Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:7–12
22:7Page 333
وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ ٧
And [that they may know] that the Hour is coming - no doubt about it - and that Allāh will resurrect those in the graves.
﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ فِيما سَيَأْتِي، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ دُونَ الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ إتْيانِها وتَقَرُّرِ البَتَّةَ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ إيّاهُ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( السّاعَةَ ) في الخَبَرِ، ومَعْنى نَفْيِ الرَّيْبِ عَنْها أنَّها في ظُهُورِ أمْرِها ووُضُوحِ دَلائِلِها بِحَيْثُ لَيْسَ فِيها مَظِنَّةٌ أنْ يُرْتابَ في إتْيانِها.
وأنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ عُطِفَ عَلى المَصْدَرِ المَجْرُورِ بِياءِ السَّبَبِيَّةِ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِها كالمَصْدَرَيْنِ الحاصِلَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكَذا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ لَكِنْ لا مِن حَيْثُ إنَّ إتْيانَ السّاعَةِ وبَعْثَ مَن في القُبُورِ مُؤْثَرٌ أنَّ فِيما ذُكِرَ مِن أفاعِيلِهِ تَعالى تَأْثِيرَ القُدْرَةِ فِيها بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما بِسَبَبٍ داعٍ لَهُ عَزَّ وجَلَّ بِمُوجِبِ رَأْفَتِهِ بِالعِبادِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ ومِن إحْياءِ الأرْضِ المَيْتَةِ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ صالِحٍ لِلِاسْتِشْهادِ بِهِ عَلى إمْكانِهِما لِيَتَأمَّلُوا في ذَلِكَ ويَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَيْهِ أوْ عَلى وُقُوعِهِما ويُصَدِّقُوا بِذَلِكَ لِيَنالُوا السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ ولَوْلا ذَلِكَ لَما فَعَلَ بَلْ لَما خَلَقَ العالَمَ رَأْسًا، وهَذا كَما تَرى مِن أحْكامِ حَقِّيَّتِهِ تَعالى في أفْعالِهِ وابْتِنائِها عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ كَما أنَّ ما قَبْلَهُ مِن أحْكامِ حَقِّيَّتِهِ تَعالى في صِفاتِهِ وكَوْنِها في غايَةِ الكَمالِ هَذا ما اخْتارَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ وهو مِمّا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ السَّلِيمُ، وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ الإشارَةَ إلى ما ذُكِرَ أيْضًا إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ جَعَلَ إتْيانَ السّاعَةِ وبَعْثَ مَن في القُبُورِ حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ مِن رَوادِفِ الحِكْمَةِ كِنايَةً عَنْها فَكَأنَّ الأصْلَ ذَلِكَ حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الحَقُّ الثّابِتُ المَوْجُودُ وأنَّهُ قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى وعَلى كُلِّ مَقْدُورٍ وأنَّهُ حَكِيمٌ فاكْتَفى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ عَنِ الوَصْفِ بِالحِكْمَةِ لِما في الكِنايَةِ مِنَ النُّكْتَةِ خُصُوصًا والكَلامُ مَعَ مُنْكِرِي البَعْثِ لِلدَّفْعِ في نُحُورِهِمْ ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، ونَقَلَ النَّيْسابُورِيُّ عِبارَةَ الكَشّافِ واعْتَرَضَها بِما لا يَخْفى رَدُّهُ وأبْدى وجْهًا في الآيَةِ ذَكَرَ أنَّهُ مِمّا لَمْ يَخْطُرْ لِغَيْرِهِ ورَجا أنْ يَكُونَ صَوابًا وهو مَعَ اقْتِضائِهِ حَمْلَ الباءِ عَلى ما يَعُمُّ السَّبَبِيَّةَ الفاعِلِيَّةَ والسَّبَبِيَّةَ الغائِيَّةَ مِمّا لا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ إلَخْ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى المَجْرُورِ بِالياءِ ولا داخِلًا في حَيِّزِ السَّبَبِيَّةِ بَلْ هو خَبَرٌ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى والتَّقْدِيرُ والأمْرُ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ إلَخْ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو حَيّانَ وفِيهِ قَطْعٌ لِلْكَلامِ عَنِ الِانْتِظامِ، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ إلّا أنَّ الباءَ صِلَةٌ لِكَوْنٍ خاصٍّ ولَيْسَتْ سَبَبِيَّةً مُشْعِرٌ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ إلَخْ، وفِيهِ أنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى هَذا الكَوْنِ الخاصِّ
صفحة 121
وقِيلَ: المَعْنى ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ إلَخْ، وفِيهِ تَلْوِيحٌ ما إلى مَعْنى الحَدِيثِ القُدْسِيِّ المَشْهُورِ عَلى الألْسِنَةِ وفي كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ وإنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ المُحُدِّثِينَ وهو ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ»» وهو كَما تَرى، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى البَعْثِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، ونُقِلَ في البَحْرِ أنَّ ذَلِكَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِأنَّ إلَخْ. وأبُو عَلِيٍّ اقْتَصَرَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُهُ وقالَ: لا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ وكَأنَّهُ عَنى بِالغَيْرِ ما ذُكِرَ، وما نَقَلَهُ العُكْبُرِيُّ مِن أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ والحَقُّ الجَوازُ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، ثُمَّ إنَّ المُرادَ مِنَ السّاعَةِ قِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ المُشْتَمِلُ عَلى النَّشْرِ والحَشْرِ وغَيْرِهِما، وقالَ سَعْدِيٌّ جَلَبِيٌّ: المُرادُ بِها هُنا فَناءُ العالَمِ بِالكُلِّيَّةِ لِئَلّا تَتَكَرَّرَ مَعَ البَعْثِ، وقَوْلُ الطَّيِّبِيِّ: إنَّ سَبِيلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ سَبِيلُ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وأنَّهُ اللَّهَ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ لَكِنْ قَدَّمَ وأخَّرَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ ظاهِرٌ في الأوَّلِ، هَذا وفي الإتْقانِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أنَّ الإسْلامِيِّينَ مِن أهْلِ المَنطِقِ ذَكَرُوا أنَّ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ خَمْسَ نَتائِجَ تُسْتَنْتَجُ مِن عَشْرِ مُقَدِّماتٍ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِما يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ويَدُلُّ عَلى قُصُورِ باعِهِ في ذَلِكَ العِلْمِ، وقَدْ يُقالُ في بَيانِ ذَلِكَ: إنَّ النَّتائِجَ الخَمْسَ هي الجُمَلُ المُتَعاطِفَةُ الدّاخِلَةُ في حَيِّزِ الباءِ، واسْتِنْتاجُ الأُولى بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الحَقُّ أيِ الواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ لَما شُوهِدَ بَعْضُ المُمْكِناتِ مِنَ الإنْسانِ والنَّباتِ وغَيْرِها والتّالِي باطِلٌ ضَرُورَةً فاللَّهُ تَعالى هو الحَقُّ، ودَلِيلُ المُلازَمَةِ بُرْهانُ التَّمانُعِ، واسْتِنْتاجُ الثّانِيَةِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سُبْحانَهُ قادِرًا عَلى إحْياءِ المَوْتى لَما طَوَّرَ الإنْسانَ في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ حَتّى جَعَلَهُ حَيًّا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها والتّالِي باطِلٌ ضَرُورَةً أنَّ الخَصْمَ لا يُنْكِرُ أنَّهُ تَعالى أحْيا الإنْسانَ وأحْيا الأرْضَ فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى ووَجْهُ المُلازَمَةِ ظاهِرٌ. واسْتِنْتاجُ الثّالِثَةِ بِأنَّهُ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قادِرًا عَلى إحْياءِ المَوْتى فَهو سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَكِنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ووَجْهُ المُلازَمَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ الشَّيْءِ المُمْكِنِ وإحْياءِ المَوْتى مُمْكِنٌ والقُدْرَةُ عَلى بَعْضِ المُمْكِناتِ دُونَ بَعْضٍ تُنافِي وُجُوبَ وجُودِهِ تَعالى الذّاتِيِّ وأيْضًا إحْياءُ المَوْتى أصْعَبُ الأُمُورِ عِنْدَ الخَصْمِ المُجادِلِ حَتّى زَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُمْتَنَعاتِ فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى سائِرِ المُمْكِناتِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى. واسْتِنْتاجُ الرّابِعَةِ بِأنَّ السّاعَةَ أمْرٌ مُمْكِنٌ وعَدَ الصّادِقُ بِإتْيانِهِ وكُلُّ أمْرٍ مُمْكِنٍ وعَدَ الصّادِقُ بِإتْيانِهِ فَهو آتٍ فالسّاعَةُ آتِيَةٌ إمّا أنَّ السّاعَةَ أمْرٌ مُمْكِنٌ فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِها مُحالٌ وإمّا أنَّها وعَدَ الصّادِقُ بِإتْيانِها فَلِلْآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُتَحَدّى بِها وإمّا أنَّ كُلَّ أمْرٍ مُمْكِنٍ وعَدَ الصّادِقُ بِإتْيانِهِ فَهو آتٍ فَلِاسْتِحالَةِ الكَذِبِ واسْتِنْتاجُ الخامِسَةِ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَعَيَّنُ اسْتِنْتاجُ كُلٍّ بِما ذُكِرَ بَلْ يُمْكِنُ بِغَيْرِ ذَلِكَ واخْتِيارُهُ لِتَسارُعِهِ إلى الذِّهْنِ، ورُبَّما يُقْتَصَرُ عَلى ثَلاثٍ مِن هَذِهِ الخَمْسِ بِناءً عَلى ما عَلِمْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكَذا بَيْنَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ ويُعَدُّ مِنَ الخَمْسِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ واسْتِنْتاجُها بِأنْ يُقالَ: زَلْزَلَةُ السّاعَةِ تُذْهِلُ كُلَّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وكُلُّ ما هَذا شَأْنُهُ فَهو شَيْءٌ عَظِيمٌ فَزَلْزَلَةُ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، والتَّقْوى واجِبَةٌ عَلَيْكُمُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ واسْتِنْتاجُهُ بِأنْ يُقالَ: التَّقْوى يَنْدَفِعُ بِها ضَرَرُ السّاعَةِ وكُلُّ ما يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ واجِبٌ عَلَيْكم فالتَّقْوى واجِبَةٌ عَلَيْكم، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ
صفحة 122
أوَّلًا أوْلى إلّا أنَّهُ لَوْ كانَ مُرادَهم لَكانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولُوا: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ خَمْسُ نَتائِجَ دُونَ أنْ يَقُولُوا: إنَّ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ إلى آخِرِهِ ويُناسِبُ هَذا القَوْلُ ما ذُكِرَ ثانِيًا إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُتَبادَرَ مِن كَلامِهِمْ كَوْنُ كُلٍّ مِنَ النَّتائِجِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، ولا شَكَّ أنَّ التَّقْوى واجِبَةٌ عَلَيْكم لَيْسَ مَذْكُورًا كَذَلِكَ وإنَّما المَذْكُورُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ وهو أيْضًا لَيْسَ بِقَضِيَّةٍ كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُ النّاسِ لِبَيانِ ذَلِكَ غَيْرَ ما ذَكَرْنا رَأيْنا تَرْكَ ذِكْرِهِ أوْلى فَتَأمَّلْ.
22:8Page 333
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٨
And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening book [from Him],
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أبِي جَهْلٍ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ في النَّضْرِ كالآيَةِ السّابِقَةِ فَإذا اتَّحَدَ المُجادِلُ في الآيَتَيْنِ فالتَّكْرارُ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ أوْ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ مُشْتَمِلَةً عَلى زِيادَةٍ لَيْسَتْ في الأُخْرى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُرِّرَتِ الآيَةُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ فَكَأنَّهُ قِيلَ هَذِهِ الأمْثالُ في غايَةِ الوُضُوحِ والبَيانِ ومِنَ النّاسِ مَعَ ذَلِكَ مِن يُجادِلُ إلى آخِرِهِ فالواوُ هُنا واوُ الحالِ وفي الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ واوُ العَطْفِ عَطَفَتْ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى ما قَبْلَها عَلى مَعْنى الإخْبارِ لا لِلتَّوْبِيخِ انْتَهى، وهو كَما تَرى. وفي الكَشْفِ أنَّ الأظْهَرَ في النَّظْمِ والأوْفَقَ لِلْمَقامِ كَوْنُ هَذِهِ الآيَةَ في المُقَلَّدِينَ بِفَتْحِ اللّامِ وتِلْكَ في المُقَلِّدِينَ بِكَسْرِ اللّامِ فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى الآيَةِ الأُولى، والمُرادُ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيُّ كَما أنَّ المُرادَ بِالهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا هُدًى﴾ الِاسْتِدْلالُ والنَّظَرُ الصَّحِيحُ الهادِي إلى المَعْرِفَةِ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ وحْيٍ مُظْهِرٍ لِلْحَقِّ أيْ يُجادِلُ في شَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ مِن غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِمُقَدِّمَةٍ ضَرُورِيَّةٍ ولا بِحُجَّةٍ ولا بِبُرْهانٍ سَمْعِيٍّ.
22:9Page 333
ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٩
Twisting his neck [in arrogance] to mislead [people] from the way of Allāh. For him in the world is disgrace, and We will make him taste on the Day of Resurrection the punishment of the Burning Fire [while it is said],
﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ «يُجادِلُ» كالجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ أيْ لاوِيًا لِجانِبِهِ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِهِ، وهو مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ مُتَكَبِّرًا والضَّحّاكِ بِقَوْلِهِ شامِخًا بِأنْفِهِ وابْنِ جُرَيْجٍ بِقَوْلِهِ مُعْرِضًا عَنِ الحَقِّ.
وقَرَأ الحَسَنُ «عَطْفِهِ» بِفَتْحِ العَيْنِ أيْ مانِعًا لِتَعَطُّفِهِ وتَرَحُّمِهِ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ عِلَّةً لَهُ فَإنَّ غَرَضَهُ مِنَ الجِدالِ الإضْلالُ عَنْ سَبِيلِهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ إضْلالٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِثانِيَ ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ بِالإضْلالِ إمّا الإخْراجُ مِنَ الهُدى إلى الضَّلالِ فالمَفْعُولُ مَن يُجادِلُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوِ النّاسِ جَمِيعًا بِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ عَلى غَيْرِهِمْ وأمّا التَّثْبِيتُ عَلى الضَّلالِ أوِ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ مَجازًا فالمَفْعُولُ هُمُ الكَفَرَةُ خاصَّةً.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍ و في رِوايَةٍ «لِيَضِلَّ» بِفَتْحِ الياءِ أيْ لِيَضِلَّ في نَفْسِهِ والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا لِجَعْلِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الهُدى كالهُدى لِكَوْنِهِ هُدًى بِالقُوَّةِ، يَجُوزُ أنْ يُرادَ لِيَسْتَمِرَّ عَلى الضَّلالِ أوْ لِيَزِيدَ ضَلالُهُ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِجَعْلِ ضَلالِهِ الأوَّلِ كِالإضْلالِ، وأيًّا ما كانَ فاللّامُ لِلْعاقِبَةِ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ ما سَلَكَهُ مِنَ الطَّرِيقِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً أوْ مُقارِنَةً عَلى مَعْنى اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ والأوَّلُ أظْهَرُ أيْ ثابِتٌ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ ذُلٌّ وهَوانٌ، والمُرادُ بِهِ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ هَذا المُجادِلَ النَّضْرُ أوْ أبُو جَهْلٍ ما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، ومَن عَمَّمَ. وهو الأوْلى. حَمَلَهُ عَلى ذَمِّ المُؤْمِنِينَ إيّاهُ وإفْحامِهِمْ لَهُ عِنْدَ البَحْثِ وعَدَمِ إدْلائِهِ بِحُجَّةٍ أصْلًا أوْ عَلى هَذا مَعَ ما يَنالُهُ مِنَ النَّكالِ كالقَتْلِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ الأفْرادِ.
﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيِ النّارَ البالِغَةَ في الإحْراقِ، والإضافَةُ عَلى ما قِيلَ مِن إضافَةِ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ، وفُسِّرَ الحَرِيقُ أيْضًا بِطَبَقَةٍ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى
صفحة 123
الصِّفَةِ والمُرادُ العَذابُ الحَرِيقُ أيِ المُحْرِقُ جِدًّا، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «وأُذِيقُهُ» بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ.
22:10Page 333
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٠
"That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن ثُبُوتِ الخِزْيِ لَهُ في الدُّنْيا وإذاقَةِ عَذابِ الحَرِيقِ في الأُخْرى، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما اكْتَسَبْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ لِما أنَّ الِاكْتِسابَ عادَةً يَكُونُ بِالأيْدِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ إلَخْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولَةً لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ قائِلِينَ أوْ مَقُولًا لَهُ ذَلِكَ إلَخْ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى ما وبِهِ قالَ بَعْضُهم، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ما اقْتَرَفُوا مِنَ الذُّنُوبِ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِ انْتِفاءِ ظُلْمِهِ تَعالى إلَيْهِ إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ما اقْتَرَفُوهُ إلّا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِما اقْتَرَفُوا، وحاصِلُهُ أنَّ تَعْذِيبَ العُصاةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِذُنُوبِهِمْ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ إرادَةِ عَذابِهِمْ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ فَجِيءَ بِهَذا لِرَفْعِ الِاحْتِمالِ الثّانِي وتَعْيِينِ الأوَّلِ لِلسَّبَبِيَّةِ لا لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ لِأنَّهُ جائِزٌ بَلْ بَعْضُ الآياتِ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ في حَقِّ بَعْضِ العُصاةِ، ومَرْجِعُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ إلى تَقْرِيعِ الكَفَرَةِ وتَبْكِيتِهِمْ بِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلْعَذابِ إلّا مِن قِبَلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما نَشَأ مِن ذُنُوبِكُمُ الَّتِي اكْتَسَبْتُمُوها لا مِن شَيْءٍ آخَرَ.
واخْتارَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ أنَّ مَحَلَّ أنَّ وما بَعْدَها الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ مِن غَيْرِ ذَنَبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وقالَ في العَطْفِ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ إلَخْ أنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِما أنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ بَلْ وُقُوعَهُ لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعَيَّنَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يَحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعِي كَوْنَ جَمِيعِ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ لاحْتِيجَ إلى ذَلِكَ انْتَهى. وتُعُقِّبَ قَوْلُهُ: إنَّ إمْكانَ إلَخْ بِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في مُنافاةِ ذَيْنَكِ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ذاتِهِما بَلْ في مُنافاةِ احْتِمالِ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ لِتَعَيُّنِ سَبَبِيَّةِ الذُّنُوبِ لَهُ وقَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعِي إلَخْ بِأنَّ الِاحْتِياجَ إلى ذَلِكَ القَيْدِ في كُلٍّ مِنَ الصُّورَتَيْنِ إنَّما هو لِتَقْرِيعِ المُذْنِبِينَ بِأنَّهُ لا سَبَبَ لِتَعْذِيبِهِمْ إلّا مِن قِبَلِهِمْ فالقَوْلُ بِالِاحْتِياجِ في صُورَةِ الجَمِيعِ وبِعَدَمِهِ في صُورَةِ الخُصُوصِيَّةِ رَكِيكٌ جِدًّا، وتُعُقِّبَ أيْضًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، والقَوْلُ بِالِاعْتِراضِ وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ أبْعَدُ عَنِ الِاعْتِراضِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ نَفْيِ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ، بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ الظُّلْمِ وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، وقِيلَ: هي لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ فَتَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَمًّا لا كَيْفًا. واعْتُرِضَ بِأنَّ نَفْيَ المُبالَغَةِ كَيْفَما كانَتْ تُوهِمُ المُحالَ، وقِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ المُبالَغَةُ بَعْدَ النَّفْيِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُبالَغَةً في النَّفْيِ لا نَفْيًا لِلْمُبالَغَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِثْلَ القَيْدِ المُنْفَصِلِ الَّذِي يَجُوزُ اعْتِبارُ تَأخُّرِهِ وتَقَدُّمِهِ كَما قالُوهُ في القُيُودِ الواقِعَةِ مَعَ النَّفْيِ، وجَعْلُهُ قَيْدًا في التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى لَيْسَ بِذِي ظُلْمٍ عَظِيمٍ أوْ كَثِيرٍ تَكَلُّفٌ لا نَظِيرَ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ ظَلّامًا لِلنِّسْبِيَّةِ أيْ لَيْسَ بِذِي ظُلْمٍ ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِصِيغَةِ فاعِلٍ فَقَدْ جاءَ
صفحة 124
««ولَيْسَتْ بِذِي رُمْحٍ ولَسْتُ بِنَبّالٍ»» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
22:11Page 333
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١
And of the people is he who worships Allāh on an edge.1 If he is touched by good, he is reassured by it; but if he is struck by trial, he turns on his face [to unbelief]. He has lost [this] world and the Hereafter. That is what is the manifest loss.
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ شُرُوعٌ في حالِ المُذَبْذَبِينَ أيْ ومِنهم مَن يَعْبُدُهُ تَعالى كائِنًا عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ لا ثَباتَ لَهُ فِيهِ كالَّذِي يَكُونُ في طَرَفِ الجَيْشِ فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ قَرَّ وإلّا فَرَّ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ وبَيانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، والمُرادُ مِنَ الخَيْرِ الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ كالرَّخاءِ والعافِيَةِ والوَلَدِ أيْ إنْ أصابَهُ ما يَشْتَهِي ﴿اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ ثَبَتَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ظاهِرًا لا أنَّهُ اطْمَأنَّ بِهِ اطْمِئْنانَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يُزَحْزِحُهم عاصِفٌ ولا يَثْنِيهِمْ عاصِفٌ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُفْتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يَعْتَرِيهِ في نَفْسِهِ وأهْلِهِ أوْ مالِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ مُسْتَوْلِيًا عَلى الجِهَةِ الَّتِي يُواجِهُها غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمِينًا وشِمالًا ولا مُبالٍ بِما يَسْتَقْبِلُهُ مِن حِرارٍ وجِبالٍ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ في الكَشّافِ: طارَ عَلى وجْهِهِ وجَعَلَهُ في الكَشْفِ كِنايَةً عَنِ الهَزِيمَةِ، وقِيلَ هو ها هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلَقِ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ اطْمَأنَّ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ارْتَدَّ ورَجَعَ عَنْ دِينِهِ إلى الكُفْرِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فَإذا ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا ونَتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ وإنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ سُوءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ مِنَ الإسْلامِ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أقِلْنِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي فَقالَ ﷺ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبُكُ الرِّجالَ كَما تَسْبُكُ النّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وضَعَّفَ هَذا ابْنُ حَجَرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أسْلَمَ قَبْلَ ظُهُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وارْتَدَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ «انْقَلَبَ» كَما قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها كَما هو رَأْيُ أبِي حَيّانَ، والمَعْنى فَقَدَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وضَيَّعَهُما حَيْثُ فاتَهُ ما يَسُرُّهُ فِيهِما.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ مِن طَرِيقِ الزَّعْفَرانِيِّ وقَعْنَبٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ «خاسِرَ» بِزِنَةِ فاعِلٍ مَنصُوبًا عَلى الحالِ لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ، وقُرِئَ «خاسِرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ «انْقَلَبَ» وفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيُفِيدَ تَعْلِيلَ انْقِلابِهِ بِخُسْرانِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ التَّجْرِيدِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو خاسِرٌ، والجُمْلَةُ وارِدَةٌ عَلى الذَّمِّ والشَّتْمِ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الخُسْرانِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ، وقِيلَ إنَّ أداةَ البُعْدِ لِكَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ غَيْرَ مَذْكُورٍ صَرِيحًا ﴿هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ كَوْنُهُ خُسْرانًا لا غَيْرَ
22:12Page 333
يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢
He invokes instead of Allāh that which neither harms him nor benefits him. That is what is the extreme error.
﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قِيلَ اسْتِئْنافٌ ناعٍ عَلَيْهِ بَعْضَ قَبائِحِهِ، وقِيلَ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِعِظَمِ الخُسْرانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿انْقَلَبَ﴾ وما تَقَدَّمَهُ اعْتِراضٌ، وأيًّا ما كانَ فَهو يُبْعِدُ كَوْنَ الآيَةِ في أحَدٍ مِنَ اليَهُودِ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ الأصْنامَ وإنِ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ المَدْعُوَّ الأصْنامُ لِمَكانِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ والمُرادُ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ
صفحة 125
أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَضُرُّهُ إنْ لَمْ يَعْبُدْهُ وما لا يَنْفَعُهُ إذا عَبَدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ النِّداءُ أيْ يُنادِي لِأجْلِ تَخْلِيصِهِ مِمّا أصابَهُ مِنَ الفِتْنَةِ جَمادًا لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضُّرُّ والنَّفْعُ، ويُلَوِّحُ بِكَوْنِ المُرادِ جَمادًا كَذَلِكَ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ تَكْرِيرُ كَلِمَةِ ما ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الدُّعاءُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ عَنِ الحَقِّ والهُدى مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن أبْعَدِ في التِّيهِ ضالًّا عَنِ الطَّرِيقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences