Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:18–22
22:18Page 334
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨
Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِما يُوجِبُ الفَصْلَ المَذْكُورَ مِن أعْمالِ الفِرَقِ مَعَ الإشارَةِ إلى كَيْفِيَّتِهِ وكَوْنِهِ بِطْرِيقِ التَّعْذِيبِ والإثابَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَنْوِيرًا لِكَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: هو تَقْرِيعٌ عَلى اخْتِلافِ الكَفَرَةِ واسْتِبْعادٌ لَهُ لِوُجُوبِ الصّارِفِ، والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ. والمُرادُ بِالسُّجُودِ دُخُولُ الأشْياءِ تَحْتَ تَسْخِيرِهِ تَعالى وإرادَتِهِ سُبْحانَهُ وقابِلِيَّتُها لِما يُحْدِثُ فِيها عَزَّ وجَلَّ، وظاهِرُ كَلامِ الآمِدِيِّ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلسُّجُودِ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ السُّجُودُ في الأصْلِ التَّطامُنُ والتَّذَلُّلُ وجُعِلَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنِ التَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ وهو عامٌّ في الإنْسانِ والحَيَوانِ والجَمادِ. وذَلِكَ ضَرْبانِ سُجُودٌ بِاخْتِيارٍ يَكُونُ لِلْإنْسانِ وبِهِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ وسُجُودٌ بِتَسْخِيرٍ يَكُونُ لِلْإنْسانِ وغَيْرِهِ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ. وخُصَّ في الشَّرِيعَةِ بِالرُّكْنِ المَعْرُوفِ مِنَ الصَّلاةِ وما جَرى مَجْراهُ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ وسُجُودِ الشُّكْرِ انْتَهى.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كَما خُصَّ في الشَّرِيعَةِ بِذَلِكَ خُصَّ في عُرْفِ اللُّغَةِ بِهِ. وقالَ ابْنُ كَمالٍ: إنَّ حَقِيقَتَهُ عَلى ما نُصَّ عَلَيْهِ في المُجْمَلِ وضْعُ الرَّأْسِ، وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: حَقِيقَتُهُ وضْعُ الجَبْهَةِ لا الرَّأْسِ حَتّى لَوْ وُضِعَ الرَّأْسُ مِن جانِبِ القَفا لَمْ يَكُنْ ساجِدًا، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى عِلّاتِهِما قِيلَ السُّجُودُ هُنا مَجازٌ عَنِ الدُّخُولِ تَحْتَ تَسْخِيرِهِ تَعالى والِانْقِيادِ لِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ دَلالَةِ لِسانِ حالِ الأشْياءِ بِذِلَّتِها وافْتِقارِها عَلى صانِعِها وعَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ووَجْهُ التَّنْوِيرِ عَلى هَذا ظاهِرٌ وكَذا التَّقْرِيعُ عَلى الِاخْتِلافِ. ( ومَن ) إمّا خاصَّةٌ بِالعُقَلاءِ وإمّا عامَّةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ وهو الأوْلى لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِإفادَتِهِ شُمُولَ الحُكْمِ
صفحة 131
لِكُلِّ ما فِيهِما بِطَرِيقِ القَرارِ فِيهِما أوْ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ إفْرادًا لَها بِالذِّكْرِ لِشُهْرَتِها واسْتِبْعادِ ذَلِكَ مِنها بِحَسَبِ الظّاهِرِ في بادِئِ النَّظَرِ القاصِرِ كَما قِيلَ أوْ لِأنَّها قَدْ عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إمّا بِاعْتِبارِ شَخْصِها أوْ جِنْسِها.
فالشَّمْسُ عَبَدَتْها حِمْيَرُ والقَمَرُ عَبَدَتْهُ كِنانَةُ وعَبَدَ الدَّبَرانَ مِنَ النُّجُومِ تَمِيمٌ والشِّعْرى لَخْمٌ وقُرَيْشٌ، والثُّرَيّا طِيِّئٌ، وعُطارِدا أسَدٍ والمِرْزِمِ رَبِيعَةُ، وعَبَدَ أكْثَرُ العَرَبِ الأصْنامَ المَنحُوتَةَ مِنَ الجِبالِ. وعَبَدَتْ غَطَفانُ العُزّى وهي سَمُرَةٌ واحِدَةُ السَّمَرِ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، ومِنَ النّاسِ مَن عَبَدَ البَقَرَ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ وثّابٍ «الدَّوابَ» بِتَخْفِيفِ الباءِ. وخَصَّ ابْنُ جِنِّيٍّ في المُحْتَسَبِ هَذِهِ القِراءَةَ بِالزُّهْرِيِّ، وقالَ: لا أعْلَمُ مَن خَفَّفَها سَواءٌ وهو قَلِيلٌ ضَعِيفٌ قِياسًا وسَماعًا لِأنَّ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى حَدِّهِ وعُذْرِهِ كَراهَةَ التَّضْعِيفِ ولِذا قالُوا في ظَلِلْتُ ظَلْتُ وقالُوا جانٌ بِالتَّخْفِيفِ وذَكَرَ لَهُ نَظائِرَ كَثِيرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ قِيلَ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ سُجُودَ الطّاعَةِ المَعْرُوفَ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صَرَّحَ في المُغْنِي بِأنَّ شَرْطَ الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ عَلى المَحْذُوفِ أنْ يَكُونَ طَبَقَةً لَفْظًا ومَعْنًى أوْ مَعْنًى لا لَفْظًا فَقَطْ فَلا يَجُوزُ زَيْدٌ ضارِبٌ وعَمْرٌو عَلى أنَّ خَبَرَ عَمْرٍو مَحْذُوفٌ وهو ضارِبٌ مِنَ الضَّرْبِ في الأرْضِ أيْ مُسافِرٌ والمَذْكُورُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ. وأجابَ الخَفاجِيُّ بِأنَّ ما ذَكَرَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ المُقَدَّرَ قَدْ يَكُونُ لازِمًا لِلْمَذْكُورِ نَحْوَ زَيْدًا ضَرَبْتُ غُلامَهُ أيْ أهَنْتُ زَيْدًا ولا يَكُونُ مُشْتَرِكًا كالمِثالِ المَذْكُورِ إلّا أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مُلاءَمَةٌ فَيَصِحُّ إذا اتَّحَدا لَفْظًا وكانَ مِنَ المُشْتَرَكِ وبَيْنَهُما مُلازَمَةٌ تَدُلُّ عَلى المُقَدَّرِ ولِذا لَمْ يَصِحَّ المِثالُ المَذْكُورُ انْتَهى، وعَطَفَهُ بَعْضُهم عَلى المَذْكُوراتِ قَبْلَهُ وجَعَلَ السُّجُودَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِمَعْنى السُّجُودِ المَعْرُوفِ وفِيما تَقَدَّمَ بِمَعْنى الدُّخُولِ تَحْتَ التَّسْخِيرِ أوِ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ الصّانِعِ جَلَّ شَأْنُهُ.
واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى جَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ أوِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، والجَوابُ ما عَلِمْتَ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ وجَعْلُ السُّجُودِ في الجَمِيعِ بِمَعْنى الدُّخُولِ تَحْتَ التَّسْخِيرِ أوِ الدَّلالَةِ عَلى العَظَمَةِ لِأنَّ ذَلِكَ عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ فَلا يَلِيقُ حِينَئِذٍ ذِكْرُ ( كَثِيرٌ ) وغَيْرُ العامِّ إنَّما هو السُّجُودُ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ فَيُفِيدُ ذِكْرُ ( كَثِيرٌ ) إذا أُرِيدَ أنَّ مِنهم مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ وهو كَذَلِكَ، وما قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الكَثِيرِ عَلى إرادَةِ السُّجُودِ العامِّ لِلدَّلالَةِ عَلى شَرَفِهِمْ والتَّنْوِيهِ بِهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ كَيْفَ يَتَأتّى التَّنْوِيهُ وقَدْ قُرِنَ بِهِمْ غَيْرُ العُقَلاءِ كالدَّوابِّ، وقالَ ابْنُ كَمالٍ: تَمَسَّكَ مَن جَوَّزَ حَمْلَ المُشْتَرَكِ في اسْتِعْمالِ واحِدٍ عَلى أكْثَرِ مِن مَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الآيَةَ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالسُّجُودِ المَنسُوبِ إلى غَيْرِ العُقَلاءِ الِانْقِيادُ لِتَعَذُّرِ السُّجُودِ المَعْهُودِ في حَقِّهِ ومِنَ المَنسُوبِ إلَيْهِمْ ما هو المَعْهُودُ دُونَ الِانْقِيادِ لِأنَّهُ شامِلٌ لِلْكُلِّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالكَثِيرِ ولا مُتَمَسَّكَ لَهم في ذَلِكَ لِأنَّ كُلًّا مِنَ التَّعْلِيلَيْنِ في مَعْرِضِ المَنعِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ حَقِيقَةَ السُّجُودِ وضْعُ الرَّأْسِ ولا تَعَذُّرَ في نِسْبَتِهِ إلى غَيْرِ العُقَلاءِ ولا حاجَةَ إلى إثْباتِ حَقِيقَةِ الرَّأْسِ في الكُلِّ لِأنَّ التَّغْلِيبَ سائِغٌ شائِعٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الكَفّارَ لا سِيَّما المُتَكَبِّرِينَ مِنهم لا حَظَّ لَهم مِنَ الِانْقِيادِ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ الإطاعَةُ بِما ورَدَ في حَقِّهِ مِنَ الأمْرِ تَكْلِيفِيًّا كانَ أوْ تَكْوِينِيًّا عَلى وجْهٍ ورَدَ بِهِ الأمْرُ وتَقْدِيرُ فِعْلٍ آخَرَ في هَذا المَقامِ مِن ضِيقِ العَطَنِ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الفِطَنِ انْتَهى. وفِيهِ القَوْلُ بِجَوازِ العَطْفِ
صفحة 132
عَلى كِلا مَعْنى السُّجُودِ وضْعِ الرَّأْسِ والِانْقِيادِ وبَيانُ فائِدَةِ تَخْصِيصِ الكَثِيرِ عَلى الثّانِي، ولا يَخْفى أنَّ المُتَبادَرَ مِن مُعْتَبَراتِ كُتُبِ اللُّغَةِ أنَّ السُّجُودَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ في الخُضُوعِ مُطْلَقًا وأنَّ ما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ التَّغْلِيبِ خِلافُ الظّاهِرِ وكَذا حُمِلَ الِانْقِيادُ عَلى ما ذَكَرَهُ، وقَدْ أخَذَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى كِلا المَعْنَيَيْنِ مِنَ التَّوْضِيحِ وقَدْ أسْقَطَ مِمّا فِيهِ ما عَنْهُ غِنًى، وما زَعَمَ أنَّهُ مِن ضِيقِ العَطَنِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ القَوْمِ وعَلَيْهِ يَكُونُ ( مِنَ النّاسِ ) صِفَةَ ( كَثِيرٌ ) وأوْرَدَ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَرِدُ أنَّ سُجُودَ الطّاعَةِ المَعْرُوفَ لا يَخْتَصُّ بِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ مُتَّصِفٌ بِهِ أيْضًا، وكَوْنُهم غَيْرَ مُكَلَّفِينَ خِلافُ القَوْلِ الأصَحِّ. نَعَمْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ وعَلى مُدَّعِيهِ البَيانُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ ما يَعُمُّ الجِنَّ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ حَسَبَ إطْلاقِ النَّفَرِ والرِّجالِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ. ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ يَسْجُدُ المُقَدَّرَ داخِلٌ في الرُّؤْيَةِ وقَدْ قالُوا: المُرادُ بِها العِلْمُ والتَّعْبِيرُ بِها عَنْهُ لِلْإشْعارِ بِظُهُورِ المَعْلُومِ وظُهُورُ السُّجُودِ بِمَعْنى الدُّخُولِ تَحْتَ التَّسْخِيرِ في الأشْياءِ المَنسُوبِ هو إلَيْها مِمّا لا سُتْرَةَ عَلَيْها وكَذا ظُهُورُهُ بِمَعْنى السُّجُودِ المَعْرُوفِ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وأمّا في الجِنِّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلِذا وصَفَ الكَثِيرَ بِكَوْنِهِ مِنَ النّاسِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الخِطابَ في ( ألَمْ تَرَ ) لِمَن يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ ولا سُتْرَةَ في ظُهُورِ أمْرِ السُّجُودِ مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. ورُدَّ بِأنَّ مُرادَ المُجِيبِ في أنَّ سُجُودَ الجِنِّ لَيْسَ بِظاهِرٍ في نَفْسِ الأمْرِ ومَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُخاطَبِ كائِنًا مَن كانَ ظُهُورُ دُخُولِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا تَحْتَ التَّسْخِيرِ بِخِلافِ سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ ظُهُورَ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ فَخُصَّ الكَثِيرُ بِكَوْنِهِ مِنَ النّاسِ لِيَكُونَ الدّاخِلُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ مِن صَقْعٍ واحِدٍ مِنَ الظُّهُورِ في نَفْسِ الأمْرِ.
وقِيلَ المَقامُ يَقْتَضِي تَكْثِيرَ الرّائِينَ لِما يُذْكَرُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ والتَّخْصِيصُ أوْفَقُ بِذَلِكَ فَلِذا خُصَّ الكَثِيرُ بِكَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ والكُلُّ كَما تَرى، والأوْلى أنْ يُقالَ: تَخْصِيصُ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ بِنِسْبَةِ السُّجُودِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ إلَيْهِمْ عَلى القَوْلِ بِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ كَذَلِكَ لِلتَّنْوِيهِ بِهِمْ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ ما مَرَّ لِأنَّهُ لَمْ يُقْرَنْ بِهِمْ في هَذا السُّجُودِ غَيْرُ العُقَلاءِ فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: إنَّ ( كَثِيرٌ ) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ حُذِفَ خَبَرُهُ ثِقَةً بِدَلالَةِ خَبَرِ قَسِيمِهِ عَلَيْهِ نَحْوَ حُقَّ لَهُ الثَّوابُ ويُفِيدُ الكَلامُ كَثْرَةَ الفَرِيقَيْنِ والأوَّلُ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في السُّجُودِ والطّاعَةِ لِلْحَقِّ المَعْبُودِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( كَثِيرٌ ) مُبْتَدَأً ( ومِنَ النّاسِ ) خَبَرَهُ والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْحَقِيقَةِ والجِنْسِ أيْ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ هُمُ النّاسُ عَلى الحَقِيقَةِ وهُمُ الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ، وقالَ الرّاغِبُ: قَدْ يَذْكَرُ النّاسُ ويُرادُ بِهِ الفُضَلاءُ دُونَ مَن يَتَناوَلُهُ اسْمُ النّاسِ تَجَوُّزًا، وذَلِكَ إذا اعْتُبِرَ مَعْنى الإنْسانِيَّةِ وهو وُجُودُ العَقْلِ والذِّكْرِ وسائِرِ القُوى المُخْتَصَّةِ بِهِ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُدِمَ فِعْلُهُ المُخْتَصُّ بِهِ لا يَكادُ يَسْتَحِقُّ اسْمَهُ والمُخَصِّصُ لِلْمُبْتَدَأِ النَّكِرَةِ أنَّهُ صِفَةُ مَحْذُوفٍ بِالحَقِيقَةِ عَلى أنَّ المُعادَلَةَ مِنَ المُخَصَّصاتِ إذا قُلْتَ رِجالٌ مُكْرَمُونَ ورِجالٌ مُهانُونَ لِأنَّهُ تَفْصِيلٌ مُجْمَلٌ فَهو مَوْصُوفٌ تَقْدِيرًا ولِأنَّ كُلًّا مِنَ المُقابَلَيْنِ مَوْصُوفٌ بِمُغايَرَةِ الآخَرِ فَهَذا داخِلٌ في الوَصْفِ المَعْنَوِيِّ، وأنْ يَكُونَ ( كَثِيرٌ ) مُبْتَدَأً ( ومِنَ النّاسِ ) صِفَتَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَثِيرٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ أيْ ثَبَتَ وتَقَرَّرَ خَبَرٌ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: عِنْدِي ألْفٌ وألْفٌ أيْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ ومِثْلُهُ شائِعٌ في كَلامِهِمْ فَيُفِيدُ كَثْرَةَ مَن حَقِّ عَلَيْهِ العَذابُ مِنَ النّاسِ، وهَذانِ الوَجْهانِ بِعِيدانِ، وقالَ في البَحْرِ: ضَعِيفانِ.
والظّاهِرُ أنَّ ( كَثِيرٌ ) الثّانِيَ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ وقَدْ أُقِيمَتْ مَقامَ لا يَسْجُدُ فَكَأنَّهُ قِيلَ ويَسْجُدُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ
صفحة 133
ولا يَسْجُدُ كَثِيرٌ مِنهم، ولا يَخْفى ما في تِلْكَ الإقامَةِ مِنَ التَّرْهِيبِ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ والطّاعَةِ، ولا يَخْفى ما في عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِتَقْيِيدِ الكَثِيرِ بِكَوْنِهِ مِنَ النّاسِ مِمّا يُقَوِّي دَعْوى أنَّ التَّقْيِيدَ فِيما تَقَدَّمَ لِلتَّنْوِيهِ، وحَمْلُ عَدَمِ التَّقْيِيدِ لِيَعُمَّ الكَثِيرَ مِنَ الجِنِّ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَن والسُّجُودُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ السّابِقَيْنِ وجُمْلَةُ ( حَقَّ ) إلَخْ صِفَتُهُ ويُقَدَّرُ وصْفٌ لِكَثِيرٍ الأوَّلِ بِقَرِينَةِ مُقابِلِهِ أيْ حَقَّ لَهُ الثَّوابُ ( ومِنَ النّاسِ ) صِفَةٌ لَهُ أيْضًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقُرِئَ «حُقَّ» بِضَمِّ الحاءِ و«حَقًّا» أيْ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ حَقًّا فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ بِأنْ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الشَّقاءَ حَسْبَما اسْتَعَدَّتْ لَهُ ذاتُهُ مِنَ الشَّرِّ، ومَن مَفْعُولٌ مُقَدَّرٌ لِيُهِنْ ﴿فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ يُكْرِمُهُ بِالسَّعادَةِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «مُكْرَمٍ» بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كَما في القامُوسِ أيْ مِمّا لَهُ إكْرامٌ، وقِيلَ اسْمُ مَفْعُولٍ بِمَعْنى المَصْدَرِ ولا حاجَةَ إلى التِزامِهِ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى ما هو الشّائِعُ في هَذِهِ الصِّيغَةِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ، والمَعْنى ما لَهُ مَن يُكْرِمُ ويَشْفَعُ فِيهِ لِيَخْلُصَ مِنَ الإهانَةِ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإكْرامُ والإهانَةُ، وهَذا أوْلى مِن تَخْصِيصٍ ما بِقَرِينَةِ السِّياقِ بِهِما.
22:19Page 334
۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩
These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water
﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ تَعْيِينٌ لِطَرَفَيِ الخِصامِ وتَحْرِيرٌ لِمَحَلِّهِ فالمُرادُ بِهَذانِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ الكَفَرَةِ المُنْقَسِمُ إلى الفِرَقِ الخَمْسِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ والحَسَنِ وعاصِمٍ والكَلْبِيِّ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وبِهِ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الفَصْلِ السّابِقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ومَجْمُوعِ مَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ كُلُّ خَصْمٍ فَرِيقًا يَجْمَعُ طائِفَةً جاءَ ﴿اخْتَصَمُوا﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «اخْتَصَما» مُراعاةَ اللَّفْظِ ﴿خَصْمانِ﴾ وهو تَثْنِيَةُ خَصْمٍ وذَكَرُوا أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ، قالَ أبُو البَقاءِ: وأكْثَرُ الِاسْتِعْمالِ تَوْحِيدُهُ فَمَن ثَنّاهُ وجَمَعَهُ حَمَلَهُ عَلى الصِّفاتِ والأسْماءِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ «خِصْمانِ» بِكَسْرِ الخاءِ، ومَعْنى اخْتِصامِهِمْ في رَبِّهِمُ اخْتِصامُهم في شَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ في دِينِهِ، وقِيلَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ والكُلُّ مِن شُؤُونِهِ تَعالى واعْتِقادُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَقِّيَّةَ ما هو عَلَيْهِ وبُطْلانَ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ وبِناءُ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ يَكْفِي في تَحَقُّقِ خُصُومَتِهِ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ ولا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّحاوُرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَخاصَمَتِ المُؤْمِنُونَ واليَهُودُ فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ تَعالى وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا ونَبِيًّا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ تَعالى آمَنّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وآمَنّا بِنَبِيِّكم وبِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابٍ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ كِتابَنا ونَبِيَّنا ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ ذَلِكَ واعْتُرِضَ بِأنَّ الخِصامَ عَلى هَذا لَيْسَ في اللَّهِ تَعالى بَلْ في أيِّهِما أقْرَبُ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وهو كَما تَرى وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّ تَخْصِيصَ اليَهُودِ خِلافُ مَساقِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ. وفي الكَشْفِ قالُوا: إنَّ هَذا لا يُنافِي ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الآيَةَ تَرْجِعُ إلى أهْلِ الأدْيانِ السِّتَّةِ في التَّحْقِيقِ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾
صفحة 134
نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةُ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ هم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الِاخْتِصامَ لَيْسَ اخْتِصامًا في اللَّهِ تَعالى بَلْ مَنشَؤُهُ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِهَذَيْنِ الخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في عَدَمِ قَبُولِهِ خَصْمانِ أوْ يُنْتَطَحَ فِيهِ كَبْشانِ، وفي الكَلامِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ تَقْسِيمٌ وجَمْعٌ وتَفْرِيقٌ فالتَّقْسِيمُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ والجَمْعُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ والتَّفْرِيقُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ إلَخْ أيْ أُعِدَّ لَهم ذَلِكَ، وكَأنَّهُ شَبَّهَ إعْدادَ النّارِ المُحِيطَةِ بِهِمْ بِتَقْطِيعِ ثِيابٍ وتَفْصِيلِها لَهم عَلى قَدْرِ جُثَثِهِمْ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ ولَيْسَ هُناكَ تَقْطِيعٌ ولا ثِيابٌ حَقِيقَةً، وكَأنَّ جَمْعَ الثِّيابِ لِلْإيذانِ بِتَراكُمِ النّارِ المُحِيطَةِ بِهِمْ وكَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ والأوَّلُ أبْلَغُ، وعُبِّرَ بِالماضِي لِأنَّ الإعْدادَ قَدْ وقَعَ فَلَيْسَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ كَما في «نُفِخَ في الصُّورِ» .
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ مُذابٍ ولَيْسَ شَيْءٌ حُمِيَ في النّارِ أشَدَّ حَرارَةً مِنهُ فَلَيْسَتِ الثِّيابُ مِن نَفْسِ النّارِ بَلْ مِن شَيْءٍ يُشْبِهُها وتَكُونُ هَذِهِ الثِّيابُ كُسْوَةً لَهم وما أقْبَحَها كُسْوَةً. ولِذا قالَ وهْبٌ: يُكْسى أهْلُ النّارِ والعُرْيُ خَيْرٌ لَهم. وقَرَأ الزَّعْفَرانِيُّ في اخْتِيارِهِ «قُطِعَتْ» بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ.
﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ أيِ الماءُ الحارُّ الَّذِي انْتَهَتْ حَرارَتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَوْ سَقَطَ مِنَ الحَمِيمِ نُقْطَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَأذابَتْها، وفَسَّرَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالنُّحاسِ المُذابِ، والمَشْهُورُ التَّفْسِيرُ السّابِقُ، ولَعَلَّهُ إنَّما جِيءَ بِمَن لِيُؤْذِنَ بِشِدَّةِ الوُقُوعِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ المُقَدَّرَةِ مِن ضَمِيرِ ( لَهُمْ)
22:20Page 334
يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠
By which is melted that within their bellies and [their] skins.
﴿( يُصْهَرُ بِهِ )﴾ أيْ يُذابُ ﴿(ما في بُطُونِهِمْ )﴾ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وجَماعَةٌ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ إلى قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ»» .
وقَرَأ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ «يُصَهَّرُ» بِفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ الهاءِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿( والجُلُودُ )﴾ عَطْفٌ عَلى ما وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ قِيلَ إمّا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ أوْ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ شِدَّةِ الحَرارَةِ بِإيهامِ أنَّ تَأْثِيرَها في الباطِنِ أقْدَمُ مِن تَأْثِيرِها في الظّاهِرِ مَعَ أنَّ مُلابَسَتَها عَلى العَكْسِ، وقِيلَ إنَّ التَّأْثِيرَ في الظّاهِرِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما ذُكِرَ لِلْإشارَةِ إلى تَساوِيهِما ولِذا قُدِّمَ الباطِنُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأهَمُّ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ ويُحْرَقُ الجُلُودُ لِأنَّ الجُلُودَ لا تُذابُ وإنَّما تَجْتَمِعُ عَلى النّارِ وتَنْكَمِشُ، وفي البَحْرِ أنَّ هَذا مِن بابِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا. وقالَ بَعْضُهم: لا حاجَةَ إلى التِزامِ ذَلِكَ فَإنَّ أحْوالَ تِلْكَ النَّشْأةِ أمْرٌ آخَرُ، وقِيلَ ﴿( يُصْهَرُ )﴾ بِمَعْنى يَنْضَجُ، وأنْشَدَ: تَصْهَرُهُ الشَّمْسُ ولا يَنْصَهِرُ وحِينَئِذٍ لا كَلامَ في نِسْبَتِهِ إلى الجُلُودِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( الحَمِيمُ ) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
﴿ولَهُمْ﴾ أيْ لِلْكَفَرَةِ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ لِلزَّبانِيَةِ بَعِيدٌ، واللّامُ لِلِاسْتِحْقاقِ أوْ لِلْفائِدَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وقِيلَ لِلْأجْلِ،
صفحة 135
والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لِتَعْذِيبِهِمْ، وقِيلَ بِمَعْنى عَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافِرَ: 52] أيْ وعَلَيْهِمْ.
﴿مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ جَمْعُ مِقْمَعَةٍ وحَقِيقَتُها ما يُقْمَعُ بِهِ أيْ يُكَفُّ بِعُنْفٍ. وفي مَجْمَعِ البَيانِ هي مِدَقَّةُ الرَّأْسِ مِن قَمَعَهُ قَمْعًا إذا رَدَعَهُ، وفَسَّرَها الضَّحّاكُ وجَماعَةٌ بِالمَطارِقِ، وبَعْضُهم بِالسِّياطِ.
وفِي الحَدِيثِ ««لَوْ وُضِعَ مِقْمَعٌ مِنها في الأرْضِ ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ»»
22:22Page 334
كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢
Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"
﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ أشْرَفُوا عَلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ ودَنَوْا مِنهُ حَسْبَما يُرْوى أنَّها تَضْرِبُهم بِلَهَبِها فَتَرْفَعُهم فَإذا كانُوا في أعْلاها ضُرِبُوا بِالمَقامِعِ فَهَوَوْا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، فالإرادَةُ مَجازٌ عَنِ الإشْرافِ والقُرْبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكَهْفَ: 77] وجَعَلَ بَعْضُهم ضَمِيرَ ( مِنها ) لِلثِّيابِ وهو رَكِيكٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَمٍّ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ ( مِنها ) بِإعادَةِ الجارِّ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ مِن غَمٍّ عَظِيمٍ مِن غُمُومِها أوْ مَفْعُولٌ لَهُ لِلْخُرُوجِ أيْ كُلَّما أرادُوا الخُرُوجَ مِنها لِأجْلِ غَمٍّ عَظِيمٍ يَلْحَقُهم مِن عَذابِها، والغَمُّ أخُو الهَمِّ وهو مَعْرُوفٌ، وقالَ بَعْضُهم: هو هُنا مَصْدَرُ غَمَمْتُ الشَّيْءَ أيْ غَطَّيْتُهُ أيْ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن تَغْطِيَةِ العَذابِ لَهم أوْ مِمّا يُغَطِّيهِمْ مِنَ العَذابِ ﴿أُعِيدُوا فِيها﴾ أيْ في قَعْرِها بِأنْ رُدُّوا مِن أعالِيها إلى أسافِلِها مِن غَيْرِ أنْ يَخْرُجُوا مِنها إذْ لا خُرُوجَ لَهم كَما هو المَشْهُورُ مِن حالِهِمْ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وما هم بِخارِجِينَ ) [البَقَرَةَ: 167، المائِدَةَ: 37] وفي اخْتِيارِ ( فِيها ) دُونَ إلَيْها إشْعارٌ بِذَلِكَ، وقِيلَ الإعادَةُ مَجازٌ عَنِ الإبْقاءِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها فَخَرَجُوا أُعِيدُوا فِيها فالإعادَةُ مُعَلَّقَةٌ عَلى الخُرُوجِ وحُذِفَ لِلْإشْعارِ بِسُرْعَةِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالإعادَةِ ويَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ لَهم، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وما هم بِخارِجِينَ ) نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ أيْ لا يَسْتَمِرُّونَ عَلى الخُرُوجِ لا اسْتِمْرارَ النَّفْيِ، وكَثِيرًا ما يُعَدّى العَوْدُ بِفي لِمُجَرَّدِ الدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ والِاسْتِقْرارِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الخُرُوجَ لَيْسَ مِنَ النّارِ وإنَّما هو مِنَ الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِتَعْذِيبِهِمْ فِيها، والمَعْنى كُلَّما أرادَ أحَدُهم أنْ يَخْرُجَ مِن مَكانِهِ المُعَدِّ لَهُ في النّارِ إلى مَكانٍ آخَرَ مِنها فَخَرَجَ مِنهُ أُعِيدَ فِيهِ وهو كَما تَرى، وهَذِهِ الإعادَةُ عَلى ما قِيلَ بِضَرْبِ الزَّبانِيَةِ إيّاهم بِالمَقامِعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذُوقُوا﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ( أُعِيدُوا ) أيْ وقِيلَ لَهم ذُوقُوا ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ، والأمْرُ لِلْإهانَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences