Al-AlusiTaha · 20:96–98

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:96–98

20:96Page 318

قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦

He said, "I saw what they did not see, so I took a handful [of dust] from the track of the messenger1 and threw it,2 and thus did my soul entice me."

﴿قالَ﴾ أيِ السّامِرِيُّ مُجِيبًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ فِيهِما أيْ عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمْهُ القَوْمُ وفَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطَنُوا لَهُ، قالَ الزَّجّاجُ يُقالُ: بَصُرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ وأبْصَرَ إذا نَظَرَ، وقِيلَ: بَصَرَهُ وأبْصَرَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ: وقالَ الرّاغِبُ: البَصَرُ يُقالُ: لِلْجارِحَةِ النّاظِرَةُ ولِلْقُوَّةِ الَّتِي فِيها ويُقالُ: لِقُوَّةِ القَلْبِ المُدْرِكَةِ بَصِيرَةٌ وبَصَرٌ ويُقالُ مِنَ الأوَّلِ أبْصَرْتُ. ومِنَ الثّانِي أبْصَرْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ. وقَلَّما يُقالُ: بَصُرْتُ في الحاسَّةِ إذا لَمْ يُضامَّهُ رُؤْيَةُ القَلْبِ ا هـ.

صفحة 253

وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو السَّمّالِ ( بَصِرْتُ ) بِكَسْرِ الصّادِ ( بِما لَمْ يَبْصَرُوا ) بِفَتْحِ الصّادِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ( بُصِرْتُ ) بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الصّادِ ( بِما لَمْ تُبْصَرُوا ) بِضَمِّ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وفَتْحِ الصّادِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأبُو بَحَرِيَّةَ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مَناذِرَ وابْنُ سَعْدانَ وقُعْنُبٌ ( بِما لَمْ ( تَبْصُرُوا ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ المَفْتُوحَةِ وبِضَمِّ الصّادِ. والخِطابُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ. وقِيلَ: لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ وهَذا مَنقُولٌ عَنْ قُدَماءِ النُّحاةِ وقَدْ صَرَّحَ بِهِ الثَّعالِبِيُّ في سِرِّ العَرَبِيَّةِ، فَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّ التَّعْظِيمَ إنَّما يَكُونُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ كَفِعْلُنا غَيْرُ مُرْتَضًى وإنْ تَبِعَهُ كَثِيرٌ. وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأنْسَبَ بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ تَفْسِيرُ بَصُرَ بِرُأًى لا سِيَّما عَلى القِراءَةِ بِالخِطابِ فَإنَّ ادِّعاءَ عِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَراءَةً عَظِيمَةً لا تَلِيقُ بِشَأْنِهِ ولا بِمَقامِهِ بِخِلافِ ادِّعاءِ رُؤْيَةِ ما لَمْ يَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مِمّا يَقَعُ بِحَسَبِ ما يَتَّفِقُ. وقَدْ كانَ فِيما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَأى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ فَلَقِ البَحْرِ عَلى فَرَسٍ فَعَرَفَهُ لِما أنَّهُ كانَ يَغْذُوهُ صَغِيرًا حِينَ خافَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ فَألْقَتْهُ في غارٍ، فَأخَذَ قَبْضَةً مِن تَحْتِ حافِرِ الفَرَسِ وألْقى في رُوعِهِ أنَّهُ لا يُلْقِيها عَلى شَيْءٍ فَيَقُولَ: كُنْ كَذا إلّا كانَ.

وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَآهُ عَلَيْهِ السَّلامُ راكِبًا عَلى فَرَسٍ حِينَ جاءَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ إلى المِيقاتِ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ غَيْرُهُ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْطِئِ فَرَسِهِ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ رَآهُ كُلَّما رَفَعَ الفَرَسُ يَدَيْهِ أوْ رِجْلَيْهِ عَلى التُّرابِ اليَبَسِ يُخْرِجُ النَّباتَ فَعَرَفَ أنَّ لَهُ شَأْنًا فَأخَذَ مِن مَوْطِئِهِ حَفْنَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ أيْ: مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ. وكَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وأثَرُ الفَرَسِ التُّرابُ الَّذِي تَحْتَ حافِرِهِ. وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ لِأنَّ أثَرَ فَرَسِهِ أثَرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَعَلَّ ذِكْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ إلّا بِهَذا العُنْوانِ أوْ لِلْإشْعارِ بِوُقُوفِهِ عَلى ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ القَوْمُ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ تَأْكِيدًا لِما صَدَرَ بِهِ مَقالَتَهُ والتَّنْبِيهُ كَما قِيلَ عَلى وقْتِ أخْذِ ما أخَذَ.

والقَبْضَةِ المَرَّةِ مِنَ القَبْضِ أطْلَقَتْ عَلى المَقْبُوضِ مَرَّةً، وبِذَلِكَ يَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ المَصْدَرَ الواقِعَ كَذَلِكَ لا يُؤَنَّثُ بِالتّاءِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ حُلَّةُ نَسِيجِ اليَمَنِ ولا يَقُولُونَ: نَسِيجَةِ اليَمَنِ. والجَوابُ بِأنَّ المَمْنُوعَ إنَّما هو التّاءُ الدّالَّةُ عَلى التَّحْدِيدِ لا عَلى مُجَرَّدِ التَّأْنِيثِ كَما هُنا والمُناسِبُ عَلى هَذا أنْ لا تَعْتَبِرَهُ المَرَّةَ كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وحُمَيْدٌ ( قَبَصْتُ قَبْصَةً ) بِالصّادِ فِيهِما وفَرَّقُوا بَيْنَ القَبْضِ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ والقَبْصِ بِالصّادِ بِأنَّ الأوَّلَ الأخْذُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والثّانِيَ الأخْذُ بِأطْرافِ الأصابِعِ، ونَحْوُهُما الخَضْمُ بِالخاءِ لِلْأكْلِ بِجَمِيعِ الفَمِ والقَضْمُ بِالقافِ لِلْأكْلِ بِأطْرافِ الأسْنانِ. وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا غُيِّرَ لَفْظُهُ لِمُناسِبَةِ مَعْناهُ فَإنَّ الضّادَ المُعْجَمَةَ لِلثِّقَلِ واسْتِطالَةِ مَخْرَجِها جُعِلَتْ فِيما يَدُلُّ عَلى الأكْثَرِ والصّادُ لِضِيقِ مَحَلِّها وخَفائِهِ جُعِلَتْ فِيما يَدُلُّ عَلى القَلِيلِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وقَتادَةُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ والصّادِ المُهْمِلَةِ وهو اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالمُضْغَةِ اسْمٌ لِلْمَمْضُوغِ (فَنَبَذْتُها) أيْ ألْقَيْتُها في الحُلِيِّ المُذابِ. وقِيلَ: في جَوْفِ العِجْلِ فَكانَ ما كانَ.

صفحة 254

﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ: زَيَّنَتْهُ وحَسَّنَتْهُ إلَيَّ والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ. وذَلِكَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ وحاصِلُ جَوابِهِ أنَّ ما فَعَلَهُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ بِمَحْضِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ البُرْهانِ العَقْلِيِّ أوِ النَّقْلِيِّ أوْ مِنَ الإلْهامِ الإلَهِيِّ. هَذا ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ هو المَأْثُورُ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَبِعَهم جُلُّ أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ. وهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأثَرُهُ سُنَّتُهُ ورَسْمُهُ الَّذِي أمَرَ بِهِ ودَرَجَ عَلَيْهِ فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْتَصُّ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، وتَقْرِيرُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ بِالعِجْلِ قالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ القَوْمُ لَيْسَ بِحَقٍّ وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيْ شَيْئًا مِن دِينِكَ فَنَبَذْتُها أيْ طَرَحْتُها ولَمْ أتَمَسَّكْ بِها. وتَعْبِيرُهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ الغائِبِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ مَن يُخاطِبُ الأمِيرَ: ما قَوْلُ الأمِيرِ في كَذا ؟ ويَكُونُ إطْلاقُ الرَّسُولِ مِنهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَوْعًا مِنَ التَّهَكُّمِ حَيْثُ كانَ كافِرًا مُكَذِّبًا بِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكَفَرَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ انْتَهى، وانْتَصَرَ لَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ. ويَبْعُدُ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مَعْهُودًا بِاسْمِ الرَّسُولِ ولَمْ يُرَ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تَكُونَ اللّامُ في الرَّسُولِ لِسابِقٍ في الذِّكْرِ وأنَّ ما قالُوهُ لا بُدَّ لَهُ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ والتَّقْدِيرُ خِلافُ الأصْلِ، وأنَّ اخْتِصاصَ السّامِرِيِّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنٍ سائِرِ النّاسِ بَعِيدٌ جِدًّا. وأيْضًا كَيْفَ عَرَفَ أنَّ أثَرَ حافِرِ فَرَسِهِ يُؤَثِّرُ هَذا الأمْرَ الغَرِيبَ العَجِيبَ مِن حَياةِ الجَمادِ وصَيْرُورَتِهِ لَحْمًا ودَمًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الأثَرُ نَفْسُهُ أوْلى بِالحَياةِ. وأيْضًا مَتى اطَّلَعَ كافِرٌ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ شَيْءٌ آخَرُ يُشْبِهُ هَذا فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِيما أتى بِهِ المُرْسَلُونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الخَوارِقِ، وأيْضًا يَبْعُدُ الكُفْرُ والإقْدامُ عَلى الإضْلالِ بَعْدَ أنْ عَرَفَ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَجِيءِ هَذا الرَّسُولِ الكَرِيمِ إلَيْهِ انْتَهى.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ قَدْ عُهِدَ في القُرْآنِ العَظِيمِ إطْلاقُ الرَّسُولِ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وعَدَمُ جَرَيانِ ذِكْرٍ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ مَعْهُودًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ شائِعًا في بَنِي إسْرائِيلَ لا سِيَّما إنْ قُلْنا بِصِحَّةِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُغَذِّي مَن يَلْقى مِن أطْفالِهِمْ في الغارِ في زَمانِ قَتْلِ فِرْعَوْنَ لَهم، وبِأنَّ تَقْدِيرَ المُضافِ في الكَلامِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى وقَدْ عُهِدَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مَرَّةٍ، وبِأنَّ رُؤْيَتَهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ النّاسِ كانَ ابْتِلاءً مِنهُ تَعالى لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا. وبِأنَّ مَعْرِفَتَهُ تَأْثِيرَ ذَلِكَ الأثَرِ ما ذُكِرَ كانَتْ لِما ألْقى في رُوعِهِ أنَّهُ لا يُلْقِيهِ عَلى شَيْءٍ فَيَقُولُ كُنْ كَذا إلّا كانَ كَما في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ كانَتْ لِما شاهَدَ مِن خُرُوجِ النَّباتِ بِالوَطْءِ كَما في بَعْضِ الآثارِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَمِعَ ذَلِكَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِأنَّ ما ذُكِرَ مِن أوْلَوِيَّةِ الأثَرِ نَفْسِهِ بِالحَياةِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ ألا تَرى أنَّ الإكْسِيرَ يَجْعَلُ ما يُلْقِي هو عَلَيْهِ ذَهَبًا ولا يَكُونُ هو بِنَفْسِهِ ذَهَبًا. وبِأنَّ المُعْجِزَةَ مَقْرُونَةٌ بِدَعْوى الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والتَّحَدِّي وقَدْ قالُوا: مَتى ادَّعى أحَدٌ الرِّسالَةَ وأظْهَرَ الخارِقَ وكانَ لِسَبَبٍ خَفِيٍّ يَجْهَلُهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ قَيَّضَ اللَّهُ تَعالى ولا بُدَّ مَن يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ

صفحة 255

ذَلِكَ بِإظْهارِ مِثْلِهِ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِالدَّعْوى أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أوْ جَعَلَ المُدَّعِي بِحَيْثُ لا يَقْدُمُ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ الخارِقِ بِذَلِكَ السَّبَبِ بِأنْ يَسْلُبَ قُوَّةَ التَّأْثِيرِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وتَكُونُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةُ البالِغَةُ، وجَوَّزُوا ظُهُورَ الخارِقِ لا عَنْ سَبَبٍ أوْ عَنْ سَبَبٍ خَفِيٍّ عَلى يَدِ مُدَّعِي الأُلُوهِيَّةِ لِأنَّ كَذِبَهُ ظاهِرٌ عَقْلًا ونَقْلًا. ولا تَتَوَقَّفُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى تَكْذِيبِهِ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ. وبِأنَّ ما ذُكِرَ مِن بَعْدِ الكُفْرِ والإضْلالِ مِنَ السّامِرِيِّ بَعْدَ أنْ عَرَفَ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ السُّقُوطِ فَقَدْ قالَ تَعالى ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ ولَيْسَ كُفْرُ السّامِرِيِّ بِأبْعَدَ مِن كُفْرِ فِرْعَوْنَ وقَدْ رَأى ما رَأى. ويَرُدُّ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْمَأْثُورِ عَنْ خَيْرِ القُرُونِ مِمّا لا يُقالُ مِثْلُهُ مِن قَبْلِ الرَّأْيِ فَلَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِلَفْظِ الغائِبِ بَعِيدٌ. وإرادَةُ وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً إلَخْ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْعَدُ. وأنَّ نَبْذَ ما عُرِفَ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ لا يُعَدُّ مِن تَسْوِيلِ النَّفْسِ في شَيْءٍ فَلا يُناسِبُ خَتْمَ جَوابِهِ بِذَلِكَ. فَزَعَمَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أقْرَبَ إلى التَّحْقِيقِ باطِلٌ عِنْدَ أرْبابِ التَّدْقِيقِ. وزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّ ما ألْقاهُ السّامِرِيُّ كانَ قِطْعَةً مِنَ الحُلِيِّ مَنقُوشًا عَلَيْها بَعْضُ الطَّلْسَماتِ وكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَلَّقَها في عُنُقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ كانَ صَغِيرًا كَما يُعَلِّقُ النّاسُ اليَوْمَ في أعْناقِ أطْفالِهِمُ التَّمائِمَ ورُبَّما تَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَنقُوشًا عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الآياتِ أوِ الأسْماءِ أوِ الطَّلْسَماتِ وقَدْ ظَفِرَ بِها مِن حَيْثُ ظَفِرَ فَنَبَذَها مَعَ حُلِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ فَكانَ ما كانَ لِخاصِّيَّةِ ما نُقِشَ عَلَيْها فَيَكُونُ عَلى هَذا قَدْ أرادَ بِالرَّسُولِ رَسُولَ بَنِي إسْرائِيلَ في مِصْرَ مِن قَبْلُ وهو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمْ يَجِئْ عِنْدَنا خَبَرٌ صَحِيحٌ ولا ضَعِيفٌ بَلْ ولا مَوْضُوعٌ فِيما زَعَمُوا. نَعَمْ جاءَ عِنْدَنا أنَّ يَعْقُوبَ كانَ قَدْ جَعَلَ القَمِيصَ المُتَوارَثَ في تَعْوِيذٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وفَسَّرَ بَعْضُهم بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ إلَخْ. وما أغْفَلَ أُولَئِكَ البُهْتِ عَنْ زَعْمِ أنَّ الأثَرَ هو ذَلِكَ القَمِيصُ فَإنَّهُ قَدْ عَهِدَ مِنهُ ما تَقَدَّمَ في أحْسَنِ القَصَصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ فَبَيْنَ مُعافاةِ المُبْتَلى وحَياةِ الجَمادِ مُناسَبَةٌ كُلِّيَّةٌ فَهَذا الكَذِبُ لَوِ ارْتَكَبُوهُ لَرُبَّما كانَ أرْوَجَ قَبُولًا عِنْدَ أمْثالِ الأصْبِهانِيِّ الَّذِينَ يَنْبِذُونَ ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ مِمّا لا يُقالُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ وراءَ ظُهُورِهِمْ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الضَّلالِ.

20:97Page 318

قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا ٩٧

[Moses] said, "Then go. And indeed, it is [decreed] for you in [this] life to say, 'No contact.'1 And indeed, you have an appointment [in the Hereafter] you will not fail to keep. And look at your 'god' to which you remained devoted. We will surely burn it and blow it [i.e., its ashes] into the sea with a blast.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ ﴿فاذْهَبْ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ النّاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾ إلى آخِرِهِ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ. و( في ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ العامِلِ في (لَكَ) أيْ: ثابِتٌ لَكَ في الحَياةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكافِ، والعامِلُ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ المَذْكُورِ أيْضًا لِاعْتِمادِهِ عَلى ما هو مُبْتَدَأٌ مَعْنًى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ بِتَقُولَ لِمَكانِ أنْ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عُذْرُ مَن يُعَلِّقُ الظَّرْفَ المُتَقَدِّمَ بِما بَعْدَها. ولا يَظْهَرُ ما يُشْفِي الخاطِرَ في وجْهِ تَعْلِيقِ العَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ- إذْ- في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ فِيما بَعْدَ أنْ وعَدَمُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ ﴿فِي الحَياةِ﴾ فِيما بَعْدَها أيْ إنَّ لَكَ مُدَّةَ حَياتِكَ أنْ تُفارِقَ النّاسَ مُفارَقَةً كُلِّيَّةً لَكِنْ لا بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ بِمُوجِبِ التَّكْلِيفِ بَلْ بِحَسَبِ الِاضْطِرارِ المُلْجِئِ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى رَماهُ بِداءٍ عُقامٍ لا يَكادُ يَمَسُّ أحَدًا أوْ يَمَسُّهُ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ إلّا حُمَّ مِن ساعَتِهِ حُمّى شَدِيدَةً فَتَحامى النّاسُ وتَحامُوهُ وكانَ يَصِيحُ بِأقْصى صَوْتِهِ لا مِساسَ وحَرُمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُؤاكَلَتُهُ ومُبايَعَتُهُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُعْتادُ جَرَيانُهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُعامَلاتِ،

صفحة 256

وصارَ بَيْنَ النّاسِ أوْحَشَ مِنَ القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ ومِنَ الوَحْشِيِّ النّافِرِ في البَيْداءِ، وذُكِرَ أنَّهُ لَزِمَ البَرِّيَّةَ وهَجَرَ البَرِيَّةَ، وذَكَرَ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ أنَّ لَكَ ولِوَلَدِكَ أنْ تَقُولَ إلَخْ، وخَصَّ عَمْرٌو الحُمّى بِما إذا كانَ الماسُّ أجْنَبِيًّا، وذُكِرَ أنَّ بَقايا ولَدِهِ باقٍ فِيهِمْ تِلْكَ الحالُ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: ابْتُلِيَ بِالوَسْواسِ حِينَ قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

فَأصْبَحَ ذَلِكَ كالسّامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسا

وأنْكَرَ الجُبّائِيُّ ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَرٍّ والحُمّى عِنْدَ المَسِّ وقالَ: إنَّهُ خافَ وهَرَبَ وجَعَلَ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ لا يَجِدُ أحَدًا مِنَ النّاسِ يَمَسُّهُ حَتّى صارَ لِبُعْدِهِ عَنِ النّاسِ كالقائِلِ لا مِساسَ وصَحَّحَ الأوَّلَ، والمِساسُ مَصْدَرُ ماسَّ كَقِتالٍ مَصْدَرِ قاتَلَ وهو مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ وأُرِيدَ بِالنَّفْيِ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقَعْنَبٌ ( لا مَساسِ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِّينِ آخِرِهِ وهو بِوَزْنِ فَجارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الظِّباءِ إنْ ورَدْتَ الماءَ فَلا عُبابَ وإنْ فَقَدْتَهُ فَلا أُبابَ. وهي كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أعْلامٌ لِلْمَسَّةِ والِعَبَّةِ والأبَّةِ وهي المَرَّةُ مِنَ الأبِّ أيِ الطَّلَبِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:

تَمِيمٌ كَرَهْطِ السّامِرِيِّ وقَوْلُهُ ∗∗∗ ألا لا يُرِيدُ السّامِرِيُّ مَساسِ

و( لا ) عَلى هَذا لَيْسَتِ النّافِيَةَ لِلْجِنْسِ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالنَّكِراتِ وهَذا مَعْرِفَةٌ مِن أعْلامِ الأجْناسِ ولا داخِلَةٌ مَعْنًى عَلَيْهِ فَإنَّ المَعْنى لا يَكُونُ أوْ لا يَكُنْ مِنكَ مَسٌّ لَنا. وهَذا أوْلى مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى لا أقُولُ مَساسِ.

وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ كَنِزالِ. والمُرادُ نَفْيُ الفِعْلِ أيْ لا أُمْسِكُ والسِّرُّ في عُقُوبَتِهِ عَلى جِنايَتِهِ بِما ذُكِرَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ ضِدَّ ما قَصَدَهُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ النّاسُ ويُعَزِّزُوهُ، فَكانَ سَبَبًا لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ وتَحْقِيرِهِ وصارَ لَدَيْهِمْ أبْغَضَ مِنَ الطَّلْياءِ وأهْوَنَ مِن مِعْبَأةٍ.

وقِيلَ: لَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ ما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ التَّضادِّ فَإنَّهُ لَمّا أنْشَأ الفِتْنَةَ بِما كانَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِحَياةِ المَواتِ عُوقِبَ بِما يُضادُّهُ حَيْثُ جُعِلَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِلْحُمّى الَّتِي هي مِن أسْبابِ مَوْتِ الأحْياءِ، وقِيلَ: عُوقِبَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ حَيْثُ نَبَذَ فَنَبَذَ فَإنَّ ذَلِكَ التِحامِيَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنَّبْذِ وكانَتْ هَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى ما في البَحْرِ بِاجْتِهادٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحُكِيَ فِيهِ القَوْلُ بِأنَّهُ أرادَ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ سَخِيًّا، ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ في شَرْعِنا في قَضِيَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ لا يُكَلَّمُوا ولا يُخالَطُوا وأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم حَتّى تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ» . ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ نَحْوُ ذَلِكَ لِيَضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ فَيُقْتَلَ في الحِلِّ ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أيْ: لَنْ يُخْلِفَكَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الوَعْدَ بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ البَتَّةَ بَعْدَ ما عاقَبَكَ في الدُّنْيا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتَهُ خَلَفًا كَأجْبَنْتُهُ إذا وجَدْتَهُ جَبانًا. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:

أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدا ∗∗∗ فَمَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَنْ تُخْلِفَ الواعِدَ إيّاهُ فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ وذُكِرَ الثّانِي لِأنَّهُ المَقْصُودُ. والمَعْنى

صفحة 257

لَنْ تَقْدِرَ أنْ تَجْعَلَ الواعِدَ مُخْلِفًا لِوَعْدِهِ بَلْ سَيَفْعَلُهُ، ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ ابْنِ نَهِيكٍ أنَّهُ قَرَأ ( لَنْ تَخْلُفُهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وضَمِّ اللّامِ، وفي اللَّوامِحِ أنَّهُ قُرِئَ ( لَنْ يَخْلُفَهُ ) بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ مِن تَحْتُ وضَمِّ اللّامِ وهو مِن خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا جاءَ بَعْدَهُ، قِيلَ: المَعْنى عَلى الرِّوايَةِ الأُولى وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لا بُدَّ أنْ تُصادِفَهُ، وعَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لا يَدْفَعُ قَوْلَ لا مِساسَ فافْهَمْ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ( لَنْ نَخْلِفَهُ ) بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أيْ لَنْ نُصادِفَهُ خَلَفًا فَيَكُونُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ وهو ظاهِرٌ لَوْ كانَتِ النُّونُ مَضْمُومَةً ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ أيْ: مَعْبُودِكَ ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ أيْ ظَلِلْتَ كَما قَرَأ بِذَلِكَ أُبَيٌّ والأعْمَشُ فَحَذَفَتِ اللّامُ الأُولى تَخْفِيفًا، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّ هَذا الحَذْفَ مِن شُذُوذِ القِياسِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا إذا سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ، وعَنْ بَعْضِ مُعاصِرِيهِ أنَّ ذَلِكَ مُنْقاسٌ في كُلِّ مُضاعِفِ العَيْنِ واللّامِ في لُغَةِ بَنِي سُلَيْمٍ حَيْثُ سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَقِيسٌ في المُضاعَفِ إذا كانَتْ عَيْنُهُ مَكْسُورَةً أوْ مَضْمُومَةً.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ يَعْمُرَ بِخِلافٍ عَنْهُ أيْضًا ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ عَلى أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ اللّامِ إلَيْها بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها، وعَنِ ابْنِ يَعْمُرَ أنَّهُ ضَمَّ الظّاءَ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَجِيءِ الفِعْلِ في بَعْضِ اللُّغاتِ عَلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ وحِينَئِذٍ يُقالُ بِالنَّقْلِ كَما في الكَسْرِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى عِبادَتِهِ ﴿عاكِفًا﴾ أيْ مُقِيمًا، وخاطَبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ سائِرِ العاكِفِينَ عَلى عِبادَتِهِ القائِلِينَ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ لِأنَّهُ رَأسُ الضَّلالِ ورَئِيسَ أُولَئِكَ الجُهّالِ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ بِاللَّهِ تَعالى لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ. وأبِي رَجاءٍ والكَلْبِيِّ (لَنُحْرِقَنَّهُ) مُخَفَّفًا مِن أحْرَقَ رُباعِيًّا فَإنَّ الإحْراقَ شائِعٌ فِيما يَكُونُ بِالنّارِ وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ ذا لَحْمٍ ودَمٍ. وكَذا ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ ( لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرِّقَنَّهُ ) .

وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ نُحَرِّقُ مُبالَغَةً في حَرَقَ الحَدِيدَ حَرْقًا بِفَتْحِ الرّاءِ إذا بَرَدَهُ بِالمِبْرَدِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وحُمَيْدٌ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ وأبِي جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ. وكَذا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (لِنَحْرُقُنَّهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ فَإنَّ حَرَقَ يَحْرُقُ بِالضَّمِّ مُخْتَصٌّ بِهَذا المَعْنى كَما قِيلَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَصِرْ ذا لَحْمٍ ودَمٍ بَلْ كانَ باقِيًا عَلى الجَمادِيَّةِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا بُعْدَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَيًّا في تَحْرِيقِهِ بِالمِبْرَدِ إذْ يَجُوزُ خَلْقُ الحَياةِ في الذَّهَبِ مَعَ بَقائِهِ عَلى الذَّهَبِيَّةِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وقالَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّهُ صارَ حَيَوانًا ذا لَحْمٍ ودَمٍ: إنَّ التَّحْرِيقَ بِالمِبْرَدِ كانَ لِلْعِظامِ وهو كَما تَرى، وقالَ النَّسَفِيُّ: تَفْرِيقُهُ بِالمِبْرَدِ طَرِيقُ تَحْرِيقِهِ بِالنّارِ فَإنَّهُ لا يُفَرَّقُ الذَّهَبُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ. وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَقَهُ بِالمِبْرَدِ ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ النّارَ تُذِيبُهُ وتَجْمَعُهُ ولا تَحْرُقُهُ وتَجْعَلُهُ رَمادًا فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِالحِيَلِ الإكْسِيرِيَّةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ أيْ:

صفحة 258

لَنُذْرِيَنَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عِيسى بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ (لَنُنَسِّفَنَّهُ) بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالنَّهْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نَسْفًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ لَنَفْعَلَنَّ بِهِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولا يُصادَفُ مِنهُ شَيْءٌ فَيُؤْخَذُ، ولَقَدْ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ كُلِّهِ كَما يَشْهَدُ بِهِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ المُؤَكَّدِ بِاليَمِينِ، وفي ذَلِكَ زِيادَةُ عُقُوبَةٍ لِلسّامِرِيِّ وإظْهارٌ لِغَباوَةِ المُفْتَتَنِينَ، وقالَ في البَحْرِ بَيانًا لِسِرِّ هَذا الفِعْلِ: يُظْهِرُ أنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ أخَذَ السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو داخِلَ البَحْرِ ناسَبَ أنْ يَنْسِفَ ذَلِكَ العِجْلَ الَّذِي صاغَهُ مِنَ الحُلِيِّ الَّذِي كانَ أصْلُهُ لِلْقِبْطِ وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ في البَحْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ بِهِ قِيامُ الحَياةِ آلَ إلى العَدَمِ وألْقى في مَحَلِّ ما قامَتْ بِهِ الحَياةُ وأنَّ أمْوالَ القِبْطِ قَذَفَها اللَّهُ تَعالى في البَحْرِ لا يَنْتَفِعُ بِها كَما قَذَفَ سُبْحانَهُ أشْخاصَ مالِكِيها وغَرَّقَهم فِيهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

20:98Page 318

إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا ٩٨

Your god is only Allāh, except for whom there is no deity. He has encompassed all things in knowledge."

﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ إثْرَ إبْطالِ الباطِلِ بِتَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهِهِ إلى الكُلِّ أيْ إنَّما مَعْبُودُكُمُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ الأُلُوهِيَّةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ ( اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ رَبُّ العَرْشِ ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ فالشَّيْءُ هَنا شامِلٌ لِلْمَوْجُودِ والمَعْدُومِ وانْتَصَبَ ﴿عِلْمًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما إلَهُكُمُ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا لا غَيْرَهُ كائِنًا ما كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ العِجْلُ الَّذِي هو مَثَلٌ في الغَباوَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

وقَرَأ مُجاهِدٌ. وقَتادَةُ (وسَّعَ) بِفَتْحِ السِّينِ مُشَدَّدَةً فَيَكُونُ انْتِصابُ (عِلْمًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، ولَمّا كانَ في القِراءَةِ الأُولى فاعِلًا مَعْنًى صَحَّ نَقْلُهُ بِالتَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِيَّةِ كَما تَقُولُ في خافَ زَيْدٌ عَمْرًا: خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا أيْ جَعَلْتُ زَيْدًا يَخافُ عَمْرًا فَيَكُونُ المَعْنى هُنا عَلى هَذا جَعَلَ عِلْمَهُ يَسَعُ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ مَجْعُولٍ ولا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ اقْتِضاءَ الذّاتِ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ الزِّيادَةِ جَعْلًا وبِهَذا تَمَّ حَدِيثُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском