Al-AlusiAl‑Hajj · 22:26–29

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:26–29

22:26Page 335

وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.

﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ أيِ اذْكُرْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى والمَسْجِدِ الحَرامِ وقْتَ جَعَلْنا مَكانَ البَيْتِ مَباءَةً لِجَدِّهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ مَرْجِعًا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِلْعِمارَةِ والعِبادَةِ ويُقالُ بَوَّأهُ مَنزِلًا إذا أنْزَلَهُ فِيهِ ولَمّا لَزِمَهُ جَعْلُ الثّانِي مَباءَةً لِلْأوَّلِ جِيءَ بِاللّامِ فَهي لِلتَّعْدِيَةِ، و( ومَكانَ ) مَفْعُولٌ بِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى بَيْتًا لَهُ مَكانَ البَيْتِ لِيَبْنِيَهُ ويَكُونَ مَباءَةً لَهُ ولِعَقِبِهِ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ ويَحُجُّونَهُ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ و( مَكانَ ) ظَرْفٌ لَبَوَّأْنا. واعْتُرِضَ بِأنَّ اللّامَ إنَّما تُزادُ إذا قُدِّمَ المَعْمُولُ أوْ كانَ العامِلُ فَرْعًا وشَيْءٌ مِنهُما مُتَحَقِّقٌ ها هُنا وأنَّ ﴿مَكانَ البَيْتِ﴾ ظَرْفٌ مُعَيَّنٌ فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ بِفي، وفِيهِ نَظَرٌ كَما يُعْلَمُ مِن كُتُبِ العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: مَفْعُولُ ( بَوَّأْنا ) مَحْذُوفٌ أيْ بَوَّأْنا النّاسَ واللّامُ في ( لِإبْراهِيمَ ) لامُ العِلَّةِ أيْ لِأجْلِ إبْراهِيمَ أيْ كَرامَةً لَهُ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ مَعَ أنَّ المُرادَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةِ، والمَكانُ المُتَعارَفُ ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الشَّيْءُ

صفحة 142

ويَمْنَعُهُ مِنَ النُّزُولِ والعُلَماءُ فِيهِ مَذاهِبُ ولَيْسَ هَذا مَكانُ تَحْقِيقِها، وأصْلُ البَيْتِ مَأْوى الإنْسانِ بِاللَّيْلِ ثُمَّ قَدْ يُقالُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اللَّيْلِ فِيهِ وجَمْعُهُ أبْياتٌ وبُيُوتٌ لَكِنَّ البُيُوتَ بِالمَسْكَنِ أخَصُّ والأبْياتُ بِالشِّعْرِ أخَصُّ، ويَقَعُ ذَلِكَ عَلى المُتَّخَذِ مِن حَجَرٍ ومِن مَدَرٍ ومِن صُوفٍ ووَبَرٍ، ويُعَبَّرُ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ بِبَيْتِهِ، والمُرادُ بِالبَيْتِ بَيْتُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الكَعْبَةُ المُكَرَّمَةُ، وقَدْ بُنِيَتْ خَمْسَ مَرّاتٍ، إحْداها بِناءُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَ آدَمَ وكانَتْ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ البِناءُ إلى السَّماءِ أيّامَ الطُّوفانِ، والثّانِيَةُ بِناءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. رُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِبَناءِ البَيْتِ لَمْ يَدْرِ أيْنَ يَبْنِي فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الرِّيحَ الخُجُوجَ فَكَشَفَتْ عَنْ أُسِّهِ القَدِيمِ فَبَنى عَلَيْهِ، والثّالِثَةُ بِناءُ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ حَضَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وكانَ شابًّا فَلَمّا أرادُوا أنْ يَرْفَعُوا الحَجَرَ الأسْوَدَ اخْتَصَمُوا فِيهِ فَأرادَ كُلَّ قَبِيلَةٍ أنَّ يَتَوَلّى رَفْعَهُ ثُمَّ تَوافَقُوا عَلى أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم أوَّلُ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِن هَذِهِ السِّكَّةِ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوَّلَ مَن خَرَجَ فَقَضى بَيْنَهم أنْ يَجْعَلُوهُ في مَرْطٍ ثُمَّ يَرْفَعُهُ جَمِيعُ القَبائِلِ فَرَفَعُوهُ ثُمَّ ارْتَقى ﷺ فَرَفَعُوهُ إلَيْهِ فَوَضَعَهُ مَكانَهُ وكانُوا يَدْعُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأمِينَ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ المَبْعَثِ فِيما قِيلَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، والرّابِعَةُ بِناءُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والخامِسَةُ بِناءُ الحَجّاجِ وهو البِناءُ المَوْجُودُ اليَوْمَ وارْتِفاعُها في السَّماءِ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ ذِراعًا ورُبْعُ ذِراعٍ والذِّراعُ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ إصْبَعًا والإصْبَعُ سِتُّ شَعِيراتٍ والشَّعِيرَةُ سِتُّ شَعَراتٍ مِن شَعَرِ البِرْذَوْنِ: وأمّا طُولُها في الأرْضِ فَمِنَ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ إلى الرُّكْنِ الأسْوَدِ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ذِراعًا وكَذا ما بَيْنَ اليَمانِيِّ والغَرْبِيِّ، وأمّا عَرْضُها فَهو مِنَ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ إلى الرُّكْنِ الأسْوَدِ عِشْرُونَ ذِراعًا، وطُولُ البابِ سِتَّةُ أذْرُعٍ وعَشَرَةُ أصابِعَ، وعَرْضُهُ أرْبَعَةُ أذْرُعٍ والبابُ في جِدارِها الشَّرْقِيِّ وهو مِن خَشَبِ السّاجِ مُضَبَّبٌ بِالصَّفائِحِ مِنَ الفِضَّةِ، وارْتِفاعُ ما تَحْتَ عَتَبَةِ البابِ مِنَ الأرْضِ أرْبَعَةُ أذْرُعٍ وثَلاثُ أصابِعَ، والمِيزابُ في وسَطِ جِدارِ الحِجْرِ. وعَرْضُ المُلْتَزَمِ وهو ما بَيْنَ البابِ والحَجَرِ الأسْوَدِ أرْبَعَةُ أذْرُعٍ، وارْتِفاعُ الحَجَرِ الأسْوَدِ مِنَ الأرْضِ ثَلاثَةُ أذْرُعٍ إلّا سَبْعًا، وعَرْضُ القِدْرِ الَّذِي بَدَرَ مِنهُ شِبْرٌ وأرْبَعُ أصابِعَ مَضْمُومَةٌ، وعَرْضُ المُسْتَجادِ وهو بَيْنَ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ إلى البابِ المَسْدُودِ في ظَهْرِ الكَعْبَةِ مُقابِلًا لِلْمُلْتَزِمِ أرْبَعَةُ أذْرُعٍ وخَمْسُ أصابِعَ، وعَرْضُ البابِ المَسْدُودِ ثَلاثَةُ أذْرُعٍ ونِصْفُ ذِراعٍ وطُولُهُ أكْثَرُ مِن خَمْسَةِ أذْرُعٍ، وأمّا الحِجْرُ ويُسَمّى الحَطِيمَ والحَظِيرَةَ فَعَلى هَيْئَةِ نِصْفِ دائِرَةٍ مِن صَوْبِ الشّامِ والشَّمالِ بَيْنَ الرُّكْنِ العِراقِيِّ والشّامِيِّ. وحَدُّهُ مِن جِدارِ الكَعْبَةِ الَّذِي تَحْتَ المِيزابِ إلى جِدارِ الحِجْرِ سَبْعَةَ عَشَرَ ذِراعًا وثَمانِي أصابِعَ مِنها سَبْعَةُ أذْرُعٍ أوْ سِتَّةٌ وشِبْرٌ مِن أرْضِ الكَعْبَةِ، والباقِي كانَ زِرْبًا لِغَنَمِ سَيِّدِنا إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأدْخَلُوهُ في الحِجْرِ، وما بَيْنَ بابَيِ الحِجْرِ عِشْرُونَ ذِراعًا، وعَرْضُ جِدارِ الحِجْرِ ذِراعانِ، وذَرْعُ تَدْوِيرِ جِدارِ الحِجْرِ مِن داخِلِهِ ثَمانِيَةٌ وثَلاثُونَ ذِراعًا ومِن خارِجِهِ أرْبَعُونَ ذِراعًا وسِتُّ أصابِعَ، وارْتِفاعُ جِدارِ الحِجْرِ ذِراعانِ فَذَرْعُ الطَّوْقِ وحْدَهُ حَوْلَ الكَعْبَةِ، والحِجْرِ مِائَةُ ذِراعٍ وثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ ذِراعًا واثْنَتا عَشْرَةَ أُصْبُعًا، وهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الآمِدِيُّ في رِسالَةٍ لَهُ في ذَلِكَ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وإنّا لَنَرْجُو مِن رَبِّ البَيْتِ أنْ يُوَفِّقَنا لِزِيارَةِ بَيْتِهِ وتَحْقِيقِ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ، و( أنْ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ قِيلَ مُفَسِّرَةٌ، والتَّفْسِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّ التَّبْوِئَةَ مِن أجْلِ العِبادَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ أمَرْنا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِبادَةِ وذَلِكَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ أوْ لِأنَّ بَوَّأْناهُ بِمَعْنى قُلْنا لَهُ تَبَوَّأْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وكَأنَّهُ لِتَأْوِيلِ بَوَّأْناهُ بِأعْلَمْناهُ فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَها فِعْلُ تَحْقِيقٍ أوْ تَرْجِيحٍ.

صفحة 143

وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى أنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ وكَما تُوصَلُ بِالمُضارِعِ تُوصَلُ بِالماضِي والأمْرِ والنَّهْيِ انْتَهى، وحِينَئِذٍ لا تَنْصِبُ لَفْظًا، وقَوْلُ أبِي حاتِمٍ: لا بُدَّ مِن نَصْبِ الكافِ عَلى هَذا رَدَّهُ في الدُّرِّ المَصُونِ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تُشْرَكَ بِي في العِبادَةِ شَيْئًا، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِكْرِمَةَ وأبِي نُهَيْكٍ «أنْ لا يُشْرِكَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُرادُ بِالطَّهارَةِ ما يَشْمَلُ الحِسِّيَّةَ والمَعْنَوِيَّةَ أيْ وطَهِّرْ بَيْتِيَ مِنَ الأوْثانِ والأقْذارِ لِمَن يَطُوفُ بِهِ ويُصَلِّي عِنْدَهُ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الصَّلاةِ بِأرْكانِها مِنَ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ التَّطْهِيرِ أوِ التَّبْوِئَةِ عَلى ما قِيلَ: فَكَيْفَ وقَدِ اجْتَمَعَتْ أوْ لِلتَّنْصِيصِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى نَبِيِّها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ إذِ اجْتِماعُ هَذِهِ الأرْكانِ لَيْسَ إلّا في صَلاتِهِمْ، ولَمْ يُعْطَفِ السُّجُودُ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ الرُّكُوعِ في الخُضُوعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( القائِمِينَ ) بِمَعْنى المُقِيمِينَ و(الطّائِفِينَ ) بِمَعْنى الطّارِئِينَ فَيَكُونُ المُرادُ بِالرُّكَّعِ السُّجُودِ فَقَطْ المُصَلِّينَ إلّا أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الطّائِفِينَ ما ذُكِرَ أوَّلًا

22:27Page 335

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧

And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -

﴿وأذِّنْ في النّاسِ﴾ أيْ نادِ فِيهِمْ ﴿بِالحَجِّ﴾ بِدَعْوَةِ الحَجِّ والأمْرِ بِهِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ فَقالَ: أُذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ قالَ: يا رَبِّ وما يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قالَ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ قالَ: رَبِّ كَيْفَ أقُولُ؟ قالَ: قُلْ يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ العَتِيقِ فَسَمِعَهُ أهْلُ السَّماءِ والأرْضِ ألا تَرى أنَّهم يُجِيبُونَ مِن أقْصى البِلادِ يُلَبُّونَ» وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَعِدَ أبا قُبَيْسٍ فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ ثُمَّ نادى يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَأجِيبُوا رَبَّكم فَأجابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ، وأوَّلُ مَن أجابَ أهْلُ اليَمَنِ فَلَيْسَ حاجٌّ يَحُجُّ مِن يَوْمِئِذٍ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ إلّا مَن أجابَ يَوْمَئِذٍ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قامَ عَلى الحِجْرِ فَنادى، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قامَ عَلى الصَّفا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَطاوَلَ بِهِ المَقامُ حَتّى كانَ كَأطْوَلِ جَبَلٍ في الأرْضِ فَأذَّنَ بِالحَجِّ، ويُمْكِنُ الجَمْعُ بِتَكَرُّرِ النِّداءِ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِرَ بِذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ولا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَأْباهُ كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ أوَّلُها.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصَنٍ و«آذِنْ» بِالمَدِّ والتَّخْفِيفِ أيْ أعْلِمْ كَما قالَ البَعْضُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهِ هُنا أوْقِعِ الإيذانَ لِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لا بِفي فَهو كَقَوْلِهِ: «يَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي» .

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَدْ تَصَحَّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى ابْنِ جِنِّيٍّ فَإنَّهُ حُكِيَ عَنْهُما «وآذَنَ» فِعْلًا ماضِيًا وجَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ( بَوَّأْنا ) وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتَصْحِيفٍ بَلْ قَدْ حَكى ذَلِكَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ خالَوَيْهِ في شَواذِّ القِراءاتِ مِن جَمْعِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ «بِالحِجِّ» بِكَسْرِ الحاءِ حَيْثُ وقَعَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ﴾ جُزِمَ في جَوابِ الأمْرِ وهو ( أذِّنْ ) عَلى القِراءَتَيْنِ و(طَهِّرْ ) عَلى الثّالِثَةِ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وإيقاعُ الإتْيانِ عَلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِنِدائِهِ، والمُرادُ يَأْتُوا بَيْتَكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رِجالا﴾ في مَوْضِعِ

صفحة 144

الحالِ أيْ مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ كَقِيامٍ جَمْعُ قائِمٍ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ «رُجالًا» بِضَمِّ الرّاءِ والتَّخْفِيفِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ وأبِي مِجْلَزٍ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِراجِلٍ كَطُؤارٍ لِطائِرٍ أوْ هو جَمْعٌ نادِرٌ، ورُوِيَ عَنْ هَؤُلاءِ وابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «رُجّالًا» بِالضَّمِّ والتَّشْدِيدِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتُجّارٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ «رُجالى» كَسُكارى وهو جَمْعُ رَجُلانِ أوْ راجِلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ وابْنِ حُدَيْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم شَدَّدُوا الجِيمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ عُطِفَ عَلى ( رِجالًا ) أيْ ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ مَهْزُولٍ أتْعَبَهُ بُعْدُ الشُّقَّةِ فَهَزَلَهُ أوْ زادَ هُزالُهُ، والضّامِرُ يُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وعَدَلَ عَنْ رُكْبانًا الأخْصَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ الآتِينَ مِنَ الأماكِنِ البَعِيدَةِ.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ المَشْيِ والرُّكُوبِ في الحَجِّ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: واسْتَدَلَّ عُلَماؤُنا بِتَقْدِيمِ ( رِجالًا ) عَلى أنَّ المَشْيَ أفْضَلُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ أنَّهُ قالَ: ما آسى عَلى شَيْءٍ فاتَنِي إلّا أنِّي لَمْ أحُجَّ ماشِيًا حَتّى أدْرَكَنِي الكِبَرُ أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ فَبَدَأ بِالرِّجالِ قَبْلَ الرُّكْبانِ، وفي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهُما عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ لِلْحاجِّ الرّاكِبِ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوها راحِلَتُهُ سَبْعِينَ حَسَنَةً ولِلْماشِي بِكُلِّ قَدَمٍ سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِن حَسَناتِ الحَرَمِ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما حَسَناتُ الحَرَمِ؟ قالَ: الحَسَنَةُ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ حَجّا وهُما ماشِيانِ.

وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الحَجُّ عَلى مَن في طَرِيقِهِ بَحْرٌ ولا طَرِيقَ لَهُ سِواهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ في الآيَةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ عَلى بَحْرٍ وإنَّما يُتَوَصَّلُ إلَيْها عَلى إحْدى الحالَيْنِ مَشْيٌ أوْ رُكُوبٌ، وأيْضًا في دَلالَةِ عَدَمِ الذِّكْرِ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ نَظَرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِينَ﴾ صِفَةٌ لِضامِرٍ أوْ لِكُلٍّ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ ورُكْبانًا عَلى ضَوامِرَ يَأْتِينَ، و(كُلِّ ) هُنا لِلتَّكْثِيرِ لا لِلْإحاطَةِ وما قِيلَ مِن أنَّها إذا أُضِيفَتْ لِنَكِرَةٍ لَمْ يُراعَ مَعْناها إلّا قَلِيلًا رَدُّوهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها، وكَذا ما قِيلَ إنَّهُ يَجُوزُ إذا كانا في جُمْلَتَيْنِ لِأنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ شامِلًا لِرِجالٍ ( وكُلِّ ضامِرٍ ) والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِذَلِكَ عَلى مَعْنى الجَماعاتِ والرِّفاقِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُهُ تَغْلِيبُ غَيْرِ العُقَلاءِ عَلَيْهِمْ وقَدْ صَرَّحُوا بِمَنعِهِ. نَعَمْ قَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «يَأْتُونَ» واعْتِبارُ التَّغْلِيبِ فِيهِ عَلى بابِهِ، والمَشْهُورُ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِرِجالًا ورُكْبانًا فَلا تَغْلِيبَ، وجُوِّزَ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلنّاسِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ﴾ أيْ طَرِيقٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وأبِي العالِيَةِ وهو في الأصْلِ شَقَّةٌ يَكْتَنِفُها جَبَلانِ ويُسْتَعْمَلُ في الطَّرِيقِ الواسِعِ وكَأنَّهم جَرَّدُوهُ عَنْ مَعْنى السِّعَةِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ هُنا بَلْ لا يَخْلُو مِن خَلَلٍ ﴿عَمِيقٍ﴾ أيْ بِعِيدٍ وبِهِ فَسَّرَهُ الجَماعَةُ أيْضًا، وأصْلُهُ البَعِيدُ سُفْلًا وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «مُعِيقٍ» قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ عَمِيقٌ مُعِيقٌ لِتَمِيمٍ وأعْمَقْتُ البِئْرَ وأمْعَقْتُها وقَدْ عَمُقَتْ ومَعُقَتْ عَماقَةً ومُعاقَةً وهي بَعِيدَةُ العُمْقِ والمَعْقِ

22:28Page 335

لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨

That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.

﴿لِيَشْهَدُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوكَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِأذِّنْ. أيْ

صفحة 145

لِيَحْضُرُوا ﴿مَنافِعَ﴾ عَظِيمَةَ الخَطَرِ كَثِيرَةَ العَدَدِ فَتَنْكِيرُها وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَنْوِينٌ لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ أيْ نَوْعًا مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وتَعْمِيمُ المَنافِعِ بِحَيْثُ تَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَنافِعُ في الآخِرَةِ فَأمّا مَنافِعُ الآخِرَةِ فَرِضْوانُ اللَّهِ تَعالى وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَما يُصِيبُونَ مِن لُحُومِ البُدْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ والذَّبائِحِ والتِّجاراتِ، وخَصَّ مُجاهِدٌ مَنافِعَ الدُّنْيا بِالتِّجارَةِ فَهي جائِزَةٌ لِلْحاجِّ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ إذا لَمْ تَكُنْ هي المَقْصُودَةَ مِنَ السَّفَرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ نِداءَهم ودَعْوَتَهم لِذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، عَلى أنَّهُ إنَّما يَتَأتّى عَلى ما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ، وعَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَخْصِيصُ المَنافِعِ بِالأُخْرَوِيَّةِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُها بِالدُّنْيَوِيَّةِ والتَّعْمِيمُ أوْلى ( لَهم ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَنافِعَ أيْ مَنافِعَ كائِنَةً لَهم ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عِنْدَ النَّحْرِ ﴿فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ أيْ مَخْصُوصاتٍ وهي أيّامُ النَّحْرِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ وعِدَّتُها ثَلاثَةُ أيّامٍ يَوْمُ العِيدِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ عِنْدَنا وعِنْدَ الثَّوْرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ لِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ. وأنَسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: أيّامُ النَّحْرِ ثَلاثَةٌ أفْضَلُها أوَّلُها، وقَدْ قالُوهُ سَماعًا لِأنَّ الرَّأْيَ لا يَهْتَدِي إلى المَقادِيرِ، وفي الأخْبارِ الَّتِي يُعَوَّلُ عَلَيْها تَعارُضٌ فَأخَذْنا بِالمُتَيَقَّنِ وهو الأقَلُّ، وقالَ الشّافِعِيُّ والحَسَنُ وعَطاءٌ: أرْبَعَةُ أيّامٍ يَوْمُ العِيدِ وثَلاثَةٌ بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «: «أيّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّها أيّامُ ذَبْحٍ»» وعِنْدَ النَّخَعِيِّ وقْتُ النَّحْرِ يَوْمانِ، وعِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ يَوْمٌ واحِدٌ، وعِنْدَ أبِي سَلَمَةَ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ الأضْحى إلى هِلالِ المُحَرَّمِ ولَمْ نَجِدْ في ذَلِكَ مُسْتَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. واسْتُدِلَّ بِذِكْرِ الأيّامِ عَلى أنَّ الذَّبْحَ لا يَجُوزُ لَيْلًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِ الرَّأْيِ انْتَهى. والمَذْكُورُ في كُتُبِ الأصْحابِ أنَّهُ يَجُوزُ الذَّبْحُ إلّا أنَّهُ يُكْرَهُ لِاحْتِمالِ الغَلَطِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.

وأمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى عَدَمِ الجَوازِ بِذِكْرِ الأيّامِ فَكَما تَرى، وقِيلَ الأيّامُ المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ وقَتادَةَ ولَعَلَّ المُرادَ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى عَلى هَذا ما قِيلَ حَمْدُهُ وشُكْرُهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلى الأوَّلِ قَوْلُ الذّابِحِ: بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وذُكِرَ أنَّهُ يُقالُ مَعَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ مِنكَ ولَكَ عَنْ فُلانٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَوْلٌ آخَرُ. ورَجَّحَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الشُّكْرِ بِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ . واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الذِّكْرَ عَلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ أوْ مُطْلَقًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كِنايَةً عَنِ النَّحْرِ، وذَكَرَ أنَّهُ دَلَّ بِذَلِكَ عَلى المَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِنَ النَّحْرِ وما يُمَيِّزُهُ عَنِ العاداتِ. وأوْمَأ فِيهِ إلى أنَّ الأعْمالَ الحَجِّيَّةَ كُلَّها شُرِّعَتْ لِلذِّكْرِ. وأنَّهُ قِيلَ: ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ تَشْوِيقًا في التَّقَرُّبِ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ المُرادِ بِها الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ والمَعْزُ إلى الرّازِقِ وتَهْوِينًا عَلَيْهِمْ في الإنْفاقِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الإجْمالِ والتَّفْسِيرِ، وظَرْفِيَّةُ الأيّامِ المَعْلُوماتِ عَلى القَوْلِ بِأنَّها عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ لِلنَّحْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مِنها، وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إيفاءِ الذِّكْرِ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ

صفحة 146

فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلى ضَحاياكم فَكُلُوا مِن لُحُومِها، والأمْرُ لِلْإباحَةِ بِناءً عَلى أنَّ الأكْلَ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ شَرْعًا. وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ بَعْدَ المَنعِ يَقْتَضِي الإباحَةَ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ النَّهْيِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ أكْلِ لُحُومِ الأضاحِي فَكَلُّوا مِنها وادَّخِرُوا»» وقِيلَ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ فِيهِ أوْ لِلنَّدْبِ عَلى مُواساةِ الفُقَراءِ ومُساواتِهِمْ في الأكْلِ مِنها، وهَذا عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ أيِ الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٌ أيْ شِدَّةٌ، وعَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ تَفْسِيرُهُ بِالَّذِي يَمُدُّ كَفَّيْهِ إلى النّاسِ يَسْألُ ﴿الفَقِيرَ﴾ أيِ المُحْتاجَ، والأمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ الإمامِ عَلِيٍّ ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ أيْضًا، ويُسْتَحَبُّ كَما في الهِدايَةِ أنْ لا يَنْقُصَ ما يُطْعِمُ عَنِ الثُّلُثِ لِأنَّ الجِهاتِ الأكْلُ والإطْعامُ الثّابِتانِ بِالآيَةِ والِادِّخارُ الثّابِتُ بِالحَدِيثِ فَتُقَسَّمُ الأُضْحِيَّةُ عَلَيْها أثْلاثًا وقالَ بَعْضُهم: لا تَحْدِيدَ فِيما يُؤْكَلُ أوْ يُطْعَمُ لِإطْلاقِ الآيَةِ، وأوْجَبَ الشّافِعِيَّةُ الإطْعامَ وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الأكْلَ مِنَ الأُضْحِيَّةِ واجِبٌ أيْضًا. وتَخْصِيصُ البائِسِ الفَقِيرِ بِالإطْعامِ لا يَنْفِي جَوازَ إطْعامِ الغَنِيِّ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى الجَوازِ بِالأمْرِ الأوَّلِ لِإفادَتِهِ جَوازَ أكْلِ الذّابِحِ ومَتى جازَ أكْلُهُ وهو غَنِيٌّ جازَ أنْ يُؤْكِلَهُ غَنِيًّا

22:29Page 335

ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩

Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ هو في الأصْلِ الوَسَخُ والقَذَرُ، وعَنْ قُطْرُبٍ تَفَثَ الرَّجُلُ كَثُرَ وسَخُهُ في سَفَرِهِ، وقالَ أبُو مُحَمَّدٍ البَصْرِيُّ: التَّفَثُ مِنَ التَفِّ وهو وسَخُ الأظْفارِ وقُلِبَتِ الفاءُ ثاءً كَما في مُغْثُورٍ، وفَسَّرَهُ جَمْعٌ هُنا بِالشُّعُورِ والأظْفارِ الزّائِدَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والقَضاءُ في الأصْلِ القَطْعُ والفَصْلُ وأُرِيدَ بِهِ الإزالَةُ مَجازًا أيْ لِيُزِيلُوا ذَلِكَ بِتَقْلِيمِ الأظْفارِ والأخْذِ مِنَ الشَّوارِبِ والعارِضَيْنِ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَتْفِ الإبِطِ وحَلْقِ الرَّأْسِ والعانَةِ، وقِيلَ: القَضاءُ مُقابِلُ الأداءِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لِيَقْضُوا إزالَةَ تَفَثِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لِمُضِيِّ زَمانِ إزالَتِهِ عُدَّ الفِعْلُ قَضاءً لِما فاتَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ قالَ: التَّفَثُ النُّسُكُ كُلُّهُ مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ والسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيِ الجِمارِ، والقَضاءُ عَلى هَذا بِمَعْنى الأداءِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ لِيُؤَدُّوا نُسُكَهم. وكانَ التَّعْبِيرُ عَنِ النُّسُكَ بِالتَّفَثِ لِما أنَّهُ يَسْتَدْعِي حُصُولَهُ فَإنَّ الحُجّاجَ ما لَمْ يَحِلُّوا شُعْثٌ غُبْرٌ وهو كَما تَرى، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ مِن إزالَةِ التَّفَثِ بِالمَعْنى السّابِقِ قَضاءُ المَناسِكِ كُلِّها لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ أرادَ أنَّ قَضاءَ التَّفَثِ هو قَضاءُ النُّسُكِ كُلِّهِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قَضاءُ التَّفَثِ قَضاءُ النُّسُكِ كُلِّهِ.

﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما يُنْذِرُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ في حَجِّهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِما يُنْذِرُونَهُ مِن نَحْرِ البُدْنِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ هي مُواجِبُ الحَجِّ، وعَنْ مُجاهِدٍ ما وجَبَ مِنَ الحَجِّ والهَدْيِ وما نَذَرَهُ الإنْسانُ مِن شَيْءٍ يَكُونُ في الحَجِّ فالنَّذْرُ بِمَعْنى الواجِبِ مُطْلَقًا مَجازًا. وقَرَأ شُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ «ولْيُوَفُّوا» مُشَدَّدًا ﴿ولْيَطَّوَّفُوا﴾ طَوافَ الإفاضَةِ وهو طَوافُ الزِّيارَةِ الَّذِي هو مِن أرْكانِ الحَجِّ وبِهِ تَمامُ التَّحَلُّلِ فَإنَّهُ قَرِينَةُ قَضاءِ التَّفَثِ بِالمَعْنى السّابِقِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وجَماعَةٍ بَلْ قالَ الطَّبَرِيُّ وإنْ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ: لا خِلافَ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ في أنَّهُ طَوافُ الإفاضَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، وقِيلَ: طَوافُ الصَّدْرِ وهو طَوافُ الوَداعِ وفي عِدَّةٍ مِنَ المَناسِكِ خِلافٌ ﴿بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««إنَّما سَمّى اللَّهُ

صفحة 147

البَيْتَ العَتِيقَ لِأنَّهُ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبّارٌ قَطُّ»» وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ وقَتادَةُ وقَدْ قَصَدَهُ تُبَّعٌ لِيَهْدِمَهُ فَأصابَهُ الفالَجُ فَأُشِيرَ عَلَيْهِ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ، وقِيلَ: لَهُ رَبٌّ يَمْنَعُهُ فَتَرَكَهُ وكَساهُ وهو أوَّلُ مَن كَساهُ، وقَصَدَهُ أبَرْهَةُ فَأصابَهُ ما أصابَهُ، وأمّا الحَجّاجُ فَلَمْ يَقْصِدِ التَّسَلُّطَ عَلى البَيْتِ لَكِنْ تَحَصَّنَ بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فاحْتالَ لِإخْراجِهِ ثُمَّ بَناهُ، ولَعَلَّ ما وقَعَ مِنَ القَرامِطَةِ وإنْ أخَذُوا الحَجَرَ الأسْوَدَ وبَقِيَ عِنْدَهم سِنِينَ مِن هَذا القَبِيلِ، ويُقالُ فِيما يَكُونُ آخِرُ الزَّمانِ مِن هَدْمِ الحَبَشَةِ إيّاهُ وإلْقاءِ أحْجارِهِ في البَحْرِ إنْ صَحَّ: إنَّ ذَلِكَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ الَّتِي لا تَرِدُ نَقْضًا عَلى الأُمُورِ الَّتِي قِيلَ بِاطِّرادِها، وقِيلَ: في الجَوابِ غَيْرُ ذَلِكَ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ مَوْضِعُهُ قَطُّ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الغَرَقِ زَمانَ الطُّوفانِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ العَتِيقَ بِمَعْنى الجَيِّدِ مِن قَوْلِهِمْ: عِتاقُ الخَيْلِ وعِتاقُ الطَّيْرِ، وقِيلَ: فَقِيلَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ أيْ مُعْتِقُ رِقابِ المُذْنِبِينَ ونِسْبَةُ الإعْتاقِ إلَيْهِ مَجازٌ لِأنَّهُ تَعالى يَعْتِقُ رِقابَهم بِسَبَبِ الطَّوافِ بِهِ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ: العَتِيقُ القَدِيمُ فَإنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ وهَذا هو المُتَبادَرُ إلّا أنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا صَحَّ الحَدِيثُ لا يُعْدَلُ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ حِفْظَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ وبَقاءَهُ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ مُعَظَّمًا يُؤْتى مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ بِمَحْضِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ.

وبَعْضُ المُلْحِدِينَ زَعَمُوا أنَّهُ بُنِيَ في شَرَفِ زُحَلَ والطّالِعُ الدَّلْوُ أحَدُ بَيْتَيْهِ ولَهُ مُناظَراتٌ سَعِيدَةٌ فاقْتَضى ذَلِكَ حِفْظَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ وبَقاءَهُ مُعَظَّمًا الدَّهْرَ الطَّوِيلَ ويُسَمُّونَهُ لِذَلِكَ بَيْتَ زُحَلَ، وقَدْ ضَلُّوا بِذَلِكَ ضَلالًا بَعِيدًا، وسَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى خَطَأ مَن يَقُولُ بِتَأْثِيرِ الطّالِعِ أتَمَّ بَيانٍ واللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском