Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:3–7
21:3Page 322
لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٣
With their hearts distracted. And those who do wrong conceal their private conversation, [saying], "Is this [Prophet] except a human being like you? So would you approach magic while you are aware [of it]?"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ إمّا حالٌ أُخْرى مِنهُ فَتَكُونُ مُتَرادِفَةً أوْ حالٌ مِن واوِ ( يَلْعَبُونَ ) فَتَكُونُ مُتَداخِلَةً والمَعْنى ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ لاعِبِينَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ لاهِينَ عَنْهُ أوْ لاعِبِينَ بِهِ حالَ كَوْنِ قُلُوبِهِمْ لاهِيَةً عَنْهُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى (لاهِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهم، والسِّرُّ في اخْتِلافِ الخَبَرَيْنِ لا يَخْفى، و﴿لاهِيَةً﴾ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ بِالكَسْرِ لُهِيًّا ولِهْيانًا إذا سَلا عَنْهُ وتَرَكَ ذِكْرَهُ وأضْرَبَ عَنْهُ كَما في الصِّحاحِ، وفي الكَشّافِ هي مِن لَهي عَنْهُ إذا ذَهَلَ وغَفَلَ وحَيْثُ اعْتَبَرَ في الغَفْلَةِ فِيما مَرَّ أنْ لا يَكُونَ لِلْغافِلِ شُعُورٌ بِالمَفْعُولِ عَنْهُ أصْلًا بِأنْ لا يَخْطُرَ بِبالِهِ ولا يَقْرَعَ سَمْعَهُ أُشْكِلَ وصْفُ قُلُوبِهِمْ بِالغَفْلَةِ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ إذْ قَدْ زالَتْ عَنْهم بِذَلِكَ وحَصَلَ لَهُمُ الشُّعُورُ وإنْ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلْإيمانِ وبَقُوا في غَيابَةِ الخِزْيِ والخِذْلانِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ عَلى تَنْزِيلِ شُعُورِهِمْ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةَ: 102] وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُرادَ مِنَ الغَفْلَةِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ لَهي التَّرْكُ والإعْراضُ عَلى ما تُفْصِحُ عَنْهُ عِبارَةُ الصِّحاحِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهْوِ بِمَعْنى اللَّعِبِ عَلى ما هو المَشْهُورُ لِأنَّ تَعْقِيبَ ( يَلْعَبُونَ ) بِذَلِكَ حِينَئِذٍ مِمّا لا يُناسِبُ جَزالَةَ التَّنْزِيلِ ولا يُوافِقُ جَلالَةَ نَظْمِهِ الجَزِيلِ وإنْ أمْكَنَ تَصْحِيحُ مَعْناهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، والمُرادُ بِالحُدُوثِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مُحْدَثٌ التَّجَدُّدُ وهو يَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالعَدَمِ، ووُصِفَ الذِّكْرُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَنْزِيلِهِ لا بِاعْتِبارِهِ نَفْسَهُ وإنْ صَحَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى حَمْلِ الذِّكْرِ عَلى الكَلامِ اللَّفْظِيِّ والقَوْلِ بِما شاعَ عَنِ الأشاعِرَةِ مِن حُدُوثِهِ ضَرُورَةً أنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ لِأنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ الِانْتِظامِ بَيانَ أنَّهُ كُلَّما تَجَدَّدَ لَهُمُ التَّنْبِيهُ والتَّذْكِيرُ وتَكَرَّرَ عَلى أسْماعِهِمْ
صفحة 8
كَلِماتُ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ وقَرَعَتْ لَهُمُ العَصا ونُبِّهُوا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ والجَهالَةِ عَدَدَ الحَصا وأُرْشِدُوا إلى طَرِيقِ الحَقِّ مِرارًا لا يَزِيدُهم ذَلِكَ إلّا فِرارًا، وأمّا إنَّ ذَلِكَ المَنزِلَ حادِثٌ أوْ قَدِيمٌ فَمِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالذِّكْرِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ مَجازٌ بَلْ إسْنادُهُ إلى الكَلامِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ والمُرادُ مِنَ الحُدُوثِ التَّجَدُّدُ ويُقالُ: إنَّ وصْفَهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ التَّنْزِيلِ فَلا يُنافِي القَوْلَ بِقِدَمِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُثْبِتُوهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، والحَنابِلَةُ القائِلُونَ بِقِدَمِ اللَّفْظِيِّ كالنَّفْسِيِّ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهم كَوْنُ الوَصْفِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ لِألّا تَقُومَ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ المُرادُ بِالذِّكْرِ النَّبِيُّ ﷺ وقَدْ سُمِّيَ ذِكْرًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولا﴾ [الطَّلاقَ: 10، 11] ويَدُلُّ عَلَيْهِ هُنا ( هَلْ ) هَذا إلَخِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وفِيهِ نَظَرٌ، وبِالجُمْلَةِ لَيْسَتِ الآيَةُ مِمّا تُقامُ حُجَّةً عَلى رَدِّ أهْلِ السُّنَّةِ ولَوِ الحَنابِلَةَ كَما لا يَخْفى ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ، ( والنَّجْوى ) اسْمٌ مِنَ التَّناجِي ولا تَكُونُ إلّا سِرًّا فَمَعْنى إسْرارِها المُبالَغَةُ في إخْفائِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّناجِي فالمَعْنى أخْفَوْا تَناجِيَهم بِأنْ لَمْ يَتَناجَوْا بِمَرْأىً مِن غَيْرِهِمْ، وهَذا عَلى ما في الكَشْفِ أظْهَرُ وأحْسَنُ مَوْقِعًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإسْرارُ مِنَ الأضْدادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
فَلَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيَّ الَّذِي كانَ أضْمَرا
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الشّائِعَ في الِاسْتِعْمالِ مَعْنى الإخْفاءِ وإنْ قُلْنا إنَّهُ مِنَ الأضْدادِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ التَّبْرِيزِيُّ ولا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿أسَرُّوا﴾ كَما قالَ المُبَرِّدُ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى سِيبَوَيْهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِالظُّلْمِ الفاحِشِ فِيما أسَرُّوا بِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ. والأخْفَشُ، وغَيْرُهُما: هو فاعِلُ ﴿أسَرُّوا﴾ والواوُ حَرْفٌ دالٌّ عَلى الجَمْعِيَّةِ كَواوِ قائِمُونَ وتاءِ قامَتْ وهَذا عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ وهي لُغَةٌ لِأزْدِ شَنُوءَةَ قالَ شاعِرُهم:
يَلُومُونَنِي في اشْتِراءِ النَّخِيلِ أهْلِي وكُلُّهم ألْوَمُ
وهِيَ لُغَةٌ حَسَنَةٌ عَلى ما نَصَّ أبُو حَيّانَ ولَيْسَتْ شاذَّةً كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم، وقالَ الكِسائِيُّ: هو مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ وقُدِّمَ اهْتِمامًا بِهِ، والمَعْنى هم أسَرُّوا النَّجْوى فَوُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلى فِعْلِهِمْ بِكَوْنِهِ ظُلْمًا، وقِيلَ هو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ هو فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يَقُولُ الَّذِينَ والقَوْلُ كَثِيرًا ما يُضْمَرُ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الذَّمِّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أوْ عَلى إضْمارِ أعْنِي كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنْ يَكُونَ نَعْتًا ( لِلنّاسِ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ أوْ بَدَلًا مِنهُ كَما قالَ الفَرّاءُ وكِلاهُما كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلَخْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَ المَوْصُولِ وصِلَتُهُ هو جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا قالُوا في نَجْواهم ؟ فَقِيلَ قالُوا هَذا إلَخْ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿أسَرُّوا﴾ أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ حالٌ أيْ قائِلِينَ هَلْ هَذا إلَخْ وهو مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ قَبْلَ المَوْصُولِ عَلى ما اخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ مَفْعُولٌ لِلنَّجْوى نَفْسِها لِأنَّها في مَعْنى القَوْلِ والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ يَجُوزُ إعْمالُهُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وقِيلَ بَدَلٌ مِنها أيْ أسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ، و( هَلْ ) بِمَعْنى النَّفْيِ ولَيْسَتْ لِلِاسْتِفْهامِ التَّعَجُّبِيِّ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾
صفحة 9
حالٌ مِن فاعِلِ تَأْتُونَ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، وأرادُوا كَما قِيلَ ما هَذا إلّا بَشَرٌّ مِثْلُكم أيْ مِن جِنْسِكم وما أتى بِهِ سِحْرٌ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَأْتُونَهُ وتَحْضُرُونَهُ عَلى وجْهِ الإذْعانِ والقَبُولِ وأنْتُمْ تُعايِنُونَ أنَّهُ سِحْرٌ قالُوهُ بِناءً عَلى ما ارْتَكَزَ في اعْتِقادِهِمُ الزّائِغِ أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا وأنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ البَشَرِ مِنَ الخَوارِقِ مِن قَبِيلِ السِّحْرِ، وعَنَوْا بِالسِّحْرِ ها هُنا القُرْآنَ فَفي ذَلِكَ إنْكارٌ لِحَقِّيَّتِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وإنَّما أسَرُّوا ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقِ تَوْثِيقِ العَهْدِ وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الشَّرِّ والفَسادِ وتَمْهِيدِ مُقَدِّماتِ المَكْرِ والكَيْدِ في هَدْمِ أمْرِ النُّبُوَّةِ وإطْفاءِ نُورِ الدِّينِ واللَّهُ تَعالى يَأْبى إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ أسَرُّوهُ لِيَقُولُوا لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إنْ كانَ ما تَدَّعُونَهُ حَقًّا فَأخْبِرُونا بِما أسْرَرْناهُ ؟ ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ ولا يُناسِبُ المُبالَغَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَتَأْتُونَ﴾ السِّحْرَ
21:4Page 322
قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٤
He [the Prophet (ﷺ)] said, "My Lord knows whatever is said throughout the heaven and earth, and He is the Hearing, the Knowing."
﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ حِكايَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما أوْحى إلَيْهِ أحْوالَهم وأقْوالَهم بَيانًا لِظُهُورِ أمْرِهِمْ وانْكِشافِ سِرِّهِمْ فَفاعِلُ ﴿قالَ﴾ ضَمِيرُهُ ﷺ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مَفْعُولُهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ وابْنِ أبِي لَيْلى وأيُّوبَ وخَلَفٍ وابْنِ سَعْدانَ وابْنِ جُبَيْرِ الأنْطاكِيِّ وابْنِ جَرِيرٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (قُلْ ) عَلى الأمْرِ لِنَبِيِّهِ ﷺ، و(القَوْلُ ) عامٌّ يَشْمَلُ السِّرَّ والجَهْرَ فَإيثارُهُ عَلى السِّرِّ لِإثْباتِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِهِ عَلى النَّهْجِ البُرْهانِيِّ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالأمْرَيْنِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما بِالجَلاءِ والخَفاءِ قَطْعًا كَما في عُلُومِ الحَقِّ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ بَيْنَ السِّرِّ والقَوْلِ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ والمُناسِبُ في هَذا المَقامِ تَعْمِيمُ القَوْلِ لِيَشْمَلَ جَهْرَهُ وسِرَّهُ والأخْفى فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ يَعْلَمُ هَذا الضَّرْبَ وما هو أعْلى مِن ذَلِكَ وأدْنى مِنهُ وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ في إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُناسِبَةِ لِما حَكى عَنْهم مِنَ المُبالَغَةِ في الإخْفاءِ ما فِيهِ وإيثارُ السِّرِّ عَلى القَوْلِ في بَعْضِ الآياتِ لِنُكْتَةٍ تَقْتَضِيهِ هُناكَ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القَوْلِ أيْ كائِنًا في السَّماءِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ أيْ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقِيلَ أيِ المُبالِغُ في العِلْمِ بِالمَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أقْوالُهم وأفْعالُهم دُخُولًا أوَّلِيًّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَدَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ بِمُجازاتِهِمْ عَلى ما صَدَرَ مِنهم، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَحْرِ أنَّ ما قَبْلُ مُتَضَمِّنٌ ذَلِكَ أيْضًا
21:5Page 322
بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٥
But they say, "[The revelation is but] a mixture of false dreams; rather, he has invented it; rather, he is a poet. So let him bring us a sign just as the previous [messengers] were sent [with miracles]."
﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمُ السّابِقِ إلى حِكايَةِ قَوْلٍ آخَرَ مُضْطَرِبٍ باطِلٍ أيْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى القَوْلِ في حَقِّهِ ﷺ هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم وفي حَقِّ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ إنَّهُ سِحْرٌ بَلْ قالُوا هو أيِ القُرْآنُ تَخالِيطُ الأحْلامِ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْهُ فَقالُوا ﴿بَلِ افْتَراهُ﴾ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ أوْ شُبْهَةُ أصْلٍ ثُمَّ أضْرَبُوا فَقالُوا: ﴿بَلْ هو شاعِرٌ﴾ وما أتى بِهِ شِعْرٌ يُخَيِّلُ إلى السّامِعِ مَعانِيَ لا حَقِيقَةَ لَها، وهَذا الِاضْطِرابُ شَأْنُ المُبْطِلِ المَحْجُوجِ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ باطِلٍ وأبْطَلَ ويَتَذَبْذَبُ بَيْنَ فاسِدٍ وأفْسَدَ فَبَلِ الأُولى كَما نَرى مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ وهي انْتِقالِيَّةٌ والمُنْتَقِلُ مِنهُ ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ خُصُوصِهِ والأخِيرَتانِ مِن كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ وهُما ابْطالِيَّتانِ لِتَرَدُّدِهِمْ وتَحَيُّرِهِمْ في تَزْوِيرِهِمْ وجُمْلَةُ المَقُولِ داخِلَةٌ في النَّجْوى.
صفحة 10
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأُولى انْتِقالِيَّةٌ والمُنْتَقِلُ مِنهُ ما تَقَدَّمَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِهِ والجُمْلَةُ غَيْرُ داخِلَةٍ في النَّجْوى، وكِلا الوَجْهَيْنِ وجِيهٌ ولَيْسَ فِيهِما إلّا اخْتِلافُ مَعْنى بَلْ، وكَوْنُ الأُولى مِنَ الحِكايَةِ والأخِيرَتَيْنِ مِنَ المَحْكِيِّ ولا مانِعَ مِنهُ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأُولى مِن كَلامِهِمْ وهي إبْطالِيَّةٌ أيْضًا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِمْ هو سِحْرٌ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِأفَتَأْتُونَ السِّحْرَ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ النَّظْمُ الكَرِيمُ قالُوا بَلْ إلَخْ لِيُفِيدَ حِكايَةَ إضْرابِهِمْ، وكَوْنَهُ مِنَ القَلْبِ وأصْلُهُ قالُوا بَلْ لا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ أُجِيبَ أيْضًا بِأنَّهُ إضْرابٌ في قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ( هَلْ ) هَذا إلَخْ أوِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ النَّجْوى وأُعِيدَ القَوْلُ لِلْفاصِلِ أوْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الثَّلاثَةُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَنْزِيلٌ لِأقْوالِهِمْ في دَرَجِ الفَسادِ وأنَّ قَوْلَهُمُ الثّانِيَ أفْسَدُ مِنَ الأوَّلِ والثّالِثَ أفْسَدُ مِنَ الثّانِي وكَذَلِكَ الرّابِعَ مِنَ الثّالِثِ، ويُطْلَقُ عَلى نَحْوِ هَذا الإضْرابِ التَّرَقِّي لَكِنْ لَمْ يُقَلْ هُنا تَرَقِّيًا إشارَةً إلى أنَّ التَّرَقِّيَ في القُبْحِ تَنْزِيلٌ في الحَقِيقَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ كَما قالَ في الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم إنَّهُ سِحْرٌ أقْرَبُ مِنَ الثّانِي فَقَدْ يُقالُ: إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا لِأنَّ تَخالِيطَ الكَلامِ الَّتِي لا تَنْضَبِطُ لا شَبَهَ لَها بِوَجْهٍ بِالنَّظْمِ الأنِيقِ الَّذِي أبْكَمَ كُلَّ مِنطِيقٍ، ثُمَّ ادِّعاءُ أنَّها مَعَ كَوْنِها تَخالِيطَ مُفْتَرَياتٍ أبْعَدُ وأبْعَدُ لِأنَّ النَّظْمَ بِمادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِن أتَمِّ القَواطِعِ دَلالَةً عَلى الصِّدْقِ كَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ أنَّ القائِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَمٌ عِنْدَهم في الأمانَةِ والصِّدْقِ، والأخِيرُ هَذَيانُ المُبَرْسَمِينَ لِأنَّهم أعْرَفُ النّاسِ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ المَنظُومِ والمَنثُورِ طَبْعًا وبَيْنَ ما يُساقُ لَهُ الشِّعْرُ وما سِيقَ لَهُ هَذا الكَلامُ الَّذِي لا يُشْبِهُ بَلِيغاتِ خُطَبِهِمْ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ وبَيْنَ مُحَسِّناتِ الشِّعْرِ ومُحَسِّناتِ هَذا النَّثْرِ هَذا فِيما يَرْجِعُ إلى الصُّورَةِ وحْدَها، ثُمَّ إذا جِئْتَ إلى المادَّةِ وتَرَكُّبِ الشِّعْرِ مِنَ المُخَيِّلاتِ والمَعانِي النّازِلَةِ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها الأجْلافُ وهَذا مِنَ اليَقِينِيّاتِ العَقَدِيَّةِ والدِّينِيّاتِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي عَلَيْها مَدارُ المَعادِ والمَعاشِ وبِها تَتَفاضَلُ الأشْرافُ فَأظْهَرُ وأظْهَرُ، هَذا والقائِلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ مِمَّنْ لا يَتَسَهَّلُ لَهُ الشِّعْرُ وإنْ أرادَهُ خالَطُوهُ وذاقُوهُ أرْبَعِينَ سَنَةً اهَـ.
وكَوْنُ تَرَكُّبِ الشِّعْرِ مِنَ المُخِيِّلاتِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ فَلا يُنافِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: ««إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»» لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ النُّدْرَةِ ويُؤَيِّدُهُ التَّأْكِيدُ بِإنَّ الدّالَّةِ عَلى التَّرَدُّدِ فِيهِ، وقَدْ جاءَ الشّاعِرُ بِمَعْنى الكاذِبِ بَلْ قالَ الرّاغِبُ: إنَّ الشّاعِرَ في القُرْآنِ بِمَعْنى الكاذِبِ بِالطَّبْعِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ أرادُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَلْ هو وحاشاهُ ذُو افْتِراءاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَيْسَ في بَلْ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ إبْطالٌ بَلْ إثْباتٌ لِلْحُكْمِ الأوَّلِ وزِيادَةٌ عَلَيْهِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ الرّاغِبُ، وفي وُقُوعِها لِلْإبْطالِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى خِلافٌ فَأثْبَتَهُ ابْنُ هِشامٍ ومَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنْبِياءَ: 26] ووَهِمَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ الكافِيَةِ فَنَفاهُ، والحَقُّ أنَّ الإبْطالَ إنْ كانَ لِما صَدَرَ عَنِ الغَيْرِ فَهو واقِعٌ في القُرْآنِ وإنْ كانَ لِما صَدَرَ عَنْهُ تَعالى فَغَيْرُ واقِعٍ بَلْ هو مُحالٌ لِأنَّهُ بَداءٌ، ورُبَّما يُقالُ: مُرادُ ابْنِ مالِكٍ بِالمَنفِيِّ الضَّرْبُ الثّانِي، ثُمَّ إنَّ هَذا الوَجْهَ وإنْ كانَ فِيهِ بُعْدٌ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ كَما قِيلَ فَتَدَبَّرْ.
﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يُفْصِحُ عَنْهُ السِّياقُ كَأنَّهُ قِيلَ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَما قُلْنا بَلْ كانَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقُولُ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ ﴿أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ وقَدَّرَ النَّيْسابُورِيُّ غَيْرَ هَذا الشَّرْطِ فَقالَ أخْذًا مِن كَلامِ الإمامِ في بَيانِ حاصِلِ مَعْنى الآيَةِ: إنَّهم أنْكَرُوا أوَّلًا كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مِن جِنْسِ البَشَرِ ثُمَّ إنَّهم كَأنَّهم قالُوا سَلَّمْنا ذَلِكَ ولَكِنَّ الَّذِي ادَّعَيْتَ أنَّهُ مُعْجِزٌ لَيْسَ بِمُعَجِزٍ غايَتُهُ أنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ وما كَلُّ خارِقٍ لَها
صفحة 11
مُعْجِزٌ فَقَدْ يَكُونُ سِحْرًا هَذا إذا ساعَدْنا عَلى أنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ لَكُنّا عَنْ تَسْلِيمِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ بِمَراحِلَ فَإنّا نَدَّعِي أنَّهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ وسُوءِ النَّظْمِ كَأضْغاثِ أحْلامٍ سَلَّمْنا ولَكِنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِ الأوْساطِ افْتَراهُ مِن عِنْدِهِ سَلَّمْنا أنَّهُ كَلامٌ فَصِيحٌ لَكِنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فَصاحَةَ الشِّعْرِ وإذا كانَ حالُ هَذا المُعْجِزِ هَكَذا فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ كَما أرْسَلَ الأوَّلُونَ انْتَهى وهو كَما تَرى.
وما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالكافِ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدِّرٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ أيْ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ مِثْلِ الآيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها الأوَّلُونَ، ولا يَضُرُّ فَقْدُ بَعْضِ شُرُوطِ جَوازِ حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ إذْ لا اتِّفاقَ عَلى اشْتِراطِ ذَلِكَ، ومَنِ اشْتَرَطَ اعْتَبَرَ العائِدَ المَحْذُوفَ هُنا مَنصُوبًا مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وهو مَهْيَعٌ واسِعٌ، وأرادُوا بِالآيَةِ المُشَبَّهِ بِها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما النّاقَةَ والعَصا ونَحْوَهُما، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ فَلْيَأْتِنا بِما أتى بِهِ الأوَّلُونَ أوْ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ الأوَّلُونَ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِدَلالَتِهِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعَ زِيادَةِ كَوْنِهِ مُرْسَلًا بِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي التَّعْبِيرِ في حَقِّهِ ﷺ بِالإتْيانِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ فِيما بَعْدَهُ إيماءٌ إلى أنَّ ما أتى بِهِ ﷺ مِن عِنْدِهِ وما أتى بِهِ الأوَّلُونَ مِنَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى فَفِيهِ تَعْرِيضٌ مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِافْتِراءِ قالَهُ الخَفاجِيُّ وذَكَرَ أنَّ ما قِيلَ إنَّ العُدُولَ عَنْ كَما أتى بِهِ الأوَّلُونَ لِأنَّ مُرادَهُمُ اقْتِراحُ آيَةٍ مِثْلِ آيَةِ مُوسى وآيَةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لا غَيْرِهِما مِمّا أتى بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ العَلّامَةَ البَيْضاوِيَّ أشارَ إلى ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً والكافُ مَنصُوبَةً عَلى أنَّها مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ إتْيانًا كائِنًا مِثْلَ إرْسالِ الأوَّلِينَ بِها وصِحَّةُ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِثْلُ إتْيانِ الأوَّلِينَ بِها لِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَضَمِّنُ الإتْيانِ المَذْكُورِ كَما في الكَشّافِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ كِنايَةٌ في هَذا المَقامِ، وفائِدَةُ العُدُولِ بَعْدَ حُسْنِ الكِنايَةِ تَحْقِيقُ كَوْنِها آيَةً مُسَلِّمَةً بِمِثْلِها تُثْبِتُ الرِّسالَةَ لا تُنازِعُ فِيها ويَتَرَتَّبُ المَقْصُودُ عَلَيْها، والقَوْلُ بِأنَّ الإرْسالَ المُشَبَّهَ بِهِ مَصْدَرُ المَجْهُولِ ومَعْناهُ كَوْنُهُ مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالآياتِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي في تَوْجِيهِ التَّشْبِيهِ لِأنَّ ذَلِكَ مُغايِرٌ لِلْإتْيانِ أيْضًا وإنْ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الإتْيانِ والإرْسالِ في كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ لَكِنَّهُ تُرِكَ في جانِبِ المُشَبَّهِ ذِكْرُ الإرْسالِ، وفي جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ ذِكْرُ الإتْيانِ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَمّا تُرِكَ في المَوْطِنِ الآخَرِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ إقْرارَهم بِإرْسالِ الأوَّلِينَ لَيْسَ عَنْ صَمِيمِ الفُؤادِ بَلْ هو أمْرٌ اقْتَضاهُ اضْطِرابُهم وتَحَيُّرُهم، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ مِمّا يُرَجِّحُ الحَمْلَ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ حِكايَةُ أقْوالِهِمُ المُضْطَرِبَةِ هَذِهِ الحِكايَةَ لِأنَّهم مَنَعُوا أوَّلًا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا وبَتُّوا القَوْلَ بِهِ وبَنَوْا ما بَنَوْا ثُمَّ سَلَّمُوا أنَّ الأوَّلِينَ كانُوا ذَوِي آياتٍ وطالَبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإتْيانِ بِنَحْوِ ما أتَوْا بِهِ مِنها، وعَلى وجْهِ التَّنْزِيلِ لِأقْوالِهِمْ عَلى دَرَجِ الفَسادِ يُحْمَلُ هَذا عَلى أنَّهُ تَنَزَّلَ مِنهم، والعُدُولُ إلى الكِنايَةِ لِتَحْقِيقِ تَنَزُّلِهِ عَنْ شَأْوِهِمِ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
21:6Page 322
مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ ٦
Not a [single] city which We destroyed believed before them,1 so will they believe?
﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَكْذِيبِهِمْ فِيما يُنْبِئُ عَنْهُ خاتِمَةُ مَقالِهِمْ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ بِالإيمانِ عِنْدَ إتْيانِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ وبَيانِ أنَّهم في اقْتِراحِ ذَلِكَ كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ
صفحة 12
وإنَّ في تَرْكِ الإجابَةِ إلَيْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ كَيْفَ لا ولَوْ أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ مَعَ عَدَمِ إيمانِهِمْ قَطْعًا لاسْتُئْصِلُوا لِجَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ في الأُمَمِ السّالِفَةِ عَلى اسْتِئْصالِ المُقْتَرِحِينَ مِنهم إذا أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لا يُعَذَّبُونَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ إنَّهم لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ وأنَّهُ مُعْجِزَةٌ وبالَغُوا في ذَلِكَ حَتّى أُخِذُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ إلى أنِ انْتَهَوْا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلْيَأْتِنا﴾ إلَخْ جِيءَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما آمَنَتْ﴾ إلَخْ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ في أنَّ الإنْذارَ لا يُجْدِي فِيهِمْ.
وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ وما بَعْدَها في مَحَلِّ الرَّفِعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أهْلَكْناها﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ رَفْعٍ صِفَةَ قَرْيَةٍ، والمُرادُ أهْلَكْناها بِإهْلاكِ أهْلِها لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بَعْدَ مَجِيءِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ القَرْيَةُ مَجازٌ عَنْ أهْلِها فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ ( أهْلَكْناها ) يَأْباهُ والِاسْتِخْدامُ وإنْ كَثُرَ في الكَلامِ خِلافَ الظّاهِرِ، وقالَ بَعْضُهم: لَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ هَلاكَها كِنايَةٌ عَنْ إهْلاكِ أهْلِها وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى، والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ لِإنْكارِ الوُقُوعِ والفاءُ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْهُ الهَمْزَةُ فَأفادَتْ إنْكارَ وُقُوعِ إيمانِهِمْ ونَفْيِهِ عُقَيْبَ عَدَمِ إيمانِ الأوَّلِينَ فالمَعْنى أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عِنْدَ إعْطاءِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ أهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَهَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ لَوْ أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ أيْ مَعَ أنَّهم أعْتى وأطْغى كَما يُفْهَمُ بِمَعُونَةِ السِّياقَ والعُدُولِ عَنْ فَهْمِ لا يُؤْمِنُونَ أيْضًا وإمّا عَلى ﴿ما آمَنَتْ﴾ عَلى أنَّ الفاءَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ في الِاعْتِبارِ مُفِيدَةٌ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ وُقُوعِ إيمانِهِمْ عَلى عَدَمِ إيمانِ الأوَّلِينَ وإنَّما قُدِّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ،
21:7Page 322
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧
And We sent not before you, [O Muḥammad], except men to whom We revealed [the message], so ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا﴾ جَوابٌ لِما زَعَمُوهُ مِن أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ ما بَنَوْا فَهو مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ وقُدِّمَ عَلَيْهِ جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا﴾ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْجِيزِ فَلا بُدَّ مِنَ المُسارَعَةِ إلى رَدِّهِ وإبْطالِهِ ولِأنَّ في هَذا الجَوابِ نَوْعَ بَسْطٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإرْسالِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ المُسْتَمِرَّةِ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِعَدَمِ القَصْدِ إلى خُصُوصِهِ، والمَعْنى ما أرْسَلَنا إلى الأُمَمِ قَبْلَ إرْسالِكَ إلى أُمَّتِكَ إلّا رِجالًا لا مَلائِكَةً نُوحِي إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلَكِ ما نُوحِي مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِهِما مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ كَما نُوحِي إلَيْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما في حَقِيقَةِ الوَحْيِ وحَقِيقَةِ مَدْلُولِهِ كَما لا فَرْقَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في البَشَرِيَّةِ فَما لَهم لا يَفْهَمُونَ أنَّكَ لَسْتَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وإنَّ ما أُوحِيَ إلَيْكَ لَيْسَ مُخالِفًا لِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً مادِحَةً لَرِجالًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوحى إلَيْهِمْ ) بِالياءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكَفَرَةِ لِتَبْكِيتِهِمْ واسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الِاسْتِبْعادِ والنَّكِيرِ إثْرَ تَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى طَرِيقَةِ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ الحَقِيقُ بِالخِطابِ في أمْثالِ تِلْكَ الحَقائِقِ الأنِيقَةِ، وأمّا الوُقُوفُ عَلَيْها بِالسُّؤالِ مِنَ الغَيْرِ فَهو مِن وظائِفِ العَوامِّ وأمْرُهُ ﷺ بِالسُّؤالِ في بَعْضِ
صفحة 13
الآياتِ لَيْسَ لِلْوُقُوفِ وتَحْصِيلِ العِلْمِ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ لِأمْرٍ آخَرَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وأهْلُ الذِّكْرِ أهْلُ الكِتابِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ فاسْألُوا أيُّها الجَهَلَةُ أهْلَ الكِتابِ الواقِفِينَ عَلى أحْوالِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَزُولَ شُبْهَتُكم. أُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّ أخْبارَ الجَمِّ الغَفِيرِ يُفِيدُ العِلْمَ في مِثْلِ ذَلِكَ لا سِيَّما وهم كانُوا يُشايِعُونَ المُشْرِكِينَ في عَداوَتِهِ ﷺ ويُشاوِرُونَهم في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ وُضُوحِ الأمْرِ وقُوَّةِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ ما لا يَخْفى، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ أهْلَ الذِّكْرِ هم أهْلُ القُرْآنِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهم كانُوا خُصُومَهم فَكَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِسُؤالِهِمْ، ويَرُدُّ ذَلِكَ عَلى ما زَعَمَتْهُ الإمامِيَّةُ مِن أنَّهم آلُهُ ﷺ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُسْوَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ في أحْكامِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ والجَسَدُ عَلى ما في القامُوسِ جِسْمُ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو كالجِسْمِ إلّا أنَّهُ أخَصُّ مِنهُ، قالَ الخَلِيلُ: لا يُقالُ الجَسَدُ لِغَيْرِ الإنْسانِ مِن خَلْقِ الأرْضِ ونَحْوِهِ، وأيْضًا فَإنَّ الجَسَدَ يُقالُ لِما لَهُ لَوْنٌ والجِسْمُ لِما لا يَبِينُ لَهُ لَوْنٌ كالهَواءِ والماءِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences