Al-AlusiAl‑Anbya · 21:42–47

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:42–47

21:42Page 325

قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢

Say, "Who can protect you at night or by day from the Most Merciful?" But they are, from the remembrance of their Lord, turning away.

﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ أنْ يَسْألَ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَنْبِيهٍ كَيْلا يَغْتَرُّوا بِما غَشِيَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى ويَقُولُ ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيْ يَحْفَظُكم ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ مِن بَأْسِهِ بِقَرِينَةِ الحِفْظِ، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِما أنَّ الدَّواهِيَ فِيهِ أكْثَرُ وُقُوعًا وأشَدُّ وقْعًا.

وفِي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا حِفْظَ لَهم إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى وتَلْقِينٌ لِلْجَوابِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الِانْفِطارَ: 6] وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ بَأْسَهُ تَعالى إذا أرادَ شَدِيدٌ ألِيمٌ ولِذا يُقالُ نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَضَبِ الحَلِيمُ وتَنْدِيمٌ لَهم حَيْثُ عَذَّبَهم مَن غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ ودَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ خُبْثِهِمْ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ والزُّهْرِيُّ وشَيْبَةُ (يَكْلُوكم ) بِضَمَّةٍ خَفِيفَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ (يَكْلَوْكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ السَّماعِ وأنَّهم قَوْمٌ ألْهَتْهُمُ النِّعَمُ عَنِ المُنْعِمِ فَلا يَذْكُرُونَهُ عَزَّ وجَلَّ حَتّى يَخافُوا بَأْسَهُ أوْ يَعُدُّوا ما كانُوا فِيهِ مِنَ الأمْنِ والدَّعَةِ حِفْظًا وكِلاءَةً لِيَسْألُوا عَنِ الكالِئِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:

عَوَّجُوا فَحَيَّوْا لِنَعْمى دِمْنَةَ الدّارِ ماذا تَحْيَوْنَ مِن نَوْءٍ وأحْجارِ

وفِيهِ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ ذُكِّرُوا ونُبِّهُوا أوَّلًا، وفي تَعْلِيقِ الإعْراضِ بِذِكْرِهِ تَعالى وإيرادِ اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمُ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وتَدْبِيرِهِ وتَرْبِيَتِهِ تَعالى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الضَّلالَةِ والغَيِّ ما لا يَخْفى، وقِيلَ إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ أيْ إنَّهم غَيْرُ غافِلِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى حَتّى لا يُجْدِيَ السُّؤالُ عَنْهُ سُبْحانَهُ كَيْفَ وهم إنَّما اتَّخَذُوا الآلِهَةَ وعَبَدُوها لِتَشْفَعَ لَهم عِنْدَهُ تَعالى وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ زُلْفًى بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَّذْكِيرُ يُناسِبُهم، وهَذا مَعَ ظُهُورِهِ مِن مَساقِ الكَلامِ ووُضُوحِ انْطِباقِهِ عَلى مُقْتَضى المَقامِ قَدْ خَفِيَ عَنِ النّاظِرِينَ وغَفَلُوا عَنْهُ أجْمَعِينَ اهَـ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ لِتَجْهِيلِهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ألا يُرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ [الأنْبِياءَ: 45] وما ذُكِرَ يَقْتَضِي العَكْسَ لِتَضَمُّنِهِ وصْفَهم بِإجْداءِ الإنْذارِ والدُّعاءِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ غافِلِينَ مُنافٍ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ فالحَقُّ ما تَقَدَّمَ،

21:43Page 325

أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣

Or do they have gods to defend them other than Us? They are unable [even] to help themselves, nor can they be protected from Us.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ إعْراضٌ عَنْ وصْفِهِمْ بِالإعْراضِ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى آلِهَتِهِمْ وإسْنادِهِمُ الحِفْظَ إلَيْها، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ ( ولَهم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( وآلِهَةٌ ) مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ صِفَتُهُ ( ومِن دُونِنا ) قِيلَ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ أيْ بَلْ ألَهم آلِهَةٌ مانِعَةٌ لَهم

صفحة 52

مُتَجاوِزَةٌ مَنعَنا أوْ حِفْظَنا فَهم مُعَوِّلُونَ عَلَيْها واثِقُونَ بِحِفْظِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا والأصْلُ أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم، وعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿مِن دُونِنا﴾ صِفَةً أيْضًا، وقالَ الحَوْفِيُّ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَنُّعِهِمْ أيْ بَلْ ألَهُمَ آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابٍ مِن عِنْدِنا، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم آلِهَةٌ كَذَلِكَ، وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى وُجُودِ الآلِهَةِ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ لا إلى نَفْسِ الصِّفَةِ بِأنْ يُقالَ أمْ تَمْنَعُهم آلِهَتُهم إلَخْ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُقُوطِها عَنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ فَضْلًا عَنْ رُتْبَةِ المَنعِ ما لا يَخْفى.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الإضْرابَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ( أمْ ) عائِدٌ عَلى الأمْرِ بِالسُّؤالِ كالإضْرابِ السّابِقِ لَكِنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ مِن حَيْثُ إنَّ سُؤالَ الغافِلِ عَنِ الشَّيْءِ بِعِيدٌ وسُؤالَ المُعْتَقِدِ لِنَقِيضِهِ أبْعَدُ، وفَهِمَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّ الهَمْزَةَ عَلَيْهِ لِلتَّقْرِيرِ بِما في زَعْمِ الكَفَرَةِ تَهَكُّمًا.

وتُعُقِّبَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْكارِ لا بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم زَعْمُ ذَلِكَ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ لِمَ كانَ مِثْلَهُ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، والأظْهَرُ عِنْدِي جَعْلُهُ عائِدًا عَلى الوَصْفِ بِالإعْراضِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا، وفي الكَشْفِ ضِمْنَ الإعْراضِ عَنْ وصْفِهِمْ بِالإعْراضِ إنْكارُهُ أبْلَغَ الإنْكارِ بِأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى كَمَن لَهُ كالِئٍ يَمْنَعُهُ عَنْ بَأْسِنا مُعْرِضًا فِيهِ بِجانِبِ آلِهَتِهِمْ وأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ تَعالى واشْتَغَلُوا بِهِمْ ولِهَذا رُشِّحَ بِما بَعْدُ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ حَدِيثَ الإعْراضِ وانْظُرْ إلى مَن أعْرَضُوا عَنْ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ إلَيْهِ فَإنَّ هَذا أطَمُّ وأطَمُّ فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الإنْكارِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا أنْفُسَهم ويَدْفَعُوا عَنْها ما يَنْزِلُ بِها ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ بِنَصْرٍ أوْ بِمَن يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ مِن جِهَتِنا فَهم في غايَةِ العَجْزِ وغَيْرُ مُعْتَنًى بِهِمْ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ ما يُتَوَهَّمُ، فالضَّمائِرُ لِلْآلِهَةِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها لِلْكَفَرَةِ عَلى مَعْنى لا يَسْتَطِيعُ الكُفّارُ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ بِآلِهَتِهِمْ ولا يَصْحَبُهم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، والأوَّلُ أوْلى بِالمَقامِ وإنْ كانَ هَذا أبْعَدَ عَنِ التَّفْكِيكِ، ( ومِنّا ) عَلى القَوْلَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدِّرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ.

21:44Page 325

بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤

But, [on the contrary], We have provided good things for these [disbelievers] and their fathers until life was prolonged for them. Then do they not see that We set upon the land, reducing it from its borders?1 Is it they who will overcome?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَلى ما في الكَشْفِ عَنِ الضَّرْبِ السّابِقِ مِنَ الكَلامِ إلى وعِيدِهِمْ وأنَّهم مِن أهْلِ الِاسْتِدْراجِ وأخْرَجَهم عَنِ الخِطابِ عَدَمَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وفي العُدُولِ إلى الإشارَةِ عَنِ الضَّمِيرِ إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ، وفي غَيْرِ كِتابٍ أنَّهُ إضْرابٌ عَمّا تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الكِلاءَةِ مِن جِهَةِ أنَّ لَهم آلِهَةً تَمْنَعُهم مِن تَطَرُّقِ البَأْسِ إلَيْهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ ما زَعَمُوا مِن كَوْنِهِمْ مَحْفُوظِينَ بِكِلاءَةِ آلِهَتِهِمْ بَلْ ما هم فِيهِ مِنَ الحِفْظِ مِنّا لا غَيْرُ حَفِظْناهم مِنَ البَأْساءِ ومَتَّعْناهم بِأنْواعِ السَّرّاءِ لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الِاسْتِدْراجِ والِانْهِماكِ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلى العَذابِ الألِيمِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إضْرابًا عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنافُ السّابِقُ مِن بُطْلانِ تَوَهُّمِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ ما يُبَيِّنُ بُطْلانَ تَوَهُّمِهِمْ مِن أنْ يَكُونَ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم واعْلَمْ أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ورْطَةِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ الباطِلِ بِسَبَبِ أنّا مَتَّعْناهم بِما يَشْتَهُونَ حَتّى طالَتْ مُدَّةُ عِمارَةِ أبْدانِهِمْ بِالحَياةِ فَحَسِبُوا أنَّ ذَلِكَ يَدُومُ فاغْتَرُّوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ واتَّبَعُوا ما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم وذَلِكَ طَمَعٌ فارِغٌ وأمَلٌ كاذِبٌ ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ ألا يَنْظُرُونَ فَلا يَرَوْنَ

صفحة 53

﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أيْ أرْضَ الكَفَرَةِ أوْ أرْضَهم ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها وحَوْزِ ما يَحُوزُونَهُ مِنها ونَظْمِهِ في سِلْكِ مُلْكِهِمْ، والعُدُولُ عَنْ أنّا نَنْقُصُ الأرْضَ مِن أطْرافِها إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِتَصْوِيرِ كَيْفِيَّةِ نَقْصِها وانْتِزاعِها مِن أيْدِيهِمْ فَإنَّهُ بِإتْيانِ جُيُوشِ المُسْلِمِينَ واسْتِيلائِهِمْ، وكانَ الأصْلُ يَأْتِي جُيُوشُ المُسْلِمِينَ لَكِنَّهُ أسْنَدَ الإتْيانَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ تَعْظِيمًا لَهم وإشارَةً إلى أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى ورِضاهُ، وفِيهِ تَعْظِيمٌ لِلْجِهادِ والمُجاهِدِينَ.

والآيَةُ كَما قَدَّمْنا أوَّلَ السُّورَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي نازِلَةٌ بَعْدَ فَرْضِ الجِهادِ فَلا يَرُدُّ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والجِهادَ فُرِضَ بَعْدَها حَتّى يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ أوْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ نَنْقُصُها بِإذْهابِ بَرَكَتِها كَما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِتَخْرِيبِ قُراها ومَوْتِ أهْلِها كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ نَنْقُصُها بِمَوْتِ العُلَماءِ وهَذا إنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا مُعْدِلَ عَنْهُ وإلّا فالأظْهَرُ نَظَرًا إلى المَقامِ ما تَقَدَّمَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.

والمُرادُ إنْكارُ تَرْتِيبِ الغالِبِيَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن نَقْصِ أرْضِ الكَفَرَةِ بِتَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ أبَعْدَ ظُهُورِ ما ذُكِرَ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ يُتَوَهَّمُ غَلَبَتُهم، وفي التَّعْرِيفِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُسْلِمِينَ هُمُ المُتَعَيِّنُونَ لِلْغَلَبَةِ المَعْرُوفُونَ فِيها

21:45Page 326

قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥

Say, "I only warn you by revelation." But the deaf do not hear the call when they are warned.

﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكُمْ﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ مِن جِهَتِهِ تَعالى غايَةَ هَوْلِ ما يَسْتَعْجِلُهُ المُسْتَعْجِلُونَ ونِهايَةَ سُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ إتْيانِهِ ونَعى عَلَيْهِمْ جَهْلَهم بِذَلِكَ وإعْراضَهم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي يَكْلَؤُهم مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ وحَوادِثِ النَّهارِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن مَساوِيهِمْ أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: إنَّما أُنْذِرُكم ما تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ السّاعَةِ بِالوَحْيِ الصّادِقِ النّاطِقِ بِإثْباتِها وفَظاعَةِ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ أيْ إنَّما شَأْنِي أنْ أُنْذِرَكم بِالإخْبارِ بِذَلِكَ لا بِالإتْيانِ بِها فَإنَّهُ مُزاحِمٌ لِلْحِكْمَةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ فَإنَّ الإيمانَ بُرْهانِيٌّ لا عَيانِيٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ المُلَقَّنِ تَذْيِيلٌ لَهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ قَدْ أمَرَ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الجَهْلِ والعِنادِ، وإمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لَهم ذَلِكَ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّماعِ، واللّامُ في الصُّمِّ إمّا لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا وإمّا لِلْعَهْدِ فَوَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالتَّصامُمِ، وتَقْيِيدُ نَفِي السَّماعِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ مَعَ أنَّ الصُّمَّ لا يَسْمَعُونَ مُطْلَقًا لِبَيانِ كَمالِ شِدَّةِ الصَّمَمِ كَما أنَّ إيثارَ الدُّعاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الصَّوْتِ والنِّداءِ عَلى الكَلامِ لِذَلِكَ، فَإنَّ الإنْذارَ عادَةً يَكُونُ بِأصْواتٍ عالِيَةٍ مُكَرَّرَةٍ مُقارِنَةً لِهَيْئاتٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ فَإذا لَمْ يَسْمَعُوها يَكُنْ صَمَمُهم في غايَةٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِها، وقِيلَ لِأنَّ الكَلامَ في الإنْذارِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍ و وابْنِ الصَّلْتِ عَنْ حَفْصٍ (تَسْمَعُ ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الإسْماعِ ( الصُّمَّ الدُّعاءَ ) بِنَصْبِهِما عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ احْتِمالَ كَوْنِ الجُمْلَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى وقُرِئَ (يَسْمَعُ ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ (الصُّمَّ الدُّعاءَ ) بِنَصْبِهِما عَلى ما مَرَّ. وذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ (يُسْمَعُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (الصُّمُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ (الدُّعاءَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ اليَزِيدِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍ و (يُسْمِعُ ) بِضَمِّ ياءِ الغَيْبَةِ وكَسْرِ المِيمِ ( الصُّمَّ )

صفحة 54

بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ (الدُّعاءُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِيَسْمَعُ، وإسْنادُ الإسْماعِ إلَيْهِ مِن بابِ الِاتِّساعِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ ولا يُسْمِعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ شَيْئًا،

21:46Page 326

وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦

And if [as much as] a whiff of the punishment of your Lord should touch them, they would surely say, "O woe to us! Indeed, we have been wrongdoers."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ بَيانٌ لِسُرْعَةِ تَأثُّرِهِمْ مِن مَجِيءِ نَفْسِ العَذابِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ مِن مَجِيءِ خَبَرِهِ عَلى نَهْجِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ أيْ وبِاللَّهِ لَئِنْ مَسَّهم أدْنى شَيْءٍ مِن عَذابِهِ تَعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيَدْعُنَّ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُنَّ عَلَيْها بِالظُّلْمِ السّابِقِ، وفي ﴿مَسَّتْهم نَفْحَةٌ﴾ ثَلاثُ مُبالَغاتٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهي كَما في الكَشْفِ ذِكْرُ المَسِّ وهو دُونُ النُّفُوذِ ويَكْفِي في تَحَقُّقِهِ إيصالُ ما، وما في النَّفْحِ مِن مَعْنى النَّزارَةِ فَإنَّ أصْلَهُ هُبُوبُ رائِحَةِ الشَّيْءِ ويُقالُ نَفَحَتْهُ الدّابَّةُ ضَرَبَتْهُ بِحَدِّ حافِرِها ونَفْحَهُ بِعَطِيَّةٍ رَضَخَهُ وأعْطاهُ يَسِيرًا، وبِناءُ المَرَّةِ وهي لِأقَلِّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وجَعَلَ السَّكّاكِيُّ التَّنْكِيرَ رابِعَتَها لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْقِيرِ، واسْتِفادَةُ ذَلِكَ إنْ سَلِمَتْ مِن بِناءِ المَرَّةِ ونَفْسِ الكَلِمَةِ لا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ كَما زَعَمَ صاحِبُ الإيضاحِ.

واعْتَرَضَ بَعْضُهُمُ المُبالَغَةَ في المَسِّ بِأنَّهُ أقْوى مِنَ الإصابَةِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَأثُّرِ حاسَّةِ المَمْسُوسِ ومِمّا ذُكِرَ في الكَشْفِ يُعْلَمُ انْدِفاعُهُ لِمَن مَسَّتْهُ نَفْحَةُ عِنايَةٍ، ولَعَلَّ في الآيَةِ مُبالَغَةً خامِسَةً تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا المَسَّ يَوْمَ القِيامَةِ كَما رَمَزْنا إلَيْهِ، وقِيلَ في الدُّنْيا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن تَفْسِيرِ النَّفْحَةِ بِالجُوعِ الَّذِي نَزَلَ بِمَكَّةَ

21:47Page 326

وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧

And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ بَيانٌ لِما سَيَقَعُ عِنْدَ إتْيانِ ما أُنْذِرُوهُ.

وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ الجُمْلَةَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بِتَقْدِيرِ ونَحْنُ نَضَعُ، وهي في الخُلُوِّ عَنِ العائِدِ نَحْوُ جِئْتُكَ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُقِيمَ العُمُومُ في ﴿نَفْسٌ﴾ الآتِي بَعْدَ مَقامِ العائِدِ وهو كَما تَرى أيْ ونُحْضِرُ المَوازِينَ العادِلَةَ الَّتِي تُوزَنُ بِها صَحائِفُ الأعْمالِ كَما يَقْضِي بِذَلِكَ حَدِيثُ السِّجِلّاتِ والبِطاقَةِ الَّتِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ أوْ نَفْسُ الأعْمالِ كَما قِيلَ، وتَظْهَرُ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُشْرِقَةٍ إنْ كانَتْ حَسَناتٍ ومُظْلِمَةٍ إنْ كانَتْ سَيِّئاتٍ، وجَمْعُ المَوازِينِ ظاهِرٌ في تَعَدُّدِ المِيزانِ حَقِيقَةً وقَدْ قِيلَ بِهِ فَقِيلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِ مَوازِينُ بِعَدَدِ خَيْراتِهِ وأنْواعِ حَسَناتِهِ، والأصَحُّ الأشْهَرُ أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِجَمِيعِ الأعْمالِ كِفَّتاهُ كَأطْباقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِصِحَّةِ الأخْبارِ بِذَلِكَ، والتَّعَدُّدُ اعْتِبارِيٌّ وقَدْ يُعَبِّرُ عَنِ الواحِدِ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: 99] وقَوْلُهُ فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ، وإحْضارُ ذَلِكَ تُجاهَ العَرْشِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ويَأْخُذُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَمُودِهِ ناظِرًا إلى لِسانِهِ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمِينٌ عَلَيْهِ كَما في نَوادِرِ الأُصُولِ، وهَلْ هو مَخْلُوقٌ اليَوْمَ أوْ سَيُخْلَقُ غَدًا ؟ .

قالَ اللَّقانِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في ذَلِكَ كَما لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّهُ مِن أيِّ الجَواهِرِ هو اهَـ، وما رُوِيَ مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ فَلَمّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: يا إلَهِي مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَهُ حَسَناتٍ ؟ فَقالَ تَعالى: يا داوُدُ إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُها بِتَمْرَةٍ، نَصٌّ في أنَّهُ مَخْلُوقٌ اليَوْمَ لَكِنْ لا أدْرِي حالَ الحَدِيثِ فَلْيُنْقَرْ.

وأنْكَرَ المُعْتَزِلَةُ المِيزانَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وقالُوا: يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ عَلى رِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ، ووَضْعُ المَوازِينِ عِنْدَهم تَمْثِيلٌ لِإرْصادِ الحِسابِ السَّوِيِّ والجَزاءِ عَلى حَسَبِ الأعْمالِ، ورُوِيَ هَذا عَنِالضَّحّاكِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والأعْمَشِ ولا داعِيَ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وإفْرادُ القِسْطِ مَعَ كَوْنِهِ

صفحة 55

صِفَةَ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ووُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذَواتُ القِسْطِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: لا أقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجاءِ وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنْ تَوْجِيهِ إفْرادِهِ. وقُرِئَ (القِصْطَ ) بِالصّادِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِمَعْنى في كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لِمَجِيئِها كَذَلِكَ قَوْلَ مِسْكِينَ الدّارِمِيِّ:

أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمُ كَما مَضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ

وهُوَ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ووافَقَهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ نَضَعُ المَوازِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ لِأجْلِ أهْلِهِ وجَعَلَها بَعْضُهم لِلِاخْتِصاصِ كَما هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في قَوْلِكَ جِئْتُ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، والمَشْهُورُ فِيهِ وهو الِاحْتِمالُ الثّانِي أنَّ اللّامَ بِمَعْنى في: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الظُّلْمِ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُها المَوْعُودُ ولا يُزادُ عَذابُها المَعْهُودُ. فالشَّيْءُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والظُّلْمُ هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( شَيْئًا ) مَفْعُولًا بِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ والظُّلْمُ بِحالِهِ أيْ فَلا تُظْلَمُ في شَيْءٍ بِأنْ تُمْنَعَ ثَوابًا أوْ تُزادَ عَذابًا، وبَعْضُهم فَسَّرَ الظُّلْمَ بِالنَّقْصِ وجُوِّزَ في ( شَيْئًا ) المَصْدَرِيَّةُ والمَفْعُولِيَّةُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ فَلا تَنْقُصُ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ أوْ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، ويُفْهَمُ عَدَمُ الزِّيادَةِ في العِقابِ مِن إشارَةِ النَّصِّ واللُّزُومِ المُتَعارَفِ، واخْتِيرَ ما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإشارَةِ واللُّزُومِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ انْتِفاءِ الظُّلْمِ عَلى وضْعِ المَوازِينِ.

ورُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ تُوزَنُ أعْمالُهُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: المِيزانُ حَقٌّ ولا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ بِدَلِيلِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عَلَيْهِ مِنَ البابِ الأيْمَنِ الحَدِيثَ وأحْرى الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرَّحْمَنَ: 41] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكَهْفَ: 105] . وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفُرْقانَ: 23] . وإنَّما يَبْقى الوَزْنُ لِمَن شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.

وذَكَرَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُ أنَّ أهْلَ الصَّبْرِ لا تُوزَنُ أعْمالُهم وإنَّما يُصَبُّ لَهُمُ الأجْرُ صَبًّا، وظَواهِرُ أكْثَرِ الآياتِ والأحادِيثِ تَقْتَضِي وزْنَ أعْمالِ الكُفّارِ، وأُوِّلَ لَها ما اقْتَضى ظاهِرُهُ خِلافَ ذَلِكَ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وعِنْدِي لا قاطِعَ في عُمُومِ الوَزْنِ وأمِيلُ إلى عَدَمِ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ كَما اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أفْرادِ الإنْسِ اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى نَوْعَيِ الإنْسِ والجِنِّ، والحَقُّ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ كَمُؤْمِنِي الإنْسِ وكافِرَهم كَكافِرِهِمْ كَما بَحَثَهُ القُرْطُبِيُّ واسْتَنْبَطَهُ مِن عِدَّةِ آياتٍ، وبَسَطَ اللَّقانِيُّ القَوْلَ في ذَلِكَ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ لِلْجَوْهَرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ الخِلافِ في كَيْفِيَّةِ الوَزْنِ ﴿وإنْ كانَ﴾ أيِ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ لِشَيْئًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى فَلا تُظْلَمُ جَزاءَ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ مِقْدارَ حَبَّةٍ كائِنَةٍ مِن خَرْدَلٍ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِحَبَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمِثْقالَ والأوَّلُ أقْرَبُ، والمُرادُ وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرَ وشَيْبَةُ ونافِعٌ (مِثْقالُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ

صفحة 56

تامَّةٌ ﴿أتَيْنا بِها﴾ أيْ جِئْنا بِها وبِهِ قَرَأ أُبَيُّ، والمُرادُ أحْضَرْناها، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والضَّمِيرُ لِلْمِثْقالِ وأُنِّثَ لِاكْتِسابِ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والجُمْلَةُ جَوابُ إنِ الشَّرْطِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إنْ وصْلِيَّةً والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي إسْحَقَ والعَلاءُ بْنُ سَيابَةَ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ شُرَيْحٍ الأصْبَهانِيُّ (آتَيْنا ) بِمَدَّةٍ عَلى أنَّهُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ تَعالى بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ، وقِيلَ هو مِنَ الإيتاءِ وأصْلُهُ أأْتَيْنا فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا، والمُرادُ جازَيْنا أيْضًا مَجازًا ولِذا عُدِّيَ بِالباءِ ولَوْ كانَ المُرادُ أعْطَيْنا كَما قالَ بَعْضُهم لَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما قالَ ابْنُ جِنِّي وغَيْرُهُ. وقَرَأ حُمَيْدٌ (أثَبْنا ) مِنَ الثَّوابِ ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ قِيلَ أيْ عادِّينَ ومُحْصِينَ أعْمالَهم عَلى أنَّهُ مِنَ الحِسابِ مُرادًا بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو العَدُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُجازاةِ. وذَكَرَ اللَّقانِيُّ أنَّ الحِسابَ في عُرْفِ الشَّرْعِ تَوْقِيفُ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ إلّا مَنِ اسْتُثْنِيَ مِنهم قَبْلَ الِانْصِرافِ مِنَ المَحْشَرِ عَلى أعْمالِهِمْ خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا تَفْصِيلًا لا بِالوَزْنِ، وأنَّهُ كَما ذَكَرَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ وجَزَمَ بِهِ صاحِبُ كَنْزِ الأسْرارِ قَبْلَ الوَزْنِ، ولا يَخْفى أنَّ في الآيَةِ إشارَةً ما إلى أنَّ الحِسابَ المَذْكُورَ فِيها بَعْدَ وضْعِ المَوازِينِ فَتَأمَّلْ، ونَصْبُ الوَصْفِ إمّا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ في البَحْرِ.

* * *

هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المَحْجُوبِينَ بِحُبِّ الدُّنْيا عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْأُخْرى فَغَفَلُوا عَنْ إصْلاحِ أمْرِهِمْ وأعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِمْ وغَدَتْ قُلُوبُهم عَنِ الذِّكْرِ لاهِيَةً وعَنِ التَّفَكُّرِ في جَلالِهِ وجَمالِهِ سُبْحانَهُ ساهِيَةً، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ نُفُوسَهُمُ الخَبِيثَةَ الشَّيْطانِيَّةَ تَأْبى اتِّباعَهم لِما يَرَوْنَ مِنَ المُشارَكَةِ في العَوارِضِ البَشَرِيَّةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في الظُّلْمِ خَرابَ العُمْرانِ فَمَتى ظَلَمَ الإنْسانُ خَرِبَ قَلْبُهُ وجَرَّ ذَلِكَ إلى خَرابِ بَدَنِهِ وهَلاكِهِ بِالعَذابِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ سَبَبٌ لِانْجِلاءِ الظُّلْمَةِ عَنِ القَلْبِ وتَطَهُّرِهِ مِن دَنَسِ الأغْيارِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ سِواهُ سُبْحانَهُ دِيارٌ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ قِيلَ هُمُ الكامِلُونَ الَّذِينَ في الحَضْرَةِ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَسْكُنُونَ إلّا مَعَ الحُضُورِ ولا تَشُقُّ عَلَيْهِمْ عِبادَةٌ ولا تُلْهِيهِمْ عَنْهُ تَعالى تِجارَةٌ بَواطِنُهم مَعَ الحَقِّ وظَواهِرُهم مَعَ الخَلْقِ أنْفاسُهم تَسْبِيحٌ وتَقْدِيسٌ وهو سُبْحانَهُ لَهم خَيْرُ أنِيسٍ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الكامِلَ لا يَخْتارُ شَيْئًا بَلْ شَأْنُهُ التَّفْوِيضُ والجَرَيانُ تَحْتَ مَجارِي الأقْدارِ مَعَ طِيبِ النَّفْسِ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ القُطْبَ الرَّبّانِيَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القادِرِ الكِيلانِيَّ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ لَمْ يُتَوَفَّ حَتّى تَرَقّى عَنْ مَقامِ الإدْلالِ إلى التَّفْوِيضِ المَحْضِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعَرانِيُّ في كِتابِهِ الجَواهِرُ واليَواقِيتُ ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَن كانَتْ حَياتُهُ بِرُوحِهِ يَكُونُ مَماتُهُ بِذَهابِها ومَن كانَتْ حَياتُهُ بِرَبِّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُنْقَلُ مِن حَياةِ الطَّبْعِ إلى حَياةِ الأصْلِ وهي الحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ قِيلَ أيْ بِالقَهْرِ واللُّطْفِ والفِراقِ والوِصالِ والإدْبارِ والإقْبالِ والجَهْلِ والعِلْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَثِيرًا ما يُمْتَحَنُ السّالِكُ بِالقَبْضِ والبَسْطِ فَيَنْبَغِي لَهُ التَّثَبُّتُ

صفحة 57

فِي كُلٍّ عَمّا يَحُطُّهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، ولَعَلَّ فِتْنَةَ البَسْطِ أشَدُّ مِن فِتْنَةِ القَبْضِ فَلْيُتَحَفَّظْ هُناكَ أشَدَّ تَحَفُّظٍ ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَوازِينُ مُتَعَدِّدَةٌ فَلِلْعاشِقِينَ مِيزانٌ ولِلْوالِهِينَ مِيزانٌ ولِلْعامِلِينَ مِيزانٌ وهَكَذا، ومِن ذَلِكَ مِيزانٌ لِلْعارِفِينَ تُوزَنُ بِهِ أنْفاسُهم ولا يَزِنُ نَفْسًا مِنها السَّماواتُ والأرْضُ.

وذَكَرُوا أنَّ في الدُّنْيا مَوازِينَ أيْضًا أعْظَمُ مَوازِينِها الشَّرِيعَةُ وكِفَّتا الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ عَطَّلَ هَذا المِيزانُ مُتَصَوِّفَةَ هَذا الزَّمانِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُتَفَضِّلُ بِأنْواعِ الأفْضالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском