Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:60–68
21:60Page 327
قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠
They said, "We heard a young man mention them who is called Abraham."
﴿قالُوا﴾ أيْ بَعْضٌ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ عِنْدَ بَعْضٍ ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ يَعِيبُهم فَلَعَلَّهُ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ. وسَمِعَ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ حَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ كَسائِرِ أفْعالِ الحَواسِّ كَما قَرَّرَهُ السُّهَيْلِيُّ ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَثِيرًا وقَدْ يَتَعَدّى إلَيْهِ بِإلى أوِ اللّامِ أوِ الباءِ، وتَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ مِمّا اخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الأخْفَشُ. والفارِسِيُّ في الإيضاحِ وابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهم إلى أنَّهُ إنْ ولِيَهُ ما يُسْمَعُ تَعَدّى إلى واحِدٍ كَسَمِعْتُ الحَدِيثَ وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وإنْ ولِيَهُ ما لا يُسْمَعُ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما مِمّا يَدُلُّ عَلى صَوْتٍ.
واشْتَرَطَ بَعْضُهم كَوْنُهُ جُمْلَةً كَسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا دُونَ قائِلًا كَذا لِأنَّهُ دالٌّ عَلى ذاتٍ لا تَسْمَعُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ [الشُّعَراءَ: 72] فَعَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم، وقِيلَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الظَّرْفُ مُغْنٍ عَنْهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ناصِبٌ لِواحِدٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَسْمُوعٍ قَبْلَ اسْمِ الذّاتِ، والجُمْلَةُ إنْ كانَتْ حالٌ بَعْدَ المَعْرِفَةِ صِفَةٌ بَعْدَ النَّكِرَةِ ولا تَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِأنَّها لا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا في الأفْعالِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ ولَيْسَ هَذا مِنها.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِنَ المُلْحَقاتِ بِرَأى العِلْمِيَّةِ لِأنَّ السَّمْعَ طَرِيقُ العِلْمِ كَما في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ فَجُوِّزَ هُنا كَوْنُ ( فَتًى ) مَفْعُولًا أوَّلًا وجُمْلَةُ ( يَذْكُرُهم ) مَفْعُولًا ثانِيًا، وكَوْنُهُ مَفْعُولًا والجُمْلَةُ صِفَةً لَهُ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، وقِيلَ إنَّها بَدَلٌ مِنهُ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّجَوُّزِ والإضْمارِ إذْ هي مَسْمُوعَةٌ والبَدَلُ هو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ وإبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ جائِزٌ، وفي الهَمْعِ أنَّ بَدَلَ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وفي التَّصْرِيحِ قَدْ تُبْدَلُ الجُمْلَةُ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ بَعْضُهم إنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً أبْلَغُ في نِسْبَةِ الذِّكْرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما في ذَلِكَ مِن إيقاعِ الفِعْلِ عَلى المَسْمُوعِ مِنهُ وجَعْلِهِ بِمَنزِلَةِ المَسْمُوعِ مُبالَغَةً في عَدَمِ الواسِطَةِ فَيُفِيدُ أنَّهم سَمِعُوهُ بِدُونِ واسِطَةٍ.
ووَجَّهَ بَعْضُهُمُ الأبْلَغِيَّةَ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِمّا بُحِثَ فِيهِ، ولَعَلَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ مِمّا يَتَأتّى عَلى احْتِمالِ البَدَلِيَّةِ فَلا تَفُوتُ المُبالَغَةُ عَلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا التَّرْكِيبَ كَيْفَما أُعْرِبَ أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ سَمِعْنا ذِكْرَ فَتًى ونَحْوَهُ مِمّا لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ اتِّفاقًا لِما أنَّ ( سَمِعْنا ) لَمّا تَعَلَّقَ بِفَتًى أفادَ إجْمالًا أنَّ المَسْمُوعَ نَحْوُ ذَكَرَهُ إذْ لا مَعْنًى لِأنْ يَكُونَ نَفْسُ الذّاتِ مَسْمُوعًا ثُمَّ إذا ذُكِرَ ( يَذْكُرُهم ) عُلِمَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى ولِما فِيهِ مِن تَقْوى الحُكْمِ بِتَكَرُّرِ الإسْنادِ عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ المَعانِي ولِهَذا رُجِّحَ أُسْلُوبُ الآيَةِ عَلى غَيْرِهِ فَتَدَبَّرْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ صِفَةٌ لِفَتًى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا والأوَّلُ أظْهَرُ، ورُفِعَ ( إبْراهِيمُ ) عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ لِيُقالُ عَلى اخْتِيارِ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، والمُرادُ لَفْظُهُ أيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوازِ كَوْنِ مَفْعُولِ القَوْلِ مُفْرَدًا لا يُؤَدِّي مَعْناهُ جُمْلَةً كَقُلْتُ قَصِيدَةً وخُطْبَةً ولا هو مَصْدَرًا لِقَوْلٍ أوْ صِفَتَهُ كَقُلْتُ قَوْلًا أوْ حَقًّا فَذَهَبَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ خَرُوفٍ وابْنُ مالِكٍ إلى
صفحة 64
الجَوازِ إذا أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ لَفْظُهُ بَلْ ذَكَرَ الدَّنُوشَرِيُّ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالمُفْرَدِ الواقِعِ بَعْدَ القَوْلِ نَفْسَ لَفْظِهِ تَجِبُ حِكايَتُهُ ورِعايَةُ إعْرابِهِ، وآخَرُونَ إلى المَنعِ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو الصَّحِيحُ إذْ لا يُحْفَظُ مِن لِسانِهِمْ قالَ فُلانٌ زَيْدٌ ولا قالَ ضَرَبَ وإنَّما وقَعَ القَوْلُ في كَلامِهِمْ لِحِكايَةِ الجُمَلِ وما في مَعْناها، وجَعَلَ المانِعُونَ ( إبْراهِيمُ ) مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ هَذا إبْراهِيمُ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ كَما في قَوْلِهِ:
إذا ذُقْتُ فاها قُلْتُ طَعْمُ مُدامَةٍ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ إبْراهِيمُ فاعِلُهُ وأنْ يَكُونَ مُنادًى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ أيْ يُقالُ لَهُ حِينَ يُدْعى يا إبْراهِيمُ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ فِيما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ ويَكْفِي الظُّهُورُ مُرَجِّحًا في أمْثالِ هَذِهِ المَطالِبِ، وذَهَبَ الأعْلَمُ إلى أنَّ ( إبْراهِيمُ ) ارْتَفَعَ بِالإهْمالِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عامِلٌ يُؤَثِّرُ في لَفْظِهِ إذِ القَوْلُ لا يُؤَثِّرُ إلّا في المُفْرَدِ المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى الجُمْلَةِ فَبَقِيَ مُهْمَلًا والمُهْمَلُ إذا ضُمَّ إلى غَيْرِهِ ارْتَفَعَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ واحِدٌ واثْنانِ إذا عَدُّوا ولَمْ يُدْخِلُوا عامِلًا لا في اللَّفْظِ ولا في التَّقْدِيرِ وعَطَفُوا بَعْضَ أسْماءِ العَدَدِ عَلى بَعْضٍ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ هَذا الأعْلَمِ لا يَقُولُهُ إلّا الأجْهَلُ ولَأنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أفْلَحَ أعْلَمَ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَنْطِقَ بِمِثْلِهِ ويَتَكَلَّمَ.
21:61Page 327
قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١
They said, "Then bring him before the eyes of the people that they may testify."1
﴿قالُوا﴾ أُولَئِكَ القائِلُونَ ﴿مَن فَعَلَ﴾ إلَخْ إذا كانَ الأمْرُ كَذا ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾ أيْ أحْضِرُوهُ ﴿عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ مُشاهِدًا مُعايِنًا لَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ كَما تُفِيدُهُ عَلى المُسْتَعارَةِ لِتَمَكُّنِ الرُّؤْيَةِ ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ أيْ يَحْضُرُونَ عُقُوبَتَنا لَهُ، وقِيلَ يَشْهَدُونَ بِفِعْلِهِ أوْ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِلنّاسِ بَلْ لِبَعْضٍ مِنهم مُبْهَمٌ أوْ مَعْهُودٌ والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ، والثّانِي عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، والتَّرَجِّي أوْفَقُ بِهِ
21:62Page 327
قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢
They said, "Have you done this to our gods, O Abraham?"
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا فَعَلُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ أتَوْا بِهِ أوْ لا ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ اقْتِصارًا عَلى حِكايَةِ مُخاطَبَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إتْيانَهم بِهِ ومُسارَعَتَهم إلى ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، والهَمْزَةُ كَما قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِّيُّ لِلتَّقْرِيرِ بِالفاعِلِ إذْ لَيْسَ مُرادُ الكَفَرَةِ حَمْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ كَسْرَ الأصْنامِ قَدْ كانَ بَلْ عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ مِنهُ كَيْفَ وقَدْ أشارُوا إلى الفِعْلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ وأيْضًا
21:63Page 327
قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣
He said, "Rather, this - the largest of them - did it, so ask them, if they should [be able to] speak."
﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ ولَوْ كانَ التَّقْرِيرُ بِالفِعْلِ لَكانَ الجَوابُ فَعَلْتُ أوْ لَمْ أفْعَلْ، واعْتَرَضَ ذَلِكَ الخَطِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ عَلى أصْلِهِ إذْ لَيْسَ في السِّياقِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَ الأصْنامَ حَتّى يُمْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأُجِيبَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَ الآيَةِ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ حَلَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ إلَخْ ثُمَّ لَمّا رَأوْا كَسْرَ الأصْنامِ قالُوا: ﴿مَن فَعَلَ﴾ هَذا إلَخْ فالظّاهِرُ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ مِن حَلِفِهِ وذَمِّهِ الأصْنامَ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الحَلِفَ كَما قالَهُ كَثِيرٌ كانَ سِرًّا أوْ سَمِعَهُ رَجُلٌ واحِدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالُوا سَمِعْنا﴾ إلَخْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ﴾ هَذا إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهم مَن لا يَعْلَمُ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَ الأصْنامَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ﴾ كَلامَ ذَلِكَ البَعْضِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّهم بَعْدَ المُفاوَضَةِ في أمْرِ الأصْنامِ وإخْبارِ البَعْضِ البَعْضَ بِما يُقْنِعُهُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَها تَيَقَّنُوا كُلُّهم أنَّهُ الكاسِرُ
صفحة 65
فَأأنْتَ فَعَلْتَ مِمَّنْ صَدَرَ لِلتَّقْرِيرِ بِالفاعِلِ، وقَدْ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَوابِ مَسْلَكًا تَعْرِيضِيًّا يُؤَدِّي بِهِ إلى مَقْصِدِهِ الَّذِي هو إلْزامُهُمُ الحُجَّةَ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ يَحْمِلُهم عَلى التَّأمُّلِ في شَأْنِ آلِهَتِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوَقِّي مِنَ الكَذِبِ فَقَدْ أبْرَزَ الكَبِيرُ قَوْلًا في مَعْرِضِ المُباشِرِ لِلْفِعْلِ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ كَما أبْرَزَهُ في ذَلِكَ المَعْرِضِ فِعْلًا بِجَعْلِ الفَأْسِ في عُنُقِهِ أوْ في يَدِهِ وقَدْ قَصَدَ إسْنادَهُ إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ حَيْثُ رَأى تَعْظِيمَهم إيّاهُ أشَدَّ مِن تَعْظِيمِهِمْ لِسائِرِ ما مَعَهُ مِنَ الأصْنامِ المُصْطَفَّةِ المُرَتَّبَةِ لِلْعِبادَةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَغَضِبَ لِذَلِكَ زِيادَةَ الغَضَبِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ إسْنادًا مَجازِيًّا عَقْلِيًّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ والأصْلُ فَعَلْتُهُ لِزِيادَةِ غَضَبِي مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِ هَذا، وإنَّما لَمْ يَكْسِرْهُ وإنْ كانَ مُقْتَضى غَضَبِهِ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ الحُجَّةُ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَذِبًا كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن بابِ المَجازِ لِما أنَّ المَعارِيضَ تُشْبِهُ صُورَتُها صُورَتَهُ فَبَطَلَ الِاحْتِجاجُ بِما ذُكِرَ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أيْضًا: إنَّهُ حِكايَةٌ لِما يَلْزَمُ مِن مَذْهَبِهِمْ جَوازُهُ يَعْنِي أنَّهم لَمّا ذَهَبُوا إلى أنَّهُ أعْظَمُ الآلِهَةِ فَعِظَمُ أُلُوهِيَّتِهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُعْبَدَ غَيْرُهُ مَعَهُ ويَقْتَضِي إفْناءَ مَن شارَكَهُ في ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَعَلَهُ هَذا الكَبِيرُ عَلى مُقْتَضى مَذْهَبِكم والقَضِيَّةُ مُمْكِنَةٌ.
ويُحْكى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا غَضِبَ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ هَذِهِ وهو أكْبَرُ مِنها، قِيلَ: فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَمْثِيلًا أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَنْبِيهَهم عَلى غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِإشْراكِهِمْ بِعِبادَتِهِ الأصْنامَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إلّا إثْباتَ الفِعْلِ لِنَفْسِهِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ مُضَمِّنًا فِيهِ الِاسْتِهْزاءَ والتَّضْلِيلَ كَما إذا قالَ لَكَ أُمِّيٌّ فِيما كَتَبْتَهُ بِخَطٍّ رَشِيقٍ وأنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الخَطِّ: أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا ؟ فَقُلْتَ لَهُ: بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ فَإنَّكَ لَمْ تَقْصِدْ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِكَ وإثْباتَهُ لِلْأُمِّيِّ وإنَّما قَصَدْتَ إثْباتَهُ وتَقْرِيرَهُ لِنَفْسِكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِمُخاطَبِكَ.
وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ الفِعْلُ دائِرًا بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ كَبِيرِهِمْ ولا يَحْتَمِلُ ثالِثًا.
ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ السُّؤالَ في ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ﴾ تَقْرِيرٌ لا اسْتِفْهامٌ كَما سَمِعْتَ عَنِ العَلّامَةِ وصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ والإمامُ السَّكّاكِيُّ فاحْتِمالُ الثّالِثِ مُنْدَفِعٌ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ عَلى ظاهِرِهِ فَقَرِينَةُ الإسْنادِ في الجَوابِ إلى ما لا يَصْلُحُ لَهُ بِكَلِمَةِ الإضْرابِ كافِيَةٌ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ السُّؤالَ لا وجْهَ لَهُ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِهَذا الفِعْلِ غَيْرِي، نَعَمْ يَرُدُّ أنَّ تَوْجِيهَهم بِذَلِكَ نَحْوَ التَّأمُّلِ في حالِ آلِهَتِهِمْ وإلْزامِهِمُ الحُجَّةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُ أنْ يَنْطِقُوا غَيْرَ ظاهِرٍ عَلى هَذا، وقِيلَ إنَّ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ مَعْنًى وقَوْلُهُ: (فاسْألُوا ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقْتَرِنَةٌ بِالفاءِ كَما في قَوْلِهِ: «فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ» فَيَكُونُ كَوْنُ الكَبِيرِ فاعِلًا مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِمْ ناطِقِينَ ومُعَلَّقًا بِهِ وهو مُحالٌ فالمُعَلَّقُ بِهِ كَذَلِكَ، وإلى نَحْوِ ذَلِكَ أشارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَهُ﴾ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ يَعُودُ عَلى ( فَتًى ) أوْ إلى إبْراهِيمُ، ولا يَخْفى أنَّ كُلًّا مِن فَتًى وإبْراهِيمَ مَذْكُورٌ في كَلامٍ لَمْ يَصْدُرْ بِمَحْضَرٍ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَعُودَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ وأنَّ الإضْرابَ لَيْسَ في مَحِلِّهِ حِينَئِذٍ والمُناسِبُ في الجَوابِ نَعَمْ، ولا مُقْتَضًى لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ هُنا كَما قِيلَ وعُزِيَ إلى الكِسائِيِّ أنَّهُ جَعَلَ الوَقْفَ عَلى ﴿فَعَلَهُ﴾ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: الفاعِلُ مَحْذُوفٌ أيْ فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ.
صفحة 66
وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ حَذْفَ الفاعِلِ لا يَسُوغُ أيْ عِنْدَ الجُمْهُورِ وإلّا فالكِسائِيُّ يَقُولُ بِجَوازِ حَذْفِهِ.
وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِالحَذْفِ الإضْمارَ، وأكْثَرُ القُرّاءِ اليَوْمَ عَلى الوَقْفِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ الوَقْفُ عَلى ( كَبِيرُهم ) وأرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ لِأنَّ الإنْسانَ أكْبَرُ مِن كُلِّ صَنَمٍ، وهَذا التَّوْجِيهُ عِنْدِي ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، ومِثْلُهُ أنْ يُرادَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كَبِيرُ الآلِهَةِ ولا يُلاحَظُ ما أرادُوهُ بِها، ويُعْزى لِلْفَرّاءِ أنَّ الفاءَ في ( فَعَلَهُ ) عاطِفَةٌ وعَلَهُ بِمَعْنى لَعَلَّهُ فَخَفَّفَ.
واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْقَعِ ( فَعَلَّهُ ) مُشَدَّدَ اللّامِ، ولا يَخْفى أنْ يَجِلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَنْ مِثْلِ هَذا التَّخْرِيجِ، والآيَةُ عَلَيْهِ في غايَةِ الغُمُوضِ وما ذُكِرَ في مَعْناها بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ لَفْظِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها وادَّعى أنَّ صُدُورَ الكَذِبِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِمَصْلَحَةٍ جائِزٌ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ رَفْعَ الوُثُوقِ بِالشَّرائِعِ لِاحْتِمالِ الكَذِبِ فِيها لِمَصْلَحَةٍ فالحَقُّ أنْ لا كَذِبَ أصْلًا وأنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ، وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ دُونَ إنْ كانُوا يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ مَعَ أنَّ السُّؤالَ مَوْقُوفٌ عَلى السَّمْعِ والعَقْلَ أيْضًا لِما أنَّ نَتِيجَةَ السُّؤالِ هو الجَوابُ وإنَّ عَدَمَ نُطْقِهِمْ أظْهَرُ وتَبْكِيتَهم بِذَلِكَ أدْخَلُ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ
21:64Page 327
فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤
So they returned to [blaming] themselves and said [to each other], "Indeed, you are the wrongdoers."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ فَتَفَكَّرُوا وتَدَبَّرُوا وتَذَكَّرُوا أنَّ ما لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن كَسَرَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْ غَيْرِهِ أوْ جَلْبِ مَنفَعَةٍ لَهُ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا.
﴿فَقالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِيما بَيْنَهم ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ بِعِبادَةِ ما لا يَنْطِقُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْ بِسُؤالِكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعُدُولِكم عَنْ سُؤالِها وهي آلِهَتُكم ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أوْ بِنَفْسِ سُؤالِكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ مُتَضَمِّنًا التَّوْبِيخَ المُسْتَتْبِعَ لِلْمُؤاخَذَةِ كَما قِيلَ أوْ بِغَفْلَتِكم عَنْ آلِهَتِكم وعَدَمِ حِفْظِكم إيّاها أوْ بِعِبادَةِ الأصاغِرِ مَعَ هَذا الكَبِيرِ قالَهُما وهْبٌ أوْ بِأنِ اتَّهَمْتُمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والفَأْسُ في عُنُقِ الكَبِيرِ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ إسْحَقَ، والحَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
21:65Page 327
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥
Then they reversed themselves,1 [saying], "You have already known that these do not speak!"
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ أصْلُ النَّكْسِ قَلْبُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، ولا يَلْغُو ذِكْرَ الرَّأْسِ بَلْ يَكُونُ مِنَ التَّأْكِيدِ أوْ يُعْتَبَرُ التَّجْرِيدَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ النَّكْسُ لُغَةً في مُطْلَقِ قَلْبِ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى ويُذْكَرُ الرَّأْسُ لِلتَّصْوِيرِ والتَّقْبِيحِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى ما في الكَشْفِ في المُرادِ بِهِ هُنا ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّهُ الرُّجُوعُ عَنِ الفِكْرَةِ المُسْتَقِيمَةِ الصّالِحَةِ في تَظْلِيمِ أنْفُسِهِمْ إلى الفِكْرَةِ الفاسِدَةِ في تَجْوِيزِ عِبادَتِها مَعَ الِاعْتِرافِ بِتَقاصُرِ حالِها عَنِ الحَيَوانِ فَضْلًا أنْ تَكُونَ في مَعْرِضِ الإلَهِيَّةِ فَمَعْنى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْنا وعَلَيْكَ أيُّها المُبَكِّتُ بِأنَّها لا تَنْطِقُ أنَّها كَذَلِكَ وإنّا إنَّما اتَّخَذْناها آلِهَةً مَعَ العِلْمِ بِالوَصْفِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَوابُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الآتِي، والثّانِي أنَّهُ الرُّجُوعُ عَنِ الجَدَلِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ وقَوْلِهِمْ: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ﴾ إلى الجِدالِ عَنْهُ بِالحَقِّ في قَوْلِهِمْ: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) لِأنَّهُ نَفْيٌ لِلْقُدْرَةِ عَنْها واعْتِرافٌ بِعَجْزِها وأنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ وسُمِّيَ نَكْسًا وإنْ كانَ حَقًّا لِأنَّهُ ما أفادَهم عَقْدًا فَهو نَكْسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِعَجْزِها وأصَرُّوا. وفي لُبابِ التَّفْسِيرِ ما يَقْرُبُ مِنهُ مَأْخَذًا لَكِنَّهُ قَدَّرَ الرُّجُوعَ عَنِ الجِدالِ عَنْهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكم أنْتُمُ
صفحة 67
الظّالِمُونَ﴾ إلى الجِدالِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) والثّالِثُ أنَّ النَّكْسَ مُبالَغَةٌ في إطْراقِهِمْ رُؤُوسَهم خَجَلًا وقَوْلُهم: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) إلَخْ رَمْيٌ عَنْ حَيْرَةٍ ولِهَذا أتَوْا بِما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وجازَ أنْ يُجْعَلَ كِنايَةً عَنْ مُبالَغَةِ الحَيْرَةِ وانْخِذالِ الحُجَّةِ فَإنَّها لا تُنافِي الحَقِيقَةَ، قالَ في الكَشْفِ. وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ وكَذَلِكَ الأوَّلُ، وكَوْنُ المُرادِ النَّكْسَ في الرَّأْيِ رَواهُ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وهو لِلْوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ رَدَّتِ السَّفَلَةُ عَلى الرُّؤَساءِ. فالمُرادُ بِالرُّؤُوسِ الرُّؤَساءُ، والأظْهَرُ عِنْدِي الوَجْهُ الثّالِثُ، وأيًّا ما كانَ فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنُكِسُوا.
وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ قائِلِينَ ( لَقَدْ ) إلَخْ، والخِطابُ في ( عَلِمْتَ ) لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ عَلِمَ إنْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ تَعَدَّتْ لِواحِدٍ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ كَما يُوهِمُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ. وابْنُ مُقْسِمٍ. وابْنُ الجارُودِ. والبَكْراوِيُّ كِلاهُما عَنْ هِشامٍ بِتَشْدِيدِ كافِ ( نُكِّسُوا )، وقَرَأ رِضْوانُ بْنُ عَبْدِ المَعْبُودِ (نَكَسُوا ) بِتَخْفِيفِ الكافِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ نَكَسُوا أنْفُسَهم وقِيلَ: رَجَعُوا عَلى رُؤَسائِهِمْ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُمُجاهِدٍ.
21:66Page 327
قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦
He said, "Then do you worship instead of Allāh that which does not benefit you at all or harm you?
﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبَكِّتًا لَهم ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ أيْ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَعْبُدُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُجاوِزِينَ عِبادَتَهُ تَعالى ﴿ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ مِنَ النَّفْعِ، وقِيلَ: بِشَيْءٍ ﴿ولا يَضُرُّكُمْ﴾ فَإنَّ العِلْمَ بِحالِهِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِمّا يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنْ عِبادَتِهِ قَطْعًا
21:67Page 327
أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧
Uff1 to you and to what you worship instead of Allāh. Then will you not use reason?"
﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَضَجُّرٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ بَعْدَ انْقِطاعِ العُذْرِ ووُضُوحِ الحَقِّ، وأصْلُ أُفٍّ صَوْتُ المُتَضَجِّرِ مِنَ اسْتِقْذارِ شَيْءٍ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ ثُمَّ صارَ اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنى أتَضَجَّرُ وفِيهِ لُغاتٌ كَثِيرَةٌ، واللّامُ لِبَيانِ المُتَأفَّفِ لَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ اسْتِقْباحِ ما فَعَلُوا ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ قُبْحَ صَنِيعِكُمْ
21:68Page 327
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨
They said, "Burn him and support your gods - if you are to act."
﴿قالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا عَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ وضاقَتْ بِهِمُ الحِيَلُ وهَذا دَيْدَنُ المُبْطَلِ المَحْجُوجِ إذا بُهِتَ بِالحُجَّةِ وكانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ يَفْزَعُ إلى المُناصَبَةِ ﴿حَرِّقُوهُ﴾ فَإنَّ النّارَ أشَدُّ العُقُوباتِ ولِذا جاءَ لا يُعَذِّبُ بِالنّارِ إلّا خالِقُها ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ بِالِانْتِقامِ لَها ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ ناصِرِينَ آلِهَتَكم نَصْرًا مُؤَزَّرًا فاخْتارُوا لَهُ ذَلِكَ وإلّا فَرَّطْتُمْ في نُصْرَتِها وكَأنَّكم لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا ما فِيها، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ العُدُولُ عَنْ أنْ تَنْصُرُوا آلِهَتَكم فَحَرِّقُوهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وأشارَ بِذَلِكَ عَلى المَشْهُورِ ورَضِيَ بِهِ الجَمِيعُ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْحارِيبَ بْنِ نَمْرُوذَ بْنِ كَوْسَ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَلَوْتُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقالَ: أتَدْرِي يا مُجاهِدُ مَنِ الَّذِي أشارَ بِتَحْرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنّارِ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: رَجُلٌ مِن أعْرابِ فارِسٍ يَعْنِي الأكْرادَ ونَصَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الأكْرادِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وذُكِرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَسَفَ بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واسْمُهُ عَلى ما أخْرَجَ
صفحة 68
ابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجَبارِيِ هُيُونُ، وقِيلَ: هَدِيرُ. وفي البَحْرِ أنَّهم ذَكَرُوا لَهُ اسْمًا مُخْتَلِفًا فِيهِ لا يُوقَفُ مِنهُ عَلى حَقِيقَةٍ، ورُوِيَ أنَّهم حِينَ هَمُّوا بِإحْراقِهِ حَبَسُوهُ ثُمَّ بَنَوْا بَيْتًا كالحَظِيرَةِ بِكَوْثى قَرْيَةٌ مِن قُرى الأنْباطِ في حُدُودِ بابِلَ مِنَ العِراقِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصّافّاتِ: 97] فَجَمَعُوا لَهُ صِلابَ الحَطَبِ مِن أصْنافِ الخَشَبِ مُدَّةَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَأوْقَدُوا نارًا عَظِيمَةً لا يَكادُ يَمُرُّ عَلَيْها طائِرٌ في أقْصى الجَوِّ لِشِدَّةِ وهَجِها فَلَمْ يَعْلَمُوا كَيْفَ يُلْقُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها فَأتى إبْلِيسُ وعَلَّمَهم عَمَلَ المَنجَنِيقِ فَعَمَلُوهُ، وقِيلَ: صَنَعَهُ الكُرْدِيُّ الَّذِي أشارَ بِالتَّحْرِيقِ ثُمَّ خُسِفَ بِهِ ثُمَّ عَمَدُوا إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا فَصاحَتْ مَلائِكَةُ السَّماءِ والأرْضِ إلَهَنا ما في أرْضِكَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ يُحْرَقُ فِيكَ فَأْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: إنِ اسْتَغاثَ بِأحَدٍ مِنكم فَلْيَنْصُرْهُ وإنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأنا أعْلَمُ بِهِ وأنا ولِيُّهُ فَخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَهُ فَإنَّهُ خَلِيلِي لَيْسَ لِي خَلِيلٌ غَيْرُهُ وأنا إلَهُهُ لَيْسَ لَهُ إلَهٌ غَيْرِي فَأتاهُ خازِنُ الرِّياحِ وخازِنُ المِياهِ يَسْتَأْذِنانِهِ في إعْدامِ النّارِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا حاجَةَ لِي إلَيْكم حَسْبِي اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: حِينَ أوْثَقُوهُ لِيُلْقُوهُ في النّارِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ لَكَ الحَمْدُ ولَكَ المُلْكُ لا شَرِيكَ لَكَ ثُمَّ رَمَوْا بِهِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا.
قالَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فاسْألْ رَبَّكَ فَقالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
ويُرْوى أنَّ الوَزَغَ كانَ يَنْفُخُ في النّارِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في رِوايَةِ البُخارِيِّ.
وفِي البَحْرِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أشْياءَ صَدَرَتْ عَنِ الوَزَغِ والبَغْلِ والخُطّافِ والضُّفْدَعِ والعَضْرَفُوطِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِذَلِكَ، فَلَمّا وصَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الحَظِيرَةَ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى بِبَرَكَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوْضَةً، وذَلِكَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences