Al-AlusiAl‑Hajj · 22:30–33

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:30–33

22:30Page 335

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠

That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ، وهَذا وأمْثالُهُ مِن أسْماءِ الإشارَةِ يُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ وجْهَيْ كَلامٍ واحِدٍ، والمَشْهُورُ مِن ذَلِكَ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: هَذا ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: 55] وكَقَوْلِ زُهَيْرٍ وقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ وصْفُ هَرِمٍ بِالكَرَمِ والشَّجاعَةِ:

هَذا ولَيْسَ كَمَن يَعْيا بِخُطْبَتِهِ، وسْطَ النَّدِيِّ إذا ما ناطِقٌ نَطَقا

واخْتِيارُ ( ذَلِكَ ) هُنا لِدَلالَتِهِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وهو مِنَ الِاقْتِضابِ القَرِيبِ مِنَ التَّخَلُّصِ لِمُلاءَمَةِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ امْتَثِلُوا ذَلِكَ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ جَمْعُ حُرْمَةٍ وهو ما يُحْتَرَمُ شَرْعًا، والمُرادُ بِها جَمِيعُ التَّكْلِيفاتِ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وغَيْرِها، وتَعْظِيمُها بِالعِلْمِ بِوُجُوبِ مُراعاتِها والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ، وقالَ جَمْعٌ: هي ما أمَرَ بِهِ مِنَ المَناسِكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هي جَمِيعُ المَناهِي في الحَجِّ فُسُوقٌ وجِدالٌ وجِماعٌ وصَيْدٌ، وتَعْظِيمُها أنْ لا يَحُومَ حَوْلَها، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ هي خَمْسٌ المَشْعَرُ الحَرامُ والمَسْجِدُ الحَرامُ، والبَيْتُ الحَرامُ والشَّهْرُ الحَرامُ والمُحَرَّمِ حَتّى يُحِلَّ ﴿فَهُوَ﴾ أيْ فالتَّعْظِيمُ ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ مِن غَيْرِهِ عَلى أنَّ ( خَيْرٌ ) اسْمُ تَفْضِيلٍ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلَ فَلا يَحْتاجُ لِتَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ، ومَعْنى كَوْنِهِ خَيْرًا لَهُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ يُثابُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ ( مَن ) لِتَشْرِيفِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ أيْ ذَبْحُها وأكْلُها لِأنَّ ذاتَها لا تُوصَفُ بِحَلٍّ وحُرْمَةٍ، والمُرادُ بِها الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ عَلى الإطْلاقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم آيَةَ تَحْرِيمِهِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ كَما اخْتارَهُ الأكْثَرُونَ مِنها عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَمّا حَرُمَ مِنها لِعارِضٍ كالمَيْتَةِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ

صفحة 148

الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَمّا حَرُمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائِدَةَ: 3] الآيَةَ، وفِيهِ ما لَيْسَ مِن جِنْسِ الأنْعامِ، والفِعْلُ عَلى الوَجْهَيْنِ لَمْ يُرَدْ مِنهُ الِاسْتِقْبالُ لِسَبْقِ تِلاوَةِ آيَةِ التَّحْرِيمِ، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الماضِيَةِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والإطْعامِ ودافِعَةٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّ الإحْرامَ يُحَرِّمُ ذَلِكَ كَما يُحَرِّمُ الصَّيْدَ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ أيِ القَذِرَ ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ أيِ الَّذِي هو الأوْثانُ عَلى أنَّ مِن بَيانِيَّةٌ.

وفِي تَعْرِيفِ ﴿الرِّجْسَ﴾ بِلامِ الجِنْسِ مَعَ الإبْهامِ والتَّعْيِينِ وإيقاعِ الِاجْتِنابِ عَلى الذّاتِ دُونَ العِبادَةِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ عَنْ عِبادَتِها، وقِيلَ: مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِاجْتِنابِ الرِّجْسِ عامًّا ثُمَّ عَيَّنَ سُبْحانَهُ لَهم مَبْدَأهُ الَّذِي مِنهُ يَلْحَقُهم إذْ عِبادَةُ الوَثَنِ جامِعَةٌ لِكُلِّ فَسادٍ ورِجْسٍ، وفي البَحْرِ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ بِأنْ يَعْنِيَ بِالرِّجْسِ عِبادَةَ الأوْثانِ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ فاجْتَنِبُوا مِنَ الأوْثانِ الرِّجْسَ وهو العِبادَةُ لِأنَّ المُحَرَّمَ مِنها إنَّما هو العِبادَةُ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ اسْتِعْمالُ الوَثَنِ في بِناءٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمَّ يُحَرِّمُهُ الشَّرْعُ فَكانَ لِلْوَثَنِ جِهاتٌ، مِنها عِبادَتُهُ وهو المَأْمُورُ بِاجْتِنابِهِ وعِبادَتُهُ بَعْضُ جِهاتِهِ فَقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ مَن جَعَلَ مِن لِلتَّبْعِيضِ قَلَبَ المَعْنى وأفْسَدَهُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ انْتَهى. ولا يَخْفى ما في كِلا الوَجْهَيْنِ الِابْتِداءِ والتَّبْعِيضِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ، وها هُنا احْتِمالٌ آخَرُ سَتَعْلَمُهُ مَعَ ما فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُعَظِّمْ﴾ إلَخْ مِن وُجُوبِ مُراعاةِ الحُرُماتِ والِاجْتِنابِ عَنْ هَتْكِها.

وذُكِرَ أنَّ بِالِاسْتِثْناءِ حَسُنَ التَّخَلُّصُ إلى ذَلِكَ وهو السِّرُّ في عَدَمِ حَمْلِ الأنْعامِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الضَّحايا والهَدايا المَعْهُودَةِ خاصَّةً لِيَسْتَغْنِيَ عَنْهُ إذْ لَيْسَ فِيها ما حَرُمَ لِعارِضٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ والأنْعامُ لَيْسَتْ مِنَ الحُرُماتِ فَإنَّها مُحَلَّلَةٌ لَكم إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم آيَةُ تَحْرِيمِهِ فَإنَّهُ مِمّا يَجِبُ الِاجْتِنابُ عَنْهُ فاجْتَنِبُوا ما هو مُعْظَمُ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الِاجْتِنابُ عَنْها وهو عِبادَةُ الأوْثانِ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ مُتَسَبِّبٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ( أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ ) فَإنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَسْتَدْعِي الشُّكْرَ لِلَّهِ تَعالى لا الكُفْرَ، والإشْراكَ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِن أجْلِ الأوْثانِ عَلى أنَّ ( مَن ) سَبَبِيَّةٌ وهو تَخْصِيصٌ لِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِالذِّكْرِ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى﴾ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: فِيما بَعْدُ ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ إذا حُمِلَ عَلى ما حَمَلُوهُ كانَ تَكْرارًا انْتَهى. وأوْرَدَ عَلى ما ادَّعى ظُهُورَهُ أنَّ إحْلالَ الأنْعامِ وإنْ كانَ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ إلّا أنَّهُ مِنَ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الأدِلَّةِ الخارِجِيَّةِ الَّتِي يُعْرَفُ بِها التَّوْحِيدُ وبُطْلانُ الشِّرْكِ فَلا يَحْسُنُ اعْتِبارُ تَسَبُّبِ اجْتِنابِ الأوْثانِ عَنْهُ. وأمّا ما ادَّعى عَدَمَ بُعْدِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ فَتَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَإنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ رَأْسُ الزُّورِ لِما فِيها مِنَ ادِّعاءِ الِاسْتِحْقاقِ كَأنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ الحُرُماتِ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِما فِيهِ رَدٌّ لِما كانَتِ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِهِما والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ، ولَمْ يَعْطِفْ قَوْلَ الزُّورِ عَلى الرِّجْسِ بَلْ أعادَ العامِلُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ، والمُرادُ مِنَ الزُّورِ مُطْلَقُ الكَذِبِ وهو مِنَ الزُّورِ بِمَعْنى الِانْحِرافِ فَإنَّ الكَذِبَ مُنْحَرِفٌ عَنِ الواقِعِ والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِاجْتِنابِ شَهادَةِ الزُّورِ لِما أخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ

صفحة 149

وابْنُ ماجَهْ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّهُ ﷺ صَلّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَلَمّا انْصَرَفَ قائِمًا قالَ: عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ تَعالى ثَلاثَ مَرّاتٍ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ».

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا نَصَّ فِيما ذُكِرَ مِنَ الخَبَرِ مَعَ ما في سَنَدِهِ في بَعْضِ الطُّرُقِ مِنَ المَقالِ عَلى التَّخْصِيصِ لِجَوازِ بَقاءِ الآيَةِ عَلى العُمُومِ وتِلاوَتِها لِشُمُولِها لِذَلِكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ يَعْنِي بِقَوْلِ الزُّورِ الشِّرْكَ بِالكَلامِ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ فَيَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ وهو قَوْلٌ بِالتَّخْصِيصِ. ولا يَخْفى أنَّ التَّعْمِيمَ أوْ مِنهُ وإنْ لاءَمَ المَقامَ كَتَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ المُشْرِكِينَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ

22:31Page 336

حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١

Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.

﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ مائِلِينَ عَنْ كُلِّ دِينٍ زائِغٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُخْلِصِينَ لَهُ تَعالى ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأوْثانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهُما حالانِ مُؤَكِّدَتانِ مِن واوِ فاجْتَنِبُوا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن واوِ ( واجْتَنِبُوا ) وأُخِّرَ التَّبَرِّي عَنِ التَّوَلِّي لِيَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاجْتِنابِ مِنَ الإشْراكِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ الإشْراكِ، وقَدْ شُبِّهَ الإيمانُ بِالسَّماءِ لِعُلُوِّهِ والإشْراكُ بِالسُّقُوطِ مِنها فالمُشْرِكُ ساقِطٌ مِن أوْجِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكَفَرَةِ وهَذا السُّقُوطُ إنْ كانَ في حَقِّ المُرْتَدِّ فَظاهِرُهُ وهو في حَقِّ غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ الفِطْرَةِ وجَعْلُ التَّمَكُّنِ والقُوَّةِ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البَقَرَةَ: 257] ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فَإنَّ الأهْواءَ المُرْدِيَةَ تُوَزِّعُ أفْكارَهُ وفي ذَلِكَ تَشْبِيهُ الأفْكارِ المُوَزَّعَةِ بِخَطْفِ جَوارِحِ الطَّيْرِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزُّمُرَ: 29] وأصْلُ الخَطْفِ الِاخْتِلاسُ بِسُرْعَةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ «﴿فَتَخْطَفُهُ﴾» بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ «﴿فَتَخْطَفُهُ﴾» بِكَسْرِ التّاءِ والخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً، وعَنِ الحَسَنِ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ مُشَدَّدَةً. وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا «تَخْطَفُهُ» بِغَيْرِ فاءٍ وإسْكانِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، والجُمْلَةُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في مَوْضِعِ الحالِ، وأمّا عَلى القِراءاتِ الأُوَلِ فالفاءُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها عُطِفَ عَلى ﴿خَرَّ﴾ وفي إيثارِ المُضارِعِ إشْعارٌ بِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ في مُشاهَدَةِ المُخاطَبِ تَعْجِيبًا لَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ فَهو يَخْطَفُهُ والعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ تُسْقِطُهُ وتَقْذِفُهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو رَجاءٍ «الرِّياحُ» ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ بَعِيدٍ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ طَوَّحَ بِهِ في الضَّلالَةِ، وفي ذَلِكَ تَشْبِيهُ الشَّيْطانِ المُضِلِّ بِالرِّيحِ المُهْوِيَةِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ [مَرْيَمَ: 83] فالتَّشْبِيهُ في الآيَةِ مُفَرِّقٌ. والظّاهِرُ أنَّ ( تَهْوِي ) عُطِفَ عَلى «تَخْطَفُ» وأوْ لِلتَّقْسِيمِ عَلى مَعْنى أنَّ مَهْلِكَهُ إمّا هَوًى يَتَفَرَّقُ بِهِ في شِعَبِ الخَسارِ أوْ شَيْطانٌ يُطَوِّحُ بِهِ في مَهْمَهِ البَوارِ، وفَرْقٌ بَيْنَ خاطِرِ النَّفْسِ والشَّيْطانِ فَلا يَرِدُ ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ مِن أنَّ الأفْكارَ مِن نَتائِجِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، والآيَةُ سِيقَتْ لِجَعْلِهِما شَيْئَيْنِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي أنَّها لِلتَّخْيِيرِ عَلى مَعْنى أنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنَّ تُشَبِّهَ المُشْرِكَ بِمَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ وبَيْنَ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَهْوِي بِهِ الرِّيحُ مِن مَكانٍ سَحِيقٍ أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ نَوْعانِ والمُشَبَّهَ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ الَّذِي تَوَزَّعَ لَحْمُهُ في

صفحة 150

بُطُونِ جَوارِحِ الطَّيْرِ المُشْرِكُ الَّذِي لا خَلاصَ لَهُ مِنَ الشِّرْكِ ولا نَجاةَ أصْلًا، والمُشَبَّهَ بِالنَّوْعِ الثّانِي الَّذِي رَمَتْهُ الرِّيحُ في المُهاوِي المُشْرِكُ الَّذِي يُرْجى خَلاصُهُ عَلى بُعْدٍ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ الكافِرَ قِسْمانِ لا غَيْرُ، مُذَبْذَبٌ مُتَمادٍ عَلى الشَّكِّ وعَدَمِ التَّصْمِيمِ عَلى ضَلالَةٍ واحِدَةٍ وهَذا مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَهُ الطَّيْرُ وتَوَزَّعَتْهُ فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى قِطْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ وتِلْكَ حالُ المُذَبْذَبِ لا يَلُوحُ لَهُ خَيالٌ إلّا اتَّبَعَهُ وتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ، ومُشْرِكٌ مُصَمِّمٌ عَلى مُعْتَقَدٍ باطِلٍ لَوْ نُشِرَ بِالمَناشِيرِ لَمْ يَكِعَّ ولَمْ يَرْجِعْ لا سَبِيلَ إلى تَشْكِيكِهِ ولا مَطْمَعَ في نَقْلِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ فَهو فَرِحٌ مُبْتَهِجٌ بِضَلالَتِهِ وهَذا مُشَبَّهٌ في قَرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاسْتِقْرارِ مَن هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ إلى وادٍ سافِلٍ هو أبْعَدُ الأحْيازِ عَنِ السَّماءِ فاسْتَقَرَّ فِيهِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرْناهُ أوْفَقُ بِالظّاهِرِ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهاتِ المُرَكَّبَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ بَعْدَهُ بِأنْ صُوِّرَ حالُهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ فَتَفَرَّقَ قِطَعًا في حَواصِلِها أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطارِحِ البَعِيدَةِ، وجَعَلَ في الكَشْفِ أوْ عَلى هَذا لِلتَّخَيُّرِ ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فِيما يَظْهَرُ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَفْرِيقُ التَّشْبِيهِ وتَرْكِيبُهُ في الآيَةِ تَشْبِيهانِ.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ فِيها عَلى التَّرْكِيبِ تَشْبِيهَيْنِ، ( وتَهْوِي ) عُطِفٌ عَلى ( خَرَّ ) وعَلى التَّفْرِيقِ تَشْبِيهًا واحِدًا ( وتَهْوِي ) عُطِفَ عَلى «تَخْطَفُ» وزَعَمَ أنَّ في عِبارَةِ الكَشّافِ ما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ

22:32Page 336

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢

That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوِ امْتَثِلُوا ذَلِكَ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيِ البُدْنَ الهَدايا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وجَماعَةٍ وهي جَمْعُ شَعِيرَةٍ أوْ شَعارَةٍ بِمَعْنى العَلامَةِ كالشِّعارِ، وأُطْلِقَتْ عَلى البُدْنِ الهَدايا لِأنَّها مِن مَعالِمِ الحَجِّ أوْ عَلاماتِ طاعَتِهِ تَعالى وهِدايَتِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: لِأنَّها تُشْعَرُ أيْ تُعَلَّمُ بِأنْ تُدْمى بِشَعِيرَةٍ أيْ حَدِيدَةٍ يُشْعَرُ بِها، ووَجْهُ الإضافَةِ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ لا يَخْفى، وتَعْظِيمُها أنْ تُخْتارَ حِسانًا سِمانًا غالِيَةَ الأثْمانِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ «أهْدى مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيها جَمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ في أنْفِهِ بُرَّةٌ مِن ذَهَبٍ»، «وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ أهْدى نَجِيبَةً طُلِبَتْ مِنهُ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ وقَدْ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَبِيعَها ويَشْتَرِيَ بِثَمَنِها بُدْنًا فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ وقالَ: بَلِ اهْدِها»، وكانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَسُوقُ البُدْنَ مُجَلَّلَةً بِالقَباطِيِّ فَيَتَصَدَّقُ بِلُحُومِها وبِجَلالِها، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الشَّعائِرُ سِتٌّ الصَّفا والمَرْوَةُ والبُدْنُ والجِمارُ والمَسْجِدُ الحَرامُ وعَرَفَةُ والرُّكْنُ، وتَعْظِيمُها إتْمامُ ما يُفْعَلُ بِها، وقالَ ابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ ومالِكٌ وابْنُ زَيْدٍ: الشَّعائِرُ مَواضِعُ الحَجِّ كُلُّها مِن مِنًى وعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةِ والصَّفا والمَرْوَةِ والبَيْتِ وغَيْرِ ذَلِكَ وهو نَحْوُ قَوْلِ زَيْدٍ.

وقِيلَ: هي شَرائِعُ دِينِهِ تَعالى وتَعْظِيمُها التِزامُها، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ وهو أوْفَقُ لِما بَعْدُ، ( ومَن ) إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا بُدَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ إلَيْها أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ فَقِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ فَإنَّ تَعْظِيمَها إلَخْ، والتَّعْظِيمُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ ولا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وهو لَيْسَ إلّا ضَمِيرًا يَعُودُ إلى ( مَن ) فَكَأنَّهُ قِيلَ فَإنَّ تَعْظِيمَهُ إيّاها، ( ومَن ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ أيْ فَإنَّ تَعْظِيمَها لِأجْلِ تَقْوى القُلُوبِ وأنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ فَإنَّ تَعْظِيمَها ناشِئٌ مِن تَقْوى القُلُوبِ، وتَقْدِيرُ هَذا المُضافِ واجِبٌ عَلى ما قِيلَ مِن حَيْثُ إنَّ الشَّعائِرَ نَفْسَها لا يَصِحُّ الإخْبارُ عَنْها بِأنَّها مِنَ التَّقْوى بِأيِّ مَعْنًى كانَتْ ( مَن) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن أفْعالِ ذِي تَقْوى القُلُوبِ فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ ولا يَسْتَقِيمُ المَعْنى إلّا بِتَقْدِيرِها لِأنَّهُ لا بُدَّ

صفحة 151

مِن راجِعٍ مِنَ الجَزاءِ إلى ( مَن ) لِيَرْتَبِطَ بِهِ اهَـ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ما قَدَّرَهُ عارٍ مِن راجِعٍ إلى ( مَن ) ولِذا لَمّا سَلَكَ جَمَعَ مَسْلَكَهُ في تَقْدِيرِ المُضافاتِ قَبْلَ التَّقْدِيرِ فَإنَّ تَعْظِيمَها مِنهُ مِن أفْعالٍ إلَخْ أوْ فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ مِنهم فَجاؤُوا بِضَمِيرٍ مَجْرُورٍ عائِدٍ إلى ( مَن ) في آخِرِ الكَلامِ أوْ في أثْنائِهِ، وبَعْضُ مَن سَلَكَ ذَلِكَ لَمْ يُقَدِّرْ مِنهُ ولا مِنهم لَكِنِ التَزَمَ جَعْلَ اللّامِ في ( القُلُوبِ ) بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ لِلرَّبْطِ أيْ تَقْوى قُلُوبِهِمْ. والدَّمامِينِيُّ جَعَلَ الرّابِطَ في تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ فاعِلَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ لِفَهْمِ المَعْنى فَلا يَكُونُ ما قَدَّرَهُ عارِيًا عَنِ الرّاجِعِ إلى ( مَن ) كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ فَإنَّ المَحْذُوفَ المَفْهُومَ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: في الِانْتِصارِ لَهُ أيْضًا أرادَ أنَّهُ عَلى ما قَدَّرَهُ يَكُونُ عُمُومُ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ فَتَقْدِيرُ مِنهُ كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ لَيْسَ بِالوَجْهِ. واعْتَرَضَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ تَقْدِيرَ المُضافَيْنِ الأخِيرَيْنِ أعْنِي أفْعالَ وذَوِي بِأنَّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا جُعِلَ (مِن ) لِلتَّبْعِيضِ وأمّا إذا جُعِلَ لِلِابْتِداءِ فَلا إذِ المَعْنى حِينَئِذٍ فَإنَّ تَعْظِيمَها ناشِئٌ مِن تَقْوى القُلُوبِ وهو قَوْلٌ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمِعْتَهُما أوَّلًا، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ قالَ: إنَّ إضْمارَ الأفْعالِ لِأنَّ المَعْنى أنَّ التَّعْظِيمَ بابٌ مِنَ التَّقْوى ومِن أعْظَمِ أبْوابِها لا أنَّ التَّعْظِيمَ صادِرٌ مِن ذَوِي تَقْوى. ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ الحَمْلَ عَلى أنَّ التَّعْظِيمَ ناشِئٌ مِن تَقْوى القُلُوبِ والِاعْتِراضُ بِأنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا حُمِلَ عَلى التَّبْعِيضِ لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي عَلى أنَّهُ حِينَئِذٍ إنْ قُدِّرَ مِن تَقْوى قُلُوبِهِمْ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ أوْ مِن تَقْوى القُلُوبِ مِنهُمُ اتَّسَعَ الخَرْقُ عَلى الرّاقِعِ، ثُمَّ التَّقْوى إنْ جُعِلَتْ مُتَناوِلَةً لِلْأفْعالِ والتُّرُوكِ عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ فالتَّعْظِيمُ بَعْضٌ البَتَّةَ وإنْ جُعِلَتْ خاصَّةً بِالتُّرُوكِ فَمَنشَأُ التَّعْظِيمِ مِنها غَيْرُ لائِحٍ إلّا عَلى التَّجَوُّزِ انْتَهى. واعْتُرِضَ بِأنَّ دَعْواهُ أنَّ المَعْنى عَلى أنَّ التَّعْظِيمَ بابٌ مِنَ التَّقْوى دُونَ أنَّ التَّعْظِيمَ صادِرٌ مِن ذِي تَقْوى دَعْوى بِلا شاهِدٍ. وبِأنَّهُ لا تَظْهَرُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مِن أعْظَمِ أبْوابِ التَّقْوى كَما ذَكَرَهُ، وبِأنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى الإضْمارِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ التَّعْظِيمُ بَعْضًا مِنَ التَّقْوى صُلْحٌ لا يَرْضى بِهِ الخَصْمُ. وبِأنَّهُ إذا صَحَّ الكَلامُ عَلى التَّجَوُّزِ لا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لا يَسْتَقِيمُ إلَخْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ السِّياقَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى تَعْظِيمِ الشَّعائِرِ وهو يَقْتَضِي عَدُّهُ مِنَ التَّقْوى بَلْ مِن أعْظَمِها وكَوْنُهُ ناشِئًا مِنها لا يَقْتَضِي كَوْنُهُ مِنها بَلْ رُبَّما يُشْعِرُ بِخِلافِهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى الأعْظَمِيَّةِ مَفْهُومَةٌ مِنَ السِّياقِ كَما إذا قُلْتَ: هَذا مِن أفْعالِ المُتَّقِينَ والعَفْوُ مِن شِيَمِ الكِرامِ والظُّلْمُ مِن شِيَمِ النُّفُوسِ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ لَمْ يَدْعُ عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى الإضْمارِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ التَّعْظِيمِ بَعْضًا بَلْ يَقُولُ الرّابِطُ العُمُومُ كَما قالَ أوَّلًا، وأمّا الرّابِعُ فَلِأنَّ صِحَّةَ الكَلامِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ عَلى التَّجَوُّزِ لِكَوْنِهِ خَفِيًّا في قُوَّةِ الخَطَأِ إذْ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ والتَّبْعِيضُ مُتَبادَرٌ مِنهُ فَلا غُبارَ إلّا عَلى نَظَرِ المُعْتَرِضِ، وأقُولُ: لا يَخْفى أنَّهُ كُلَّما كانَ التَّقْدِيرُ أقَلَّ كانَ أوْلى فَيَكُونُ قَوْلُ مَن قالَ: التَّقْدِيرُ فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: التَّقْدِيرُ فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ. ومِن في ذَلِكَ لِلتَّبْعِيضِ، وما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ هَذا التَّعْظِيمِ يُفْهَمُ مِن جَعْلِهِ بَعْضَ تَقْوى القُلُوبِ بِناءً عَلى أنَّ تَقْيِيدَ التَّقْوى بِالقُلُوبِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّقْوى قِسْمانِ: تَقْوى القُلُوبِ والمُرادُ بِها التَّقْوى الحَقِيقِيَّةُ الصّادِقَةُ الَّتِي يَتَّصِفُ بِها المُؤْمِنُ الصّادِقُ، وتَقْوى الأعْضاءِ والمُرادُ بِها التَّقْوى الصُّورِيَّةُ الكاذِبَةُ الَّتِي يَتَّصِفُ بِها المُنافِقُ الَّذِي كَثِيرًا

صفحة 152

ما تَخْشَعُ أعْضاؤُهُ وقَلْبُهُ ساهٍ لاهٍ. والتَّرْكِيبُ أشْبَهُ التَّراكِيبِ بِقَوْلِهِمُ: العَفْوُ مِن شِيَمِ الكِرامِ فَمَتى فُهِمَ مِنهُ كَوْنُ العَفْوِ مِن أعْظَمِ أبْوابِ الشِّيَمِ فَلْيُفْهَمْ مِن ذَلِكَ كَوْنُ التَّعْظِيمِ مِن أعْظَمِ أبْوابِ التَّقْوى والفَرْقُ تَحَكُّمٌ. ولَعَلَّ كَوْنَ الإضافَةِ لِهَذِهِ الإشارَةِ أوْلى مِن كَوْنِها لِأنَّ القُلُوبَ مَنشَأُ التَّقْوى والفُجُورِ والآمِرَةُ بِهِما فَتَدَبَّرْ.

ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يُوجِبْ تَقْدِيرَ التَّعْظِيمِ وأرْجَعَ ضَمِيرَ ( فَإنَّها ) إلى الحُرْمَةِ أوِ الخَصْلَةِ كَما قِيلَ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﷺ: ««مَن تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها ونِعْمَتْ»» أوْ إلى مَصْدَرٍ مُؤَنَّثٍ مَفْهُومٍ مِن ( يُعَظِّمْ ) أيِ التَّعْظِيمَةَ.

واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ المَصْدَرَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ لا يُؤَنَّثُ إلّا إذا اشْتُهِرَ تَأْنِيثُهُ كَرَحْمَةٍ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ ونَظَرٌ فِيهِ.

نَعَمْ إنَّ اعْتِبارَ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْتَلِذُّهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، ومِنهُ يُعْلَمُ حالُ اعْتِبارِ التَّعْظِيماتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، عَلى أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يُوهِمُ أنَّ التَّعْظِيمَةَ الواحِدَةَ لَيْسَتْ مِنَ التَّقْوى، ولا يَدْفَعُهُ أنَّهُ لا اعْتِبارَ بِالمَفْهُومِ أوْ أنَّ ذَلِكَ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ كَما لا يَخْفى.

وإذا اعْتُبِرَ المَذْهَبُ الكُوفِيُّ في لامِ ( القُلُوبِ ) لَمْ يُحْتَجْ في الآيَةِ إلى إضْمارِ شَيْءٍ أصْلًا. وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ الكَمالِ إلى أنَّ الجَزاءَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَهم مُتَّقُونَ حَقًّا لِدَلالَةِ التَّعْلِيلِ القائِمِ مَقامَهُ عَلَيْهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحَذْفَ خِلافُ الأصْلِ وما ذُكِرَ صالِحٌ لِلْجَزائِيَّةِ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ والإخْبارِ كَما عُرِفَ في أمْثالِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ الجَلِيلِ. وقُرِئَ «القُلُوبُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو ( تَقْوى)، واسْتَدَلَّ الشِّيعَةُ ومَن يَحْذُو حَذْوَهم بِالآيَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ تَعْظِيمِ قُبُورِ الأئِمَّةِ وسائِرِ الصّالِحِينَ بِإيقادِ السُّرُجِ عَلَيْها وتَعْلِيقِ مَصْنُوعاتِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا فاقُوا بِهِ عَبَدَةَ الأصْنامِ ولا يَخْفى ما فِيهِ

22:33Page 336

لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣

For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2

﴿لَكم فِيها﴾ أيْ في الشَّعائِرِ بِالمَعْنى السّابِقِ ﴿مَنافِعُ﴾ هي دَرُّها ونَسْلُها وصُوفُها ورُكُوبُ ظُهُورِها ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ أنْ يُسَمِّيَها ويُوجِبَها هَدْيًا وحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِن مَنافِعِها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُقْسِمٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، وكَذا عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ المُهْدِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ والإيجابِ لا يَمْلِكُ مَنافِعَ الهَدْيِ أصْلًا لِأنَّهُ لَوْ مَلَكَ ذَلِكَ لَجازَ لَهُ أنْ يُؤَجِّرَهُ لِلرُّكُوبِ ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ اتِّفاقًا، نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفاعُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَسُوقُ هَدْيَهُ وهو في جِهادٍ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ارْكَبْها فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّها هَدْيٌ فَقالَ: ارْكَبْها ويْلَكَ» . وقالَ عَطاءٌ: مَنافِعُ الهَدايا بَعْدَ إيجابِها وتَسْمِيَتِها هَدْيًا أنْ تُرْكَبَ ويُشْرَبَ لَبَنُها عِنْدَ الحاجَةِ إلى أجَلٍ مُسَمّى وهو وقْتُ أنْ تُنْحَرَ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، فَعَنْ جابِرٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««ارْكَبُوا الهَدْيَ بِالمَعْرُوفِ حَتّى تَجِدُوا ظَهْرًا»» واعْتُرِضَ عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّ مَوْلى أُمِّ الوَلَدِ يَمْلِكُ الِانْتِفاعَ بِها ولَيْسَ لَهُ أنْ يَبِيعَها فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الهَدْيُ كَذَلِكَ لا يَمْلِكُ المُهْدِي بَيْعَهُ وإجارَتَهُ ويَمْلِكُ الِانْتِفاعَ بِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ الأجَلُ المُسَمّى وقْتَ أنْ تُشْعَرَ فَلا تُرْكَبُ حِينَئِذٍ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

ورَوى أبُو رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الأجَلَ المُسَمّى وقْتَ الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ وقْتَ الخُرُوجِ والِانْتِقالِ مِن هَذِهِ الشَّعائِرِ إلى غَيْرِها، وقِيلَ الأجَلُ المُسَمّى يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ.

﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ وُجُوبُ نَحْرِها عَلى أنْ يَكُونَ مَحَلُّ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الوُجُوبِ مِن حَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ أوْ وقْتُ نَحْرِها عَلى أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ، وهو عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مَعْطُوفٌ عَلى ( مَنافِعُ ) والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

صفحة 153

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُنْتَهِيَةً إلى البَيْتِ، والمُرادُ بِهِ ما يَلِيهِ بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ فَإنَّها لا تَنْتَهِي إلى البَيْتِ نَفْسِهِ وإنَّما تَنْتَهِي إلى ما يَقْرُبُ مِنهُ، وقَدْ جُعِلَتْ مِنًى مَنحَرًا فَفي الحَدِيثِ ««كُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنحَرٌ وكُلُّ فِجاجِ مِنًى مَنحَرٌ»» وقالَ القَفّالُ: هَذا في الهَدايا الَّتِي تَبْلُغُ مِنًى وأمّا الهَدْيُ المُتَطَوَّعُ بِهِ إذا عَطِبَ قَبْلَ بُلُوغِ مَكَّةَ فَمَنحَرُهُ مَوْضِعُهُ، وقالَتِ الإمامِيَّةُ: مَنحَرُ هَدْيِ الحَجِّ مِنًى ومَنحَرُ هَدْيِ العُمْرَةِ المُفْرَدَةِ مَكَّةُ قُبالَةَ الكَعْبَةِ بِالحَزْوَرَةِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتْبِيِّ أيْ لَكم فِيها مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ إلى أجَلٍ مُسَمّى وبَعْدَهُ لَكم مَنفَعَةٌ دِينِيَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ وهو وُجُوبُ نَحْرِها أوْ وقْتُ نَحْرِها، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في كَوْنِ نَفْسِ النَّحْرِ مَنفَعَةً، والتَّراخِي الرُّتْبِيُّ ظاهِرٌ وأمّا التَّراخِي الزَّمانِيُّ فَهو بِاعْتِبارِ أوَّلِ زَمانِ الثُّبُوتِ فَلا تَغْفُلْ.

والمَعْنى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الشَّعائِرِ مَواضِعُ الحَجِّ لَكم في تِلْكَ المَواضِعِ مَنافِعُ بِالأجْرِ والثَّوابِ الحاصِلِ بِأداءِ ما يَلْزَمُ أداؤُهُ فِيها إلى أجَلٍ مُسَمّى هو انْقِضاءُ أيّامِ الحَجِّ ثُمَّ مَحَلُّها أيْ مَحَلُّ النّاسِ مِن إحْرامِهِمْ إلى البَيْتِ العَتِيقِ أيْ مُنْتَهٍ إلَيْهِ بِأنْ يَطُوفُوا بِهِ طَوافَ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ أداءِ ما يَلْزَمُ في هاتِيكَ المَواضِعِ فَإضافَةُ المَحَلِّ إلَيْها لِأدْنى مُلابَسَةٍ ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ في المُوَطَّأِ أوْ لَكم فِيها مَنافِعُ التِّجاراتِ في الأسْواقِ إلى وقْتِ المُراجَعَةِ ثُمَّ وقْتُ الخُرُوجِ مِنها مُنْتَهِيَةٌ إلى الكَعْبَةِ بِالإحْلالِ بِطَوافِ الزِّيارَةِ أوْ لَكم مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ وأُخْرَوِيَّةٌ إلى وقْتِ المُراجَعَةِ إلَخْ، وهَكَذا يُقالُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِن تَخْصِيصِها بِالسِّتِّ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِها شَرائِعُ الدِّينِ لَكم في مُراعاتِها مَنافِعُ دُنْيَوِيَّةٌ وأُخْرَوِيَّةٌ إلى انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ مَحَلُّها الَّذِي تُوصَلُ إلَيْهِ إذا رُوعِيَتْ مُنْتَهٍ إلى البَيْتِ العَتِيقِ وهو الجَنَّةُ أوْ مَحَلُّ رِعايَتِها مُنْتَهٍ إلى البَيْتِ العَتِيقِ وهو مَعْبَدٌ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَوْنُهُ مُنْتَهًى لِأنَّهُ تُرْفَعُ إلَيْهِ الأعْمالُ، وقِيلَ كَوْنُ مَحَلِّها مُنْتَهِيًا إلى البَيْتِ العَتِيقِ أيِ الكَعْبَةِ كَما هو المُتَبادَرُ بِاعْتِبارِ أنَّ مَحَلَّ بَعْضِها كالصَّلاةِ والحَجِّ مُنْتَهٍ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ والكُلُّ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ أدْنى النّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، وأهْوَنُ ما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى هاتِيكَ الرِّواياتِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وضَمِيرُ ( فِيها ) لَها

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском