Al-AlusiAl‑Hajj · 22:46–51

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:46–51

22:46Page 337

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦

So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثٌّ لَهم عَلى السَّفَرِ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ بِمَصارِعِ الهالِكِينَ هَذا إنْ كانُوا لَمْ يُسافِرُوا وإنْ كانُوا سافِرُوا فَهو حَثٌّ عَلى النَّظَرِ والِاعْتِبارِ، وذُكِرَ المَسِيرُ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أوِ التَّقْرِيرِ، وأيًّا ما كانَ فالعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ﴾ مَنصُوبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ. وفي جَوابِ التَّقْرِيرِ عِنْدَ الحَوْفِيِّ وفي جَوابِ النَّفْيِ عِنْدَ بَعْضٍ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ النَّصْبَ بِإضْمارِ أنْ ويَنْسَبِكُ مِنها ومِنَ الفِعْلِ مَصْدَرٌ يُعْطَفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ. ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الصَّرْفِ إذْ مَعْنى الكَلامِ الخَبَرُ صَرَفُوهُ عَنِ الجَزْمِ عَلى العَطْفِ عَلى ( يَسِيرُوا ) ورَدُّوهُ إلى أخِي الجَزْمِ وهو النَّصْبُ وهو كَما تَرى. ومَذْهَبُ الجُرْمِيِّ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ نَفْسِها.

وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ «فَيَكُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أيْ يَعْلَمُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ مِنَ التَّوْحِيدِ فَمَفْعُولُ ( يَعْقِلُونَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ يَسْمَعُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الوَحْيِ أوْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ مِمَّنْ يُجاوِرُهم مِنَ النّاسِ فَإنَّهم أعْرَفُ مِنهم بِحالِهِمْ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ ضَمِيرُ ( فَإنَّها ) لِلْقِصَّةِ فَهو مُفَسَّرٌ بِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ، ويَجُوزُ في مِثْلِهِ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الشَّأْنِ، وعَلى ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «فَإنَّهُ» وحَسَّنَ التَّأْنِيثَ هُنا وُقُوعُ ما فِيهِ تَأْنِيثٌ بَعْدَهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا مُفَسَّرًا بِالأبْصارِ، وكَأنَّ الأصْلَ فَإنَّها الأبْصارُ لا تَعْمى عَلى أنَّ جُمْلَةَ ﴿لا تَعْمى﴾ مِنَ الفِعْلِ والفاعِلِ المُسْتَتِرِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَلَمّا تُرِكَ الخَبَرُ الأوَّلُ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ لِعَدَمِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ ظاهِرًا فَصارَ فاعِلًا مُفَسِّرًا لِلضَّمِيرِ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُفَسَّرَ بِمُفْرَدٍ بَعْدَهُ مَحْصُورٌ في أُمُورٍ وهي بابُ رُبَّ وبابُ نِعْمَ وبِئْسَ وبابُ الأعْمالِ وبابُ البَدَلِ وبابُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وما هُنا لَيْسَ مِنها. ورُدَّ بِأنَّهُ مِن بابِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ نَحْوَ ( إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا ) [الأنْعامَ: 29، المُؤْمِنُونَ: 37، الجاثِيَةَ: 24] ولا يَضُرُّهُ دُخُولُ النّاسِخِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والمَعْنى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِعَمى الأبْصارِ وإنَّما يُعْتَدُّ بِعَمى القُلُوبِ فَكَأنَّ عَمى الأبْصارِ لَيْسَ بِعَمًى بِالإضافَةِ إلى عَمى القُلُوبِ، فالكَلامُ تَذْيِيلٌ لِتَهْوِيلِ ما بِهِمْ مِن عَدَمِ فِقْهِ القَلْبِ وأنَّهُ العَمى الَّذِي لا عَمى بَعْدَهُ بَلْ لا عَمى إلّا هو أوِ المَعْنى أنَّ أبْصارَهم صَحِيحَةٌ سالِمَةٌ لا عَمى بِها وإنَّما العَمى بِقُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَلَمْ يَسِيرُوا فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ ذاتُ بَصائِرَ فَإنَّ الآفَةَ بِبَصائِرِ قُلُوبِهِمْ لا بِإبْصارِ عُيُونِهِمْ وهي الآفَةُ الَّتِي كَلُّ آفَةٍ دُونَها كَأنَّهُ يَحُثُّهم عَلى إزالَةِ المَرَضِ ويَنْعى عَلَيْهِمْ تَقاعُدَهم عَنْها، ووَصْفُ القُلُوبِ بِالَّتِي في الصُّدُورِ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ لِلتَّأْكِيدِ كَما في

صفحة 168

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 167] وقَوْلُكَ: نَظَرْتُ بِعَيْنِي.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ تُعُورِفَ واعْتُقِدَ أنَّ العَمى عَلى الحَقِيقَةِ مَكانُهُ البَصَرُ وهو أنْ تُصابَ الحَدَقَةُ بِما يَطْمِسُ نُورَها واسْتِعْمالُهُ في القَلْبِ اسْتِعارَةٌ ومَثَلٌ فَلَمّا أُرِيدَ إثْباتُ ما هو خِلافُ المُعْتَقَدِ مِن نِسْبَةِ العَمى إلى القُلُوبِ حَقِيقَةً ونَفْيُهُ عَنِ الأبْصارِ احْتاجَ هَذا التَّصْوِيرُ إلى زِيادَةِ تَعْيِينٍ وفَضْلِ تَعْرِيفٍ لِيَتَقَرَّرَ أنَّ مَكانَ العَمى هو القُلُوبُ لا الأبْصارُ كَما تَقُولُ: لَيْسَ المَضاءُ لِلسَّيْفِ ولَكِنَّهُ لِلِسانِكَ الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ وهو في حُكْمِ قَوْلِكَ: ما نَفَيْتُ المَضاءَ عَنِ السَّيْفِ وأثْبَتُّهُ لِلِسانِكَ فَلْتَةً ولا سَهْوًا مِنِّي ولَكِنْ تَعَمَّدْتُ بِهِ إيّاهُ بِعَيْنِهِ تَعَمُّدًا.

وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما قِيلَ نَزَلَتْ في «ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسْراءَ: 72] فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا في الدُّنْيا أعْمى أفَأكُونُ في الآخِرَةِ أعْمى؟» ورُبَّما يُرَجَّحُ بِهَذِهِ الرِّوايَةِ إنْ صَحَّتِ المَعْنى الأوَّلُ إذْ حُصُولُ الجَوابِ بِالآيَةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أنْتَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ ( ومَن كانَ ) إلَخْ لِأنَّ عَمى الأبْصارِ في الدُّنْيا لَيْسَ بِعَمًى في الحَقِيقَةِ في جَنْبِ عَمى القُلُوبِ والَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ ذَلِكَ مَنِ اتَّصَفَ بِعَمى القَلْبِ، وهَذا يَكْفِي في الجَوابِ سَواءٌ كانَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ فَهو في الآخِرَةِ كَذَلِكَ أوْ ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى البَصَرِ لِأنَّهُ فِيها تُبْلى السَّرائِرُ فَيَظْهَرُ عَمى القَلْبِ بِصُورَةِ عَمى البَصَرِ، نَعَمْ في صِحَّةِ الرِّوايَةِ نَظَرٌ.

وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زائِدَةَ يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، ولا يَخْفى حُكْمُ الخَبَرِ إذا رُوِيَ هَكَذا. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إلَخْ عَلى اسْتِحْبابِ السِّياحَةِ في الأرْضِ وتَطَلُّبِ الآثارِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في كِتابِ التَّفَكُّرِ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِن حَدِيدٍ وعَصًا ثُمَّ سِحْ في الأرْضِ فاطْلُبِ الآثارَ والعِبَرَ حَتّى تَحْفى النَّعْلانِ وتَنْكَسِرَ العَصا، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ مَحَلَّ العَقْلِ القَلْبُ لا الرَّأْسُ، قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ العَظِيمِ.

وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَقْلَ هو العِلْمُ وعَلى أنَّ مَحَلَّهُ هو القَلْبُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ العَقْلِ هو العِلْمُ هو اخْتِيارُ أبِي إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيِّ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُقالُ لِمَن عَقَلَ شَيْئًا عَلِمَهُ ولِمَن عَلِمَ شَيْئًا عَقَلَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّغايُرِ لا يُقالُ ذَلِكَ وهو غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالعِلْمِ كُلُّ عِلْمٍ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ عاقِلًا مَن فاتَهُ بَعْضُ العُلُومِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَصِّلًا لِما عَداهُ وإنْ أُرِيدَ بَعْضُ العُلُومِ فالتَّعْرِيفُ غَيْرُ حاصِلٍ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ وما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ العِلْمُ مُغايِرًا لِلْعَقْلِ وهُما مُتَلازِمانِ. وقالَ الأشْعَرِيُّ: لا فَرْقَ بَيْنَ العَقْلِ والعِلْمِ إلّا في العُمُومِ والخُصُوصِ والعِلْمُ أعَمُّ مِنَ العَقْلِ فالعَقْلُ إذا عُلِمَ مَخْصُوصٌ فَقِيلَ: هو العِلْمُ الصّارِفُ عَنِ القَبِيحِ الدّاعِي إلى الحُسْنِ وهو قَوْلُ الجُبّائِيِّ، وقِيلَ: هو العِلْمُ بِخَيْرِ الخَيْرَيْنِ وشَرِّ الشَّرَّيْنِ وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ أيْضًا ولَهم أقْوالٌ أُخَرُ، والَّذِي اخْتارَهُ القاضِي أبُو بَكْرٍ أنَّهُ بَعْضُ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ كالعِلْمِ بِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وأنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ وأنَّ المَوْجُودَ لا يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حادِثًا ونَحْوَ ذَلِكَ. واحْتَجَّ إمامُ الحَرَمَيْنِ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ وإبْطالِ ما عَداهُ بِما ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ في إبْكارِ الأفْكارِ بِما لَهُ وعَلَيْهِ. واخْتارَ المُحاسَبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ غَرِيزَةٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى المَعْرِفَةِ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالغَرِيزَةِ العِلْمَ

صفحة 169

لَزِمَهُ ما لَزِمَ القائِلَ بِأنَّهُ العِلْمُ وإنْ أرادَ بِها غَيْرَ العِلْمِ فَقَدْ لا يُسَلَّمُ وُجُودُ أمْرٍ وراءَ العِلْمِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَعْرِفَةِ.

وقالَ صاحِبُ القامُوسِ بَعْدَ نَقْلِ عِدَّةِ أقْوالٍ في العَقْلِ: والحَقُّ أنَّهُ نُورٌ رُوحانِيٌّ بِهِ تُدْرِكُ النَّفْسُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ والنَّظَرِيَّةَ، ولَعَلَّنا نُحَقِّقُ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ في مَحَلِّيَّةِ القَلْبِ لِلْعِلْمِ خِلافًا بَيْنَ العُقَلاءِ فالمَشْهُورُ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّ مَحَلَّ العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ المُجَرَّدَةِ النَّفْسُ النّاطِقَةُ ومَحَلَّ العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالجُزْئِيّاتِ المادِّيَّةِ قُوى جُسْمانِيَّةٌ قائِمَةٌ بِأجْزاءٍ خاصَّةٍ مِنَ البَدَنِ وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى خَمْسٍ ظاهِرَةٍ وخَمْسٍ باطِنَةٍ وتُسَمّى الأُولى الحَواسَّ الظّاهِرَةَ والثّانِيَةُ الحَواسَّ الباطِنَةَ وأمْرُ كُلٍّ مَشْهُورٌ.

وزَعَمَ بَعْضُ مُتَفَلْسِفَةِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ المُدْرِكَ لِلْكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ إنَّما هو النَّفْسُ والقُوى مُطْلَقًا غَيْرُ مُدْرِكَةٍ بَلْ آلَةٌ في إدْراكِ النَّفْسِ وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنّا. وفي أبْكارِ الأفْكارِ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ وأمّا أصْحابُنا فالبِنْيَةُ المَخْصُوصَةُ غَيْرُ مُشْتَرِطَةٍ عِنْدَهم بَلْ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ بَدَنِ الإنْسانِ إذا قامَ بِهِ إدْراكٌ وعِلْمٌ فَهو مُدْرِكٌ عالِمٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا يَقُومُ بِالقَلْبِ أوْ غَيْرِهِ مِمّا لا يَجِبُ عَقْلًا ولا يَمْتَنِعُ لَكِنْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلى القِيامِ بِالقَلْبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [مُحَمَّدَ: 24] انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِما ذُكِرَ عَلى مَحَلِّيَّةِ القَلْبِ لِلْعِلْمِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، نَعَمْ لا يُنْكَرُ دَلالَةُ الآياتِ عَلى أنَّ لِلْقَلْبِ الإنْسانِيِّ لِما أُودِعَ فِيهِ مَدْخَلًا تامًّا في الإدْراكِ، والوِجْدانُ يَشْهَدُ بِمَدْخَلِيَّةِ ما أُودِعَ في الدِّماغِ في ذَلِكَ أيْضًا، ومِن هُنا لا أرى لِلْقَوْلِ بِأنَّ لِأحَدِهِما مَدْخَلًا دُونَ الآخَرِ وجْهًا، وكَوْنُ الإنْسانِ قَدْ يُضْرَبُ عَلى رَأْسِهِ فَيَذْهَبُ عَقْلُهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِما أُودِعَ في الدِّماغِ لا غَيْرَ مَدْخَلًا في العِلْمِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ سَلِيمٌ وذِهْنٌ مُسْتَقِيمٌ فَتَأمَّلْ.

22:47Page 338

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ كانَ ﷺ يُحَذِّرُهم عَذابَ اللَّهِ تَعالى ويُوعِدُهم مَجِيئَهُ وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ ويَطْلُبُونَ مَجِيئَهُ اسْتِهْزاءً وتَعْجِيزًا لَهُ ﷺ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ خَبَرٌ لَفْظًا واسْتِفْهامٌ وإنْشاءٌ مَعْنًى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ جِيءَ بِها لِبَيانِ بُطْلانِ إنْكارِهِمُ العَذابَ في ضِمْنِ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تُنْكِرُونَ مَجِيءَ العَذابِ المَوْعُودِ والحالُ أنَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ أوِ اعْتِراضِيَّةٌ لِما ذُكِرَ أيْضًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ إنْ كانَتِ الأُولى حالِيَّةً ومَعْطُوفَةٌ عَلَيْها إنْ كانَتِ اعْتِراضِيَّةً سِيقَتْ لِتَحْقِيقِ إنْكارِ الِاسْتِعْجالِ وبَيانِ خَطَئِهِمْ فِيهِ بِبَيانِ كَمالِ سِعَةِ ساحَةِ حِلْمِهِ تَعالى وإظْهارِ غايَةِ ضِيقِ عَطَنِهِمُ المُسْتَتْبِعِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ تَعالى مُدَدًا طِوالًا عِنْدَهم حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المَعارِجَ: 6، 7] ولِذا يَرَوْنَ مَجِيئَهُ بَعِيدًا ويَتَّخِذُونَهُ ذَرِيعَةً إلى إنْكارِهِ ويَجْتَرِئُونَ عَلى الِاسْتِعْجالِ بِهِ ولا يَدْرُونَ أنَّ مِعْيارَ تَقْدِيرِ الأُمُورِ كُلِّها وُقُوعًا وإخْبارًا ما عِنْدَهُ مِنَ المِقْدارِ.

وقِراءَةُ الأخَوَيْنِ. وابْنِ كَثِيرٍ «﴿يَعْدُونَ﴾» عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ أيْ يَعُدُّهُ المُسْتَعْجِلُونَ أوْفَقَ لِهَذا المَعْنى، وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لَهم أيْضًا بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لِلرَّسُولِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِوَعْدِهِ تَعالى ما جُعِلَ لِهَلاكِ كُلِّ أُمَّةٍ مِن مَوْعِدٍ مُعَيَّنٍ وأجَلٍ مُسَمّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العَنْكَبُوتَ: 53] فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الأُولى مُطْلَقًا مُبَيِّنَةً لِبُطْلانِ الِاسْتِعْجالِ

صفحة 170

بِهِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ مَجِيئِهِ قَبْلَ وقْتِهِ المَوْعُودِ، والجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بَيانٌ لِبُطْلانِهِ بِبَيانِ ابْتِنائِهِ عَلى اسْتِطالَةِ ما هو قَصِيرٌ عِنْدَهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ المارِّ بَيانُهُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ تَعَرُّضٌ لِإنْكارِهِمْ مَجِيئَهُ الَّذِي دَسُّوهُ تَحْتَ الِاسْتِعْجالِ، ويُكْتَفى في رَدِّ ذَلِكَ بِبَيانِ عاقِبَةِ مَن قَبْلَهم مِن أمْثالِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالعَذابُ المُسْتَعْجَلُ بِهِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّباقُ والسِّياقُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ والمُرادُ بِاليَوْمِ المَذْكُورِ يَوْمُ ذَلِكَ العَذابِ واسْتِطالَتُهُ لِشِدَّتِهِ فَإنَّ أيّامَ التَّرْحَةِ مُسْتَطالَةٌ وأيّامَ الفَرْحَةِ مُسْتَقْصَرَةٌ كَما قِيلَ:

تَمَتَّعْ بِأيّامِ السُّرُورِ فَإنَّها قِصارٌ وأيّامُ الهُمُومِ طُوالُ

وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ:

لَيْلِي ولَيْلى فَفي نَوْمِي اخْتِلافُهُما ∗∗∗ بِالطُّولِ والطُّولِ يا طُوبى لَوِ اعْتَدَلا

يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّما بَخِلَتْ ∗∗∗ بِالطُّولِ لَيْلى وإنْ جادَتْ بِهِ بَخِلا

فَيَكُونُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ إنْكارَ مَجِيءِ العَذابِ بِالجُمْلَةِ الأُولى وأنْكَرَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِعْجالَ بِهِ وإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تُنْكِرُونَ مَجِيئَهُ وقَدْ سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا وكَيْفَ تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ واليَوْمُ الواحِدُ مِن أيّامِهِ لِشِدَّتِهِ يُرى كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، ويُقالُ نَحْوَ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ أحَدُ أيّامِ الآخِرَةِ فَإنَّها اعْتُبِرَتْ طِوالًا أوْ أنَّها تُسْتَطالُ لِشِدَّةِ عَذابِها.

واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ، وقالَ الفَرّاءُ: تَضَمَّنَتِ الآيَةُ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُرِيدَ بِالعَذابِ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا أيْ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ في إنْزالِ العَذابِ بِكم في الدُّنْيا وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِكم في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا كَما لا يَخْفى.

واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ) عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَغْفِرُ لِلْعُصاةِ لِأنَّ الوَعْدَ فِيهِ بِمَعْنى الوَعِيدِ وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يُخْلِفُهُ والمَغْفِرَةُ تَسْتَلْزِمُ الخُلْفَ المُسْتَلْزِمَ لِلْكَذِبِ المُحالِ عَلَيْهِ تَعالى.

وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنَّ وعِيداتِ سائِرِ العُصاةِ إنْشاءاتٌ أوْ إخْباراتٌ عَنِ اسْتِحْقاقِهِمْ ما أُوعِدُوا بِهِ لا عَنْ إيقاعِهِ وهي إخْباراتٌ عَنْ إيقاعِهِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ وتَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالشَّرْطِ بِزِيادَةِ التَّرْهِيبِ ولا كَذَلِكَ وعِيداتُ الكُفّارِ فَإنَّها مَحْضُ إخْباراتٍ عَنِ الإيقاعِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِشَرْطٍ أصْلًا كَمَواعِيدِ المُؤْمِنِينَ، والدّاعِي لِلتَّفْرِقَةِ الجَمْعُ بَيْنَ الآياتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ هَذا أنَّ وعِيداتِ الكُفّارِ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ كَوَعِيداتِهِمْ بِالعَذابِ الأُخْرَوِيِّ لا يَتَطَرَّقُها عَدَمُ الوُقُوعِ فَلا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْ عَذابِهِمْ مُطْلَقًا مَتّى وعَدَ بِهِ، وعِنْدِي في التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ تَرَدُّدٌ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ حالُ هَذا الجَوابِ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ العَذابِ في الآيَةِ عَلى العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ الأوْفَقِ لِلْمَقامِ والوَعْدِ عَلى الوَعْدِ بِهِ. وأجابَ بَعْضُهم هُنا بِأنَّ المُرادَ بِالوَعْدِ وعْدُهُ تَعالى بِالنَّظْرَةِ والإمْهالِ وهو مُقابِلٌ لِلْوَعِيدِ في نَظَرِ المُمْهِلِ ولا خِلافَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُخْلِفُ الوَعْدَ المُقابِلَ لِلْوَعِيدِ وأنَّ ما يُؤَدّى بِهِ خَبَرٌ مَحْضٌ لا شَرْطَ فِيهِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ وعْدُهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِإنْزالِ العَذابِ المُسْتَعْجَلِ بِهِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ مُقابِلٌ لِلْوَعِيدِ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ خَيْرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ شَيْءٌ واحِدٌ خَيْرًا وشَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلى شَخْصَيْنِ فَقَدْ قِيلَ: مَصائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائِدُ وحِينَئِذٍ لا دَلِيلَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في الآيَةِ عَلى دَعْواهم.

22:48Page 338

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨

And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.

﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ كَمْ مِن سَكَنَةِ قَرْيَةٍ ﴿أمْلَيْتُ لَها﴾ كَما أمْلَيْتُ لِهَؤُلاءِ حَتّى أنْكَرُوا مَجِيءَ ما وعَدَ

صفحة 171

مِنَ العَذابِ واسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِهْزاءً وتَعْجِيزًا لِرُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَها جِيءَ بِها لِتَحْقِيقِ الرَّدِّ كَما تَقَدَّمَ فَلِذا جِيءَ بِالواوِ، وجِيءَ في نَظِيرَتِها السّابِقَةِ بِالفاءِ قِيلَ: لِأنَّها أُبْدِلَتْ مِن جُمْلَةٍ مَقْرُونَةٍ بِها، وفي إعادَةِ الفاءِ تَحْقِيقٌ لِلْبَدَلِيَّةِ، وقِيلَ: جِيءَ بِالفاءِ هُناكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى ما قَبْلَها ولَمْ يُجَأْ بِها هُنا لِعَدَمِ التَّرَتُّبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ حِلْمِهِ تَعالى ومُشْعِرَةٌ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِظُلْمِ المُسْتَعْجِلِينَ أيْ أمْلَيْتُ لَها والحالُ أنَّها ظالِمَةٌ مُسْتَوْجِبَةٌ لِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ ﴿ثُمَّ أخَذْتُها﴾ بِالعَذابِ والنَّكالِ بَعْدَ طُولِ الإمْلاءِ والإمْهالِ ﴿وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ أيْ إلى حُكْمِي مَرْجِعُ جَمِيعِ النّاسِ أوْ جَمِيعُ أهْلِ القَرْيَةِ لا إلى أحَدٍ غَيْرِي لا اسْتِقْلالًا ولا شَرِكَةً فَأفْعَلُ بِهِمْ ما أفْعَلُ مِمّا يَلِيقُ بِأعْمالِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُصَرِّحٌ بِما أفادَهُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ مِن أنَّ مَآلَ أمْرِ المُسْتَعْجِلِينَ أيْضًا ما ذُكِرَ مِنَ الأخْذِ الوَبِيلِ.

22:49Page 338

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩

Say, "O people, I am only to you a clear warner."

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ السِّياقِ يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المُشْرِكُونَ فَإنَّ الحَدِيثَ مَسُوقٌ لَهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ يا أيُّها المُشْرِكُونَ المُسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ إنَّما أنا مُنْذِرٌ لَكم إنْذارًا بَيِّنًا بِما أُوحِيَ ( إلَيَّ ) مِن أنْباءِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي دَخْلٌ في إتْيانِ ما تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ حَتّى تَسْتَعْجِلُونِي بِهِ فَوَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى الإنْذارِ ظاهِرٌ،

22:50Page 338

فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠

And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.

وأمّا وجْهُ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وثَوابِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فالزِّيادَةُ هي إغاظَةُ المُشْرِكِينَ فَهو بِحَسَبِ المَآلِ إنْذارٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ تَفْصِيلٌ لِمَن نَجَعَ فِيهِ الإنْذارُ مِنَ النّاسِ المُشْرِكِينَ ومَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ غَيْرُ ناجِعٍ فِيهِ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذِرْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ المُسْتَعْجِلِينَ بِالعَذابِ وبالِغْ فِيهِ فَمَن آمَنَ ورَجَعَ عَمّا هو عَلَيْهِ فَلَهُ كَذا ومَن دَوامَ عَلى كُفْرِهِ واسْتَمَرَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ فَلَهُ كَذا، واخْتارَهُ الطَّيِّبِيُّ وهو كَما في الكَشْفِ حَسَنٌ وعَلَيْهِ لا يَكُونُ التَّقْسِيمُ داخِلًا في المَقُولِ بِخِلافِ الوَجْهِ الأوَّلِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: النّاسُ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ والمُنْذَرِ بِهِ قِيامَ السّاعَةِ، وإنَّما كانَ ﷺ نَذِيرًا مُبِينًا لِأنَّ بَعْثَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أشْراطِها فاجْتَمَعَ فِيهِ الإنْذارُ قالًا وحالًا بِقَوْلِهِ: ﴿أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كَقَوْلِهِ ﷺ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ ««أنا النَّذِيرُ العُرْيانُ»» وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ تَعْقِيبُ الخِطابِ بِالإنْذارِ تَفْصِيلَ حالٍ الفَرِيقَيْنِ عِنْدَ قِيامِها اهَـ.

ولا مانِعَ مِنهُ لَوْلا ظاهِرُ السِّياقِ، وكَوْنُ المُؤْمِنِينَ لا يُنْذَرُونَ لا سِيَّما وفِيهِمُ الصّالِحُ والطّالِحُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، ومَن مَنَعَ مِنَ العُمُومِ لِذَلِكَ قالَ: التَّقْدِيرُ عَلَيْهِ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ونُقِلَ هَذا عَنِ الكَرْمانِيِّ ثُمَّ المَغْفِرَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِما نَدَرَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الذُّنُوبِ وذَلِكَ لا يُنافِي وصْفَهم بِعَمَلِ الصّالِحاتِ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِما سَلَفَ مِنهم قَبْلَ الإيمانِ والرُّجُوعِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ الكَرِيمِ هُنا الجَنَّةُ كَما يُشْعِرُ بِهِ وُقُوعُهُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ومَعْنى الكَرِيمِ في صِفاتِ غَيْرِ الآدَمِيِّينَ الفائِقُ

22:51Page 338

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١

But the ones who strove against Our verses, [seeking] to cause failure1 - those are the companions of Hellfire.

﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ أيْ بَذَلُوا الجُهْدَ في إبْطالِها فَسَمَّوْها تارَةً سِحْرًا وتارَةً

صفحة 172

شِعْرًا وتارَةً أساطِيرَ الأوَّلِينَ.

وأصْلُ السَّعْيِ الإسْراعُ في المَشْيِ ويُطْلَقُ عَلى الإصْلاحِ والإفْسادِ يُقالُ: سَعى في أمْرِ فُلانٍ إذا أصْلَحَهُ أوْ أفْسَدَهُ بِسَعْيِهِ فِيهِ ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ مُسابِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُرادُ بِمُسابَقَتِهِمْ مُشاقَّتُهم لَهم ومُعارَضَتُهم فَكُلَّما طَلَبُوا إظْهارَ الحَقِّ طَلَبَ هَؤُلاءِ إبْطالَهُ، وأصْلُهُ مِن عاجَزَهُ فَأعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ إذا سابَقَهُ فَسَبَقَهُ فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَسابِقَيْنِ يُرِيدُ إعْجازَ الآخَرِ عَنِ اللَّحاقِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍ و والجَحْدَرِيُّ وأبُو السَّمّالِ والزَّعْفَرانِيُّ «( معجزّين)» بِالتَّشْدِيدِ أيْ مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ناسِبِينَ المُسْلِمِينَ إلى العَجْزِ كَما تَقُولُ: فَسَقْتُ فُلانًا إذا نَسَبْتَهُ إلى الفِسْقِ وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ «مُعْجِزِينَ» بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الزّايِ مِن أعْجَزَكَ إذا سَبَقَكَ فَفاتَكَ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والمُرادُ هُنا ظانِّينَ أنَّهم يُعْجِزُونَنا وذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، وفُسِّرَ ( مُعاجِزِينَ ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، والوَصْفُ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( سَعَوْا ) ولَيْسَتْ مُقَدَّرَةً عَلى شَيْءٍ مِنها كَما يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيْ مُلازِمُو النّارِ الشَّدِيدَةِ التَّأجُّجِ، وقِيلَ هو اسْمُ دَرَكَةٍ مِن دَرَكاتِ النّارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском