Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:23–29
21:23Page 323
لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣
He is not questioned about what He does, but they will be questioned.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن إثْباتِ تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ في الأُلُوهِيَّةِ المُتَضَمِّنِ تَوَحُّدَهُ تَعالى في الخَلْقِ والتَّصَرُّفِ ووَصْفِ الكَفَرَةِ إيّاهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ كَأنَّهُ قِيلَ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الإلَهُ الخالِقُ المُتَصَرِّفُ فَلِمَ خَلَقَ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ ولَمْ يَصْرِفْهم عَمّا يَقُولُونَ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُسْألُ﴾ إلَخْ وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إذْ هو حَكِيمٌ مُطْلَقٌ لا يَفْعَلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضُ ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ عَمّا يَفْعَلُونَ ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ، وهَذا الحُكْمُ في حَقِّهِ تَعالى عامٌّ لِجَمِيعِ أفْعالِهِ سُبْحانَهُ ويَنْدَرِجُ فِيهِ خَلْقُ الكَفَرَةِ وإيجادُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، ووَجْهُ حَلِّ السُّؤالِ النّاشِئِ مِمّا تَقَدَّمَ بِناءً عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ هَذا الجَوابُ الإجْمالِيُّ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكَفَرَةَ بَلْ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ عَلى حَسَبِ ما عَلِمَهم مِمّا هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ لِأنَّ الخَلْقَ مَسْبُوقٌ بِالإرادَةِ والإرادَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالعِلْمِ والعِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ الأزَلِيُّ، وقَدْ يُشِيرُ إلى بَعْضِ ذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِن أبْياتٍ:
خَلَقْتَ العِبادَ عَلى ما عَلِمْتَ فَفي العِلْمِ يَجْرِي الفَتى والمُسِنُّ
ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ كَلَّفَهم لِاسْتِخْراجِ سِرِّ ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ التّابِعُ لِلْمَعْلُومِ مِنَ الطَّوْعِ والإباءِ اللَّذَيْنِ في اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ وأرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِتَتَحَرَّكَ الدَّواعِي ويَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ولا يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى اعْتِراضٌ بِخَلْقِ الكافِرِ وإنَّما
صفحة 29
يَتَوَجَّهُ الِاعْتِراضُ عَلى الكافِرِ بِكُفْرِهِ حَيْثُ إنَّهُ مِن تَوابِعِ اسْتِعْدادِهِ في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ، وقَدْ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النَّحْلَ: 118] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «(فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ )» وهَذا وإنْ كانَ مِمّا فِيهِ قِيلَ وقالَ ونِزاعٌ وجِدالٌ إلّا أنَّهُ مِمّا ارْتَضاهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ والأجِلَّةِ العارِفِينَ، وقالَ البَعْضُ: إنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ بَيانِ أنَّهُ تَعالى لِقُوَّةِ عَظَمَتِهِ الباهِرَةِ وعِزَّةِ سَلْطَنَتِهِ القاهِرَةِ بِحَيْثُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ أنْ يُناقِشَهُ ويَسْألَهُ عَمّا يَفْعَلُ مِن أفْعالِهِ أثَرُ بَيانِ أنْ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ، وضَمِيرُ (هم ) لِلْعِبادِ أيْ والعِبادُ يُسْئَلُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ تَعالى مُسْتَعْبَدُونَ، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عُمُومُ النَّفْيِ جَمِيعَ الأزْمانِ أيْ لا يُسْألُ سُبْحانَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ عَمّا يَفْعَلُ، وخَصَّ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِيَوْمِ القِيامَةِ والأوَّلُ أوْلى وإنْ كانَ أمْرُ الوَعِيدِ عَلى هَذا أظْهَرَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ والغاياتِ فَلا يُقالُ فَعَلَ كَذا لِكَذا إذْ لَوْ كانَتْ مُعَلَّلَةً لَكانَ لِلْعَبْدِ أنْ يَسْألَ فَيَقُولُ لِمَ فَعَلَ ؟ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأشاعِرَةُ ولَهم عَلَيْهِ أدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أيْضًا وأوَّلُوا ما ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى المَجازِ أوْ جَعْلِ الأداةِ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ، ومَذْهَبُ الماتُرِيدِيَّةِ كَما في شَرْحِ المَقاصِدِ والمُعْتَزِلَةِ أنَّها تُعَلَّلُ بِذَلِكَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَنابِلَةُ كَما قالَ الوَفِيُّ وغَيْرُهُ. وقالَ العَلّامَةُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ الدِّمَشْقِيُّ الحَنْبَلِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ القِيِّمِ في كِتابِ شِفاءُ العَلِيلِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكِيمٌ لا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى ومَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ هي الغايَةُ المَقْصُودَةُ بِالفِعْلِ بَلْ أفْعالُهُ سُبْحانَهُ صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِأجْلِها فَعَلَ، وقَدْ دَلَّ كَلامُهُ تَعالى وكَلامُ رَسُولِهِ ﷺ عَلى هَذا في مَواضِعَ لا تَكادُ تُحْصى ولا سَبِيلَ إلى اسْتِيعابِ أفْرادِها فَنَذْكُرُ بَعْضَ أنْواعِها وساقَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ نَوْعًا في بِضْعَةَ عَشْرَةَ ورَقَةً ثُمَّ قالَ: لَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أمْثالُنا مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِهِ وأمْرِهِ لَزادَ ذَلِكَ عَلى عَشْرَةِ آلافِ مَوْضِعٍ ثُمَّ قالَ: وهَلْ إبْطالُ الحِكَمِ والمُناسَباتِ والأوْصافِ الَّتِي شُرِعَتِ الأحْكامُ لِأجْلِها إلّا إبْطالُ الشَّرْعِ جُمْلَةً ؟ وهَلْ يُمْكِنُ فَقِيهًا عَلى وجْهِ الأرْضِ أنْ يَتَكَلَّمَ في الفِقْهِ مَعَ اعْتِقادِهِ بُطْلانَ الحِكْمَةِ والمُناسَبَةِ والتَّعْلِيلِ. وقَصْدَ الشّارِعِ بِالأحْكامِ مَصالِحِ العِبادِ ؟ ثُمَّ قالَ: والحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ بِأسْبابٍ وحِكَمٍ وغاياتٍ مَحْمُودَةٍ، وقَدْ أُودِعَ العالَمُ مِنَ القُوى والغَرائِزِ ما بِهِ قامَ الخَلْقُ والأمْرُ هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ الإسْلامِ. وأكْثَرِ طَوائِفِ النُّظّارِ وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ قاطِبَةً اهَـ.
والظّاهِرُ أنَّ ابْنَ القِيِّمِ وأضْرابَهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى لا يَجْعَلُونَ كالأشاعِرَةِ المُخَصَّصَ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالوُقُوعِ مَحْضَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ ومُحَقِّقُو المُعْتَزِلَةِ كَأبِي الحَسَنِ والنِّظامِ والجاحِظِ والعَلّافِ وأبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ، وغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ العِلْمَ بِتَرَتُّبِ النَّفْعِ عَلى إيجادِ النّافِعِ هو المُخَصَّصُ لِلنّافِعِ بِالوُقُوعِ ويُسَمُّونَ ذَلِكَ العِلْمَ بِالدّاعِي وهو الإرادَةُ عِنْدَهم. وأُورِدَ عَلَيْهِمْ أنَّ الواجِبَ تَعالى مُوجِبٌ في تَعَلُّقِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلَوْ كانَ المُخَصَّصُ المُوجِبُ لِلْوُقُوعِ هو العِلْمُ بِالنَّفْعِ كانَ ذَلِكَ المُخَصَّصُ لازِمًا لِذاتِهِ تَعالى فَيَكُونُ فِعْلُهُ سُبْحانَهُ واجِبًا لِأمْرٍ خارِجٍ ضَرُورِيٍّ لِلْفاعِلِ وهو يُنافِي الِاخْتِيارَ بِالمَعْنى الأخَصِّ قَطْعًا فَلا يَكُونُ الواجِبُ مُخْتارًا بِهَذا المَعْنى بَلْ يُؤَوَّلُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ مِنَ الِاخْتِيارِ المُجامِعِ لِلْإيجابِ، ولا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ المُخَصَّصَ هو تَعَلُّقُ الإرادَةِ الأزَلِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ غَيْرُ لازِمٍ لِذاتِ الواجِبِ تَعالى وإنْ كانَ أزَلِيًّا دائِمًا لِإمْكانِ تَعَلُّقِها بِالضِّدِّ الآخَرِ بَدَلَ الضِّدِّ الواقِعِ، نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ما يَصْعُبُ التَّقَصِّي عَنْهُ مِمّا
صفحة 30
هُوَ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ، وأُورِدَ نَظِيرُ ما ذُكِرَ عَلى الحَنَفِيَّةِ فَإنَّهم ذَهَبُوا إلى التَّعْلِيلِ وجَعَلُوا العِلْمَ بِتَرَتُّبِ المَصالِحِ عِلَّةً لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِالوُقُوعِ فَلا يَتَسَنّى لَهُمُ القَوْلُ بِكَوْنِ الواجِبِ تَعالى مُخْتارًا بِالمَعْنى الأخَصِّ لِأنَّ الذّاتَ يُوجِبُ العِلْمَ والعِلْمَ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الإرادَةِ وتَعَلُّقَ الإرادَةِ يُوجِبُ الفِعْلَ ولا مُخَلِّصَ إلّا بِأنْ يُقالَ: إنَّ إيجابَ العِلْمِ بِالنَّفْعِ والمَصْلَحَةِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهم بَلْ هو مُرَجَّحٌ تَرْجِيحًا غَيْرَ بالِغٍ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وما قِيلَ إذا لَمْ يَبْلُغِ التَّرْجِيحُ إلى حَدِّ الوُجُوبِ جازَ وُقُوعُ الرّاجِحِ في وقْتٍ وعَدَمُ وُقُوعِهِ في وقْتٍ آخَرَ مَعَ ذَلِكَ المُرَجَّحِ فَإنْ كانَ اخْتِصاصُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ بِالوُقُوعِ بِانْضِمامِ شَيْءٍ آخَرَ إلى ذَلِكَ المُرَجَّحِ لَمْ يَكُنِ المُرَجَّحُ مُرَجَّحًا وإلّا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ بَلْ يُلْزِمُ تَرْجِيحَ المَرْجُوحِ عَدَمُهُ في الوَقْتِ الآخَرِ لِأنَّ الوُقُوعَ كانَ راجِحًا بِذَلِكَ المُرَجَّحِ فَمَدْفُوعٌ بِوَجْهَيْنِ إلّا أنَّهُ إنَّما يَجْرِي في العِلَّةِ التّامَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَعْلُولِها لا في الفاعِلِ المُخْتارِ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِهِ فَإنَّهُ إنْ أُرِيدَ لُزُومُ الرُّجْحانِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ كَما هو اللّازِمُ في العِلَّةِ التّامَّةِ فَعَدَمُ اللُّزُومِ ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ التَّرْجِيحُ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ فَبُطْلانُ اللّازِمِ في الفاعِلِ المُخْتارِ مَمْنُوعٌ وإلّا فَما الفَرْقُ بَيْنَ الفاعِلِ المُوجِبِ والمُخْتارِ، الثّانِي أنَّ المُرَجَّحَ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتٍ رُبَّما لا يَكُونُ مُرَجَّحًا بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتٍ آخَرَ بَلْ مُنافِيًا لِلْمَصْلَحَةِ فَلا يَلْزَمُ تَرْجِيحُ أحَدِ المُتَساوِيَيْنِ أوِ المَرْجُوحِ في وقْتٍ آخَرَ بَلْ يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الرّاجِحِ في كُلِّ وقْتٍ وهو تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَصالِحِ اللّائِقَةِ بِالأوْقاتِ فَتَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِوُقُوعِ كُلِّ مُمْكِنٍ في وقْتٍ لِتُرَتِّبَ المَصالِحَ اللّائِقَةَ بِذَلِكَ الوَقْتِ عَلى عَدَمِهِ فَلا إشْكالَ، وهَذا هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ عَلى الأوَّلِ أنَّ تَرْجِيحَ المَرْجُوحِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ الواجِبِ الحَكِيمِ وإنْ جازَ في حَقِّ غَيْرِهِ مِن أفْرادِ الفاعِلِ بِالِاخْتِيارِ. هَذا ووَقَعَ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِالأغْراضِ والغاياتِ ومُرادُهم عَلى ما قالَهُ بَعْضُهم نَفْيُ التَّعْلِيلِ عَنْ فِعْلِهِ سُبْحانَهُ بِما هو غَيْرُ ذاتِهِ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ تامُّ الفاعِلِيَّةِ لا يُتَوَقَّفُ فِيها عَلى غَيْرِهِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الغايَةِ والغَرَضِ عَنْ فِعْلِهِ تَعالى مُطْلَقًا ولِذا صَحَّ أنْ يَقُولُوا عِلْمُهُ تَعالى بِنِظامِ الخَيْرِ الَّذِي هو عَيْنُ ذاتِهِ تَعالى عِلَّةٌ غائِيَّةٌ وغَرَضٌ في الإيجادِ ومُرادُهم بِالِاقْتِضاءِ في قَوْلِهِمْ في تَعْرِيفِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ ما يَقْتَضِي فاعِلِيَّةَ الفاعِلِ مُطْلَقُ عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَكِنَّهم تَسامَحُوا في ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى فَهْمِ المُتَدَرِّبِ في العُلُومِ وصَرَّحُوا بِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ في المُمْكِناتِ وقَصْدٌ إلى مَنافِعِها لِأنَّ كُلَّ فاعِلٍ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ غَيْرِ ذاتِهِ فَهو فَقِيرٌ إلى ذَلِكَ الغَرَضِ مُسْتَكْمَلٌ بِهِ والمُكَمِّلُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ فَغَرَضُ الفاعِلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ما هو فَوْقَهُ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظَّنِّ ولَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِيما دُونَهُ وحُصُولُ وُجُودِ المُمْكِناتِ مِنهُ تَعالى عَلى غايَةٍ مِنَ الإتْقانِ ونِهايَةٍ مِنَ الإحْكامِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ ذاتَهُ تَعالى ذاتٌ لا تَحْصُلُ مِنهُ الأشْياءُ إلّا عَلى أتَمِّ ما يَنْبَغِي وأبْلَغِ ما يُمْكِنُ مِنَ المَصالِحِ فالواجِبُ سُبْحانَهُ عِنْدَهم يَلْزَمُ مِن تَعَقُّلِهِ لِذاتِهِ الَّذِي هو مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وكَمالُ حُصُولِ المُمْكِناتِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ والنِّظامِ الأقْوَمِ واللَّوازِمُ غاياتٌ عَرَضِيَّةٌ إنْ أُرِيدَ بِالغايَةِ ما يَقْتَضِي فاعِلِيَّةَ الفاعِلِ وذاتِيَّةً إنْ أُرِيدَ بِها ما يَتَرَتَّبُ عَلى الفِعْلِ تَرَتُّبًا ذاتِيًّا لا عَرَضِيًّا كَوُجُودِ مَبادِئِ الشَّرِّ وغَيْرِها في الطَّبائِعِ الهِيُولانِيَّةِ ثُمَّ كَما أنَّهُ تَعالى غايَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ فَهو غايَةٌ بِمَعْنى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ طالِبَةٌ لَهُ مُتَشَوِّقَةٌ إلَيْهِ طَبْعًا وإرادَةً لِأنَّهُ الخَيْرُ المَحْضُ والمَعْشُوقُ الحَقِيقِيُّ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ.
والحُكَماءُ المُتَألِّهُونَ قَدْ حَكَمُوا بِسَرَيانِ نُورِ العِشْقِ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى تَفاوُتِ طَبَقاتِها ولَوْلا ذَلِكَ ما دارَ الفَلَكُ ولا اسْتَنارَ الحَلَكُ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ قاهِرٍ وهو الأوَّلُ والآخِرُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى
صفحة 31
مَشْرَبِ المُتَكَلِّمِينَ والفَلاسِفَةِ يُطْلَبُ مِن مَحِلِّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ (لا يُسَلْ. ويُسَلُونَ ) بِنَقْلِ فَتْحَةِ الهَمْزَةِ إلى السِّينِ وحَذْفِها
21:24Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن إظْهارِ بُطْلانِ كَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً حَقِيقِيَّةً بِإظْهارِ خُلُوِّها عَنْ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشارُ وإقامَةُ البُرْهانِ القَطْعِيِّ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ مُطْلَقًا وتَفَرُّدُهُ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى بُطْلانِ اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةَ مَعَ عَرائِها عَنْ تِلْكَ الخَصائِصِ بِالمَرَّةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وتَبْكِيتُهم بِإلْجائِهِمْ إقامَةَ البُرْهانِ عَلى دَعْواهُمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقُ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ناطِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا انْتِقالًا لِإظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ مُطْلَقًا بَعْدَ إظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ الأرْضِيَّةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ واسْتِقْباحِهِ واسْتِعْظامِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِاتَّخَذُوا، والمَعْنى بَلِ اتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ تَعالى مَعَ ظُهُورِ شُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ آلِهَةً مَعَ ظُهُورِ أنَّها عارِيَةٌ عَنْ خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿قُلْ﴾ لَهم بِطَرِيقِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى ما تَدَّعُونَهُ مِن جِهَةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ أوِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وما في إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ لَهم بُرْهانًا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ إنارَةٌ لِبُرْهانِهِ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قاطِبَةً وزِيادَةُ تَهْيِيجٍ لَهم عَلى إقامَةِ البُرْهانِ لِإظْهارِ كَمالِ عَجْزِهِمْ أيْ هَذا الوَحْيُ الوارِدُ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنُ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ ذِكْرُ أُمَّتِي وعِظَتُهم وذِكْرُ الأُمَمِ السّالِفَةَ قَدْ أقَمْتُهُ فَأقِيمُوا أنْتُمْ أيْضًا بُرْهانَكم، وأُعِيدَ لَفْظُ ( ذِكْرُ ) ولَمْ يُكْتَفَ بِعَطْفِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ المُسْتَدْعِي لِلِانْسِحابِ لِأنَّ كَوْنَ المُشَخَّصِ ذِكْرَ مَن مَعَهُ وكَوْنَهُ ذِكْرَ مَن قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ اتِّحادِهِ بِالحَقِيقَةِ مَعَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الكِتابُ أيْ هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَّتِي وهَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ والصُّحُفِ فَراجِعُوها وانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها غَيْرُ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ فَفِيهِ تَبْكِيتٌ لَهم مُتَضَمِّنٌ لِنَقِيضِ مُدَّعاهم وقُرِئَ بِتَنْوِينِ ذِكْرٍ الأوَّلِ والثّانِي وجُعِلَ ما بَعْدَهُ مَنصُوبَ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وإعْمالُهُ هو الأصْلُ نَحْوُ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدَ: 14] .
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وطَلْحَةُ بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ مِيمِ (مِن ) فَهي عَلى هَذا حَرْفُ جَرٍّ ومَعَ مَجْرُورَةٌ بِها وهي اسْمٌ يَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ والِاجْتِماعِ جُعِلَتْ هُنا ظَرْفًا كَقَبْلُ وبَعْدُ فَجازَ إدْخالُ مِن عَلَيْها كَما جازَ إدْخالُها عَلَيْهِما لَكِنَّ دُخُولَها عَلَيْها نادِرٌ، ونَصَّ أبُو حَيّانَ أنَّها حِينَئِذٍ بِمَعْنى عِنْدَ. وقِيلَ: مِن داخِلَةٌ عَلى مَوْصُوفِها أيْ عِظَةٌ مِن كِتابٍ مَعِيَ وعِظَةٌ مِن كِتابٍ مِن قَبْلِي، وأبُو حاتِمٍ ضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ لِما فِيها مِن دُخُولِ مَن عَلى مَعَ ولَمْ يَرَ لَهُ وجْهًا وعَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ (هَذا ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي ) بِتَنْوِينِ (ذِكْرٍ ) وإسْقاطِ (مَن ) وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (هَذا ذِكْرُ مَن ) بِالإضافَةِ (وذِكْرٌ مِن قَبْلِي ) بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ المِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ وانْتِقالٌ مِنَ الأمْرِ بِتَبْكِيتِهِمْ بِمُطالَعَةِ البُرْهانِ إلى بَيانِ أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ لا يَنْفَعُ لِفَقْدِهِمُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ الرَّسُولِ لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ وإنْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّناتُ والحُجَجِ أوْ فَهم مُعْرِضُونَ
صفحة 32
عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ تَأْكِيدًا لِلرَّبْطِ بَيْنَهُما، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ المَنصُوبُ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُونِ والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ.
21:25Page 324
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥
And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِن آيِ التَّوْحِيدِ وقَدْ يُقالُ إنَّ فِيهِ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ إذا أُرِيدَ مِن ( ذِكْرُ مَن قَبْلِي ) الكُتُبُ الثَّلاثَةُ، ولَمّا كانَ ﴿مِن رَسُولٍ﴾ عامًّا مَعْنًى فَكانَ هُناكَ لَفْظٌ ومَعْنًى أُفْرِدَ عَلى اللَّفْظِ في نُوحِي إلَيْهِ ثُمَّ جُمِعَ عَلى المَعْنى في ﴿فاعْبُدُونِ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ فاعْبُدْنِي وهَذا بِناءً عَلى أنَّ ( فاعْبُدُونِ ) داخِلٌ في المُوحِي وجُوِّزَ عَدَمُ الدُّخُولِ عَلى الأمْرِ لَهُ ﷺ ولِأُمَّتِهِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (يُوحِي ) عَلى صِيغَةِ الغائِبِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ المُصارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَةِ الوَحْيِ
21:26Page 324
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦
And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لِإظْهارِ بُطْلانِها وبَيانِ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ تَنَزُّهِهِ جَلّا وعَلا عَنِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ وهم حَيٌّ مِن خُزاعَةَ قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ونَقَلَ الواحِدِيُّ أنَّ قُرَيْشًا وبَعْضَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلامَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ فَنَزَلَتْ والمَشْهُورُ الأوَّلُ. والآيَةُ مُشَنِّعَةٌ عَلى كُلِّ مَن نَسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ كالنَّصارى القائِلِينَ عِيسى ابْنُ اللَّهِ واليَهُودِ القائِلِينَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ جَمِيعِ ما سِواهُ تَعالى مَرْبُوبًا لَهُ تَعالى لِإبْرازِ كَمالِ شَناعَةِ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تُنَزِّهُهُ بِالذّاتِ تَنَزُّهَهَ اللّائِقِ بِهِ عَلى أنَّ السُّبْحانَ مَصْدَرُ سَبَّحَ أيْ بَعْدَ أنْ أُسَبِّحَهُ تَسْبِيحَهُ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ﴾ إضْرابٌ وإبْطالٌ لِما قالُوا كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَتِ المَلائِكَةُ كَما قالُوا بَلْ هم عِبادٌ مِن حَيْثُ إنَّهم مَخْلُوقُونَ لَهُ تَعالى فَهم مِلْكُهُ سُبْحانَهُ والوَلَدُ لا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ تَعالى تَنْبِيهٌ عَلى مَنشَأِ غَلَطِهِمْ وقَرَأ عِكْرِمَةُ مُكَرَّمُونَ بِالتَّشْدِيدِ
21:27Page 324
لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧
They cannot precede Him in word, and they act by His command.
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ تَعالى أوْ يَأْمُرَهم بِهِ كَما هو دَيْدَنُ العَبِيدِ المُؤَدَّبِينَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ لِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَأدُّبِهِمْ مَعَهُ تَعالى، والأصْلُ لا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ تَعالى فَأُسْنِدَ السَّبْقُ إلَيْهِمْ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى تَنْزِيلًا لِسَبْقِ قَوْلِهِمْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ مُنَزِّلَةً سَبْقَهم إيّاهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَزِيدِ تَنْزِيهِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ اسْتِهْجانِ السَّبْقِ المُعَرَّضِ بِهِ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ ما لَمْ يَقُلْهُ تَعالى، وجُعِلَ القَوْلُ مَحَلَّ السَّبْقِ وآلَتَهُ الَّتِي يَسْبِقُ بِها وأُنِيبَتِ اللّامُ عَنِ الإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ لِلِاخْتِصاصِ والتَّجافِي عَنِ التَّكْرارِ. وقُرِئَ (لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ المُغالَبَةِ يُقالُ سابَقَنِي فَسَبَقْتُهُ وأسْبُقُهُ ويَلْزَمُ فِيهِ ضَمُّ عَيْنِ المُضارِعِ ما لَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ أوْ لامُهُ ياءً، وفِيهِ مَزِيدُ اسْتِهْجانٍ لِلسَّبْقِ وإشْعارٌ بِأنَّ مَن سَبَقَ قَوْلُهُ قَوْلَهُ تَعالى فَقَدْ تَصَدّى لِمُغالَبَتِهِ تَعالى في السَّبْقِ وزِيادَةُ تَنْزِيهٍ عَمّا نُفِيَ عَنْهم بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الغَلَبَةِ بَعْدَ المُغالَبَةِ فَأنّى يُتَوَهَّمُ صُدُورُهُ عَنْهم ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾
صفحة 33
بَيانٌ لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ تَعالى في الأعْمالِ إثْرَ بَيانِ تَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ في الأقْوالِ كَأنَّهُ قِيلَ هم بِأمْرِهِ يَقُولُونَ وبِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ لا بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى أصْلًا بِأنْ يَعْمَلُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، فالحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ أمْرِهِ تَعالى لا إلى أمْرِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ
21:28Page 324
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨
He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا قَدَّمُوا وأخَّرُوا فَلا يَزالُونَ يُراقِبُونَ أحْوالَهم حَيْثُ إنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ اللَّهُ تَعالى أنْ يَشْفَعَ لَهُ.
وهُوَ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والمُنْذِرُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وشَفاعَتُهُمُ الِاسْتِغْفارُ، وهي كَما في الصَّحِيحِ تَكُونُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا مُتَمَسِّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ لا تَكُونُ لِأصْحابِ الكَبائِرِ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن أنْ لا يَشْفَعُوا لِمَن لا تُرْتَضى الشَّفاعَةُ لَهُ مَعَ أنَّ عَدَمَ شَفاعَةِ المَلائِكَةِ لا تَدُلُّ عَلى عَدَمِ شَفاعَةِ غَيْرِهِمْ ﴿وهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿مِن خَشْيَتِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ خَوْفِ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ مُتَوَقِّعُونَ مِن أمارَةٍ ضَعِيفَةٍ كائِنُونَ عَلى حَذَرٍ ورَقَبَةٍ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ تَعالى، فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ يُرادُ مِن خَشْيَتِهِ تَعالى ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى ومَعَ ذَلِكَ يَحْذَرُونَ مِن وُقُوعِ تَقْصِيرِ خَشْيَتِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ ( مِن ) صِلَةً لِمُشْفِقُونَ، وفَرْقٌ بَيْنَ الخَشْيَةِ والإشْفاقِ بِأنَّ الأوَّلَ خَوْفٌ مَشُوبٌ بِتَعْظِيمٍ ومَهابَةٍ ولِذَلِكَ خُصَّ بِهِ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطِرَ: 28] والثّانِي خَوْفٌ مَعَ اعْتِناءٍ ويُعَدّى بِمِن كَما يُعَدّى الخَوْفُ وقَدْ يُعَدّى بِعَلى بِمُلاحَظَةِ الحُنُوِّ والعَطْفِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخَشْيَةَ ها هُنا مَجازٌ عَنْ سَبَبِها وأنَّ المُرادَ مِنَ الإشْفاقِ شِدَّةُ الخَوْفِ أيْ وهم مِن مَهابَتِهِ تَعالى شَدِيدُو الخَوْفِ، والحَقُّ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ لِارْتِكابِ المَجازِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وهم خائِفُونَ مِن خَوْفِ عَذابِهِ تَعالى عَلى أنَّ مِن صِلَةٌ لِما بَعْدَها وإضافَةُ خَشْيَةٍ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ خائِفُونَ مِنَ العَذابِ المُخَوِّفِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ هَذا الإشْفاقَ صِفَةٌ لَهم دُنْيا وأُخْرى كَما يُشْعِرُ بِهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وقَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِمْ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي «مَرَرْتُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِالمَلَأِ الأعْلى مُلْقًى كالحِلْسِ البالِي مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى»
21:29Page 324
۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.
﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ مِنَ الخَلائِقِ، والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ إذِ الكَلامُ في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفي كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ عَمّا قالُوهُ في حَقِّهِمْ، والمُرادُ ومَن يَقُلْ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزًا إيّاهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي فَرَضَ قَوْلَهُ ما ذَكَرَ فَرْضٌ مُحالٌ ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ كَسائِرِ المُجْرِمِينَ ولا يُغْنِي عَنْهُ ما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ السُّنِّيَّةِ والأفْعالِ المُرْضِيَةِ وعَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ عَدَمُ اعْتِبارِ الفَرْضِ وقالا: إنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ بِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَإنَّهُ دَعا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ وشَرَعَ الكُفْرَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ مَلَكُوتِهِ تَعالى وعِزَّةِ جَبَرُوتِهِ واسْتِحالَةِ كَوْنِ المَلائِكَةِ بِحَيْثُ يُتَوَهَّمُ في حَقِّهِمْ ما يَتَوَهَّمُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ ما لا يَخْفى.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَقَرِّيُ (نُجْزِيهِ ) بِضَمِّ النُّونِ أرادَ نُجْزِئُهُ بِالهَمْزِ مِن أجْزَأنِي كَذا كَفانِي ثُمَّ خَفَّفَ
صفحة 34
الهَمْزَةَ فانْقَلَبَتْ ياءً ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الَّذِي يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ويَتَعَدَّوْنَ أطْوارَهم، والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّقْدِيمِ يُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّقْصانِ دُونَ الزِّيادَةِ أيْ لِأجْزاءٍ أنْقَصَ مِنهُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences