Al-AlusiAl‑Hajj · 22:55

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:55

22:55Page 338

وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ ٥٥

But those who disbelieve will not cease to be in doubt of it until the Hour comes upon them unexpectedly or there comes to them the punishment of a barren Day.1

﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ﴾ أيْ في شَكٍّ ﴿مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ وقِيلَ: مِنَ الرَّسُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى المُوحِي عَلى ما سَمِعْتَ و«مِن» عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ ابْتِدائِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ إلى ما ألْقى الشَّيْطانُ واخْتِيرَ عَلَيْهِ أنَّ مِن سَبَبِيَّةٌ فَإنَّ مِرْيَةَ الكُفّارِ فِيما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِسَبَبِ ما ألْقى الشَّيْطانُ في المُوحى مِنَ الشُّبَهِ والتَّخَيُّلاتِ فَتَأمَّلْ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيِ القِيامَةُ نَفْسُها كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً فَإنَّها المَوْصُوفَةُ بِالإتْيانِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: أشْراطُها عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ. وقِيلَ: المَوْتُ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ في ( السّاعَةُ ) لِلْعَهْدِ ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أيْ مُنْفَرِدٌ عَنْ سائِرِ الأيّامِ لا مَثِيلَ لَهُ في شِدَّتِهِ أوْ لا يَوْمَ بَعْدَهُ كَأنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَلِدُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأيّامِ فَما لا يَوْمَ بَعْدَهُ يَكُونُ عَقِيمًا والمُرادُ بِهِ السّاعَةُ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ يَأْتِيَهِمْ عَذابُها فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ. و«أوْ» في مَحَلِّها لِتَغايُرِ السّاعَةِ وعَذابِها وهي لِمَنعِ الخُلُوِّ وكانَ المُرادُ المُبالَغَةُ في اسْتِمْرارِهِمْ عَلى المِرْيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِيَوْمٍ عَقِيمٍ يَوْمَ مَوْتِهِمْ فَإنَّهُ لا يَوْمَ بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ يَوْمَ حَرْبٍ يُقْتَلُونَ فِيهِ، ووُصِفَ بِالعَقِيمِ لِأنَّ أوْلادَ النِّساءِ يُقْتَلُونَ فِيهِ فَيَصِرْنَ كَأنَّهُنَّ عُقُمٌ لَمْ يَلِدْنَ أوْ لِأنَّ المُقاتِلِينَ يُقالُ لَهم أبْناءُ الحَرْبِ فَإذا قُتِلُوا وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِالعَقِيمِ، وفِيهِ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ في الإسْنادِ ومَجازٌ في المُفْرَدِ مِن جَعْلِ الثُّكْلِ عُقْمًا، وكَذا عَلى الثّانِي لِأنَّ الوَلُودَ والعَقِيمَ هي الحَرْبُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ فَإذا وُصِفَ يَوْمُ الحَرْبِ بِذَلِكَ كانَ مَجازًا في الإسْنادِ، ومِن ثَمَّ قِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُوَجَّهٌ مِن قَوْلِهِمْ ثَوْبٌ مُوَجَّهٌ لَهُ وجْهانِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ يُقالُ: رِيحٌ عَقِيمٌ إذا لَمْ تُنْشِئْ مَطَرًا ولَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا، وفِيهِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِأنَّ ما في اليَوْمِ مِنَ الصِّفَةِ المانِعَةِ مِنَ الخَيْرِ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ العُقْمِ، وخَصَّ غَيْرُ واحِدٍ هَذا اليَوْمَ بِيَوْمِ بَدْرٍ فَإنَّهُ يَوْمُ حَرْبِ قُتِلَ فِيهِ عُتاةُ الكَفَرَةِ ويَوْمٌ لا خَيْرَ فِيهِ لَهم، ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِعَقِيمٍ لِتَفَرُّدِهِ بِقِتالِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ مِمّا يَأْتِي بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَعَيَّنَ تَفْسِيرُ هَذا اليَوْمِ بِيَوْمِ القِيامَةِ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الشَّيْطانِ شَيْطانُ الإنْسِ كالنَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ كانَ يُلْقِي الشُّبَهَ إلى قَوْمِهِ وإلى الوافِدِينَ يُثَبِّطُهم بِها عَنِ الإسْلامِ، وقِيلَ: ضَمِيرٌ ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ لِلشَّيْطانِ والمُرادُ بِها الصُّورَةُ الحاصِلَةُ في النَّفْسِ مِن تَمَنِّي الشَّيْءِ و«فِي» لِلسَّبَبِيَّةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» أيْ ألْقى الشَّيْطانُ بِسَبَبِ أُمْنِيَّتِهِ الشُّبَهَ وأبْداها لِيُبْطِلَ بِها الآياتِ» . وقِيلَ: «تَمَنّى» قَرَأ و«أُمْنِيَّتُهُ» قِراءَتُهُ والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ أوِ الرَّسُولِ ( وفِيّ ) عَلى ظاهِرِها، والمُرادُ بِما يُلْقِي الشَّيْطانُ ما يَقَعُ لِلْقارِئِ مِن إبْدالِ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ أوْ حَرْفٍ بِحَرْفٍ أوْ تَغْيِيرِ إعْرابٍ سَهْوًا، وقِيلَ: المُرادُ ما يُلْقِيهِ في الآياتِ المُتَشابِهَةِ مِنَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَمَنّى هَيَّأ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) قِراءَتُهُ، والمَعْنى إذا تَمَنّى إيمانَ قَوْمِهِ وهِدايَتَهم ألْقى الشَّيْطانُ إلى أوْلِيائِهِ شُبَهًا فَيَنْسَخُ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الشُّبَهَ ويُحْكِمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى دَفْعِها، وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) تَشْبِيهٌ وما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ ما يُوجِبُ اشْتِغالَهُ في الدُّنْيا، وجَعْلُهُ فِتْنَةً بِاعْتِبارِ ما يَظْهَرُ مِنهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِأُمُورِ الدُّنْيا، ونَسْخُهُ إبْطالُهُ بِعِصْمَتِهِ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِ والإرْشادُ إلى ما يُزِيِّنُهُ.

صفحة 176

وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَرَأ ( وأُمْنِيَّتِهِ ) قِراءَتُهُ وما يُلْقِي الشَّيْطانُ كَلِماتٍ تُشابِهُ الوَحْيَ يَتَكَلَّمُ بِها الشَّيْطانُ بِحَيْثُ يَظُنُّ السّامِعُ أنَّها مِن قِراءَةِ النَّبِيِّ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ فَألْقى الشَّيْطانُ في سَكْتَتِهِ مُحاكِيًا نَغَمَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَن حَوْلَهُ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى فَظَنَّ المُشْرِكُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ فَفَرِحُوا وسَجَدُوا مَعَهُ لَمّا سَجَدَ آخِرَ السُّورَةِ، وقِيلَ: المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ وظَنَّ سائِرُهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي تَكَلَّمَ بِذَلِكَ عامِدًا لَكِنْ مُسْتَفْهِمًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والِاحْتِجاجِ عَلى المُشْرِكِينَ، وجُعِلَ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن ظَنِّ المُشْرِكِينَ أنَّهُ مَدْحٌ لِآلِهَتِهِمْ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي لِأنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ كانَ جائِزًا إذْ ذاكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَ ساهِيًا، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِمَكَّةَ قَرَأ عَلَيْهِمْ والنَّجْمِ فَلَمّا بَلَغَ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النَّجْمَ: 19، 20] قالَ: إنَّ شَفاعَتَهُنَّ تُرْتَجى وسَها رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا إنَّما ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا﴾ - حَتّى بَلَغَ- ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾»، قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: وهو خَبَرٌ مُرْسَلٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وقِيلَ: تَكَلَّمَ بِذَلِكَ ناعِسًا. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَيْنا نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ إذْ نَعَسَ فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ كَلِمَةً فَتَكَلَّمَ بِها فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى وإنَّها لَمَعَ الغَرانِيقِ العُلا فَحَفِظَها المُشْرِكُونَ وأخْبَرَهُمُ الشَّيْطانُ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ قَرَأها فَزَلَّتْ ألْسِنَتُهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا﴾ الآيَةَ»، وقِيلَ: ( تَمَنّى ) قَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَهْواهُ و﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قِراءَتِهِ وما يُلْقِي الشَّيْطانُ كَلِماتٍ تُشابِهُ الوَحْيَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «أُنْزِلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ وكانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا الرَّجُلُ يَذْكُرُ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ أقْرَرْناهُ وأصْحابَهُ ولَكِنَّهُ لا يَذْكُرُ مَن خالَفَ دِينَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِمِثْلِ الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَنا مِنَ الشَّتْمِ والشَّرِّ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ ما نالَهُ أصْحابُهُ مِن أذاهم وتَكْذِيبِهِمْ وأحْزَنَهُ ضَلالَتُهم فَكانَ يَتَمَنّى هُداهم فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ النَّجْمِ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ ألْقى الشَّيْطانُ عِنْدَها كَلِماتٍ فَقالَ: وإنَّهُنَّ لَهُنَّ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَهي الَّتِي تُرْتَجى وكانَ ذَلِكَ مِن سَجْعِ الشَّيْطانِ وفِتْنَتِهِ فَوَقَعَتْ هاتانِ الكَلِمَتانِ في قَلْبِ كُلِّ مُشْرِكٍ بِمَكَّةَ وزَلَّتْ بِهِما ألْسِنَتُهم وتَباشَرُوا بِهِما وقالُوا، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ رَجَعَ إلى دِينِهِ الأوَّلِ ودِينِ قَوْمِهِ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِرَ النَّجْمِ سَجَدَ وسَجَدَ كُلُّ مَن حَضَرَ مِن مُسْلِمٍ أوْ مُشْرِكٍ فَفَشَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ في النّاسِ وأظْهَرَها الشَّيْطانُ حَتّى بَلَغَتْ أرْضَ الحَبَشَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا﴾ الآياتِ»، وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ ألْقاها الشَّيْطانُ تَكَلَّمَ بِها ظانًّا أنَّها وحْيٌ حَتّى نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ النَّجْمَ فَلَمّا بَلَغَ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ

صفحة 177

شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى قالُوا: ما ذَكَرَ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ قَبْلَ اليَوْمِ فَسَجَدَ وسَجَدُوا ثُمَّ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: أعْرِضْ عَلَيَّ ما جِئْتُكَ بِهِ فَلَمّا بَلَغَ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ: لَمْ آتِكَ بِهَذا هَذا مِنَ الشَّيْطانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ البَزّارُ والطَّبَرِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ السُّجُودِ وفِيهِ أيْضًا مُغايِرَةٌ يَسِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وجاءَ حَدِيثُ السُّجُودِ في خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ أخْرَجَهُ البَزّارُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنْ شُعْبَةَ لَكِنْ قالَ في إسْنادِهِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أحْسَبُ فَشَكَّ في وصْلِهِ، وفي رِوايَةِ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أكُونَ أقْرَأْتُكَ هَذا فاشْتَدَّ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وطَيَّبَ نَفْسَهُ ﴿وما أرْسَلْنا﴾ الآيَةَ» قِيلَ: والمُشابَهَةُ ما ألْقى الشَّيْطانُ لِلْوَحْيِ المُنَزَّلِ وكَوْنُهُ في أثْنائِهِ أطْلَقَ عَلى إبْطالِهِ اسْمَ النَّسْخِ الشّائِعَ إيقاعُهُ عَلى ما هو وحْيٌ حَقِيقَةً لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ النَّسْخَ الشَّرْعِيَّ لا يَتَعَلَّقُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلٍ ما لِذَلِكَ، وقَدْ أنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ هَذِهِ القِصَّةَ فَقالَ البَيْهَقِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ. وقالَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ: يَكْفِيكَ في تَوْهِينِ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الصِّحَّةِ ولا رَواهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ وإنَّما أُولِعَ بِهِ وبِمِثْلِهِ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ المُولَعُونَ بِكُلِّ غَرِيبٍ المُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وسَقِيمٍ.

وفِي البَحْرِ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ سُئِلَ عَنْها الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ جامِعُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَقالَ: هَذا مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ وصَنَّفَ في ذَلِكَ كِتابًا. وذَكَرَ الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ في كِتابِ حِصَصِ الأتْقِياءِ الصَّوابُ أنَّ قَوْلَهُ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا مِن جُمْلَةِ إيحاءِ الشَّيْطانِ إلى أوْلِيائِهِ مِنَ الزَّنادِقَةِ حَتّى يُلْقُوا بَيْنَ الضُّعَفاءِ وأرِقّاءِ الدِّينِ لِيَرْتابُوا في صِحَّةِ الدِّينِ وحَضْرَةُ الرِّسالَةِ بَرِيئَةٌ مِن مِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ. وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ النّاطِقَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشَّيْطانِ المُلَبِّسِ بِالمَلَكِ أُمُورٌ. مِنها تَسَلُّطُ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو ﷺ بِالإجْماعِ مَعْصُومٌ مِنَ الشَّيْطانِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا مِن أُمُورِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ والِاعْتِقادِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ( إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) [الحِجْرَ: 42، الإسْراءَ: 65] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النَّحْلَ: 99] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومِنها زِيادَتُهُ ﷺ في القُرْآنِ ما لَيْسَ مِنهُ وذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَكانِ العِصْمَةِ، ومِنها اعْتِقادُ النَّبِيِّ ﷺ ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ أنَّهُ قُرْآنٌ مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدَ الِالتِئامِ مُتَناقِضًا مُمْتَزِجَ المَدْحِ بِالذَّمِّ وهو خَطَأٌ شَنِيعٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَساهَلَ في نِسْبَتِهِ إلَيْهِ ﷺ، ومِنها أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُطْقِهِ بِذَلِكَ مُعْتَقِدًا ما اعْتَقَدَهُ المُشْرِكُونَ مِن مَدْحِ آلِهَتِهِمْ بِتِلْكَ الكَلِماتِ وهو كُفْرٌ مُحالٌ في حَقِّهِ ﷺ وإمّا أنْ يَكُونَ مُعْتَقِدًا مَعْنًى آخَرَ مُخالِفًا لِما اعْتَقَدُوهُ ومُبايِنًا لِظاهِرِ العِبارَةِ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَهم مَعَ فَرَحِهِمْ وادِّعائِهِمْ أنَّهُ مَدَحَ آلِهَتَهم فَيَكُونُ مُقِرًّا لَهم عَلى الباطِلِ وحاشاهُ ﷺ أنْ يُقِرَّ عَلى ذَلِكَ.

ومِنها كَوْنُهُ ﷺ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ بِما يُلْقِيهِ عَلَيْهِ المَلَكُ وهو يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ، ويَقْتَضِي أيْضًا جَوازَ تَصَوُّرِ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ المَلَكِ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ كَما قالَ في الشِّفاءِ لا في أوَّلِ الرِّسالَةِ ولا بَعْدَها والِاعْتِمادُ في ذَلِكَ دَلِيلُ المُعْجِزَةِ.

صفحة 178

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: تَصَوُّرُ الشَّيْطانِ في صُورَةِ المَلَكِ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ كَتَصَوُّرِهِ في صُورَةِ النَّبِيِّ مُلَبِّسًا عَلى الخَلْقِ وتَسْلِيطُ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ كَتَسْلِيطِهِ في هَذا فَكَيْفَ يَسُوغُ في لُبِّ سَلِيمٍ اسْتِجازَةُ ذَلِكَ. ومِنها التَّقَوُّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى إمّا عَمْدًا أوْ خَطَأً أوْ سَهْوًا. وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما قالَ القاضِي عِياضٌ عَلى عِصْمَتِهِ ﷺ فِيما كانَ طَرِيقَهُ البَلاغُ مِنَ الأقْوالِ عَنِ الإخْبارِ بِخِلافِ الواقِعِ لا قَصْدًا ولا سَهْوًا، ومِنها الإخْلالُ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ فَلا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ، ولا يَنْدَفِعُ كَما قالَ البَيْضاوِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، لِأنَّهُ أيْضًا يُحْتَمَلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وذَهَبَ إلى صِحَّتِها الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ وساقَ طُرُقًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ ثُمَّ قالَ: وكُلُّها سِوى طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إمّا ضَعِيفٌ وإمّا مُنْقَطِعٌ لَكِنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلى أنَّ لَها أصْلًا مَعَ أنَّ لَها طَرِيقًا مُتَّصِلًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أخْرَجَهُالبَزّارُ وطَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ رِجالُهُما عَلى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، أحَدُهُما ما أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، والثّانِي ما أخْرَجَهُ أيْضًا مِن طَرِيقِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ وحَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَرْقُهُما عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، ثُمَّ أخَذَ في الرَّدِّ عَلى أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ والقاضِي عِياضٍ في إنْكارِهِما الصِّحَّةَ.

وذَهَبَ إلى صِحَّةِ القِصَّةِ أيْضًا خاتِمَةُ المُتَأخِّرِينَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ ثُمَّ المَدَنِيُّ، وذَكَرَ بَعْدَ كَلامٍ طَوِيلٍ أنَّهُ تَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ أنَّ الحَدِيثَ أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ الصِّحَّةِ وأنَّهُ رَواهُ ثِقاتٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبِثَلاثِ أسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ ثَلاثٍ مِنَ التّابِعِينَ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ الآخِذِينَ عَنِ الصَّحابَةِ وهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو العالِيَةِ، وقَدْ قالَ السُّيُوطِيُّ في لُبابِ النُّقُولِ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ الحاكِمُ في عُلُومِ الحَدِيثِ: إذا أخْبَرَ الصَّحابِيُّ الَّذِي شَهِدَ الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ عَنْ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أنَّها نَزَلَتْ في كَذا فَإنَّهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ومَشى عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلاحِ وغَيْرُهُ ثُمَّ قالَ: ما جَعَلْناهُ مِن قَبِيلِ المُسْنَدِ مِنَ الصَّحابِيِّ إذا وقَعَ مِن تابِعِيٍّ فَهو مَرْفُوعٌ أيْضًا لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ فَقَدْ يُقْبَلُ إذا صَحَّ السَّنَدُ إلَيْهِ وكانَ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ الآخِذِينَ عَنِ الصَّحابَةِ كَمُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أوِ اعْتَضَدَ بِمُرْسَلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ في هَذِهِ القِصَّةِ مُسْنَدًا مِنَ الطَّرِيقِ المُتَّصِلَةِ بِابْنِ عَبّاسٍ مُرْسَلًا مَرْفُوعًا مِنَ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ والزِّيادَةُ فِيهِ الَّتِي رَواها الثِّقاتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في غَيْرِ رِوايَةِ البُخارِيِّ لَيْسَتْ مُخالِفَةً لِما في البُخارِيِّ عَنْهُ فَلا تَكُونُ شاذَّةً فَإطْلاقُ الطَّعْنِ فِيهِ مِن حَيْثُ النَّقْلِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وأجابَ عَمّا يَلْزَمُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ السُّلْطانَ المَنفِيَّ عَنِ العِبادِ المُخْلَصِينَ هو الإغْواءُ أعْنِي التَّلْبِيسَ المُخِلَّ بِأمْرِ الدِّينِ وهو الَّذِي وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْصُومٌ مِنهُ وأمّا غَيْرُ المُخِلِّ فَلا دَلِيلَ عَلى نَفْيِهِ ولا إجْماعَ عَلى العِصْمَةِ مِنهُ وما هُنا غَيْرُ مُخِلٍّ لِعَدَمِ مُنافاتِهِ لِلتَّوْحِيدِ كَما يُبَيَّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَلْ فِيهِ تَأْدِيبٌ وتَصْفِيَةٌ وتَرْقِيَةٌ لِلْحَبِيبِ الأعْظَمِ ﷺ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمَنّى هَدْيَ الكُلِّ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى والأكْمَلُ في العُبُودِيَّةِ فَناءُ إرادَتِهِ في إرادَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الإلْقاءُ حالَةَ تَمَنّى هَدْيِ الكُلِّ المُصادِمِ لِلْقَدَرِ والمُنافِي لِما هو الأكْمَلُ لِيَتَرَقّى إلى الأكْمَلِ وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِهَذِهِ المَرَّةِ ولِذا لَمْ يَقَعِ التَّلْبِيسُ مَرَّةً أُخْرى بَلْ كانَ يُرْسَلُ بَعْدُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدٌ لِيُعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالَةَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وفي تَرْتِيبِ الإلْقاءِ عَلى التَّمَنِّي ما يُفْهِمُ العِتابَ عَلَيْهِ وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ المُسْتَحِيلَ المُنافِيَ لِلْعِصْمَةِ أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ أيْ يَزِيدُ فِيهِ ما يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ وما هُنا

صفحة 179

لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَبِعَ فِيهِ الإلْقاءَ المُلَبَّسَ عَلَيْهِ في حالَةٍ خاصَّةٍ فَقَطْ تَأْدِيبًا أنْ يَعُودَ لِمِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا عَنِ الثّالِثِ فَبِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ نَطَقَ بِهِ عَلى فَهْمِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ أوْ حِكايَةً عَنْهم بِحَذْفِ القَوْلِ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ بَعِيدَ الِالتِئامِ ولا مُتَناقِضًا ولا مُمْتَزِجَ المَدْحِ بِالذَّمِّ ولا بُدَّ مِنَ التِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الخَبَرِ لِمَكانِ العِصْمَةِ، والنُّكْتَةُ في التَّعْبِيرِ كَذَلِكَ إيهامُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةُ قُلُوبِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَدَحَ آلِهَتَهم ويَحْصُلُ ذَلِكَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ إلَخْ، وأمّا عَنِ الرّابِعِ فَبِأنّا نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِيَ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ أوْ حِكايَةٌ بِحَذْفِ القَوْلِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْتَقِدًا لِمَعْنًى مُخالِفٍ لِما اعْتَقَدُوهُ ولا يَلْزَمُ مِنهُ التَّقْرِيرُ عَلى الباطِلِ لِأنَّهُ بَيَّنَ بُطْلانَ مُعْتَقَدِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النَّجْمَ: 23] فَإنَّ ما لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى بِهِ سُلْطانًا لا تُرْجى شَفاعَتُهُ إذْ لا شَفاعَةَ إلّا مِن بَعْدِ إذْنٍ إلَهِيٍّ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النَّجْمَ: 26] .

وأمّا عَنِ الخامِسِ فَبِأنَّ هَذا الِاشْتِباهَ في حالَةٍ خاصَّةٍ لِلتَّأْدِيبِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِيما يُوحى إلَيْهِ في غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا قَوْلُ القاضِي عِياضٍ: لا يَصِحُّ أنْ يَتَصَوَّرَ الشَّيْطانُ بِصُورَةِ المَلَكِ ويُلَبَّسَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنْ أرادَ بِهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُلَبَّسَ تَلْبِيسًا قادِحًا فَهو مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ وإنْ أرادَ مُطْلَقًا ولَوْ كانَ غَيْرَ مُخِلٍّ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ودَلِيلُ المُعْجِزَةِ إنَّما يَنْفِي الِاشْتِباهَ المُخِلَّ بِأمْرِ النُّبُوَّةِ المُنافِي لِلتَّوْحِيدِ القادِحِ في العِصْمَةِ وما ذُكِرَ غَيْرُ مُخِلٍّ بَلْ فِيهِ تَأْدِيبٌ بِما يَتَضَمَّنُ تَنْقِيَةً وتَرْقِيَةً إلى الأكْمَلِ في العُبُودِيَّةِ. وأمّا ما ذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ فَقِياسٌ مَعَ الفارِقِ لِأنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْطانِ في صُورَةِ النَّبِيِّ مُطْلَقًا مَنفِيٌّ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ وتَصَوُّرَهُ في صُورَتِهِ مُلَبِّسًا عَلى الخَلْقِ إغْواءً يَعُمُّ وهو سُلْطانٌ مَنفِيٌّ بِالنَّصِّ عَنِ المُخْلَصِينَ، وأمّا تَصَوُّرُهُ في صُورَةِ المَلَكِ في حالَةٍ خاصَّةٍ مُلَبِّسًا عَلى النَّبِيِّ بِما لا يَكُونُ مُنافِيًا لِلتَّوْحِيدِ لِما يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ تَأْدِيبًا ولِإيهامِهِ خِلافَ المُرادِ فِتْنَةً لِقَوْمٍ فَلَيْسَ مِنَ السُّلْطانِ المَنفِيِّ ولا بِالتَّصَوُّرِ المَمْنُوعِ لِعَدَمِ إخْلالِهِ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ.

وأمّا عَنِ السّادِسِ فَبِأنَّ التَّقَوُّلَ تَكَلُّفُ القَوْلِ ومَن لا يَتَّبِعُ إلّا ما يُلْقى إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً أوِ اعْتِقادًا ناشِئًا مِن تَلْبِيسٍ غَيْرِ مُخِلٍّ لا تَكَلُّفَ لِلْقَوْلِ عِنْدَهُ فَلا تَقَوُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى أصْلًا ما أشْبَهَ هَذِهِ القِصَّةَ بِما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ ذِي اليَدَيْنِ فالتَّلْبِيسُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإلْقاءِ في حالَةِ التَّمَنِّي تَأْدِيبًا كَإيقاعِ السَّهْوِ عَلَيْهِ ﷺ في الصَّلاةِ بِاعْتِقادِ التَّمامِ تَشْرِيعًا والنُّطْقُ بِما ألْقاهُ الشَّيْطانُ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِمّا لا يُنافِي التَّوْحِيدَ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ أنَّ المُلْقِيَ مَلَكٌ تَلْبِيسًا لِلتَّأْدِيبِ كالنُّطْقِ بِالسَّلامِ ثُمَّ بِلَمْ أنْسَ مُعْتَقِدًا أنَّهُ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ بِناءً عَلى اعْتِقادِ التَّمامِ سَهْوًا، ووُقُوعُ البَيانِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ النَّسْخُ والإحْكامُ كَوُقُوعِ البَيانِ عَلى لِسانِ الصَّحابِيِّ ثُمَّ التَّدارُكُ وسُجُودُ السَّهْوِ فَكَما أنَّ السَّهْوَ لِلتَّشْرِيعِ غَيْرُ قادِحٍ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ كَذَلِكَ الِاشْتِباهُ في الإلْقاءِ لِلتَّأْدِيبِ غَيْرُ قادِحٍ، وكَما أنَّ النُّطْقَ بِلَمْ أنْسَ مَعَ تَبَيُّنِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ نَسِيَ صِدْقٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ التَّمامِ سَهْوًا كَذَلِكَ النُّطْقُ بِما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في تِلْكَ الحالَةِ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ بِناءً عَلى اعْتِقادِ أنَّ المُلْقِيَ مَلَكٌ صِدْقٌ ولا شَيْءَ مِنَ الصِّدْقِ بِالتَّقَوُّلِ فَلا شَيْءَ مِنَ النُّطْقِ بِما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في تِلْكَ الحالَةِ بِهِ، وما ذُكِرَ عَنِ القاضِي عِياضٍ مِن حِكايَةِ الإجْماعِ عَلى عَدَمِ جَوازِ دُخُولِ السَّهْوِ في الأقْوالِ التَّبْلِيغِيَّةِ كَما قالَ الحافِظُ بْنُ حَجَرٍ مُتَعَقَّبٌ.

وأمّا عَنِ السّابِعِ فَبِأنَّهُ لا إخْلالَ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّ وُثُوقَ كُلٍّ مِنهُما

صفحة 180

تابِعٌ لِوُثُوقِ مَتْبُوعِهِمُ الصّادِقِ الأمِينِ فَإذا جَزَمَ بِشَيْءٍ أنَّهُ كَذا جَزَمُوا بِهِ وإذا رَجَعَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ الجَزْمِ رَجَعُوا كَما هو شَأْنُهم في نَسْخِ غَيْرِ هَذا مِنَ الآياتِ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ تَعالى لَفْظًا ومَعْنًى إذْ قِيلَ نَسْخُ ما نُسِخَ لَفْظُهُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُتَعَبِّدُونَ بِتِلاوَتِهِ وبَعْدَ النَّسْخِ جَزَمُوا بِأنَّهم ما هم مُتَعَبِّدِينَ بِتِلاوَتِهِ، وما نُسِخَ حُكْمُهُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُكَلَّفُونَ بِحُكْمِهِ وبَعْدَ النَّسْخِ جَزَمُوا بِأنَّهم ما هم مُكَلَّفِينَ بِهِ، فَقَوْلُ البَيْضاوِيِّ: إنَّ ذَلِكَ لا يَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ أيْضًا يَحْتَمِلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وبَيانُهُ أنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ يَحْتَمِلُهُ عِنْدَ الفِرَقِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ وهُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةُ قُلُوبِهِمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا فَهو مَمْنُوعٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ( ولِيَعْلَمَ ) إلَخْ عَلى انْتِقاءِ الِاحْتِمالِ عِنْدَ فَرِيقَيْنِ مِنَ الفِرَقِ الأرْبَعِ بَعْدَ النَّسْخِ والإحْكامِ، وإنْ أرادَ أنَّهُ يَحْتَمِلُهُ في الجُمْلَةِ أيْ عِنْدَ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ فَهو مُسَلَّمٌ وغَيْرُ مُضِرٍّ لِعَدَمِ إخْلالِهِ بِالوُثُوقِ بِالقُرْآنِ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والَّذِينَ آمَنُوا، وأمّا إخْلالُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ فَهو مُرادُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

هَذا واعْتُرِضَ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّلْبِيسَ بِحَيْثُ يُشْتَبَهُ الأمْرُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَعْتَقِدُ أنَّ الشَّيْطانَ مَلَكٌ مُخِلٌّ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ ونَقْصٌ فِيهِ فَإنَّ الوَلِيَّ الَّذِي هو دُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَراتِبَ لا يَكادُ يَخْفى عَلَيْهِ الطّائِعُ مِنَ العاصِي فَيُدْرِكُ نُورَ الطّاعَةِ وظُلْمَةَ المَعْصِيَةِ فَكَيْفَ بِمَن هو سَيِّدُ الأنْبِياءِ ونُورُ عُيُونِ قُلُوبِ الأوْلِياءِ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ مَن هو مَحْضُ نُورٍ بِمَن مَحْضُ دَيْجُورٍ، واشْتِباهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ ﷺ في بَعْضِ المَرّاتِ حَتّى لَمْ يَعْرِفْهُ إلى أنْ ذَهَبَ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما شُبِّهَ ( عَلَيَّ ) مُنْذُ أتانِي قَبْلَ مُرَّتِي هَذِهِ وما عَرَفْتُهُ حَتّى ولّى إذا صَحَّ لَيْسَ مِن قَبِيلِ اشْتِباهِ الشَّيْطانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ اشْتِباهِ مَلَكٍ بِمَلَكٍ وكُلٌّ مِنهُما نُورانِيٌّ، وقَدْ كانَ يَأْتِيهِ ﷺ غَيْرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَلائِكَةِ الكِرامِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ اشْتِباهِ مَلَكٍ بِواحِدٍ مِنَ البَشَرِ نُورانِيٍّ أيْضًا لَمْ يَكُنْ رَآهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ كالخَضِرِ وإلْياسَ مَثَلًا إنْ قُلْنا بِحَياتِهِما.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском