Al-AlusiAl‑Mu'minun · 23:12–17

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:12–17

23:12Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢

And certainly did We create man from an extract of clay.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أحْوالَ السُّعَداءِ عَقِبَهُ بِذِكْرِ مَبْدَئِهِمْ ومَآلِ أمْرِهِمْ في ضِمْنِ ما يَعُمُّهم وغَيْرِهِمْ وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ وحَثٌّ عَلى الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ الحَمِيدَةِ وتَحَمُّلُ مُؤَنِ التَّكْلِيفاتِ الشَّدِيدَةِ أوْ لَمّا ذَكَرَ إرْثَ الفِرْدَوْسِ عَقِبَهُ بِذِكْرِ البَعْثِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ أوْ لَمّا حَثَّ عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وامْتِثالِ أمْرِهِ عَقِبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ لِتَوَقُّفِ العِبادَةِ عَلى ذَلِكَ ولَعَلَّ الأوَّلَ أُولى في وجْهِ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ.

صفحة 13

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ وإنْ تَبايَنَتا في المَعانِي وفِيهِ نَظَرٌ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والسُّلالَةُ مَن سَلَّلَتِ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إذا اسْتَخْرَجَتْهُ مِنهُ فَهي ما سَلَّ مِنَ الشَّيْءِ واسْتَخْرَجَ مِنهُ فَإنَّ فَعّالَةَ اسْمٌ لِما يَحْصُلُ مِنَ الفِعْلِ فَتارَةً تَكُونُ مَقْصُودَةٌ مِنهُ كالخُلاصَةِ وأُخْرى غَيْرُ مَقْصُودَةٍ مِنهُ كالقُلامَةِ والكُناسَةِ والسُّلالَةِ مِن قُبَيْلِ الأوَّلِ فَإنَّها مَقْصُودَةٌ بِالسُّلِّ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذا البِناءَ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ، ومِنَ الأوْلى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٍ بِالخَلْقِ، ومِنَ الثّانِيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ إلّا أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِسُلالَةٍ عَلى أنَّها بِمَعْنى مَسْلُولَةٍ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِسُلالَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى هَذا تَبْعِيضِيَّةً وأنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِن طِينٍ﴾ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ بِإعادَةِ الجارِّ، وخَلَقَ جِنْسَ الإنْسانِ مِمّا ذَكَرَ بِاعْتِبارِ خَلْقِ أوَّلِ الأفْرادِ وأصْلُ النَّوْعِ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ فَيَكُونُ الكُلُّ مَخْلُوقًا مِن ذَلِكَ خَلْقًا إجْمالِيًّا في ضِمْنِ خَلْقِهِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: خَلَقَ الجِنْسَ مِن ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَبْدَأٌ بَعِيدٌ لِأفْرادِ الجِنْسِ فَإنَّهم مِنَ النُّطَفِ الحاصِلَةِ مِنَ الغِذاءِ الَّذِي هو سُلالَةُ الطِّينِ وصَفْوَتُهُ، وفِيهِ وصْفُ الجِنْسِ بِوَصْفِ أكْثَرِ أفْرادِهِ لِأنَّ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أوْ يُقالُ تَرْكُ بَيانِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، واقْتَصَرَ عَلى بَيانِ حالِ أوْلادِهِ. وجاءَ ذَلِكَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالطِّينِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّهُ مِن مَجازِ الكَوْنِ، والمُرادُ بِالسُّلالَةِ النُّطْفَةُ وبِالإنْسانِ الجِنْسُ ووَصَفَهُ بِما ذَكَرَ بِاعْتِبارِ أكْثَرِ أفْرادِهِ أوْ يُقالُ كَما قِيلَ آنِفًا، ولا يُخْفى خَفاءَ قَرِينَةِ المَجازِ وعَدَمِ تَبادُرِ النُّطْفَةِ مِنَ السُّلالَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ وما ذَهَبْنا إلَيْهِ أوَّلًا أُولى، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى:

23:13Page 342

ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣

Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].

﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ عائِدٌ عَلى الجِنْسِ بِاعْتِبارِ أفْرادِهِ المُغايِرَةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإذا أُرِيدَ بِالإنْسانِ أوَّلًا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالضَّمِيرُ عَلى ما في البَحْرِ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو ابْنُ آدَمَ، وجازَ لِوُضُوحِ الأمْرِ وشُهْرَتِهِ وهو كَما تَرى أوْ عَلى الإنْسانِ والكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ثُمَّ جَعَلْنا نَسْلَهُ، وقِيلَ يُرادُ بِالإنْسانِ أوَّلًا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِنْدَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ ما تَناسَلَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ، ومِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُرادَ بِالإنْسانِ أفْرادُ بَنِي آدَمَ والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْهِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ في أوَّلِ الكَلامِ أيْ ولَقَدْ خَلَقَنا أصْلُ الإنْسانِ إلَخْ، ومِثْلُهُ أنْ يُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ أوْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿سُلالَةٍ﴾ والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَسْلُولِ أوِ الماءِ أيْ ثُمَّ صَيَّرْنا السُّلالَةَ نُطْفَةً.

والظّاهِرُ أنَّ ﴿نُطْفَةً﴾ في سائِرِ الوُجُوهِ مَفْعُولًا ثانِيًا لِلْجَعْلِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ وهو عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى وجْهِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى الإنْسانِ فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ مَجازِ الأوَّلِ بِأنْ يُرادَ بِالإنْسانِ ما سَيَصِيرُ إنْسانًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ويَكُونُ ﴿نُطْفَةً﴾ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أيْ ثُمَّ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ كائِنَةٍ ﴿فِي قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَقَرٍّ وهو في الأصْلِ مِن قَرَيْقَرَ قَرارًا بِمَعْنى ثَبَتَ ثُبُوتًا وأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ مُبالَغَةً، والمُرادُ بِهِ الرَّحِمُ ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكِينٍ﴾ أيْ مُتَمَكِّنٌ مَعَ أنَّ التَّمَكُّنَ وصْفُ ذِي المَكانِ وهو النُّطْفَةُ هُنا عَلى سَبِيلِ المَجازِ كَما يُقالُ طَرِيقٌ سائِرٌ، وجَوَّزَ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّحِمَ نَفْسَها مُتَمَكِّنَةٌ ومَعْنى تَمَكُّنِها أنَّها لا تَنْفَصِلُ لِثِقَلِ حَمْلِها أوَّلًا تَمُجُّ ما فِيها فَهو كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النُّطْفَةِ مُحْرِزَةٍ مَصُونَةٍ وهو وجْهٌ وجِيهٌ.

23:14Page 342

ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤

Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1

﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ دَمًا جامِدًا وذَلِكَ بِإفاضَةِ أعْراضِ الدَّمِ عَلَيْها

صفحة 14

فَتَصِيرُها دَمًا بِحَسْبِ الوَصْفِ، وهَذا مِن بابِ الحَرَكَةِ في الكَيْفِ ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ قِطْعَةِ لَحْمٍ بِقَدْرِ ما يَمْضُغُ لا اسْتِبانَةَ ولا تَمايُزَ فِيها، وهَذا التَّصْيِيرُ عَلى ما قِيلَ بِحَسْبِ الذّاتِ كَتَصْيِيرِ الماءِ حَجَرًا وبِالعَكْسِ، وحَقِيقَتُهُ إزالَةُ الصُّورَةِ الأُولى عَنِ المادَّةِ وإفاضَةُ صُورَةٍ أُخْرى عَلَيْها وهو مِن بابِ الكَوْنِ والفَسادِ ولا يَخْلُو ذَلِكَ مِنَ الحَرَكَةِ في الكَيْفِيَّةِ الِاسْتِعْدادِيَّةِ فَإنَّ اسْتِعْدادَ الماءِ مَثَلًا لِلصُّورَةِ الأُولى الفاسِدَةِ يَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ واسْتِعْدادِهِ لِلصُّورَةِ الثّانِيَةِ الكائِنَةِ يَأْخُذُ في الِاشْتِدادِ ولا يَزالُ الأوَّلُ يَنْقُصُ والثّانِي يَشْتَدُّ إلى أنَّ تَنْتَهِيَ المادَّةُ إلى حَيْثُ تَزُولُ عَنْها الصُّورَةُ الأُولى فَتَحْدُثُ فِيها الثّانِيَةُ دُفْعَةً فَتَتَوارَدُ هَذِهِ الِاسْتِعْداداتُ الَّتِي هي مِن مَقُولَةِ الكَيْفِ عَلى مَوْضُوعٍ واحِدٍ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ﴾ غالِبَها ومُعْظَمَها أوْ كُلَّها ﴿عِظامًا﴾ صِغارًا وعِظامًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وذَلِكَ التَّصْيِيرُ بِالتَّصْلِيبِ لِما يُرادُ جَعْلُهُ عِظامًا مِنَ المُضْغَةِ وهَذا أيْضًا تَصْيِيرٌ بِحَسْبِ الوَصْفِ فَيَكُونُ مِنَ البابِ الأوَّلِ.

وفِي كَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ إشارَةٌ ما إلى مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا وهو يَسْتَلْزِمُ القَوْلَ بِأنَّ النُّطْفَةَ والعَلَقَةَ مُتَّحِدانِ في الحَقِيقَةِ وإنَّما الِاخْتِلافُ بِالأعْراضِ كالحُمْرَةِ والبَياضِ مَثَلًا وكَذا المُضْغَةُ والعِظامُ مُتَّحِدانِ في الحَقِيقَةِ وإنَّما الِاخْتِلافُ بِنَحْوِ الرَّخاوَةِ والصَّلابَةِ وأنَّ العَلَقَةَ والمُضْغَةَ مُخْتَلِفانِ في الحَقِيقَةِ كَما أنَّهُما مُخْتَلِفانِ بِالأعْراضِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ تَتَعاقَبُ في جَمِيعِ هَذِهِ الأطْوارِ عَلى مادَّةٍ واحِدَةٍ صُوَرٌ حَسَبِ تَعاقُبِ الِاسْتِعْداداتِ إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ إلى أنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِهِ فَتَدَبَّرَ ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ﴾ المَعْهُودَةَ ﴿لَحْمًا﴾ أيْ جَعَلْنا ساتِرًا لِكُلٍّ مِنها كاللِّباسِ، وذَلِكَ اللَّحْمُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن لَحْمُ المُضْغَةِ بِأنْ لَمْ تُجْعَلْ كُلُّها عِظامًا بَلْ بَعْضُها ويَبْقى البَعْضُ فَيَمُدُّ عَلى العِظامِ حَتّى يَسْتُرَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَحْمًا آخَرَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى العِظامِ مِن دَمٍ في الرَّحِمِ.

وجَمَعَ ( العِظامَ ) دُونَ غَيْرِها مِمّا في الأطْوارِ لِأنَّها مُتَغايِرَةُ هَيْئَةٍ وصَلابَةٍ بِخِلافِ غَيْرِها ألا تَرى عَظْمَ السّاقِ وعَظْمَ الأصابِعِ وأطْرافَ الأضْلاعِ، وعِدَّةَ العِظامِ مُطْلَقًا عَلى ما قِيلَ مِائَتانِ وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ عَظْمًا وهي عِدَّةُ رَحِمٍ بِالجَمَلِ الكَبِيرِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذِهِ عِدَّةَ أجْزاءِ الإنْسانِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبانَ والمُفَضَّلِ والحَسَنِ وقَتادَةَ وهارُونَ والجَعْفِيِّ ويُونُسَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِإفْرادِ ( العِظامَ ) في المَوْضِعَيْنِ اكْتِفاءً بِاسْمِ الجِنْسِ الصّادِقِ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ مَعَ عَدَمُ اللَّبْسِ كَما في قَوْلِهِ: «كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعْفُوا» . واخْتِصاصُ مِثْلِ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهَ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وفي الإفْرادِ هُنا مُشاكَلَةٌ لِما ذُكِرَ قَبْلُ في الأطْوارِ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ.

وقَرَأ السِّلْمِيُّ وقَتادَةُ أيْضًا والأعْرَجُ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإفْرادِ الأوَّلِ وجَمْعِ الثّانِي.

وقَرَأ أبُو رَجاءَ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا بِجَمْعِ الأوَّلِ وإفْرادِ الثّانِي ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها حَيْثُ جَعَلَ حَيَوانًا ناطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا وأوْدَعَ كُلَّ عُضْوٍ مِنهُ وكُلَّ جُزْءٍ عَجائِبَ وغَرائِبَ لا تُدْرَكُ بِوَصْفٍ ولا تُبْلَغُ بِشَرْحٍ، ومِن هُنا قِيلَ:

وتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وفِيكَ انْطَوى العالِمُ الأكْبَرُ

صفحة 15

وقِيلَ الخَلْقُ الآخَرُ الرُّوحُ والمُرادُ بِها النَّفْسُ النّاطِقَةُ. والمَعْنى أنْشَأْنا لَهُ أوْ فِيهِ خَلْقًا آخَرَ، والمُتَبادِرُ مِن إنْشاءِ الرُّوحِ خَلَقَها وظاهِرُ العَطْفِ بِثُمَّ يَقْتَضِي حُدُوثَ البَدَنِ وهو قَوْلُ أكْثَرِ الإسْلامِيِّينَ وإلَيْهِ ذَهَبَ أرِسْطُو، وقِيلَ إنْشاؤُها نَفْخُها في البَدَنِ وهو عِنْدُ بَعْضٍ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِها مُتَعَلِّقَةٍ بِهِ، وعِنْدَ أكْثَرِ المُسْلِمِينَ جَعَلَها سارِيَةً فِيهِ، وإذا أُرِيدَ بِالرُّوحِ الرُّوحَ الحَيَوانِيَّةَ فَلا كَلامَ في حُدُوثِها بَعْدَ البَدَنِ وسَرَيانِها فِيهِ، وقِيلَ: الخَلْقُ الآخَرُ القُوى الحَسّاسَةُ، وقالَ الضَّحّاكُ ويَكادُ يَضْحَكُ مِنهُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ: الخَلْقُ الآخَرُ الأسْنانُ والشَّعْرُ فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ يُولَدُ وعَلى رَأْسِهِ الشَّعْرُ؟ فَقالَ: فَأيْنَ العانَةُ والإبِطُ، وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن كَوْنِ ﴿ثُمَّ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ هو ما يَقْتَضِيهِ أكْثَرُ اسْتِعْمالاتِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الرَّتْبِيِّ فَإنَّ الخَلْقَ الثّانِيَ أعْظَمُ مِنَ الأوَّلِ ورُتْبَتُهُ أعْلى وجاءَتِ المَعْطُوفاتُ الأوَّلُ بَعْضُها بِثُمَّ وبَعْضُها بِالفاءِ ولَمْ يَجِئْ جَمِيعُها بِثُمَّ أوْ بِالفاءِ مَعَ صِحَّةِ ذَلِكَ في مِثْلِها لِلْإشارَةِ إلى تَفاوُتِ الِاسْتِحالاتِ فالمَعْطُوفُ بِثُمَّ مُسْتَبْعَدٌ حُصُولُهُ مِمّا قَبْلَهُ فَجَعَلَ الِاسْتِبْعادَ عَقْلًا أوْ رُتْبَةً بِمَنزِلَةِ التَّراخِي والبُعْدِ الحِسِّيِّ لِأنَّ حُصُولَ النُّطْفَةِ مِن أجْزاءٍ تُرابِيَّةٍ غَرِيبٌ جِدًّا وكَذا جَعَلَ النُّطْفَةَ البَيْضاءَ السَّيّالَةَ دَمًا أحْمَرَ جامِدًا بِخِلافِ جَعْلِ الدَّمِ لَحْمًا مُشابِهًا لَهُ في اللَّوْنِ والصُّورَةِ وكَذا تَصْلِيبُ المُضْغَةِ حَتّى تَصِيرَ عَظْمًا وكَذا مَدَّ لَحْمِها عَلَيْهِ لِيَسْتُرَهُ كَذا قِيلَ ولا يَخْلُو عَنْ قِيلٍ وقالَ.

واسْتَدَلَّ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ مِن غَصْبِ بَيْضَةٍ فَأفْرَخَتْ عِنْدَهُ لَزِمَهُ ضَمانُ البَيْضَةِ لا الفَرْخُ لِأنَّهُ خَلْقٌ آخَرُ، قالَ في الكَشْفِ: وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ نَظَرٌ عَلى أصْلِ مُخالِفِيهِ لِأنَّ مُبايَنَتَهُ لِلْأوَّلِ لا تُخْرِجُهُ عَنْ مُلْكِهِ عِنْدَهُمْ، وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: إنَّ تَضْمِينَهُ لِلْفَرْخِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنَ المَغْضُوبِ لا لِكَوْنِهِ عَيْنَهُ أوْ مُسَمًّى بِاسْمِهِ، وفي هَذا بَحْثٌ وفي المَسْألَةِ خِلافٌ كَثِيرٌ وكَلامٌ طَوِيلٌ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ الفُرُوعِ المَبْسُوطَةِ.

وقالَ الإمامُ: قالُوا في الآيَةِ دَلالَةً عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النِّظامِ: إنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيها أنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وعَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ: إنَّ الإنْسانَ لا يَنْقَسِمُ وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وكَأنَّهم أرادُوا أنَّ الإنْسانَ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ والرُّوحُ الأمْرِيَّةُ المُجَرَّدَةُ فَإنَّها الَّتِي لَيْسَتْ بِجِسْمٍ عِنْدَهم ولا تَقْبَلُ الِانْقِسامَ بِوَجْهٍ ولَيْسَتْ داخِلَ البَدَنِ ولا خارِجَهُ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ فَتَعالى وتَقَدَّسَ شَأْنُهُ سُبْحانَهُ في عِلْمِهِ الشّامِلِ وقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، (وتَبارَكَ) فِعْلٌ ماضٍ لا يَتَصَرَّفُ والأكْثَرُ إسْنادُهُ إلى غَيْرِ مُؤَنَّثٍ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ والإشْعارِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفاعِيلِ العَجِيبَةِ مِن أحْكامُ الأُلُوهِيَّةِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ حَقَّ كُلِّ مَن سَمِعَ ما فُصِّلَ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لاحَظَهُ أنْ يُسارِعَ إلى التَّكَلُّمِ بِهِ إجْلالًا وإعْظامًا لِشُؤُونِهِ جَلَّ وعَلا ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ نَعْتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، وإضافَةُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ فَتُفِيدُهُ تَعْرِيفًا إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ عَلى الأصَحِّ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ وإنْ أُضِيفَ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ عِوَضٌ عَنْ- مِن- وهَكَذا جَمِيعُ بابِ أفْعَلَ مِنكَ وجَعَلَهُ بَدَلًا وهو يَقِلُّ في المُشْتَقّاتِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ والأصْلُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، وتُمَيَّزُ أفْعَلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ أيْ أحْسَنِ الخالِقِينَ خَلْقًا فالحُسْنُ لِلْخَلْقِ قِيلَ: نَظِيرُهُ

قَوْلُهُ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ»» أيْ جَمِيلٌ فِعْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا فاسْتَتَرَ، والخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وهو وصْفٌ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ

صفحة 16

تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائِدَةُ: 110] وقَوْلُ زُهَيْرٍ:

ولَأنْتَ تَفِرِّي ما خَلَقَتْ ∗∗∗ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

وفِي مَعْنى ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ بِالصُّنْعِ كَما فَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ولا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالإيجادِ عِنْدَنا إذْ لا خالِقَ بِذَلِكَ المَعْنى غَيْرُهُ تَعالى إلّا أنْ يَكُونَ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. والمُعْتَزِلَةُ يُفَسِّرُونَهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ بِأنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ ومُوجِدٌ لَها اسْتِقْلالًا فالخالِقُ المُوجِدُ مُتَعَدِّدٌ عِنْدَهُمْ، وقَدْ تَكَفَّلَتِ الكُتُبُ الكَلامِيَّةُ بِرَدِّهِمْ.

ومَعْنى حُسْنِ خَلْقِهِ تَعالى إتْقانُهُ وإحْكامُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحُسْنِ مُقابِلَ القُبْحِ وكُلُّ شَيْءٍ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ حَسَنٌ لا يَتَّصِفُ بِالقُبْحِ أصْلًا مِن حَيْثُ إنَّهُ مِنهُ فَلا دَلِيلَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِأنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ كَما لا يَخْفى.

رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمْلى عَلَيْهِ ﷺ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ حَتّى إذا بَلَغَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ نَطَقَ عَبْدُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ إلَخْ قَبْلَ إمْلائِهِ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَكَذا نَزَلَتْ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا يُوحى إلَيْهِ فَأنا نَبِيٌّ يُوحى إلَيَّ فارْتَدَّ

ولَحِقَ بِمَكَّةَ كافِرًا ثُمَّ أسْلَمَ قَبْلَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَسُنَ إسْلامُهُ، وقِيلَ: ماتَ كافِرًا،» وطَعَنَ بَعْضُهم في صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وارْتِدادَهُ بِالمَدِينَةِ كَما تَقْتَضِيهِ الرِّوايَةُ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ الجَمْعُ بِأنْ تَكُونَ الآيَةُ نازِلَةً بِمَكَّةَ واسْتَكْتَبَها ﷺ إيّاهُ بِالمَدِينَةِ فَكانَ ما كانَ أوْ يَلْتَزِمُ كَوْنُ الآيَةِ مَدَنِيَّةً لِهَذا الخَبَرِ، وقَوْلُهُ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ وعَلى هَذا يَكُونُ اقْتِصارُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ عَلى اسْتِثْناءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُبْلِسُونَ﴾ قُصُورًا فَتَذَكَّرْ. وتُرْوى هَذِهِ المُوافَقَةُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ.

أخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُويَهٍ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: أمْلى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ مُعاذٌ: مِمَّ ضَحِكْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «بِها خَتَمْتُ»» ورُوِيَتْ أيْضًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نَعِيمٍ في فَضائِلِ الصَّحابَةِ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَنَزَلَتْ كَما قالَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ ويَذْكُرُ أنَّها إحْدى مُوافِقاتِهِ الأرْبَعِ لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ مِن حُسْنِ نَظْمُ القُرْآنِ الكَرِيمِ حَيْثُ تَدُلُّ صُدُورُ كَثِيرٍ مِن آياتِهِ عَلى إعْجازِها، وقَدْ مَدَحْتُ بَعْضَ الأشْعارِ بِذَلِكَ فَقِيلَ:

قَصائِدُ إنْ تَكُنْ تُتْلى عَلى مَلَإ ∗∗∗ صُدُورِها عَلِمَتْ مِنها قَوافِيها

لا يُقالُ: فَقَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمُ القُرْآنِ الكَرِيمِ وذَلِكَ قادِحٌ في إعْجازِهِ لِما أنَّ الخارِجَ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ عَلى الصَّحِيحِ ما كانَ مِقْدارَ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ عَلى أنَّ إعْجازَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَنُوطٌ بِما قَبْلَها كَما تُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ فَإنَّها اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

23:15Page 342

ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥

Then indeed, after that you are to die.

﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدَ ما ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ حَسْبَما يُنَبِّئُ عَنْهُ ما في اسْمُ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ المُشْعِرِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبَعْدَ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والكَمالِ

صفحة 17

وكَوْنُهُ بِذَلِكَ مُمْتازًا مَنزِلًا مَنزِلَةَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ أيْ لَصائِرُونَ إلى المَوْتِ لا مَحالَةَ كَما يُؤْذِنُ بِهِ اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ وإنَّ اللّامَ وصِيغَةُ النَّعْتِ الَّذِي هو لِلثُّبُوتِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «لِمائِتُونَ» وهو اسْمُ فاعِلٍ يُرادُ بِهِ الحُدُوثُ، قالَ الفِراءُ وابْنُ مالِكٍ: إنَّما يُقالُ مايِتٌ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ.

23:16Page 342

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦

Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.

﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ يُؤَكِّدْ سُبْحانَهُ أمْرَ البَعْثِ تَأْكِيدَهُ لِأمْرِ المَوْتِ مَعَ كَثْرَةِ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِ والمُنْكِرِينَ لَهُ اكْتِفاءً بِتَقْدِيمِ ما يُغْنِي عَنْ كَثْرَةِ التَّأْكِيدِ ويُشِيدُ أرْكانَ الدَّعْوى أتَمَّ تَشْيِيدٍ مِن خَلْقِهِ تَعالى الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مَن طِينٍ ثُمَّ نَقَلَهُ مِن طُورٍ إلى طُورٍ حَتّى أنْشَأهُ خَلْقًا آخَرَ يَسْتَغْرِقُ العَجائِبَ ويَسْتَجْمِعُ الغَرائِبَ فَإنَّ في ذَلِكَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى حِكْمَتِهِ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى بَعْثِهِ وإعادَتِهِ وأنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يُهْمِلُ أمْرَهُ ويَتْرُكُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ نَسْيًا مَنسِيًّا مُسْتَقِرًّا في رَحِمُ العَدَمِ كَأنَّ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ولَما تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ المُبالَغَةَ في أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ أحْكَمُ خَلْقِ الإنْسانِ وأتْقَنَهُ بالَغَ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ في تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى مَوْتِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ لِما أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِبْعادِ العَقْلِ إيّاهُ أشَدَّ اسْتِبْعادٍ حَتّى يُوشِكَ أنْ يُنْكِرَ وُقُوعَهُ مَن لَمْ يُشاهِدْهُ وسَمِعَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ أحْكَمُ خَلْقِ الإنْسانِ وأتْقَنَهُ غايَةَ الإتْقانِ، وهَذا وجْهٌ دَقِيقٌ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ في الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى المَوْتِ وعَدَمِ زِيادَتِهِ في الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ لَمْ أرَ أنِّي سَبَقْتُ إلَيْهِ، وقِيلَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ في الآياتِ السّابِقَةِ مِنَ التَّكْلِيفاتِ ما ذَكَرَ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أبْدَعَ خَلْقِ الإنْسانِ وقَلَّبَهُ في الأطْوارِ حَتّى أوْصَلَهُ إلى طُورٍ هو غايَةُ كَمالِهِ وبِهِ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ بِنَحْوِ تِلْكَ التَّكْلِيفاتِ وهو كَوْنُهُ حَيًّا عاقِلًا سَمِيعًا بَصِيرًا وكانَ ذَلِكَ مُسْتَدْعِيًا لِذِكْرِ طُورٍ يَقَعُ فِيهِ الجَزاءُ عَلى ما كَلَّفَهُ تَعالى بِهِ وهو أنْ يُبْعَثَ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فالمَقْصُودُ الأهَمُّ بَعْدَ بَيانِ خَلْقِهِ وتَأهُّلِهِ لِلتَّكْلِيفِ بَيانَ بَعْثِهِ لَكِنَّ وسَطَ حَدِيثِ المَوْتِ لِأنَّهُ بَرْزَخٌ بَيْنَ طُورِهِ الَّذِي تَأهَّلَ بِهِ لِلْأعْمالِ الَّتِي تَسْتَدْعِي الجَزاءَ وبَيْنَ بَعْثِهِ فَلا بُدَّ مِن قَطْعِهِ لِلْوُصُولِ إلى ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها المَخْلُوقُ العَجِيبُ الشَّأْنِ إنَّ ماهِيَّتَكَ وحَقِيقَتَكَ تَفْنى وتَعْدَمُ ثُمَّ إنَّها بِعَيْنِها مِنَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ والعِظامُ البالِيَةِ والجُلُودِ المُتَمَزِّقَةِ المُتَلاشِيَةِ في أقْطارِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَبْعَثُ وتَنْشُرُ لِيَوْمُ الجَزاءِ لِإثابَةِ مَن أحْسَنَ فِيما كَلَّفْناهُ بِهِ وعِقابُ مَن أساءَ فِيهِ، فالقَرِينَةُ الثّانِيَةُ وهي الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى البَعْثِ لَمْ تَفْتَقِرْ إلى التَّوْكِيدِ افْتِقارَ الأُولى وهي الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى المَوْتِ لِأنَّها كالمُقَدَّمَةِ لَها وتَوْكِيدُها راجِعٌ إلَيْها، ومِنهُ يَعْلَمُ سِرَّ نَقْلِ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ انْتَهى، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.

وقِيلَ: إنَّما بُولِغَ في القَرِينَةِ الأُولى لِتَمادِي المُخاطَبِينَ في الغَفْلَةِ فَكَأنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِذَلِكَ وأُخْلِيَتِ الثّانِيَةُ لِوُضُوحِ أدِلَّتِها وسُطُوعِ بَراهِينِها، قالَ الطِّيبِيُّ: هَذا كَلامٌ حَسَنٌ لَوْ ساعَدَ عَلَيْهِ النَّظْمُ الفائِقُ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ شِدَّةَ كَراهَةِ المَوْتِ طَبْعًا الَّتِي لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ شِدَّةِ الإنْكارِ فَبُولِغَ في تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، وأمّا البَعْثُ فَمِن حَيْثُ إنَّهُ حَياةٌ بَعْدَ المَوْتِ لا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ ومِن حَيْثُ إنَّهُ مَظَنَّةٌ لِلشَّدائِدِ تَكْرَهُهُ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ حالُهُ كَحالِ المَوْتِ ولا كَحالِ الحَياةِ بَلْ بَيْنَ بَيْنَ أكَّدَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا واحِدًا، وهَذا وجْهٌ لِلتَّأْكِيدِ لَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِن عُلَماءِ المَعانِي ولا يَضُرُّ فِيهِ ذَلِكَ إذا كانَ وجِيهًا في نَفْسِهِ، وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّراخِي لِلْإيذانِ بِتَفاوُتِ المَراتِبِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ذَكَرَ تِسْعَةَ أطْوارٍ ووَقَعَ المَوْتُ فِيها الطَّوْرُ الثّامِنُ ووافَقَ ذَلِكَ أنَّ مَن يُولَدُ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ مِن حَمْلِهِ قَلَّما يَعِيشُ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ طَوْرَ الحَياةِ في القَبْرِ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ الإعادَةِ.

23:17Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧

And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ﴾

صفحة 18

بَيانٌ لِخَلْقِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَقاؤُهم إثْرَ بَيانِ خَلْقِهِمْ، وقِيلَ: اسْتِدْلالٌ عَلى البَعْثِ أيْ خَلْقِنا في جِهَةِ العُلُوِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ فَوْقِيَّتِها لَهم لِأنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ إنَّما تُعْرَضُ بَعْدَ خَلْقِهِمْ ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ هي السَّماواتُ السَّبْعُ، ( وطَرائِقَ ) جَمْعُ طَرِيقَةٍ بِمَعْنى مَطْرُوقَةٍ مِن طَرْقِ النَّعْلِ والخَوافِي إذْ وضَعَ طاقاتِها بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ قالَهُ الخَلِيلُ والفِراءُ والزَّجّاجُ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿طِباقًا﴾ [المُلْكُ: 3، نُوحٌ: 15] ولِكُلٍّ مِنَ السَّبْعِ نِسْبَةٌ وتَعَلُّقٌ بِالمُطارَقَةِ فَلا تَغْلِيبَ، وقِيلَ: جَمَعَ طَرِيقَةً بِمَعْناها المَعْرُوفِ وسُمِّيَتِ السَّماواتُ بِذَلِكَ لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في هُبُوطِهِمْ وعُرُوجِهِمْ لِمَصالِحِ العِبادِ أوْ لِأنَّها طَرائِقُ الكَواكِبِ في مَسِيرِها.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّرائِقُ بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ مَن طَرَقَتِ الحَدِيدَ مَثَلًا إذا بَسَطَتْهُ وهَذا لا يُنافِي القَوْلَ بِكْرِيَّتَها، وقِيلَ: سُمِّيَتْ طَرائِقُ لِأنَّ كُلَّ سَماءٍ طَرِيقَةٌ وهَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الأُخْرى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ الهَيْئَةَ واحِدَةٌ، نَعَمْ أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ سَماءٍ ما لَمْ يُودِعْهُ سُبْحانَهُ في الأُخْرى فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَسْمِيَتُها طَرائِقَ لِذَلِكَ ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ﴾ أيْ عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها السَّماواتِ السَّبْعِ ﴿غافِلِينَ﴾ مُهْمِلِينَ أمْرِهِ بَلْ نُفِيضُ عَلى كُلِّ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ النّاسَ، والمَعْنى أنَّ خَلْقَنا السَّماواتِ لِأجْلِ مَنافِعِهِمْ ولَسْنا غافِلِينَ عَنْ مَصالِحِهِمْ، وألْ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلِاسْتِغْراقِ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقِ المَذْكُورِ وهو السَّماواتُ السَّبْعُ أيْ وما كُنّا عَنْها غافِلِينَ بَلْ نَحْفَظُها عَنِ الزَّوالِ والِاخْتِلالِ ونُدَبِّرُ أمْرَها، والإظْهارُ في مَقامُ الإضْمارِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِها، وإفْرادُ الخَلْقِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ أوْ لِأنَّ المُتَعَدِّدَ عِنْدَهُ تَعالى في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском