Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
الحج
Al-Hajj
The Pilgrimage · Medinan · 78 ayahs
22:1Page 332
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ١
O mankind, fear your Lord. Indeed, the convulsion of the [final] Hour is a terrible thing.
(سُورَةُ الحَجِّ 22 ) أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ وقِيلَ كُلُّها مَكِّيَّةٌ، وأخْرَجَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ [الحَجَّ: 19] إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا أرْبَعَ آياتٍ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحَجَّ: 22] .
صفحة 110
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ﴾ - إلى- ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحَجَّ: 52 . 55] فَإنَّها مَكِّيّاتٌ، والأصَحُّ القَوْلُ بِأنَّها مُخْتَلِطَةٌ فِيها مَدَنِيٌّ ومَكِّيٌّ وإنِ اخْتُلِفَ في التَّعْيِينِ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعِدَّةُ آياتِها ثَمانٍ وتِسْعُونَ في الكُوفِيِّ وسَبْعٌ وتِسْعُونَ في المَكِّيِّ وخَمْسٌ وتِسْعُونَ في البَصْرِيِّ وأرْبَعٌ وتِسْعُونَ في الشّامِيِّ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها ظاهِرٌ، وجاءَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» .
والرِّواياتُ في أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ مُتَعَدِّدَةٌ مَذْكُورَةٌ في الدُّرِّ المَنثُورِ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ العُرْيانِ المُجاشِعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الحَجِّ سَجْدَةٌ واحِدَةٌ وهي الأوْلى كَما جاءَ في رِوايَةٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّزُولِ ومَن سَيَنْتَظِمُ في سِلْكِهِمْ بَعْدُ مِنَ المَوْجُودِينَ القاصِرِينَ عَنْ رُتْبَةِ التَّكْلِيفِ والحادِثِينَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكِنْ لا بِطْرِيقِ الحَقِيقَةِ عِنْدَنا بَلْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ أوْ تَعْمِيمِ الحُكْمِ بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ فَإنَّ خِطابَ المُشافَهَةِ لا يَتَناوَلُ مَن لَمْ يُكَلَّفْ بَعْدُ وهو خاصٌّ بِالمُكَلَّفِينَ المَوْجُودِينَ عِنْدَ النُّزُولِ خِلافًا لِلْحَنابِلَةِ وطائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِيِّينَ والفُقَهاءِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلى تَناوُلِهِ الجَمِيعَ حَقِيقَةً، ولا خِلافَ في دُخُولِ الإناثِ كَما قالَ الآمِدِيُّ في نَحْوِ النّاسِ مِمّا يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ ولَمْ يَظْهَرْ فِيهِ عَلّامَةُ تَذْكِيرٍ ولا تَأْنِيثٍ وإنَّما الخِلافُ في دُخُولِهِنَّ في نَحْوِ ضَمِيرِ ( اتَّقُوا ) والمُسْلِمِينَ فَذَهَبَتِ الشّافِعِيَّةُ والأشاعِرَةُ والجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ الحَنَفِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ إلى نَفْيِهِ، وذَهَبَتِ الحَنابِلَةُ وابْنُ داوُدَ وشُذُوذٌ مِنَ النّاسِ إلى إثْباتِهِ، والدُّخُولُ هُنا عِنْدَنا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بِأهْلِ مَكَّةَ ولَيْسَ بِذاكَ، والمَأْمُورُ بِهِ مُطْلَقُ التَّقْوى الَّذِي هو التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ حَسْبَما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا لَكِنْ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ الإيجادَ والدَّوامَ، والمُناسِبُ لِتَخْصِيصِ الخِطابِ بِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يُرادَ بِالتَّقْوى المُرَتَّبَةُ الأُولى مِنها وهي التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا أيِ احْذَرُوا عُقُوبَةَ مالِكِ أمْرِكم ومُرَبِّيكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ بِذِكْرِ أمْرٍ هائِلٍ فَإنَّ مُلاحَظَةَ عِظَمِ ذَلِكَ وهَوْلِهِ وفَظاعَةِ ما هو مِن مَبادِئِهِ ومُقَدِّماتِهِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ الَّتِي لا مَلْجَأ مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى مِمّا يُوجِبُ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ بِمُلابَسَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لا مَحالَةَ. والزَّلْزَلَةُ التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ والإزْعاجُ العَنِيفُ بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ بِحَيْثُ يُزِيلُ الأشْياءَ مِن مَقارِّها ويُخْرِجُها عَنْ مَرْكَزِها، وإضافَتُها إلى السّاعَةِ إمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ في النِّسْبَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سَبَأ: 33] لِأنَّ المُحَرِّكَ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى والمَفْعُولُ الأرْضُ أوِ النّاسُ أوْ مِن إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ لَكِنْ عَلى إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا كَما في قَوْلِهِ: يا سارِقُ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى مَعْنى في وقَدْ أثْبَتَها بَعْضُهم وقالَ بِها في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهي عِنْدَ بَعْضٍ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزَّلْزَلَةَ: 1] وتَكُونُ عَلى ما قِيلَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وقِيامِ السّاعَةِ بَلْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ قِيامُها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ «عَنْ عِمْرانَ
صفحة 111
بْنِ حُصَيْنٍ» قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ - إلى- ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ فَقالَ: أتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ قالَ: يا رَبِّ وما بَعْثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ وواحِدًا إلى الجَنَّةِ فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كُمِّلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ وما مِثْلُكم في الأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا ثُمَّ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا، وحَدِيثُ البَعْثِ مَذْكُورٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما لَكِنْ بِلَفْظٍ آخَرَ وفِيهِ كالمَذْكُورِ ما يُؤَيِّدُ كَوْنَ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّها تَكُونُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وإضافَتُها إلى السّاعَةِ عَلى هَذا لِكَوْنِها مِن أماراتِها، وقَدْ ورَدَتْ آثارٌ كَثِيرَةٌ في حُدُوثِ زَلْزَلَةٍ عَظِيمَةٍ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ هي مِن أشْراطِها إلّا أنَّ في كَوْنِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةِ هي المُرادُ هُنا نَظَرًا إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ كَوْنَ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِمُوجِبِ أمْرِ جَمِيعِ النّاسِ بِالتَّقْوى، ثُمَّ إنَّها عَلى هَذا القَوْلِ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو حَرَكَةُ الأرْضِ العَنِيفَةُ، وتَحْدُثُ هَذِهِ الحَرَكَةُ بِتَحْرِيكِ مَلَكٍ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ في الأرْضِ عُرُوقًا تَنْتَهِي إلى جَبَلِ قافٍ وهي بِيَدِ مَلَكٍ هُناكَ فَإذا أرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أمْرًا أنْ يُحَرِّكَ عِرْقًا فَإذا حَرَّكَهُ زُلْزِلَتِ الأرْضُ.
وعِنْدَ الفَلاسِفَةِ أنَّ البُخارَ إذا احْتَبَسَ في الأرْضِ وغَلُظَ بِحَيْثُ لا يَنْفُذُ في مَجارِيها لِشِدَّةِ اسْتِحْصافِها وتَكاثُفِها اجْتَمَعَ طالِبًا لِلْخُرُوجِ ولَمْ يُمْكِنْهُ فَزُلْزِلَتِ الأرْضُ، ورُبَّما اشْتَدَّتِ الزَّلْزَلَةُ فَخُسِفَتِ الأرْضُ فَيَخْرُجُ نارٌ لِشِدَّةِ الحَرَكَةِ المُوجِبَةِ لِاشْتِعالِ البُخارِ والدُّخانِ لا سِيَّما إذا امْتَزَجا امْتِزاجًا مُقَرَّبًا إلى الدُّهْنِيَّةِ، ورُبَّما قَوِيَتِ المادَّةُ عَلى شَقِّ الأرْضِ فَتَحْدُثُ أصْواتٌ هائِلَةٌ، ورُبَّما حَدَّثَتِ الزَّلْزَلَةُ مِن تَساقُطِ عَوالِي وهَدَأتْ في باطِنِ الأرْضِ فَيَتَمَوَّجُ بِها الهَواءُ المُحْتَقِنُ فَتُزَلْزَلُ بِهِ الأرْضُ، وقَلِيلًا ما فَتَتَزَلْزَلُ بِسُقُوطِ قُلَلِ الجِبالِ عَلَيْها لِبَعْضِ الأسْبابِ.
ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِلْقَوْلِ بِأنَّ سَبَبَها احْتِباسُ البُخارِ الغَلِيظِ وطَلَبُهُ لِلْخُرُوجِ وعَدَمُ تَيَسُّرِهِ لَهُ كَثْرَةُ الزَّلازِلِ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ وشِدَّتُها بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ الرَّخْوَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا صَحَّ حَدِيثٌ في بَيانِ سَبَبِ الزَّلْزَلَةِ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ وإلّا فَلا بَأْسَ بِالقَوْلِ بِرَأْيِ الفَلاسِفَةِ في ذَلِكَ وهو لا يُنافِي القَوْلَ بِالفاعِلِ المُخْتارِ كَما ظَنَّ بَعْضُهم، وهي عَلى القَوْلِ بِأنَّها يَوْمُ القِيامَةِ قالَ بَعْضُهم عَلى حَقِيقَتِها أيْضًا، وقالَ آخَرُونَ: هي مَجازٌ عَنِ الأهْوالِ والشَّدائِدِ الَّتِي تَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها والعِبارَةُ ضَيِّقَةٌ لا تُحِيطُ بِها إلّا عَلى وجْهِ الإبْهامِ. وفي البَحْرِ أنَّ إطْلاقَ الشَّيْءِ عَلَيْها مَعَ أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُطْلَقُ عَلى المَعْدُومِ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ قالَ: إنَّ إطْلاقَهُ عَلَيْها لِتَيَقُّنِ وُقُوعِها وصَيْرُورَتِها إلى الوُجُودِ لا مَحالَةَ.
22:2Page 332
يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ ٢
On the Day you see it every nursing mother will be distracted from that [child] she was nursing, and every pregnant woman will abort her pregnancy, and you will see the people [appearing] intoxicated while they are not intoxicated; but the punishment of Allāh is severe.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في ( تَرَوْنَها ) لِلزَّلْزَلَةِ لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها، وقِيلَ هو لِلسّاعَةِ وهو كَما تَرى، ( ويَوْمَ ) مُنْتَصِبٌ بِتَذْهَلَ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، وقِيلَ بِعَظِيمٍ، وقِيلَ:
صفحة 112
بِإضْمارِ اذْكُرْ وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن ( السّاعَةِ ) وفُتِحَ لِبِنائِهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: هَذا ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [المائِدَةَ: 119] عَلى قِراءَةِ يَوْمَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ بَدَلٌ مِن ﴿زَلْزَلَةَ﴾ أوْ مَنصُوبٌ بِهِ إنِ اغْتُفِرَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ الظَّرْفِيِّ بِالخَبَرِ، وجُمْلَةُ ﴿تَذْهَلُ﴾ عَلى هَذِهِ الأوْجَهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ تَذْهَلُ فِيها، والذُّهُولُ شُغْلٌ يُورِثُ حُزْنًا ونِسْيانًا، والمُرْضِعَةُ هي الَّتِي في حالِ الإرْضاعِ مُلْقِمَةً ثَدْيَها وهي بِخِلافِ المُرْضِعِ بِلا هاءٍ فَإنَّها الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُرْضِعَ وإنْ لَمْ تُباشِرِ الإرْضاعَ في حالِ وصْفِها بِهِ، وخَصَّ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفَةِ أُمَّ الصَّبِيِّ بِمُرْضِعَةٍ بِالهاءِ والمُسْتَأْجَرَةَ بِمُرْضِعٍ ويَرُدُّهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
كَمُرْضِعَةٍ أوْلادَ أُخْرى وضَيَّعَتْ بَنِي بَطْنِها هَذا الضَّلالُ عَنِ القَصْدِ
والتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ الأمْرِ وتَفاقُمِ الهَوْلِ، والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ والعائِدَ مَحْذُوفٌ أيْ عَنِ الَّذِي أرْضَعَتْهُ، والتَّعْبِيرُ بِما لِتَأْكِيدِ الذُّهُولِ وكَوْنِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِها أنَّهُ ماذا لِأنَّها تَعْرِفُ شَيْئِيَّتَهُ لَكِنْ لا تَدْرِي مَن هو بِخُصُوصِهِ، وقِيلَ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ تَذْهَلُ عَنْ إرْضاعِها، والأوَّلُ دَلَّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ وكَمالِ الِانْزِعاجِ، والكَلامُ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ وأنَّهُ لَوْ كانَ هُناكَ مِرْضَعَةٌ ورَضِيعٌ لَذَهِلَتِ المُرْضِعَةُ عَنْ رَضِيعِها في حالِ إرْضاعِها إيّاهُ لِشَدَّةِ الهَوْلِ وكَذا ما بَعْدُ، وهَذا ظاهِرٌ إذا كانَتِ الزَّلْزَلَةُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ أُمِرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَعْثِ بَعْثِ النّارِ وبَعْثِ الجَنَّةِ إنْ لَمْ نَقُلْ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُحْشَرُ عَلى حالِهِ الَّتِي فارَقَ فِيها الدُّنْيا فَنَحْشْرُ المُرْضِعَةِ مُرْضِعَةً والحامِلِ حامِلَةً كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ، وأمّا إذا قُلْنا بِذَلِكَ أوْ بِكَوْنِ الزَّلْزَلَةِ في الدُّنْيا فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا يَضُرُّ في كَوْنِهِ تَمْثِيلًا أنَّ الأمْرَ إذْ ذاكَ أشَدُّ وأعْظَمُ وأهْوَلُ مِمّا وُصِفَ وأطَمُّ لِشُيُوعِ ما ذُكِرَ في التَّهْوِيلِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ النَّبِيلِ.
وقُرِئَ «تُذْهَلُ» مِنَ الإذْهالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ واليَمانِيُّ «تُذْهِلُ» مِنهُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ( وكُلُ ) بِالنَّصْبِ أيْ يَوْمَ تُذْهِلُ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: السّاعَةُ كُلُّ مِرْضَعَةٍ ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أيْ تُلْقِي كُلُّ ذاتِ جَنِينٍ جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ وتَضَعُ كُلُّ حامِلَةٍ ما حَمَلَتْ عَلى وِزانِ ما تَقَدَّمَ لِما أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ نَصًّا في المُرادِ وهو وضْعُ الجَنِينِ بِخِلافِ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ فَإنَّهُ نَصٌّ فِيهِ لِأنَّ الحَمْلَ بِالفَتْحِ ما يُحْمَلُ في البَطْنِ مِنَ الوَلَدِ، وإطْلاقُهُ عَلى نَحْوِ الثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ لِلتَّشْبِيهِ بِحَمْلِ المَرْأةِ، ولِلتَّنْصِيصِ عَلى ذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لَمْ يَقُلْ وتَضَعُ كُلُّ حامِلَةٍ حَمْلَها كَذا قِيلَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ في دَعْوى تَخْصِيصِ الحَمْلِ بِما يُحْمَلُ في البَطْنِ مِنَ الوَلَدِ وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى نَحْوِ الثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ لِلتَّشْبِيهِ بَحْثًا فَفي البَحْرِ الحَمْلُ بِالفَتْحِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ شَجَرَةٍ.
وفِي القامُوسِ الحَمْلُ ما يُحْمَلُ في البَطْنِ مِنَ الوَلَدِ جَمْعُهُ حِمالٌ وأحْمالٌ وحَمَلَتِ المَرْأةُ تَحْمِلُ عَلِقَتْ ولا يُقالُ حَمَلَتْ بِهِ أوْ قَلِيلٌ وهي حامِلٌ وحامِلَةٌ، والحَمْلُ ثَمَرُ الشَّجَرِ ويُكْسَرُ أوِ الفَتْحُ لِما بَطُنَ مِن ثَمَرِهِ والكَسْرُ لِما ظَهَرَ أوِ الفَتْحُ لِما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى رَأْسِ شَجَرَةٍ والكَسْرُ لِما عَلى ظَهْرٍ أوْ رَأْسٍ أوْ ثَمَرُ الشَّجَرِ بِالكَسْرِ ما لَمْ يَكْبُرْ فَإذا كَبُرَ فَبِالفَتْحِ جَمْعُهُ أحْمالٌ وحَمُولٌ وحِمالٌ اهَـ، وقِيلَ: المُتَبادَرُ وضْعُ الجَنِينِ بِأيِّ عِبارَةٍ كانَ التَّعْبِيرُ إلّا أنَّ ذاتَ حَمْلٍ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ مِن حامِلٍ أوْ حامِلَةٍ لِإشْعارِهِ بِالصُّحْبَةِ المُشْعِرَةِ بِالمُلازَمَةِ فَيُشْعِرُ الكَلامُ بِأنَّ الحامِلَ تَضَعُ إذْ ذاكَ الجَنِينَ المُسْتَقِرَّ في بَطْنِها المُتَمَكِّنَ فِيهِ هَذا مَعَ ما في الجَمْعِ بَيْنَ ما يُشْعِرُ بِالمُصاحَبَةِ وما يُشْعِرُ بِالمُفارَقَةِ وهو الوَضْعُ مِنَ اللُّطْفِ فَتَأمَّلْ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ.
﴿وتَرى النّاسَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ عَلى خِطابِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ بِرُؤْيَةِ الزَّلْزَلَةِ والِاخْتِلافُ بِالجَمْعِيَّةِ
صفحة 113
والإفْرادِ لِما أنَّ المَرْئِيَّ في الأوَّلِ هي الزَّلْزَلَةُ الَّتِي يُشاهِدُها الجَمِيعُ وفي الثّانِي حالُ مَن عَدا المُخاطَبَ مِنهم فَلا بُدَّ مِن إفْرادِ المُخاطَبِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لَكِنْ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ فَإنَّ المُرادَ بَيانُ تَأْثِيرِ الزَّلْزَلَةِ في المَرْئِيِّ لا في الرّائِي بِاخْتِلافِ مَشاعِرِهِ لِأنَّ مَدارَهُ حَيْثِيَّةُ رُؤْيَتِهِ لِلزَّلْزَلَةِ لا لِغَيْرِها كَأنَّهُ قِيلَ وتَصِيرُ النّاسُ سُكارى إلَخْ، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما في التَّنْزِيلِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ ظُهُورِ تِلْكَ الحالِ فِيهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الجَلاءِ إلى حَدٍّ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والأوَّلُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ ( والنّاسَ ) مَفْعُولَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُكارى﴾ حالٌ مِنهُ أيْ يَراهم كُلُّ واحِدٍ مُشابِهِينَ لِلسُّكارى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِسُكارى﴾ أيْ حَقِيقَةً حالٌ أيْضًا لَكِنَّها مُؤَكِّدَةٌ والحالُ المُؤَكِّدِ تَقْتَرِنُ بِالواوِ لا سِيَّما إذا كانَتْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً. فَلا يُقالُ: إنَّهُ إذا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ( تَرى النّاسَ سُكارى ) عَلى التَّشْبِيهِ يَكُونُ ﴿وما هم بِسُكارى﴾ بِالمَعْنى المَذْكُورِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، ولا وجْهَ لِجَعْلِهِ حالًا مُؤَكِّدَةً لِمَكانِ الواوِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( تَرى ) بِمَعْنى تَظُنُّ فَسُكارى مَفْعُولٌ ثانٍ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِيقَةِ فَلا تَأْكِيدَ هُنا، وأمْرُ إفْرادِ الخِطابِ وما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ بِحالَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِسُكارى﴾ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ، وأُكِّدَ بِزِيادَةِ الباءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما هم فِيهِ لَيْسَ مِنَ المَعْهُودِ في شَيْءٍ وإنَّما هو أمْرٌ لَمْ يَعْهَدُوا قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وأُشِيرَ إلَيْهِ سَبَبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أيْ إنَّ شِدَّةَ عَذابِهِ تَعالى تَجْعَلُهم كَما تَرى، وهو اسْتِدْراكٌ عَلى ما في الِانْتِصافِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِسُكارى﴾ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَنْ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ هَذِهِ أيِ الذُّهُولُ والوَضْعُ ورُؤْيَةُ النّاسِ سُكارى أحْوالٌ هَيِّنَةٌ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ولَيْسَ بِهَيِّنٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تُرِي» بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ تُرِي الزَّلْزَلَةُ الخَلْقَ جَمِيعَ النّاسِ سُكارى. وقَرَأ الزَّعْفَرانِيُّ «تُرى» بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ «النّاسُ» بِالرَّفْعِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ المَجْهُولِ إلَيْهِ، والتَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُهَيْكٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم نَصَبُوا ( النّاسَ ) وتَرى عَلى هَذا مُتَعَدٍّ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ كَما في البَحْرِ الأوَّلُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ وهو نائِبُ الفاعِلِ، والثّانِي ( النّاسَ ) والثّالِثُ ( سُكارى ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ نُهَيْكٍ ( سَكارى ) بِفَتْحِ السِّينِ في المَوْضِعَيْنِ وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ واحِدُهُ سَكْرانُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ «سَكْرى» كَعَطْشى في المَوْضِعَيْنِ، وكَذَلِكَ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأصْحابِهِ وحُذَيْفَةَ وبِها قَرَأ الأخَوانِ وابْنُ سَعْدانَ ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ، وتُجْمَعُ الصِّفَةُ عَلى فَعَلى إذا كانَتْ مِنَ الآفاتِ والأمْراضِ كَقَتْلى ومَوْتى وحَمْقى، ولِكَوْنِ السُّكْرِ جارِيًا مَجْرى ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن تَعْطِيلِ القُوى والمَشاعِرِ جُمِعَ هَذا الجَمْعَ فَهو جَمْعُ سَكْرانَ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَمْعَ سَكِرٍ كَزَمْنى وزَمِنٍ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ رَجُلٌ سَكِرٌ بِمَعْنى سَكْرانَ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ «سُكْرى» بِضَمِّ السِّينِ فِيهِما، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو غَرِيبٌ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كالبُشْرى
صفحة 114
وبِهَذا أفْتانِي أبُو عَلِيٍّ وقَدْ سَألْتُهُ عَنْهُ انْتَهى. وإلى كَوْنِهِ اسْمًا مُفْرَدًا ذَهَبَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ فَقالَ: فُعْلى بِضَمِّ الفاءِ مِن صِفَةِ الواحِدَةِ مِنَ الإناثِ لَكِنَّها لَمّا جُعِلَتْ مِن صِفاتِ النّاسِ وهم جَماعَةٌ أُجْرِيَتِ الجَماعَةُ بِمَنزِلَةِ المُؤَنَّثِ المُوَحَّدِ، وعَنْ أبِي زُرْعَةَ «سَكْرى» بِفَتْحِ السِّينِ «بِسُكْرى» بِضَمِّها، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ «سَكْرى» بِفَتْحِ السِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ( بِسُكارى ) بِالضَّمِّ والألِفِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، والخِلافُ في فَعالى أهْوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ مَشْهُورٌ.
22:3Page 332
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ ٣
And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge and follows every rebellious devil.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نَزَلَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ جَدِلًا يَقُولُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ والقُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ولا يَقْدِرُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ عَلى إحْياءِ مَن بَلِيَ وصارَ تُرابًا، وقِيلَ في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن تَعاطى الجَدَلَ فِيما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ ولا يَرْجِعُ إلى عِلْمٍ ولا بُرْهانٍ ولا نَصَفَةٍ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يُخْرِجُها عَنِ العُمُومِ، وكانَ ذِكْرُها إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِ السّاعَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ البَعْثِ لِبَيانِ حالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ لَها ومَحَلُّ الجارِّ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ إمّا بِحَمْلِهِ عَلى المَعْنى أوْ بِتَقْدِيرِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، و( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يُجادِلُ ) لِإيضاحِ ما تُشْعِرُ بِهِ المُجادَلَةَ مِنَ الجَهْلِ أيْ وبَعْضُ النّاسِ أوْ بَعْضٌ كائِنٌ مِنَ النّاسِ مَن يُنازِعُ في شَأْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَقُولُ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأباطِيلِ مُلابِسًا الجَهْلَ ( ويَتَّبِعُ ) فِيما يَتَعاطاهُ مِنَ المُجادَلَةِ أوْ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ مِنَ الأُمُورِ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ مُتَجَرِّدٍ لِلْفَسادِ مُعَرّى مِنَ الخَيْرِ مِن قَوْلِهِمْ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ لا ورَقَ لَها، ومِنهُ قِيلَ: رَمْلَةٌ مَرْداءُ إذا لَمْ تُنْبِتْ شَيْئًا، ومِنهُ الأمْرَدُ لِتَجَرُّدِهِ عَنِ الشَّعَرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ المَرِيدِ والمارِدِ المُرْتَفِعُ الأمْلَسُ وفِيهِ مَعْنى التَّجَرُّدِ والتَّعَرِّي، والمُرادُ بِهِ إمّا إبْلِيسُ وجُنُودُهُ وإمّا رُؤَساءُ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونَهم إلى الكُفْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ويَتْبَعُ ) خَفِيفًا.
22:4Page 332
كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٤
It has been decreed for him [i.e., every devil] that whoever turns to him - he will misguide him and will lead him to the punishment of the Blaze.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) لِلشَّيْطانِ وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿تَوَلاهُ﴾ والضَّمِيرُ في ( فَأنَّهُ ) والضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ في ﴿يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ﴾ وضَمِيرُ ( أنَّهُ ) لِلشَّأْنِ وباقِي الضَّمائِرِ لِمَن. واخْتُلِفَ في إعْرابِ الآيَةِ فَقِيلَ إنَّ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلاهُ﴾ إلَخْ نائِبُ فاعِلِ ( كُتِبَ ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ الثّانِيَةِ لِشَيْطانٍ ( ومَن ) جَزائِيَّةٌ وجَزاؤُها مَحْذُوفٌ و﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ إلَخْ عُطِفَ عَلى ( أنَّهُ ) مَعَ ما في حَيِّزِها وما يَتَّصِلُ بِها أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ أنَّ الشَّأْنَ مَن تَوَلّاهُ أيِ اتَّخَذَهُ ولِيًّا وتَبِعَهُ يُهْلِكُهُ فَإنَّهُ يُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وثَوابِها ويَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ السَّعِيرِ وعَذابِها، والفاءُ لِتَفْصِيلِ الإهْلاكِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةَ: 54] وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الطَّيِّبِيُّ كَلامَ الكَشّافِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ إلّا أنَّ في كَوْنِهِ مُرادَ الزَّمَخْشَرِيِّ خَفاءٌ، وقِيلَ ( مَن ) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿تَوَلاهُ﴾ صِلَتُهُ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدُهُ و(أنَّهُ يُضِلُّهُ ) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولِ، ودُخُولُ الفاءِ في خَبَرِهِ عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّرْطِ أيْ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّ الشَّأْنَ مَن تَوَلّاهُ فَشَأْنُهُ أوْ فَحَقٌّ أنَّهُ يُضِلُّهُ إلَخْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً والفاءُ جَوابِيَّةٌ وما بَعْدَها مَعَ المُقَدَّرِ جَوابُ الشَّرْطِ. وقِيلَ ضَمِيرُ ( أنَّهُ ) لِلشَّيْطانِ
صفحة 115
وهُوَ اسْمُ أنَّ و(مَن ) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ. والأوَّلُ أظْهَرُ. خَبَرُها والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ( تَوَلّاهُ ) لِبَعْضِ النّاسِ والضَّمِيرُ البارِزُ لِمَن والجُمْلَةُ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ) عُطِفَ عَلى ( أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ ) والمَعْنى ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ هو الَّذِي اتَّخَذَهُ بَعْدَ النّاسِ ولِيًّا وأنَّهُ يَضِلُّ مَنِ اتَّخَذَهُ ولِيًّا فالأوَّلُ كَأنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِلثّانِي أيْ يَتَّبِعُ شَيْطانًا مُخْتَصًّا بِهِ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ أنَّهُ ولِيُّهُ وأنَّهُ مُضِلُّهُ فَهو لا يَأْلُو جُهْدًا في إضْلالِهِ، وهَذا المَعْنى أبْلَغُ مِنَ المَعْنى السّابِقِ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ مَن جَزائِيَّةً لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُجادِلِينَ واحِدًا مِن مَرَدَةِ الشَّياطِينِ، وارْتَضى هَذا في الكَشْفِ وحَمَلَ عَلَيْهِ مُرادَ صاحِبِ الكَشّافِ. وعَنْ بَعْضِ الفُضَلاءِ أنَّ الضَّمِيرَ في ( أنَّهُ ) لِلْمُجادِلِ أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ أنَّ المُجادِلَ مَن تَوَلّاهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّهُ﴾ إلَخْ عُطِفَ عَلى ﴿أنَّهُ مَن تَوَلاهُ﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّ اتِّصافَ الشَّيْطانِ بِتَوَلِّي المُجادِلِ إيّاهُ مُقْتَضى المَقامِ لا العَكْسُ وأنَّهُ لَوْ جُعِلَتْ مَن في ﴿مَن تَوَلاهُ﴾ مَوْصُولَةً كَما هو الظّاهِرُ لَزِمَ أنْ لا يَتَوَلّاهُ غَيْرُ المُجادِلِ وهَذا الحَصْرُ يُفَوِّتُ المُبالَغَةَ.
وفِي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ( عَلَيْهِ ) عائِدٌ عَلى مَن لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وفي أنَّهُ وتَوَلّاهُ وفي فَأنَّهُ عائِدٌ عَلَيْهِ أيْضًا والفاعِلُ بِتَوَلّى ضَمِيرُ مَن وكَذا الهاءُ في يُضِلُّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الهاءُ في أنَّهُ عَلى هَذا الوَجْدِ ضَمِيرَ الشَّأْنِ والمَعْنى أنَّ هَذا المُجادِلَ لِكَثْرَةِ جِدالِهِ بِالباطِلِ واتِّباعِهِ الشَّيْطانَ صارَ إمامًا في الضَّلالِ لِمَن يَتَوَلّاهُ فَشَأْنُهُ أنْ يُضِلَّ مَن يَتَوَلّاهُ انْتَهى. وعَلَيْهِ تَكُونُ جُمْلَةُ كُتِبَ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةً لا صِفَةً لِشَيْطانٍ، والأظْهَرُ جَعْلُ ضَمِيرِ ( عَلَيْهِ ) عائِدًا عَلى الشَّيْطانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ، وأيًّا ما كانَ فَكُتِبَ بِمَعْنى مَضى وقُدِّرَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ، وفي الكَشّافِ أنَّ الكَتَبَةَ عَلَيْهِ مِثْلُ أيٍّ كَأنَّما كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ في حالِهِ، ولا يَخْفى ما في ( يَهْدِيهِ ) مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ التَّهَكُّمِيَّةِ.
وقُرِئَ «كَتَبَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ كَتَبَ اللَّهُ. وقُرِئَ «فَإنَّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فالجُمْلَةُ خَبَرُ مَن أوْ جَوابٌ لَها، وقَرَأ الأعْمَشُ والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو «إنَّهُ» «فَإنَّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما ووَجْهُهُ الكَسْرُ في الثّانِيَةِ ظاهِرٌ، وأمّا وجْهُهُ في الأُولى فَهو كَما اسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ إسْنادُ ( كُتِبَ ) إلى الجُمْلَةِ إسْنادًا لَفْظِيًّا أيْ كُتِبَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ كَما تَقُولُ كَتَبْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ أوْ تَقْدِيرُ قَوْلٍ وجَعْلُ الجُمْلَةِ مَعْمُولَةً لَهُ أوْ تَضْمِينُ الفِعْلِ مَعْنى ذَلِكَ أيْ كُتِبَ عَلَيْهِ مَقُولًا في شَأْنِهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences