٍ وصْفِ السَّلامَةِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِ الرُّجُوعِ، كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ وهو مِمّا لا يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ. والأسَفُ الحَزِينُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكانَ حُزْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّ ما وقَعَ فِيهِ قَوْمُهُ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ ولا يَدَ لَهُ بِدَفْعِها. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو شَدِيدُ الغَضَبِ، وقالَ الجُبّائِيُّ مُتَلَهِّفًا عَلى ما فاتَهُ مُتَحَيِّرًا في أمْرِ قَوْمِهِ يَخْشى أنْ لا يُمْكِنَهُ تَدارُكُهُ وهَذا مَعْنًى لِلْأسَفِ غَيْرُ مَشْهُورٍ (قالَ) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ بِهِمْ لَمّا رَجَعَ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الوَعْدِ ونَفْيِهِ وتَقْرِيرِ وجُودِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أيْ وعَدَكم ﴿وعْدًا حَسَنًا﴾ لا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ. والمُرادُ بِذَلِكَ إعْطاءُ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها هُدًى ونُورٌ، وقِيلَ: هو ما وعَدَهم سُبْحانَهُ مِنَ الوُصُولِ إلى جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفُتُوحِ في الأرْضِ والمَغْفِرَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ طاعَتِهِ.
صفحة 245
وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الوَعْدَ الحَسَنَ الجَنَّةُ الَّتِي وعَدَها مَن تَمَسَّكَ بِدِينِهِ، وقِيلَ: هو أنْ يُسْمِعَهم جَلَّ وعَلا كَلامَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، ونَصْبُ (وعْدًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ وهو بِمَعْنى المَوْعُودِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدِّرٍ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ المَعْطُوفِ ونَفْيِهِ فَقَطْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ لِصَدارَتِها والعَطْفُ عَلى (لَمْ يَعِدْكُمْ) لِأنَّهُ بِمَعْنى قَدْ وعَدَكم، واخْتارَ جَمْعٌ الأوَّلَ وألْ في العَهْدِ لَهُ، والمُرادُ زَمانُ الإنْجازِ، وقِيلَ: زَمانُ المُفارَقَةِ أيْ أوَعَدَكم سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَطالَ زَمانُ الإنْجازِ أوْ زَمانُ المُفارَقَةِ لِلْإتْيانِ بِهِ ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ﴾ أيْ يَجِبَ ﴿عَلَيْكم غَضَبٌ﴾ شَدِيدٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن مالِكِ أمْرِكم عَلى الإطْلاقِ. والمُرادُ مِن إرادَةِ ذَلِكَ فِعْلُ ما يَكُونُ مُقْتَضِيًا لَهُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ، والمَوْعِدُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ لِلْقَصْدِ إلى زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ فَإنَّ إخْلافِهِمُ الوَعْدَ الجارِي فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْنَعُ مِنهُ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى أفَطالَ عَلَيْكُمُ الزَّمانُ فَنَسِيتُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَأخْلَفْتُمْ وعْدَكم إيّايَ بِالثَّباتِ عَلى دِينِي إلى أنْ أرْجِعَ مِنَ المِيقاتِ نِسْيانًا أوْ تَعَمَّدْتُمْ فِعْلَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِحُلُولِ غَضَبِ رَبِّكم عَلَيْكم فَأخْلَفْتُمْ وعْدَكم إيّايَ بِذَلِكَ عَمْدًا، وحاصِلُهُ أنْسَيْتُمْ فَأخْلَفْتُمْ أوْ تَعَمَّدْتُمْ فَأخْلَفْتُمْ، ومِنهُ يُعْلَمُ التَّقابُلُ بَيْنَ الشِّقَّيْنِ.
وجَوَّزَ المُفَضَّلُ أنْ يَكُونَ المَوْعِدُ مَصْدَرًا مُضافًا إلى الفاعِلِ وإخْلافُهُ بِمَعْنى وِجْدانِ الخُلْفِ فِيهِ يُقالُ: أخْلَفَ وعْدَ زَيْدٍ بِمَعْنى وجَدَ الخُلْفِ فِيهِ، ونَظِيرُهُ أحْمَدْتُ زَيْدًا أيْ فَوَجَدْتُمُ الخُلْفَ في مَوْعِدِي إيّاكم بَعْدَ الأرْبَعِينَ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُساعِدُهُ السِّياقُ ولا السِّباقُ أصْلًا، وقِيلَ: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ وعَدَهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّحاقِ بِهِ والمَجِيءِ لِلطُّورِ عَلى أثَرِهِ وفِيهِ ما فِيهِ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ خالِقًا لِلْكُفْرِ وإلّا لَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ولَما كانَ لِغَضَبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأسَفِهِ وجْهٌ ولا يَخْفى ما فِيهِ
20:87Page 317
قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧
They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."
﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ﴾ أيْ: وعْدَنا إيّاكَ الثَّباتَ عَلى دِينِكَ وإيثارَهُ عَلى أنْ يُقالَ مَوْعِدُنا عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ لِما مَرَّ آنِفًا.
﴿بِمَلْكِنا﴾ بِأنْ مَلَكْنا أمْرَنا يَعْنُونَ أنّا ولَوْ خُلِّينا وأنْفُسُنا ولَمْ يُسَوِّلْ لَنا السّامِرِيُّ ما سَوَّلَهُ مَعَ مُساعَدَةِ بَعْضِ الأحْوالِ لَما أخْلَفْناهُ. وقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ ( بِمِلْكِنا ) بِكَسْرِ المِيمِ وقَرَأ الأخَوانِ والحَسَنُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وقَعْنَبٌ بِضَمِّها وقَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( بِمَلَكِنا ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ قالَ في البَحْرِ: أيْ بِسُلْطانِنا، واسْتَظْهَرَ أنَّ المُلْكَ بِالضَّمِّ والفَتْحِ والكَسْرِ بِمَعْنًى. وفَرَّقَ أبُو عَلِيٍّ فَقالَ: مَعْنى المَضْمُومِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَنا مُلْكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ بِسُلْطانِهِ وإنَّما أخْلَفْناهُ بِنَظَرٍ أدّى إلَيْهِ ما فَعَلالسّامِرِيُّ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ وقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
لا تُشْتَكى سَقْطَةٌ مِنها وقَدْ رَقَصَتْ بِها المَفاوِزُ حَتّى ظَهْرُها حَدِبُ
ومَفْتُوحُ المِيمِ مَصْدَرُ مَلَكَ، والمَعْنى ما فَعَلْنا ذَلِكَ بِأنْ مَلَكْنا الصَّوابَ ووَفَّقْنا لَهُ بَلْ غَلَبَتْنا أنْفُسُنا، ومَكْسُورُ
صفحة 246
المِيمِ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما تَحُوزُهُ اليَدُ ولَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الَّتِي يُبْرِمُها الإنْسانُ، والمَعْنى عَلَيْهِ كالمَعْنى عَلى المَفْتُوحِ المِيمِ، والمَصْدَرُ في هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ مُقَدَّرٌ أيْ بِمَلْكِنا الصَّوابَ ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ اسْتِدْراكٌ عَمّا سَبَقَ واعْتِذارٌ عَمّا فَعَلُوا بِبَيانِ مَنشَأِ الخَطَأِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ القِبْطُ والأوْزارُ الأحْمالُ وتُسَمّى بِها الآثامُ. وعَنَوْا بِذَلِكَ ما اسْتَعارُوهُ مِنَ القِبْطِ مِنَ الحُلِيِّ بِرَسْمِ التَّزَيُّنِ في عِيدٍ لَهم قُبَيْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ كَما أسْلَفْنا.
وقِيلَ: اسْتَعارُوهُ بِاسْمِ العُرْسِ. وقِيلَ: هو ما ألْقاهُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ مِمّا كانَ عَلى الَّذِينَ غَرِقُوا، ولَعَلَّهم أطْلَقُوا عَلى ذَلِكَ الأوْزارَ مُرادًا بِها الآثامُ مِن حَيْثُ إنَّ الحُلِيَّ سَبَبٌ لَها غالِبًا لِما أنَّهُ يُلْبَسُ في الأكْثَرِ لِلْفَخْرِ والخُيَلاءِ والتَّرَفُّعِ عَلى الفُقَراءِ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّهم أثِمُوا بِسَبَبِهِ وعَبَدُوا العِجْلَ المَصُوغَ مِنهُ، وقِيلَ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ صارَ بَعْدَ هَلاكِ أصْحابِهِ في حُكْمِ الغَنِيمَةِ ولَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذِهِ الغَنِيمَةِ حَلالًا لَهم بَلْ ظاهِرُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ الغَنائِمَ سَواءٌ كانَتْ مِنَ المَنقُولاتِ أمْ لا لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، والرِّوايَةُ السّابِقَةُ في كَيْفِيَّةِ الإضْلالِ تُوافِقُ هَذا التَّوْجِيهَ إلّا أنَّهُ يَشْكُلُ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي أمَرَهم بِالِاسْتِعارَةِ حَتّى قِيلَ: إنَّ فاعِلَ التَّحْمِيلِ في قَوْلِهِمْ (حُمِّلْنا) هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ ألْزَمَهم ذَلِكَ بِأمْرِهِمْ بِالِاسْتِعارَةِ وقَدْ أبْقاهُ في أيْدِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِ أصْحابِهِ وأقَرَّهم عَلى اسْتِعْمالِهِ فَإذا لَمْ يَكُنْ حَلالًا فَكَيْفَ يُقِرُّهم، وكَذا يُقالُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ ما ألْقاهُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ، واحْتِمالُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَهى عَنْ ذَلِكَ وظَنَّ الِامْتِثالَ ولَمْ يَطَّلِعْ عَلى عَدَمِهِ لِإخْفاءِ الحالِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِهِ أصْلًا لا سِيَّما عَلى رِوايَةِ أنَّهم أمَرُوا بِاسْتِعارَةِ دَوابَّ مِنَ القَوْمِ أيْضًا فاسْتَعارُوها وخَرَجُوا بِها.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ أمْوالَ القِبْطِ مُطْلَقًا بَعْدَ هَلاكِهِمْ كانَتْ حَلالًا عَلَيْهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وقَدْ أضافَ سُبْحانَهُ الحُلِيَّ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ أنَّ الحُلِيَّ مِلْكٌ لَهم ويَدَّعِي اخْتِصاصُ الحَلِّ فِيما كانَ الرَّدُّ فِيهِ مُتَعَذِّرًا لِهَلاكِ صاحَبِهِ ومَن يَقُومُ مَقامَهُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ ﷺ: ( «أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تَحُلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي» ) . لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ ولَمْ تَحِلَّ كَذَلِكَ لِأحَدٍ قَبْلِي ويَكُونُ تَسْمِيَتُهم ذَلِكَ أوْزارًا إمّا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ والثّانِي، وإمّا لِظَنِّهِمُ الحُرْمَةَ لِجَهْلِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أوْ لِإلْقاءِ السّامِرِيِّ الشُّبْهَةَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْمُرَهم بِالِاسْتِعارَةِ فَأمَرَهم وأبْقى ما اسْتَعارُوهُ بِأيْدِيهِمْ بَعْدَ هَلاكِ أصْحابِهِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الأمْرِ مُنْتَظِرًا ما يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَعْدُ. وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بَيَّنَ حُكْمَهُ عَلى لِسانِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَهابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمِيقاتِ كَما سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
والجارُّ والمَجْرُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِحُمِّلْنا وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِأوْزارًا، ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بِناءً عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ الجُمَلَ والظُّرُوفَ بَعْدَ النَّكِراتِ صِفاتٌ وبَعْدَ المَعارِفِ أحْوالٌ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ.
وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( حَمَلْنا ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وأبُو رَجاءٍ ( حُمِلْنا ) بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ (فَقَذَفْناها) أيْ طَرَحْناها في النّارِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ. وقِيلَ: أيْ ألْقَيْناها
صفحة 247
عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا (فَكَذَلِكَ) أيْ فَمِثْلُ ذَلِكَ ﴿ألْقى السّامِرِيُّ﴾ أيْ: ما كانَ مَعَهُ مِنها قِيلَ كَأنَّهُ أراهم أنَّهُ أيْضًا يُلْقِي ما كانَ مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ فَقالُوا ما قالُوا عَلى زَعْمِهِمْ وإنَّما كانَ الَّذِي ألْقاهُ التُّرْبَةَ الَّتِي أخَذَها مِن أثَرِ الرَّسُولِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: إنَّهُ ألْقى ما مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ وألْقى مَعَ ذَلِكَ ما أخَذَهُ مِن أثَرِ الرَّسُولِ كَأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا إلّا أنَّهُ ألْقى ما مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ، وقِيلَ: أرادُوا ألْقى التُّرْبَةَ، وأيَّدَهُ بَعْضُهم بِتَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ إذْ لَمْ يُعَبِّرْ بِالقَذْفِ المُتَبادَرِ مِنهُ أنَّ ما رَماهُ جُرْمُ مُجْتَمَعٍ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ يُقالُ: المَعْنى: فَمِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ لَكَ ألْقى السّامِرِيُّ إلَيْنا وقَرَّرَهُ عَلَيْنا وفِيهِ بُعْدٌ، وإنْ ذُكِرَ أنَّهُ قالَ لَهم: إنَّما تَأخُّرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْكم لِما مَعَكم مِن حُلِيِّ القَوْمِ وهو حَرامٌ عَلَيْكم فالرَّأْيُ أنْ نَحْفِرَ حُفَيْرَةً ونَسْجُرَ فِيها نارًا ونَقْذِفُ فِيها ما مَعَنا مِنهُ فَفَعَلُوا وكانَ صَنَعَ في الحُفَيْرَةِ قالَبَ عِجْلٍ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لَمّا فَصَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ قالَ لَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّكم قَدْ حُمِّلْتُمْ أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ إلى فِرْعَوْنَ وأمْتِعَةً وحُلِيًّا فَتَطَهَّرُوا مِنها فَإنَّها رِجْسٌ وأوْقَدَ لَهم نارًا فَقالَ لَهم: اقْذِفُوا ما مَعَكم مِن ذَلِكَ فِيها، فَجَعَلُوا يَأْتُونَ بِما مَعَهم فَيَقْذِفُونَهُ فِيها فَجاءَ السّامِرِيُّ ومَعَهُ تُرابٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأقْبَلَ إلى النّارِ فَقالَ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أأُلْقِيَ ما في يَدِي؟ فَقالَ: نَعَمْ ولا يَظُنُّ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ كَبَعْضِ ما جاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِن ذَلِكَ الحُلِيِّ والأمْتِعَةِ فَقَذَفَهُ فِيها فَقالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَكانَ لِلْبَلاءِ والفِتْنَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا حُلِيًّا مِنَ القِبْطِ فَخَرَجُوا بِهِ مَعَهم فَقالَ لَهم هارُونُ بَعْدَ أنْ ذَهَبَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: اجْمَعُوا هَذا الحُلِيَّ حَتّى يَجِيءَ مُوسى فَيَقْضِي فِيهِ ما يَقْضِي، فَجُمِعَ ثُمَّ أُذِيبَ فَألْقى السّامِرِيُّ عَلَيْهِ القَبْضَةَ
20:88Page 318
فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨
And he extracted for them [the statue of] a calf which had a lowing sound, and they said, "This is your god and the god of Moses, but he forgot."
﴿فَأخْرَجَ﴾ أيِ: السّامِرِيُّ ﴿لَهُمْ﴾ لِلْقائِلِينَ المَذْكُورِينَ ﴿عِجْلا﴾ مِن تِلْكَ الأوْزارِ الَّتِي قَذَفُوها وتَأْخِيرُهُ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا صَرِيحًا عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿جَسَدًا﴾ أيْ: جُثَّةً ذا لَحْمٍ ودَمٍ أوْ جَسَدًا مِن ذَهَبٍ لا رُوحَ فِيهِ بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: هو نَعْتُ لَهُ عَلى أنَّ مَعْناهُ أحْمَرُ كالمُجَسَّدِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ نَعْتٌ لَهُ، والخُوارُ صَوْتُ العِجْلِ. وهَذا الصَّوْتُ إمّا لِأنَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُكَلِّمَهُ خَرَجَ لِلْوَقْتِ الَّذِي وعَدَهُ فَبَيْنَما هو يُناجِي رَبَّهُ إذْ سَمِعَ خَلْفَهُ صَوْتًا فَقالَ: إلَهِي إنِّي أسْمَعُ خَلْفِي صَوْتًا قالَ: لَعَلَّ قَوْمَكَ ضَلُّوا قالَ: إلَهِي مَن أضَلَّهُمْ؟ قالَ: أضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ قالَ: فِيمَ أضَلَّهُمْ؟ قالَ: صاغَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ قالَ: إلَهِي هَذا السّامِرِيُّ صاغَ لَهُمُ العِجْلَ فَمَن نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ حَتّى صارَ لَهُ خُوارٌ؟ قالَ: أنا يا مُوسى. قالَ: فَوَعِزَّتِكَ ما أضَلَّ قَوْمِي أحَدٌ غَيْرُكَ قالَ: صَدَقْتَ يا حَكِيمَ الحُكَماءِ لا يَنْبَغِي لِحَكِيمٍ أنْ يَكُونَ أحْكَمَ مِنكَ» ) .
وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لَهُ: يا مُوسى إنَّ قَوْمَكَ قَدِ افْتُتِنُوا مِن بَعْدِكَ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ يَفْتَتِنُونَ وقَدْ نَجَّيْتَهم مِن فِرْعَوْنَ ونَجَّيْتَهم مِنَ البَحْرِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وفَعَلْتَ بِهِمْ قالَ: يا مُوسى إنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن بَعْدِكَ عِجْلا لَهُ خُوارٌ قالَ: يا رَبِّ فَمَن جَعَلَ فِيهِ الرُّوحَ؟ قالَ: أنا، قالَ: فَأنْتَ يا رَبِّ أضْلَلْتَهم قالَ:
صفحة 248
يا مُوسى يا رَأْسَ النَّبِيِّينَ ويا أبا الحُكَماءِ إنِّي رَأيْتُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ فَيَسَّرْتُهُ لَهم، وإمّا لِأنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الرِّيحُ فَيُصَوِّتُ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَأثَّمُوا مِن حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي مَعَهم فَأخْرَجُوهُ لِتَنْزِلَ النّارُ فَتَأْكُلَهُ فَلَمّا جَمَعُوهُ ألْقى السّامِرِيُّ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ، فَصارَ كَذَلِكَ وكانَ يَدْخُلُ الرِّيحُ مِن دُبُرِهِ ويَخْرُجُ مِن فِيهِ فَيُسْمَعُ لَهُ صَوْتٍ ﴿فَقالُوا﴾ أيِ: السّامِرِيُّ ومَنِ افْتُتِنَ بِهِ أوَّلَ ما رَآهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسّامِرِيِّ، وجِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَمْعٍ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ أيْ فَغَفَلَ عَنْهُ مُوسى وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في الطُّورِ، فَضَمِيرُ نَسِيَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فاعْبُدُوهُ والزَمُوا عِبادَتَهُ فَقَدْ نَسِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومَكْحُولٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسّامِرِيِّ والنِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْضًا أيْ فَأظْهَرَ السّامِرِيُّ النِّفاقَ فَتَرَكَ ما كانَ فِيهِ مِن أسْرارِ الكَفْرِ، والإخْبارُ بِذَلِكَ عَلى هَذا مِنهُ تَعالى ولَيْسَ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ بِخِلافِهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ. وصَنِيعُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ الأوَّلِ ولا يَخْفى ما في الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ والمُشارِ إلَيْهِ بِمَرْأًى مِنهم وتَكْرِيرًا لَهُ، وتَخْصِيصُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ وإتْيانُ الفاءِ مِنَ المُبالَغَةِ في الضَّلالِ، والإخْبارُ بِالإخْراجِ وما بَعْدَهُ حِكايَةُ نَتِيجَةِ فِتْنَةِ السّامِرِيِّ فِعْلًا وقَوْلًا مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ قَصْدًا إلى زِيادَةِ تَقْرِيرِها ثُمَّ الإنْكارِ عَلَيْها لا مِن جِهَةِ القائِلِينَ وإلّا لَقِيلَ فَأخْرَجَ لَنا، والحَمْلُ عَلى أنَّ عُدُولَهم إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِبَيانِ أنَّ الإخْراجَ والقَوْلَ المَذْكُورَيْنِ لِلْكُلِّ لا لِلْعَبَدَةِ فَقَطْ خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ مُخِلٌّ بِاعْتِذارِهِمْ، فَإنَّ مُخالَفَةَ بَعْضِهِمْ لِلسّامِرِيِّ وعَدَمَ افْتِتانِهِمْ بِتَسْوِيلِهِ مَعَ كَوْنِ الإخْراجِ والخِطابِ لَهم مِمّا يُهَوِّنُ مُخالَفَتَهُ لِلْمُعْتَذِرِينَ، فافْتِتانُهم بَعْدُ أعْظَمُ جِنايَةً وأكْثَرُ شَناعَةً، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُعْتَذِرِينَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ وأنَّ نِسْبَةَ الإخْلافِ إلى أنْفُسِهِمْ وهم بُرَآءُ مِنهُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا مَعَ أنَّ القاتِلَ واحِدٌ مِنهم كانُوا قالُوا: ما وجَدْنا الإخْلافَ فِيما بَيْنَنا بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ بَلْ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِ العَبَدَةِ حَيْثُ فَعَلَ بِهِمُ السّامِرِيُّ ما فَعَلَ فَأخْرَجَ لَهم ما أخْرَجَ وقالَ ما قالَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى صَرْفِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولَمْ نُفارِقْهم مَخافَةَ ازْدِيادِ الفِتْنَةِ فَقَدْ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ سِياقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقِهِ يَقْضِيانِ بِفَسادِهِ، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ كَلامَ المُعْتَذِرِينَ ثَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِمْ فَقَذَفْناها وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ إلى آخِرِهِ إخْبارٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ أنَّ السّامِرِيَّ فَعَلَ كَما فَعَلُوا فَأخْرَجَ لَهم إلَخْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
هَذا وقَرَأ الأعْمَشُ ( فَنَسِي ) بِسُكُونِ الياءِ،
20:89Page 318
أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩
Did they not see that it could not return to them any speech [i.e., response] and that it did not possess for them any harm or benefit?
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ إلى آخِرِهِ إنْكارٌ وتَقْبِيحٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى الضّالِّينَ والمُضِلِّينَ جَمِيعًا وتَسْفِيهٌ لَهم فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ بُطْلانُهُ واسْتِحالَتُهُ عَلى أحَدٍ وهو اتِّخاذُ ذَلِكَ العَجَلِ إلَهًا، ولَعَمْرِي لَوْ لَمْ يَكُونُوا في البَلادَةِ كالبَقَرِ لَما عَبَدُوهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألا يَتَفَكَّرُونَ فَلا يَعْلَمُونَ ﴿ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ أيْ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَلامًا ولا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا بَلْ يَخُورُ كَسائِرِ العَجاجِيلِ، فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ إلَهٌ.
وقَرَأ الإمامُ الشّافِعِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وأبانُ وابْنُ صُبَيْحٍ والزَّعْفَرانِيُّ ( يَرْجِعَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ أنْ هي النّاصِبَةُ لا المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والرُّؤْيَةُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى الإبْصارِ لا العِلْمِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ وجَماعَةٌ مِن أنَّ
صفحة 249
النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ القُلُوبِ مِمّا يَدُلُّ عَلى يَقِينٍ أوْ ظَنٍّ غالِبٍ لِأنَّها لِكَوْنِها لِلِاسْتِقْبالِ تَدْخُلُ عَلى ما لَيْسَ بِثابِتٍ مُسْتَقِرٍّ فَلا يُناسِبُ وُقُوعُها بَعْدُ ما يَدُلُّ عَلى يَقِينٍ ونَحْوِهِ، والعَطْفُ أيْضًا كَما سَبَقَ أيْ ألا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ عَدَمَ رَجْعِهِ إلَيْهِمْ قَوْلًا مِنَ الأقْوالِ، وتَعْلِيقُ الإبْصارِ بِما ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ أمْرًا عَدَمِيًّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ المُسْتَدْعِي لِمَزِيدِ تَشْنِيعِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ رَأْيِ البَصْرِيَّةِ أيْضًا لِأنَّها تُفِيدُ العِلْمَ بِواسِطَةِ إحْساسِ البَصَرِ كَما في إيضاحِ المُفَصَّلِ. وأجازَ الفَرّاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وُقُوعَها بَعْدَ أفْعالِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ أفْعالِ البَصَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يَرْجِعُ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ أيْ فَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْهم ضُرًّا ويَجْلِبَ لَهم نَفْعًا أوْ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّهم إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ أوْ يَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences