Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:69–77
21:69Page 327
قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩
We [i.e., Allāh] said, "O fire, be coolness and safety upon Abraham."
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ كَوْنِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ أيِ ابْرُدِي بَرْدًا غَيْرَ ضارٍّ، ولِذا قالَ عَلَيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فِيما أخْرَجَهُ عِنْدَ أحْمَدَ وغَيْرِهِ: لَوْ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ ( وسَلاما ) لَقَتَلَهُ بَرْدُها، وفِيهِ مُبالَغاتُ جَعَلِ النّارِ المُسَخَّرَةِ لِقُدْرَتِهِ تَعالى مَأْسُورَةً مُطاوِعَةُ وإقامَةِ كَوْنِي ذاتَ بَرْدٍ مَقامَ ابْرُدِي ثُمَّ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقِيلَ: نُصِبَ ( سَلاما ) بِفِعْلِهِ أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ( قُلْنا ) وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي أيَّدَتْهُ الآثارُ. رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أخَذُوا بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأقْعَدُوهُ عَلى الأرْضِ فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسٌ ولَمْ تَحْرِقِ النّارُ إلّا وثاقَهُ كَما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما كُنْتُ أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها، قالَ ابْنُ إسْحَقَ: وبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكَ الظِّلِّ في صُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْنِسُهُ، قالُوا: وبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، وقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يا إبْراهِيمُ إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أما عَلِمَتْ أنَّ النّارَ لا تَضُرُّ أحْبابِي، ثُمَّ أشْرَفَ نَمْرُوذُ ونَظَرَ مِن صَرْحٍ لَهُ فَرَآهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ والمَلَكُ قاعِدٌ إلى جَنْبِهِ والنّارُ مُحِيطَةٌ بِهِ فَنادى يا إبْراهِيمُ كَبِيرُ إلَهِكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ أنْ حالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما أرى يا إبْراهِيمُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ قالَ: هَلْ تَخْشى إنْ نِمْتَ فِيها أنْ تَضُرَّكَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَقُمْ فاخْرُجْ مِنها فَقامَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْشِي فِيها حَتّى خَرَجَ مِنها فاسْتَقْبَلَهُ نَمْرُوذُ وعَظَّمَهُ، وقالَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُهُ مَعَكَ في صُورَتِكَ قاعِدًا إلى جَنْبِكَ ؟ قالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ إلَيَّ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي فِيها فَقالَ: يا إبْراهِيمُ إنِّي مُقَرِّبٌ
صفحة 69
إلى إلَهِكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ حِينَ أبَيْتَ إلّا عِبادَتَهُ وتَوْحِيدَهُ إنِّي ذابِحٌ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى مِنكَ ما كُنْتَ عَلى دِينِكَ حَتّى تُفارِقَهُ وتَرْجِعَ إلى دِينِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُها لَهُ فَذَبَحَها وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ ابْنَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم لَمّا رَأوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْتَرِقْ قالُوا: إنَّهُ سَحَرَ النّارَ فَرَمَوْا فِيها شَيْخًا مِنهم فاحْتَرَقَ، وفي بَعْضِها أنَّهم لَمّا رَأوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سالِمًا لَمْ يُحْرَقْ مِنهُ غَيْرُ وثاقِهِ قالَ هارانُ أبُو لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ النّارَ لا تَحْرِقُهُ لِأنَّهُ سَحَرَها لَكِنِ اجْعَلُوهُ عَلى شَيْءٍ وأوْقِدُوا تَحْتَهُ فَإنَّ الدُّخانَ يَقْتُلُهُ فَجَعَلُوهُ فَوْقَ تِبْنٍ وأوْقَدُوا تَحْتَهُ فَطارَتْ شَرارَةٌ إلى لِحْيَةِ هارانَ فَأحْرَقَتْهُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صَرْدٍ وكانَ قَدْ أدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّ أبا لُوطٍ قالَ وكانَ عَمَّهُ: إنَّ النّارَ لَمْ تَحْرِقْهُ مِن أجْلِ قَرابَتِهِ مِنِّي فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عُنُقًا مِنَ النّارِ فَأحْرَقَهُ، والأخْبارُ في هَذِهِ القِصَّةِ كَثِيرَةٌ لَكِنْ قالَ في البَحْرِ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ في حِكايَةِ ما جَرى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِي صَحَّ هو ما ذَكَرَهُ تَعالى مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُلْقِيَ في النّارِ فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرْدًا وسَلامًا.
ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو القائِلُ لَها: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ إلَخْ وأنَّ هُناكَ قَوْلًا حَقِيقَةً، وقِيلَ القائِلُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ قَوْلُ ذَلِكَ مَجازٌ عَنْ جَعْلِها بارِدَةً، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سَلَبَها خاصَّتَها مِنَ الحَرارَةِ والإحْراقِ وأبْقى فِيها الإضاءَةَ والإشْراقَ، وقِيلَ إنَّها انْقَلَبَتْ هَواءً طَيِّبًا وهو عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ، وقِيلَ كانَتْ عَلى حالِها لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ دَفَعَ أذاها كَما تَرى في السَّمَندَرِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى إبْراهِيمَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ خِلافُ المُعْتادِ فَيَخْتَصُّ بِمَن خُصَّ بِهِ ويَبْقى بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ عَلى الأصْلِ لا نَظَرًا إلى مَفْهُومِ اللَّقَبِ إذِ الأكْثَرُونَ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ. وفي بَعْضِ الآثارِ السّابِقَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، وأيًّا ما كانَ فَهو آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدْ يَقَعُ نَظِيرُها لِبَعْضِ صُلَحاءِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ كَرامَةً لَهم لِمُتابَعَتِهِمُ النَّبِيَّ الحَبِيبَ ﷺ، وما يُشاهَدُ مِن وُقُوعِهِ لِبَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إلى حَضْرَةِ الوَلِيِّ الكامِلِ الشَّيْخِ أحْمَدَ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنَ الفَسَقَةِ الَّذِينَ كادُوا يَكُونُونَ لِكَثْرَةِ فِسْقِهِمْ كُفّارًا فَقِيلَ إنَّهُ بابٌ مِنَ السِّحْرِ المُخْتَلَفِ في كُفْرِ فاعِلِهِ وقَتْلِهِ فَإنَّ لَهم أسْماءً مَجْهُولَةَ المَعْنى يَتْلُونَها عِنْدَ دُخُولِ النّارِ والضَّرْبِ بِالسِّلاحِ ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ كُفْرًا وإنْ كانَ مَعَها ما لا كَفْرَ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ ذَلِكَ تَلْسَفْ تَلْسَفْ هَيْفَ هَيْفَ أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى التّامَّةِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ أقْسَمْتُ عَلَيْكِ يا أيَّتُها النّارُ أوْ أيُّها السِّلاحُ بِحَقِّ حَيٍّ حُلِيٍّ ونُورٍ سَبْحِيٍ ومُحَمَّدٍ ﷺ أنْ لا تَضُرِّي أوْ لا تَضُرَّ غُلامَ الطَّرِيقَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في زَمَنِ الشَّيْخِ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيزُ فَقَدْ كانَ أكْثَرَ النّاسِ اتِّباعًا لِلسُّنَّةِ وأشَدَّهم تَجَنُّبًا عَنْ مَظانِّ البِدْعَةِ وكانَ أصْحابُهُ سالِكِينَ مَسْلَكَهُ مُتَشَبِّثِينَ بِذَيْلِ اتِّباعِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ ثُمَّ طَرَأ عَلى بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ ما طَرَأ، قالَ في العِبَرِ: قَدْ كَثُرَ الزَّغْلُ في أصْحابِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ وتَجَدَّدَتْ لَهم أحْوالٌ شَيْطانِيَّةٌ مُنْذُ أخَذَتِ التَّتارُ العِراقَ مِن دُخُولِ النِّيرانِ ورُكُوبِ السِّباعِ واللَّعِبِ بِالحَيّاتِ وهَذا ما لا يَعْرِفُهُ الشَّيْخُ ولا صُلَحاءُ أصْحابِهِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ انْتَهى. والحَقُّ أنَّ قِراءَةَ شَيْءٍ ما عِنْدَهم لَيْسَتْ شَرْطًا لِعَدَمِ التَّأثُّرِ بِالدُّخُولِ في النّارِ ونَحْوِهِ فَكَثِيرٌ مِنهم مَن يُنادِي إذا أُوقِدَتْ لَهُ النّارُ وضُرِبَتِ الدُّفُوفُ يا شَيْخُ أحْمَدُ يا رِفاعِيُّ أوْ يا شَيْخُ فُلانٍ لِشَيْخٍ أخَذَ مِنهُ الطَّرِيقَ ويَدْخُلُ النّارَ ولا يَتَأثَّرُ مِن دُونِ تِلاوَةِ شَيْءٍ أصْلًا، والأكْثَرُ مِنهم إذا قَرَأ الأسْماءَ عَلى النّارِ ولَمْ تُضْرَبْ لَهُ الدُّفُوفُ ولَمْ يَحْصُلْ
صفحة 70
لَهُ تَغَيُّرُ حالٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلى مَسِّ جَمْرَةٍ، وقَدْ يُتَّفَقُ أنْ يَقْرَأ أحَدُهُمُ الأسْماءَ وتُضْرَبَ لَهُ الدُّفُوفُ ويُنادِيَ مَن يُنادِي مِنَ المَشايِخِ فَيَدْخُلُ ويَتَأثَّرُ.
والحاصِلُ أنّا لَمْ نَرَ لَهم قاعِدَةً مَضْبُوطَةً بَيْدَ أنَّ الأغْلَبَ أنَّهم إذا ضُرِبَتْ لَهُمُ الدُّفُوفُ واسْتَغاثُوا بِمَشايِخِهِمْ وعَرْبَدُوا يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ ولا يَتَأثَّرُونَ، وقَدْ رَأيْتُ مِنهم مَن يَأْخُذُ زِقَّ الخَمْرِ ويَسْتَغِيثُ بِمَن يَسْتَغِيثُ ويَدْخُلُ تَنُّورًا كَبِيرًا تَضْطَرِمُ فِيهِ النّارُ فَيَقْعُدُ في النّارِ فَيَشْرَبُ الخَمْرَ ويَبْقى حَتّى تَخْمُدَ النّارُ فَيَخْرُجُ ولَمْ يَحْتَرِقْ مِن ثِيابِهِ أوْ جَسَدِهِ شَيْءٌ، وأقْرَبُ ما يُقالُ في مِثْلِ ذَلِكَ: إنَّهُ اسْتِدْراجٌ وابْتِلاءٌ، وأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أكْرَمَ حَضْرَةَ الشَّيْخِ أحْمَدَ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ بِعَدَمِ تَأثُّرِ المُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ كَيْفَما كانُوا بِالنّارِ ونَحْوِها مِنَ السِّلاحِ وغَيْرِهِ إذا هَتَفُوا بِاسْمِهِ أوِ اسْمِ مُنْتَسِبٍ إلَيْهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَبَعِيدٌ بَلْ كَأنِّي بِكَ تَقُولُ بِعَدَمِ جَوازِهِ، وقَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأحْوالِ إعانَةً لَهُ، وقَدْ يَأْخُذُ بَعْضُ النّاسِ النّارَ بِيَدِهِ ولا يَتَأثَّرُ لِأجْزاءٍ يَطْلِي بِها يَدَهُ مِن خاصِّيَّتِها عَدَمُ إضْرارِ النّارِ لِلْجَسَدِ إذا طُلِيَ بِها فَيُوهِمُ فاعِلُ ذَلِكَ أنَّهُ كَرامَةٌ.
هَذا واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في كُلِّ شَيْءٍ خاصَّةً حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ فَلَيْسَ الفَرْقُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ مَثَلًا بِمُجَرَّدِ أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَخْلُقَ الإحْراقَ ونَحْوَهُ عِنْدَ النّارِ والرِّيَّ ونَحْوَهُ عِنْدَ الماءِ بَلْ أوْدَعَ في هَذا خاصَّةَ الرِّيَّ مَثَلًا وفي تِلْكَ خاصَّةَ الإحْراقِ مَثَلًا لَكِنْ لا تَحْرِقُ هَذِهِ ولا يَرْوِي ذاكَ إلّا بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أوْدَعَ في النّارِ الحَرارَةَ والإحْراقَ ما قالَ لَها ما قالَ. ولا قائِلَ بِالفَرْقِ فَتَأمَّلْ.
21:70Page 327
وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the greatest losers.
﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ مَكْرًا عَظِيمًا في الإضْرارِ بِهِ ومَغْلُوبِيَّتِهِ ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ أيْ أخْسَرُ مِن كُلِّ خاسِرٍ حَيْثُ عادَ سَعْيُهم في إطْفاءِ نُورِ الحَقِّ قَوْلًا وفِعْلًا بُرْهانًا قاطِعًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ ومُوجِبًا لِارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِحْقاقِهِمْ لِأشَدِّ العَذابِ، وقِيلَ: جَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ما هو مِن أحْقَرِ خَلْقِهِ وأضْعَفِهِ وهو البَعُوضُ يَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ ويَشْرَبُ مِن دِمائِهِمْ وسَلَّطَ عَلى نَمْرُوذَ بَعُوضَةً أيْضًا فَبَقِيَتْ تُؤْذِيهِ إلى أنْ ماتَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ
21:71Page 327
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ ٧١
And We delivered him and Lot to the land which We had blessed for the worlds [i.e., peoples].
﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا﴾ وهو عَلى ما تَقَدَّمَ ابْنُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هو ابْنُ أخِيهِ ورُوِيَ ذَلِكَ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ ضَمَّنَ ﴿نَجَّيْناهُ﴾ مَعْنى أخْرَجْناهُ فَلِذا عُدِّيَ بِإلى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ مُنْتَهِيًا إلى الأرْضِ فَلا تَضْمِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ أرْضُ الشّامِ، وقِيلَ: أرْضُ مَكَّةَ، وقِيلَ: مِصْرُ والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ووَصَفَها بِعُمُومِ البَرَكَةِ لِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا فِيها وانْتَشَرَتْ في العالَمِ شَرائِعُهُمُ الَّتِي هي مَبادِئُ الكَمالاتِ والخَيْراتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ولَمْ يَقُلِ الَّتِي بارَكْناها لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِها مُحِيطَةً بِالبَرَكَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَرَكاتِ النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الخِصْبِ وغَيْرِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ العِراقِ ومَعَهُ لُوطٌ وسارَّةُ بِنْتُ عَمِّهِ هارانَ الأكْبَرِ وقَدْ كانا مُؤْمِنَيْنِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَلْتَمِسُ الفِرارَ بِدِينِهِ فَنَزَلَ حُرّانَ فَمَكَثَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ سارَّةَ بِنْتُ مَلِكِ حُرّانَ تَزَوَّجَها عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ وشَرَطَ أبُوها أنْ لا يُغَيِّرَها عَنْ دِينِها والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ثُمَّ قَدِمَ مِصْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنها إلى الشّامِ فَنَزَلَ السَّبْعَ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ ونَزَلَ لُوطٌ بِالمُؤْتَفِكَةِ عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِنَ السَّبْعِ أوْ أقْرَبَ، وفي الآيَةِ مِن مَدْحِ الشّامِ ما فِيها، وفي الحَدِيثِ ««سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيارُ أهْلِ الأرْضِ ألْزَمُهم مُهاجَرَ إبْراهِيمَ»» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.
صفحة 71
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «طُوبى لِأهْلِ الشّامِ فَقُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ باسِطَةٌ أجْنِحَتَها عَلَيْها» أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وأمّا العِراقُ فَقَدْ ذَكَرَ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في بابِ المِحْنَةِ مِنَ الأحْياءِ اتِّفاقَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ عَلى ذَمِّهِ وكَراهَةِ سُكْناهُ واسْتِحْبابِ الفِرارِ مِنهُ ولَعَلَّ وجْهَ ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ فَلا نُنَقِّبُ فِيهِ البَنانَ.
21:72Page 327
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ ٧٢
And We gave him Isaac and Jacob in addition, and all [of them] We made righteous.
﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أيْ عَطِيَّةً كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ. وعَطاءٍ مِن نَفَلَهُ بِمَعْنى أعْطاهُ، وهو عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ مَنصُوبٌ بِوَهَبْنا عَلى حَدِّ قَعَدْتُ جُلُوسًا، واخْتارَ جَمْعٌ كَوْنَهُ حالًا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أوْ وُلِدَ ولَدٌ أوْ زِيادَةٌ عَلى ما سَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو إسْحاقُ فَيَكُونُ حالًا مِن يَعْقُوبَ ولا لَبْسَ فِيهِ لِلْقَرِينَةِ الظّاهِرَةِ ﴿وكُلا﴾ مِنَ المَذْكُورِينَ. وهم إبْراهِيمُ. ولُوطٌ. وإسْحاقُ. ويَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ ﴿جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ بِأنْ وفَّقْناهم لِلصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَصارُوا كامِلِينَ
21:73Page 328
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣
And We made them leaders guiding by Our command. And We inspired to them the doing of good deeds, establishment of prayer, and giving of zakāh; and they were worshippers of Us.
﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في أُمُورِ الدِّينِ ﴿يَهْدُونَ﴾ أيِ الأُمَّةَ إلى الحَقِّ ﴿بِأمْرِنا﴾ لَهم بِذَلِكَ وإرْسالِنا إيّاهم حَتّى صارُوا مُكَمِّلِينَ ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ لِيَتِمَّ الكَمالُ بِانْضِمامِ العَمَلِ إلى العِلْمِ، وأصْلُهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تابَعَهُ أنْ يُفْعَلَ الخَيْراتُ بِبِناءِ الفِعْلِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعِ الخَيْراتِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ثُمَّ فِعْلًا الخَيْراتُ بِتَنْوِينِ المَصْدَرِ ورَفْعِ الخَيْراتِ أيْضًا عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ لِمَصْدَرِ المَجْهُولِ ثُمَّ فِعْلَ الخَيْراتِ بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وإضافَةِ المَصْدَرِ لِمَعْمُولِهِ القائِمِ مَقامَ فاعِلِهِ، والدّاعِي كَما قِيلَ إنَّ ﴿فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ لَيْسَ مُوحًى إنَّما المُوحى أنْ يَفْعَلَ، ومَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ والحاصِلُ بِالمَصْدَرِ كالمُتَرادِفَيْنِ، وأيْضًا الوَحْيُ عامٌّ لِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ فَلِذا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ بِناءَ المَصْدَرِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ والصَّحِيحُ مَنعُهُ، وما ذُكِرَ مِن عُمُومِ الوَحْيِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ هُنا إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومُضافًا مِن حَيْثُ المَعْنى إلى ظاهِرٍ مَحْذُوفٍ يَشْمَلُ المُوحى إلَيْهِمْ وغَيْرَهم أيْ فِعْلَ المُكَلَّفِينَ الخَيْراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المُوحى إلَيْهِمْ أيْ أنْ يَفْعَلُوا الخَيْراتِ وإذا كانُوا قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأتْباعُهم جارُونَ مُجْراهم في ذَلِكَ ولا يَلْزَمُ اخْتِصاصُهم بِهِ انْتَهى.
وانْتُصِرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ بَيانٌ لِأمْرٍ مُقَرَّرٍ في النَّحْوِ والدّاعِي إلَيْهِ أمْرانِ ثانِيهُما ما ذُكِرَ مِن عُمُومِ الوَحْيِ الَّذِي اعْتُرِضَ عَلَيْهِ والأوَّلُ سالِمٌ عَنِ الِاعْتِراضِ ذَكَرَ أكْثَرَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ ثُمَّ قالَ: الظّاهِرُ أنَّ المَصْدَرَ هُنا لِلْأمْرِ كَضَرْبَ الرِّقابِ، وحِينَئِذٍ فالظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ المُوحى قَوْلُ اللَّهِ تَعالى افْعَلُوا الخَيْراتِ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ الوَحْيَ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ كَما قالُوا فَيَتَعَلَّقُ بِهِ لا بِالفِعْلِ إلّا أنَّهُ قِيلَ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما أُشِيرَ أوَّلًا إلَيْهِ مِن أنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ مِنَ الأحْكامِ المُخْتَصَّةِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَرَعْنا لَهم فِعْلَ ذَلِكَ بِالإيحاءِ إلَيْهِمْ فَتَأمَّلْ، والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ﴾ عَلى هَذا الطِّرْزِ، وهو كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ وإنافَتِهِ، وأصْلُ ( إقامَ ) إقْوامٌ فَقُلِبَتْ واوُهُ ألِفًا بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها لِما قَبْلَها وحُذِفَ إحْدى ألِفَيْهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والأكْثَرُ تَعْوِيضُ التّاءِ عَنْها فَيُقالُ إقامَةٌ وقَدْ تُتْرَكُ التّاءُ إمّا مُطْلَقًا كَما ذَهَبَ
صفحة 72
إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ والسَّماعُ يَشْهَدُ لَهُ، وإمّا بِشَرْطِ الإضافَةِ لِيَكُونَ المُضافُ سادًّا مَسَدَّها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ وهو كَما قالَ أبُو حَيّانَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ، والَّذِي حَسَّنَ الحَذْفَ هُنا المُشاكَلَةُ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ كانَ في الأُمَمِ السّالِفَةِ صَلاةٌ وزَكاةٌ وهو مِمّا تَضافَرَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ إلّا أنَّهُما لَيْسا كالصَّلاةِ والزَّكاةِ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى نَبِيِّها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ ﴿وكانُوا لَنا﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِنا ﴿عابِدِينَ﴾ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ غَيْرُ عِبادَتِنا كَأنَّهُ تَعالى أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهم وفُّوا بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وفّى لَهم بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ
21:74Page 328
وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ ٧٤
And to Lot We gave judgement and knowledge, and We saved him from the city that was committing wicked deeds. Indeed, they were a people of evil, defiantly disobedient.
﴿ولُوطًا﴾ قِيلَ هو مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ وآتَيْنا لُوطًا آتَيْناهُ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿وهَبْنا لَهُ﴾ جَمَعَ سُبْحانَهُ إبْراهِيمَ ولُوطًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى كُلٍّ مِنهُما بِالخُصُوصِ وما وقَعَ في البَيْنِ بَيانٌ عَلى وجْهِ العُمُومِ. والطَّبَرْسِيُّ جَعَلَ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وكُلًّا ) إلَخْ أيْ كُلًّا مِن إبْراهِيمَ ووَلَدَيْهِ إسْحاقَ. ويَعْقُوبَ جَعَلْنا إلَخْ فَلا انْدِراجَ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ ولَهُ وجْهٌ، وأمّا كَوْنُ المُرادِ وكُلًّا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ فَلا وجْهَ لَهُ ويَحْتاجُ إلى تَكْلِيفِ تَوْجِيهِ الجَمْعِ فِيما بَعْدَهُ، وقِيلَ بِأذْكُرُ مُقَدَّرًا وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿حُكْمًا﴾ أيْ حِكْمَةً، والمُرادُ بِها ما يَجِبُ فِعْلُهُ أوْ نُبُوَّةً فَإنَّ النَّبِيَّ حاكِمٌ عَلى أُمَّتِهِ أوِ الفَصْلَ بَيْنَ الخُصُومِ في القَضاءِ، وقِيلَ حِفْظُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿وعِلْمًا﴾ بِما يَنْبَغِي عِلْمُهُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ قِيلَ أيِ اللُّواطَةَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المَوادِّ، وقِيلَ المُرادُ الأعْمالُ الخَبِيثَةُ مُطْلَقًا إلّا أنَّ أشْنَعَها اللُّواطَةُ، فَقَدْ أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بَشِيرٍ. والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَشْرُ خِصالٍ عَمِلَتْها قَوْمُ لُوطٍ بِها أُهْلِكُوا إتْيانُ الرِّجالِ بَعْضَهم بَعْضًا ورَمْيُهم بِالجَلاهِقِ والخَذْفِ ولَعِبُهم بِالحَمامِ وضَرْبُ الدُّفُوفِ وشُرْبُ الخُمُورِ وقَصُّ اللِّحْيَةِ وطُولُ الشّارِبِ والصَّفْرُ والتَّصْفِيقُ ولِباسُ الحَرِيرِ وتَزَيَّدَها أُمَّتِي بِخُلَّةِ إتْيانِ النِّساءِ بَعْضَهُنَّ بَعْضًا»» .
وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى القَرْيَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ فالنَّعْتُ سَبَبِيٌّ نَحْوُ جاءَنِي رَجُلٌ زَنى غُلامُهُ، ولَوْ جُعِلَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِدُونِ تَقْدِيرٍ أوِ القَرْيَةُ مَجازًا عَنْ أهْلِها جازَ، واسْمُ القَرْيَةِ سَدُومٌ، وقِيلَ: كانَتْ قُراهم سَبْعًا فَعَبَّرَ عَنْها بِبَعْضِها لِأنَّها أشْهَرُها. وفي البَحْرِ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِالواحِدَةِ لِاتِّفاقِ أهْلِها عَلى الفاحِشَةِ ويُرْوى أنَّها كُلَّها قُلِبَتْ إلّا زَغَرَ لِأنَّها كانَتْ مَحَلَّ مَن آمَنَ بِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُورُ قَلْبُ الجَمِيعِ.
﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ أيْ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ غَيْرَ مُنْقادِينَ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْمَلَ الخَبائِثَ، وقِيلَ: لَنَجَّيْناهُ وهو كَما تَرى
21:75Page 328
وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥
And We admitted him into Our mercy. Indeed, he was of the righteous.
﴿وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا﴾ أيْ في أهْلِ رَحْمَتِنا أيْ جَعَلْناهُ في جُمْلَتِهِمْ وعِدادِهِمْ فالظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ أوْ في جَنَّتِنا فالظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ والرَّحْمَةُ مَجازٌ كَما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَن أشاءُ مِن عِبادِي ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ مَجازًا عَنِ النُّبُوَّةِ وتَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةً أيْضًا فَتَأمَّلْ ﴿إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
21:76Page 328
وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
And [mention] Noah, when he called [to Allāh]1 before [that time], so We responded to him and saved him and his family from the great affliction [i.e., the flood].
﴿ونُوحًا﴾ أيْ واذْكُرْ نُوحًا أيْ نَبَأهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ نُوحًا عَطْفٌ عَلى لُوطٍ المَفْعُولِ لِآتَيْنا عَلى مَعْنى وآتَيْنا نُوحًا ولَمْ يَسْتَبْعِدْ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، قِيلَ ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ (قِصَّةَ إبْراهِيمَ ) عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أبُو العَرَبِ أرْدَفَها جَلَّ شَأْنُهُ بِقِصَّةِ أبِي البَشَرِ وهو الأبُ الثّانِي كَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الأبُ الأوَّلُ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن
صفحة 73
أنَّ جَمِيعَ النّاسِ الباقِينَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ لَمَكِ بْنِ مَتُوشَلَخَ بْنِ أخْنُوخَ وهو إدْرِيسُ فِيما يُقالُ وهو أطْوَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما في التَّهْذِيبِ عُمْرًا، وذَكَرَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ أنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الغَفّارِ وأنَّهُ قِيلَ لَهُ نُوحٌ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ الجَوالِيقِيُّ: إنَّ لَفْظَ نُوحٍ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ زادَ الكِرْمانِيُّ ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ ﴿إذْ﴾ نادى أيْ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القَمَرَ: 10] وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحَ: 26] وإذْ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ومَن لَمْ يُقَدِّرْ يَجْعَلُهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن نُوحٍ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وذَكَرْنا قَبْلُ قَوْلًا آخَرَ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ دُعاءَهُ ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وهو الطُّوفانُ أوْ أذِيَّةُ قَوْمِهِ وأصْلُ الكَرْبِ الغَمُّ الشَّدِيدُ وكَأنَّهُ عَلى ما قِيلَ مِن كَرْبِ الأرْضِ وهو قَلْبُها بِالحَفْرِ إذِ الغَمُّ يُثِيرُ النَّفْسَ إثارَةَ ذَلِكَ أوْ مِن كَرَبَتِ الشَّمْسُ إذا دَنَتْ لِلْمَغِيبِ فَإنَّ الغَمَّ الشَّدِيدَ تَكادُ شَمْسُ الرُّوحِ تَغْرُبُ مِنهُ أوْ مِنَ الكَرْبِ وهو عَقْدٌ غَلِيظٌ في رِشاءِ الدَّلْوِ فَإنَّ الغَمَّ كَعُقْدَةٍ عَلى القَلْبِ، وفي وصْفِهِ بِالعَظِيمِ تَأْكِيدٌ لِما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ
21:77Page 328
وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٧٧
And We aided [i.e., saved] him from the people who denied Our signs. Indeed, they were a people of evil, so We drowned them, all together.
﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ مَنَعْناهُ وحَمَيْناهُ مِنهم بِإهْلاكِهِمْ وتَخْلِيصِهِ، وقِيلَ: أيْ نَصَرْناهُ عَلَيْهِمْ فَمِن بِمَعْنى عَلى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ النَّصْرَ يَتَعَدّى بِعَلى ومِن، فَفي الأساسِ نَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عَدُوِّهِ ونَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ، وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ المُتَعَدِّي بِعَلى يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الإعانَةِ والمُتَعَدِّي بِمِن يَدُلُّ عَلى اسْتِتْباعِ ذَلِكَ لِلِانْتِقامِ مِنَ العَدُوِّ والِانْتِصارِ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ مُنْهَمِكِينَ في الشَّرِّ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ فَإنَّ تَكْذِيبَ الحَقِّ والِانْهِماكَ في الشَّرِّ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإهْلاكُ قَطْعًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ، ونَصْبُ ( أجْمَعِينَ ) قِيلَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وهو كَما تَرى، وقالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أنَّهُ تَأْكِيدٌ لَهُ وقَدْ كَثُرَ التَّأْكِيدُ بِأجْمَعِينَ غَيْرَ تابِعٍ لِكُلٍّ في القُرْآنِ فَكانَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى ابْنِ مالِكٍ في زَعْمِهِ أنَّ التَّأْكِيدَ بِهِ كَذَلِكَ قَلِيلٌ والكَثِيرُ اسْتِعْمالُهُ تابِعًا لِكُلٍّ انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences