Al-AlusiAl‑Anbya · 21:107–112

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:107–112

21:107Page 331

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a mercy to the worlds.

﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ بِما ذُكِرَ وبِأمْثالِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَناطٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ وما أرْسَلْناكَ بِما ذُكِرَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِتَرْحَمَ العالَمِينَ بِإرْسالِكَ. أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ وما أرْسَلْناكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكَ رَحْمَةً أوْ ذا رَحْمَةٍ أوْ راحِمًا لَهم بِبَيانِ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعالَمِينَ ما يَشْمَلُ الكُفّارَ، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرْسِلَ بِما هو سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، ومَصْلَحَةِ النَّشْأتَيْنِ إلّا أنَّ الكافِرَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ الِانْتِفاعَ بِذَلِكَ وأعْرَضَ لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِ عَمّا هُنالِكَ، فَلا يَضُرُّ ذَلِكَ في كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرْسِلَ رَحْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أيْضًا كَما لا يَضُرُّ في كَوْنِ العَيْنِ العَذْبَةِ مَثَلًا نافِعَةً عَدَمُ انْتِفاعِ الكَسْلانِ بِها لِكَسَلِهِ وهَذا ظاهِرٌ خِلافًا لِمَن ناقَشَ فِيهِ، وهَلْ يُرادُ بِالعالَمِينَ ما يَشْمَلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا فِيهِ خِلافٌ مَبْنِيٌّ

صفحة 105

عَلى الخِلافِ في عُمُومِ بَعْثَتِهِ ﷺ لَهم، فَإذا قُلْنا بِالعُمُومِ كَما رَجَّحَهُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ البارِزِيُّ وتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ والجَلالُ المَحَلِّيُّ في خَصائِصِهِ، ومِنَ الحَنابِلَةِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وابْنُ حامِدٍ وابْنُ مُفْلِحٍ في كِتابِ الفُرُوعِ، ومِنَ المالِكِيَّةِ عَبْدُ الحَقِّ قُلْنا بِشُمُولِ العالَمِينَ لَهم هُنا. وكَوْنُهُ ﷺ أُرْسِلَ رَحْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ جاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا بِما فِيهِ تَكْلِيفُهم مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما هُنا، ولا شَكَّ أنَّ في امْتِثالِ المُكَلَّفِ ما كُلِّفَ بِهِ نَفْعًا لَهُ وسَعادَةً، وإنْ قُلْنا بِعَدَمِ العُمُومِ كَما جَزَمَ بِهِ الحَلِيمِيُّ والبَيْهَقِيُّ والجَلالُ المَحَلِّيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ وزَيْنُ الدِّينِ العِراقِيُّ في نُكَتِهِ عَلى ابْنِ الصَّلاحِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ ومَحْمُودُ بْنُ حَمْزَةَ في كِتابِهِ العَجائِبِ والغَرائِبِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ بَلْ نَقَلَ البُرْهانُ النَّسَفِيُّ والفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرَيْهِما الإجْماعَ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَسْلَمْ قُلْنا بِعَدَمِ شُمُولِهِ لَهم هُنا وإرادَةِ مَن عَداهم مِنهُ، وقِيلَ: هم داخِلُونَ هُنا في العُمُومِ وإنْ لَمْ نَقُلْ بِبَعْثَتِهِ ﷺ إلَيْهِمْ لِأنَّهم وقَفُوا بِواسِطَةِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عُلُومٍ جَمَّةٍ وأسْرارٍ عَظِيمَةٍ مِمّا أُودِعَ في كِتابِهِ الَّذِي فِيهِ بِناءُ ما كانَ وما يَكُونُ عِبارَةً وإشارَةً وأيُّ سَعادَةٍ أعْظَمُ مِنَ التَّحَلِّي بِزِينَةِ العِلْمِ ؟ وكَوْنُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَجْهَلُونَ شَيْئًا مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: لِأنَّهم أُظْهِرَ مِن فَضْلِهِمْ عَلى لِسانِهِ الشَّرِيفِ ما أُظْهِرَ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الرَّحْمَةَ في حَقِّ الكُفّارِ أمْنُهم بِبَعْثَتِهِ ﷺ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْفِ والِاسْتِئْصالِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذُكِرَ أنَّها في حَقِّ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأمْنُ مِن نَحْوِ ما ابْتُلِيَ بِهِ هارُوتُ ومارُوتُ، وأُيِّدَ بِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الشِّفاءِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلْ أصابَكَ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ كُنْتُ أخْشى العاقِبَةَ فَأمِنتُ لِثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيَّ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التَّكْوِيرَ: 20]» وإذا صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَزِمَ القَوْلُ بِشُمُولِ العالَمِينَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا أنَّ الجَلالَ السُّيُوطِيَّ ذَكَرَ في تَزْيِينِ الأرائِكِ أنَّهُ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلى إسْنادٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالعالَمِينَ جَمِيعُ الخَلْقِ فَإنَّ العالَمَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وجُمِعَ جَمْعَ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِلْأشْرَفِ عَلى غَيْرِهِ.

وكَوْنُهُ ﷺ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسِطَةُ الفَيْضِ الإلَهِيِّ عَلى المُمْكِناتِ عَلى حَسَبِ القَوابِلِ، ولِذا كانَ نُورُهُ ﷺ أوَّلَ المَخْلُوقاتِ، فَفي الخَبَرِ «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى نُورُ نَبِيِّكَ يا جابِرُ» .

وجاءَ ««اللَّهُ تَعالى المُعْطِي وأنا القاسِمُ»» ولِلصُّوفِيَّةِ قَدَّسَتْ أسْرارُهم في هَذا الفَصْلِ كَلامٌ فَوْقَ ذَلِكَ، وفي مِفْتاحِ السَّعادَةِ لِابْنِ القِيِّمِ أنَّهُ لَوْلا النُّبُوّاتُ لَمْ يَكُنْ في العالَمِ عِلْمٌ نافِعٌ البَتَّةَ ولا عَمَلٌ صالِحٌ ولا صَلاحٌ في مَعِيشَةٍ ولا قِوامٌ لِمَمْلَكَةٍ ولَكانَ النّاسُ بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ والسِّباعِ العادِيَّةِ والكِلابِ الضّارِيَةِ الَّتِي يَعْدُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وكُلُّ خَيْرٍ في العالَمِ فَمِن آثارِ النُّبُوَّةِ وكُلُّ شَرٍّ وقَعَ في العالَمِ أوْ سَيَقَعُ فَبِسَبَبِ خَفاءِ آثارِ النُّبُوَّةِ ودُرُوسِها فالعالَمُ جَسَدٌ رُوحُهُ النُّبُوَّةُ ولا قِيامَ لِلْجَسَدِ بِدُونِ رُوحِهِ، ولِهَذا إذا انْكَسَفَتْ شَمْسُ النُّبُوَّةِ مِنَ العالَمِ ولَمْ يَبْقَ في الأرْضِ شَيْءٌ مِن آثارِها البَتَّةَ انْشَقَّتْ سَماؤُهُ وانْتَشَرَتْ كَواكِبُهُ وكُوِّرَتْ شَمْسُهُ وخَسَفَ قَمَرُهُ ونُسِفَتْ جِبالُهُ وزُلْزِلَتْ أرْضُهُ وأُهْلِكَ مَن عَلَيْها فَلا قِيامَ لِلْعالَمِ إلّا بِآثارِ النُّبُوَّةِ اهَـ وإذا سَلُمَ هَذا عُلِمَ مِنهُ بِواسِطَةٍ كَوْنُهُ ﷺ أكْمَلَ النَّبِيِّينَ وما جاءَ بِهِ أجَلَّ مِمّا جاؤُوا بِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في الأُصُولِ اخْتِلافُ وجْهِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرْسِلَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أيْضًا لَكِنْ لا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ بَحْثٍ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العالَمِينَ هُنا خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ولِواحِدٍ مِنَ الفُضَلاءِ كَلامٌ طَوِيلٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَقَضَ فِيهِ وأبْرَمَ ومَنَعَ وسَلَّمَ ولا أرى مَنشَأً سِوى قِلَّةِ الِاطِّلاعِ عَلى الحَقِّ الحَقِيقِ بِالِاتِّباعِ،

صفحة 106

وأنْتَ مَتى أخَذْتَ العِنايَةَ بِيَدِكَ بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ سَهُلَ عَلَيْكَ رَدُّهُ ولَمْ يُهَوِّلْكَ هَزْلُهُ وجِدُّهُ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّهُ ﷺ إنَّما بُعِثَ رَحْمَةً لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ العالَمِينَ مَلائِكَتِهِمْ وإنْسِهِمْ وجِنِّهِمْ ولا فَرْقَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ في ذَلِكَ، والرَّحْمَةُ مُتَفاوِتَةٌ ولِبَعْضٍ مِنَ العالَمِينَ المُعَلّى والرَّقِيبُ مِنها، وما يُرى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرَّحْمَةِ فَهو إمّا مِنها في النَّظَرِ الدَّقِيقِ أوْ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالقَصْدِ الأوْلى كَسائِرِ الشُّرُورِ الواقِعَةِ في العالَمِ بِناءً عَلى ما حُقِّقَ في مَحِلِّهِ أنَّ الشَّرَّ لَيْسَ داخِلًا في قَضاءِ اللَّهِ تَعالى بِالذّاتِ، ومِمّا هو ظاهِرٌ في عُمُومِ العالَمِينَ الكُفّارُ ما أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ قالَ: «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً»» ولَعَلَّهُ يُؤَيِّدُ نَصْبَ ( رَحْمَةً ) في الآيَةِ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ ﷺ الَّذِي أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ««إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ»» ولا يَشِينُ احْتِمالَ التَّعْلِيلِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأشاعِرَةُ مِن عَدَمِ تَعْلِيلِ أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الماتُرِيدِيَّةَ وكَذا الحَنابِلَةَ ذَهَبُوا إلى خِلافِهِ ورَدُّوهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ فِيهِ كَما قِيلَ في سائِرِ ما ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ ووُجُودُ المانِعِ هُنا تَوَهُّمٌ مَحْضٌ فَتَدَبَّرْ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ تَعَلُّقَ ( لِلْعالَمِينَ ) بِرَحْمَةٍ هو الظّاهِرُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأرْسَلْناكَ، وفي البَحْرِ لا يَجُوزُ عَلى المَشْهُورِ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بَعْدَ إلّا بِالفِعْلِ قَبْلَها إلّا إنْ كانَ العامِلُ مُفَرَّغًا لَهُ نَحْوُ ما مَرَرْتُ إلّا بِزَيْدٍ.

21:108Page 331

قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٨

Say, "It is only revealed to me that your god is but one God; so will you be Muslims [in submission to Him]?"

﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ في الآيَةِ حَصْرَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ أنَّما المَفْتُوحَةَ تُفِيدُ ذَلِكَ كالمَكْسُورَةِ، والأوَّلُ لِقَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ والثّانِي لِقَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ فالثّانِي قُصِرَ فِيهِ اللَّهُ تَعالى عَلى الوَحْدانِيَّةِ والأوَّلُ قُصِرَ فِيهِ الوَحْيُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، والمَعْنى ما يُوحى ( إلَيَّ ) إلّا اخْتِصاصُ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُقْصَرُ الوَحْيُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﷺ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ كالتَّكالِيفِ والقِصَصِ، وأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ مَعْنى قَصْرِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ وما عَداهُ راجِعٌ إلَيْهِ أوْ غَيْرُ مَنظُورٍ إلَيْهِ في جَنْبِهِ فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، والثّانِي أنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الشِّرْكِ الصّادِرِ مِنَ الكُفّارِ، وكَذا الكَلامُ في القَصْرِ الثّانِي.

وأنْكَرَ أبُو حَيّانَ إفادَةَ أنَّما المَفْتُوحَةِ الحَصْرَ لِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِمَصْدَرٍ واسْمٍ مُفْرَدٍ ولَيْسَتْ كالمَكْسُورَةِ المُؤَوَّلَةِ بِما وإلّا وقالَ: لا نَعْلَمُ خِلافًا في عَدَمِ إفادَتِها ذَلِكَ والخِلافُ إنَّما هو في إفادَةِ إنَّما المَكْسُورَةِ إيّاهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ وأكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى إفادَتِها ذَلِكَ، والحَقُّ مَعَ الجَماعَةِ ويُؤَيِّدُهُ هُنا أنَّها بِمَعْنى المَكْسُورَةِ لِوُقُوعِها بَعْدَ الوَحْيِ الَّذِي هو في مَعْنى القَوْلِ ولِأنَّها مَقُولَةُ ( قُلْ ) في الحَقِيقَةِ ولا شَكَّ في إفادَتِها التَّأْكِيدَ فَإذا اقْتَضى المَقامُ القَصْرَ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ انْضَمَّ إلى التَّأْكِيدِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالوَضْعِ كَما في المَكْسُورَةِ فَقَدْ جاءَ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ [صَ: 24] ولِذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ ابْتَلَيْناهُ لا مَحالَةَ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالحَصْرِ هُنا، نَعَمْ في تَوْجِيهِ القَصْرِ هُنا بِما سَمِعْتَ مِن كَوْنِهِ قَصْرَ اللَّهِ تَعالى عَلى الوَحْدانِيَّةِ ما سَمِعْتَهُ في آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ فَتَذَكَّرْ.

وجُوِّزَ في (ما ) في ﴿إنَّما يُوحى﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وتَجْوِيزُهُ فِيما بَعْدُ بَعِيدٌ جِدًّا مُوجِبٌ لِتَكَلُّفٍ لا يَخْفى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِما يُوحى إلَيَّ مِنَ التَّوْحِيدِ، وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالِانْقِيادِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الإسْلامَ بِلازِمِهِ وهو إخْلاصُ العِبادَةِ لَهُ تَعالى وما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى.

صفحة 107

والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما قَبْلَها مُوجِبٌ لِما بَعْدَها قالُوا: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ صِفَةَ الوَحْدانِيَّةِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ طَرِيقُها السَّمْعَ بِخِلافِ إثْباتِ الواجِبِ فَإنَّ طَرِيقَهُ العَقْلُ لِئَلّا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.

قالَ في شَرْحِ المَقاصِدِ: إنَّ بَعْثَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وصِدْقَهم لا يَتَوَقَّفُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ كَإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ وكالنُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ، وما قِيلَ إنَّ التَّعَدُّدَ يَسْتَلْزِمُ الإمْكانَ لِما عَرَفْتَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وما لَمْ تَعْرِفْ أنَّ اللَّهَ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ خارِجٌ عَنْ جَمِيعِ المُمْكِناتِ لَمْ يَتَأتَّ إثْباتُ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ غايَةَ اسْتِلْزامِ الوُجُوبِ الوَحْدَةُ لا اسْتِلْزامُ مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَتَها فَضْلًا عَنِ التَّوَقُّفِ، وسَبَبُ الغَلَطِ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ثُبُوتِ الشَّيْءِ والعِلْمِ بِثُبُوتِهِ انْتَهى.

وتَفْرِيعُ الِاسْتِفْهامِ هُنا صَرِيحٌ في ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ بِما ذُكِرَ، وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: إنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما يُوحى إلَيْهِ ﷺ ذَلِكَ مُبَرْهَنًا لا عَلى قانُونِ الخَطابَةِ فَلَعَلَّ نُزُولَها كانَ مَصْحُوبًا بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِظُهُورِ أنَّ التَّفْرِيعَ عَلى نَفْسِ هَذا المُوحى، وكَوْنِ نُزُولِهِ مَصْحُوبًا بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ والتَّفْرِيعِ بِاعْتِبارِهِ غَيْرَ ظاهِرٍ

21:109Page 331

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ ١٠٩

But if they turn away, then say, "I have announced to [all of] you equally.1 And I know not whether near or far is that which you are promised.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإسْلامِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ما يُوجِبُهُ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم ما أمَرْتُ بِهِ أوْ حَرْبِي لَكم، والإيذانُ إفْعالٌ مِنَ الإذْنِ وأصْلُهُ العِلْمُ بِالإجازَةِ في شَيْءٍ وتَرْخِيصُهُ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ العِلْمِ وصِيغَ مِنهُ الأفْعالُ، وكَثِيرًا ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّحْذِيرِ والإنْذارِ وهو يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ الثّانِي مِنهُما مُقَدَّرٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سَواءٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ أيْ كائِنِينَ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ بِذَلِكَ لَمْ أخُصَّ أحَدًا مِنكم دُونَ أحَدٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا أيْ مُسْتَوِيًا أنا وأنْتُمْ في المُعاداةِ أوْ في العِلْمِ بِما أعْلَمْتُكم بِهِ مِن وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلَيْها. وقِيلَ ما أعْلَمَهم ﷺ بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ وُقُوعُ الحَرْبِ في البَيْنِ واسْتِوائِهِمْ في العِلْمِ بِذَلِكَ جاءَ مِن إعْلامِهِمْ بِهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الصّادِقُ الأمِينُ وإنْ كانُوا يَجْحَدُونَ بَعْضَ ما يُخْبِرُ بِهِ عِنادًا فَتَدَبَّرْ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ إيذانًا عَلى سَواءٍ. وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ مُقَدَّرَةٍ أيْ أعْلَمْتُكم أنِّي عَلى سَواءٍ أيْ عَدْلٍ واسْتِقامَةِ رَأْيٍ بِالبُرْهانِ النَّيِّرِ وهَذا خِلافُ المُتَبادَرِ جِدًّا.

وفِي الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ إلَخِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شُبِّهَ بِمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْدائِهِ هُدْنَةٌ فَأحَسَّ بِغَدْرِهِمْ فَنَبَذَ إلَيْهِمُ العَهْدَ وشَهَرَ النَّبْذَ وأشاعَهُ وآذَنَهم جَمِيعًا بِذَلِكَ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ ﴿وإنْ أدْرِي﴾ أيْ ما أدْرِي ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مِن غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ عَلَيْكم وظُهُورِ الدِّينِ أوِ الحَشْرِ مَعَ كَوْنِهِ آتِيًا لا مَحالَةَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأدْرِي. ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ بَعِيدٌ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

21:110–111Page 331

إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ ١١٠

Indeed, He knows what is declared of speech, and He knows what you conceal.

وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ١١١

And I know not; perhaps it1 is a trial for you and enjoyment for a time."

﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ ما تَجْهَرُونَ بِهِ مِنَ الطَّعْنِ في الإسْلامِ وتَكْذِيبِ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما نُطِقَ بِمَجِيءِ المَوْعُودِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ مِنَ الإحَنِ والأحْقادِ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ تَأْخِيرَ جَزائِكُمُ اسْتِدْراجٌ لَكم وزِيادَةٌ في

صفحة 108

افْتِتانِكم أوِ امْتِحانٌ لَكم لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وجُمْلَةُ ( لَعَلَّهُ ) إلَخْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ عَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ.

والكُوفِيُّونَ يُجْرُونَ لَعَلَّ مُجْرى هَلْ في كَوْنِها مُعَلَّقَةً. قالَ أبُو حَيّانَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى أنَّ لَعَلَّ مِن أدَواتِ التَّعْلِيقِ وإنْ كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أنَّهُ قَرَأ (أدْرِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ تَشْبِيهًا لَها بِياءِ الإضافَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ لامَ الفِعْلِ ولا تُفْتَحُ إلّا بِعامِلٍ. وأنْكَرَ ابْنُ مُجاهِدٍ فَتْحَ هَذِهِ الياءِ.

﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ لَكم وتَأْخِيرٌ إلى أجَلٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْكم. وقِيلَ المُرادُ بِالحِينِ يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ

21:112Page 331

قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١١٢

[The Prophet (ﷺ)] has said, "My Lord, judge [between us] in truth. And our Lord is the Most Merciful, the one whose help is sought against that which you describe."1

﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ حِكايَةُ لِدُعائِهِ ﷺ . وقَرَأ الأكْثَرُ (قُلْ ) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ. والحُكْمُ القَضاءُ. والحَقُّ العَدْلُ أيْ رَبِّ اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ بِالعَدْلِ المُقْتَضِي لِتَعْجِيلِ العَذابِ والتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ فَهو دُعاءٌ بِالتَّعْجِيلِ والتَّشْدِيدِ وإلّا فَكُلُّ قَضائِهِ تَعالى عَدْلٌ وحَقٌّ. وقَدِ اسْتُجِيبَ ذَلِكَ حَيْثُ عُذِّبُوا بِبَدْرٍ أيَّ تَعْذِيبٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( رَبُّ ) بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مُنادى مُفْرَدٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ حَذْفَ حَرْفِ النِّداءِ مِنِ اسْمِ الجِنْسِ شاذٌّ بابُهُ الشِّعْرُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُنادى مُفْرَدٍ بَلْ هو مُنادى مُضافٌ إلى الياءِ حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وبُنِيَ عَلى الضَّمِّ كَقَبْلُ وبَعْدُ وذَلِكَ لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ في المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ حالَ نِدائِهِ ولا شُذُوذَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنَ ( رَبِّي ) بِياءٍ ساكِنَةٍ ( أحْكَمُ ) عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ أيْ أنْفَذُ أوْ أعْدَلُ حُكْمًا أوْ أعْظَمُ حِكْمَةً. فَرَبِّي أحْكَمُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (أحْكَمَ ) فِعْلًا ماضِيًا ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿المُسْتَعانُ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِلرَّحْمَنِ بِناءً عَلى إجْرائِهِ مُجْرى العَلَمِ.

وإضافَةُ الرَّبِّ فِيما سَبَقَ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ خاصَّةٌ لِما أنَّ الدُّعاءَ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما أنَّ إضافَتَهُ ها هُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ المُنْتَظِمِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا لِما أنَّ الِاسْتِعانَةَ مِنَ الوَظائِفِ العامَّةِ لَهم.

﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الحالِ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الشِّرْكَةَ تَكُونُ لَهم وإنَّ رايَةَ الإسْلامِ تَخْفُقُ ثُمَّ تَسْكُنُ وإنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ لَوْ كانَ حَقًّا لَنَزَلَ بِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ فاسْتَجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَةَ رَسُولِهِ ﷺ فَخَيَّبَ آمالَهم وغَيَّرَ أحْوالَهم ونَصَرَ أوْلِياءَهُ عَلَيْهِمْ فَأصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أصابَهم، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأ عَلى أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (يَصِفُونَ ) بِياءِ الغَيْبَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ. هَذا وفي جَعْلِ خاتَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ خاتِمَةً لِسُورَةِ الأنْبِياءِ طِيبٌ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ يَتَضَوَّعُ مِنهُ مِسْكُ الخِتامِ.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ قِيلَ ذَلِكَ الرُّشْدُ إيثارُ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ما سِواهُ سُبْحانَهُ، وسُئِلَ الجُنَيْدُ مَتّى أتاهُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: حِينَ لا مَتى ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ طَلَبَ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضَلَّةٌ في عَقْلِهِ اهَـ.

وقالَ حَمْدُونَ القَصّارُ: اسْتِعانَةُ الخَلْقِ بِالخَلْقِ كاسْتِعانَةِ المَسْجُونِ بِالمَسْجُونِ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: كانَ ذَلِكَ لِسَلامَةِ قَلْبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وخُلُوِّهِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الأسْبابِ وصِحَّةِ

صفحة 109

تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَكَ حاجَةٌ ؟ أمّا إلَيْكَ فَلا ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ فَكَمْ مِن صَغِيرٍ أفْضَلُ مِن كَبِيرٍ بِكَثِيرٍ ﴿وكُلا آتَيْنا حُكْمًا﴾ قِيلَ مَعْرِفَةً بِأحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿وعِلْمًا﴾ مَعْرِفَةً بِأحْكامِ العُبُودِيَّةِ ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ قِيلَ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَخْلُو في الكُهُوفِ لِذِكْرِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ فَيُشارِكُهُ في ذَلِكَ الجِبالُ ويُسَبِّحْنَ مَعَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الجِبالَ لِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ صُنْعِ الخَلْقِ حالِيَةٌ بِأنْوارِ قُدْرَةِ الحَقِّ يُحِبُّ العاشِقُونَ الخَلْوَةَ فِيها، ولِذا تَحَنَّثَ ﷺ في غارِ حِراءٍ.

واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ الصّالِحِينَ الِانْقِطاعَ لِلْعِبادَةِ فِيها ﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ذُكِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ حِينَ قَصَدَتْ دُودَةٌ قَلْبَهُ ودُودَةٌ لِسانَهُ فَخافَ أنْ يُشْغَلَ مَوْضِعُ فِكْرِهِ ومَوْضِعُ ذِكْرِهِ، وقالَ جَعْفَرٌ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِدْعاءً لِلْجَوابِ مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ لِيَسْكُنَ إلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ شَكْوى وكَيْفَ يَشْكُو المُحِبُّ حَبِيبَهُ وكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ وقَدْ حَفِظَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدابَ الخِطابِ ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ رَشْحَةٌ مِن دَنِّ خَمْرِ الدَّلالِ، وذَكَرُوا أنَّ مَقامَ الدَّلِّ دُونَ مَقامِ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ لِعَدَمِ فَناءِ الإرادَةِ فِيهِ ولِذا نادى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ حَيْثُ اخْتَلَجَ في سِرِّي أنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ ما أرَدْتَ ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ ولَدًا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِإفْشاءِ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ إلَيْهِ فَإنَّ العارِفَ مَتى كانَ فَرْدًا غَيْرَ واجِدٍ مَن يُفْشِي إلَيْهِ السِّرَّ ضاقَ ذَرْعُهُ ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ قِيلَ أيْ رَغْبَةً فِينا ورَهْبَةً عَمّا سِوانا أوْ رَغْبَةً في لِقائِنا ورَهْبَةً مِنَ الِاحْتِجابِ عَنّا ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ .

قالَ أبُو يَزِيدَ: الخُشُوعُ خُمُودُ القَلْبِ عَنِ الدَّعاوى، وقِيلَ الفَناءُ تَحْتَ أذْيالِ العَظَمَةِ ورِداءِ الكِبْرِياءِ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ العالَمِينَ جَمِيعُ الخَلْقِ وهو ﷺ رَحْمَةٌ لِكُلٍّ مِنهم إلّا أنَّ الحُظُوظَ مُتَفاوِتَةٌ ويَشْتَرِكُ الجَمِيعُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَبَبٌ لِوُجُودِهِمْ بَلْ قالُوا: إنَّ العالَمَ كُلَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نُورِهِ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِيِّ النّابُلْسِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في قَوْلِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ:

طَهَ النَّبِيُّ تَكَوَّنَتْ مِن نُورِهِ كُلُّ الخَلِيقَةِ ثُمَّ لَوْ تُرِكَ القَطا

وأشارَ بِقَوْلِهِ لَوْ تُرِكَ القَطا إلى أنَّ الجَمِيعَ مِن نُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجْهُ الِانْقِسامِ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ بَعْدَ تَكَوُّنِهِ فَتَأمَّلْ. هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ حَظَّنا مِن رَحْمَتِهِ الحَظَّ الوافِرَ وأنْ يُيَسِّرَ لَنا أُمُورَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِلُطْفِهِ المُتَواتِرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском