Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:23–33
23:23Page 343
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣
And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 23. 63] شُرُوعٌ في بَيانِ إهْمالِ النّاسِ وتَرْكِهِمُ النَّظَرِ والِاعْتِبارُ فِيما عَدَّدَ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ وما حاقَهم مِن زَوالِها وفي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ لِقُرَيْشٍ.
وتَقْدِيمُ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سائِرِ القِصَصِ مِمّا لا يَخْفى وجْهُهُ، وفي إيرادِها إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
مِن حُسْنِ المَوْقِعِ ما لا يُوصَفُ، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، والكَلامُ في نَسَبِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَمِّيَّةِ لُبْثِهِ في قَوْمِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ قَدْ مَرَّ، والأصَحُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ تَكُنْ رِسالَتُهُ عامَّةً بَلْ أُرْسِلَ إلى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ ﴿فَقالَ﴾ مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِمْ ومُسْتَمِيلًا لَهم إلى الحَقِّ ( يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللَّهَ ) أيِ اعْبُدُوهُ وحْدَهُ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [هُودٍ: 2] ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ وتَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّها هي العِبادَةُ فَقَطْ وأمّا العِبادَةُ مَعَ الإشْراكِ فَلَيْسَتْ مِنَ العِبادَةِ في شَيْءٍ رَأْسًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِتَعْلِيلِ العِبادَةِ المَأْمُورِ بِها أوْ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِها، و(غَيْرُهُ ) بِالرَّفْعِ صِفَةً لِإلَهٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ- بِلَكُمْ- أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( لَكم ) أوْ مَحْذُوفٌ ( ولَكم ) لِلتَّخْصِيصِ والتَّبْيِينِ أيْ ما لَكَمَ في الوُجُودِ إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى. وقُرِئَ «غَيْرُهُ» بِالجَرِّ اعْتِبارًا لِلَّفْظِ «إلَهٍ» ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ أتَعْرِفُونَ ذَلِكَ أيْ مَضْمُونَ قَوْلِهِ تَعالى ما ﴿لَكم مِن إلَهٍ
صفحة 25
غَيْرُهُ﴾ فَلا تَتَّقُونَ عَذابَهُ تَعالى الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ وإشْراكِكم بِهِ عَزَّ وجَلَّ في العِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ لَوْلا إيجادُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ فالمُنْكَرُ عَدَمُ الِاتِّقاءِ مَعَ تَحَقُّقٍ ما يُوجِبُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ألّا تُلاحِظُونَ فَلا تَتَّقُونَ فالمُنْكَرُ كِلا الأمْرَيْنِ فالمُبالَغَةُ حِينَئِذٍ في الكَمِّيَّةِ وفي الأوَّلِ في الكَيْفِيَّةِ، وتَقْدِيرُ مَفْعُولِ ( تَتَّقُونَ ) حَسْبَما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى مِن تَقْدِيرِ بَعْضِهِمْ إيّاهُ زَوالَ النِّعَمِ ولا نُسَلِّمُ أنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ كَما لا يَخْفى.
23:24Page 343
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.
﴿فَقالَ المَلأُ﴾ أيِ الإشْرافُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ وصْفُ المَلَإ بِالكُفْرِ مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ فِيهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عَراقَتِهِمْ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ فِيهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِن ذَلِكَ إلّا ذَمُّهم دُونَ التَّمْيِيزِ عَنْ أشْرافٍ آخَرِينَ آمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ أحَدٌ مِن أشْرافِهِمْ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ وقالَ الخَفاجِيُّ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ بِذَلِكَ لِلتَّمْيِيزِ وإنْ لَمْ يُؤْمِن بَعْضُ أشْرافِهِمْ وقْتَ التَّكَلُّمِ بِهَذا الكَلامِ لِأنَّ مِن أهْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المُتَّبِعِينَ لَهُ أشْرافًا وأمّا قَوْلُ ﴿ما نَراكَ﴾ [هُودُ: 27] إلَخْ فَعَلى زَعْمِهِمْ أوْ لِقِلَّةِ المُتَّبِعِينَ لَهُ مِنَ الأشْرافِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى فَقالَ المَلَأُ لِعَوامِّهِمْ ما هَذا ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ في الجِنْسِ والوَصْفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَكم وبَيْنَهُ وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في وضْعِ رُتْبَتِهِ العالِيَةِ وحَطِّها عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ووَصَفُوهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ إغْضابًا لِلْمُخاطِبِينَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإغْراءً لَهم عَلى مُعاداتِهِ، والتَّفَضُّلُ طَلَبُ الفَضْلِ وهو كِنايَةٌ عَنِ السِّيادَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُرِيدُ أنْ يُسَوِّدَكم ويَتَقَدَّمَكم بِادِّعائِهِ الرِّسالَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِثْلَكُمْ، وقِيلَ: صِيغَةُ التَّفَعُّلِ مُسْتَعارَةٌ لِلْكَمالِ فَإنَّهُ ما يَتَكَلَّفُ لَهُ يَكُونُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُرِيدُ كَمالَ الفَضْلِ عَلَيْكم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ رِسالَةِ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ بَعْدَ تَحْقِيقِ بَشَرِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إرْسالَ الرَّسُولِ لِأرْسَلَ رُسُلًا مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما قِيلَ ﴿لأنْزَلَ﴾ لِأنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ لا يَكُونُ إلّا بِطَرِيقِ الإنْزالِ فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مُطْلَقُ الإرْسالِ المَفْهُومُ مِنَ الجَوابِ لا نَفْسَ مَضْمُونِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾ [النَّحْلُ: 9] ولا بَأْسَ في ذَلِكَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ إنَّما يُحْذَفُ إذا لَمْ يَكُنْ أمْرًا غَرِيبًا وكانَ مَضْمُونُ الجَزاءِ فَهو ضابِطَةٌ لِلْحَذْفِ المُطَّرِدِ فِيهِ لا مُطْلَقًا فَإنَّهُ كَسائِرِ المَفاعِيلِ يُحْذَفُ ويُقَدَّرُ بِحَسْبِ القَرائِنِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: التَّقْدِيرُ ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِبادَتَهُ وحْدَهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً يُبَلِّغُونَنا ذَلِكَ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ وكانَ هَذا مِنهم طَعْنٌ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ما ﴿سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ بَلْ هو طَعْنٌ فِيما ذَكَرَ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ أيْضًا وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى الكَلامُ المُتَضَمِّنِ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً والكَلامُ عَلى تَقْدِيرٍ مُضافٍ أيْ ما سَمِعْنا بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ في آبائِنا الماضِينَ قَبْلَ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ عَدَمَ السَّماعِ بِكَلامِ نُوحٍ المَذْكُورِ لا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ فَإنَّ السَّماعَ بِمِثْلِهِ كافٍ لِلْقَبُولِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى نَفْسِ هَذا الكَلامِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُشَخِّصاتِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ وهو كَلامٌ وجِيهٌ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهم هَذا إمّا لِكَوْنِهِمْ وآبائِهِمْ في فَتْرَةٍ وإمّا لِفَرْطِ غُلُوِّهِمْ في التَّكْذِيبِ والعِنادِ وانْهِماكِهِمْ في الغَيِّ والفَسادِ، وأيًّا ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو الصّادِرُ عَنْهم في مَبادِئِ دَعَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ الفاءُ الظّاهِرَةُ في التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ المَلأُ﴾ إلَخْ.
وقِيلَ: هَذا إشارَةٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَعْنى ما سَمِعْنا بِخَبَرِ نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: إلى اسْمِهِ وهو لَفْظُ نُوحٍ
صفحة 26
والمَعْنى لَوْ كانَ نَبِيًّا لَكانَ لَهُ ذِكْرٌ في آبائِنا الأوَّلِينَ، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُمُ المَذْكُورُ مِن مُتَأخِّرِي قَوْمِهِ المَوْلُودِينَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَيَكُونُ المُرادُ مِن آبائِهِمُ الأوَّلِينَ مَن مَضى قَبْلَهم في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصُدُورُ ذَلِكَ عَنْهم في أواخِرِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: بَعْدَ مُضِيِّ آبائِهِمْ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في الأواخِرِ، وعَلَيْهِما أيْضًا يَكُونُ قَوْلُهُمْ:
23:25Page 343
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."
﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما هو ﴿إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ أوْ جِنٌّ يَخْبِلُونَهُ ولِذَلِكَ يَقُولُ ما يَقُولُ ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ فاحْتَمَلُوهُ واصْبِرُوا عَلَيْهِ وانْتَظِرُوا ﴿حَتّى حِينٍ﴾ لَعَلَّهُ يُفِيقُ مِمّا هو فِيهِ مَحْمُولًا عَلى تَرامِي أحْوالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وإضْرابِهِمْ عَمّا وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ مِنَ البَشَرِيَّةِ وإرادَةِ التَّفَضُّلِ إلى وصْفِهِ بِما تَرى وهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا وأرْزَنُهم قَوْلًا، وهو عَلى ما تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلى تَناقُضِ مَقالاتِهِمُ الفاسِدَةِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفِكُونَ.
23:26Page 343
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦
[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما سَمِعَ مِنهم هَذِهِ الأباطِيلَ؟ فَقِيلَ: قالَ لَمّا رَآهم قَدْ أصَرُّوا عَلى ما هم فِيهِ وتَمادَوْا عَلى الضَّلالِ حَتّى يَئِسَ مِن إيمانِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ﴾ [هُودٌ: 36] ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بِإهْلاكِهِمْ بِالمَرَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٌ: 26] إلَخْ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْبَدَلِ وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ أوْ بَدَلَ تَكْذِيبِهِمْ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ آلِيَّةً وما مَوْصُولَةٌ أيِ انْصُرْنِي بِالَّذِي كَذَّبُونِي بِهِ وهو العَذابُ الَّذِي وعَدْتَهم إيّاهُ ضِمْنَ قَوْلِي: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعْرافُ: 59، الشُّعَراءُ: 135، الأحْقافُ: 21] وحاصِلُهُ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في حَذْفٍ مِثْلِ هَذا العائِدِ مِنَ الكَلامِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «رَبُّ» بِضَمُ الباءِ ولا يُخْفى وجْهُهُ.
23:27Page 343
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧
So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.
﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عُقَيْبَ ذَلِكَ، وقِيلَ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ أنِ مُفَسِّرَةً لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ ﴿بِأعْيُنِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِمَزِيدِ حِفْظِنا ورِعايَتِنا لَكَ مِنَ التَّعَدِّي أوْ مِنَ الزَّيْغِ في الصُّنْعِ ﴿ووَحْيِنا﴾ وأمْرِنا وتَعْلِيمِنا لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِها، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَلى إتْمامِ صُنْعِ الفُلْكِ، والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هُودٌ: 43] فَهو واحِدُ الأُمُورِ لا الأمْرُ بِالرُّكُوبِ فَهو واحِدُ الأوامِرِ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِمَجِيئِهِ كَمالُ اقْتِرابِهِ أيِ ابْتِداءِ ظُهُورِهِ أيْ إذا جاءَ أثَرُ تَمامُ الفَلَكِ عَذابُنا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِمَجِيءِ الأمْرِ، رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا فارَ التَّنُّورُ ارْكَبْ أنْتَ ومَن مَعَكَ وكانَ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا نَبَعَ مِنهُ الماءُ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبُوا، واخْتَلَفُوا في مَكانِهِ فَقِيلَ كانَ في مَسْجِدِ الكُوفَةِ أيْ في مَوْضِعِهِ عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِن بابِ كِنْدَةَ اليَوْمَ، وقِيلَ:
كانَ في عَيْنِ ورْدَةٍ مِنَ الشّامِ، وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ قَرِيبًا مِنَ المَوْصِلِ، وقِيلَ: التَّنُّورُ وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: فارَ التَّنُّورُ مِثْلُ كَحَمِيَ الوَطِيسُ،
وعَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ بِطَلْعِ الفَجْرِ
فَقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ فَوَرانَ التَّنُّورِ كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ وفِيهِ بُعْدٌ وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ لَكَ.
﴿فاسْلُكْ فِيها﴾ أيِ ادْخُلْ فِيها يُقالُ سَلَكَ فِيهِ أيْ دَخَلَ فِيهِ وسَلَكَهُ فِيهِ أيْ أدْخَلَهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرُ: 42] ﴿مِن كُلٍّ﴾ أيْ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أيْ فَرْدَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 27
﴿اثْنَيْنِ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في الفَرْدَيْنِ دُونَ الجَمْعَيْنِ.
وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ مِن «كُلِّ زَوْجَيْنِ» بِالإضافَةِ عَلى أنَّ المَفْعُولَ «اثْنَيْنِ» أيِ اسْلُكْ مِن كُلِّ أُمَّتِي الذِّكْرِ والأُنْثى واحِدَيْنِ مُزْدَوِجَيْنِ كَجَمَلٍ وناقَةٍ وحِصانٍ ورَمَكَةٍ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْمِلْ في الفُلْكِ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَلِدُ ويَبِيضُ» وأمّا ما يَتَوَلَّدُ مِنَ العُفُوناتِ كالبَقِّ والذُّبابِ والدُّوُودِ فَلَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنهُ، ولَعَلَّ نَحْوَ البِغالِ مُلْحَقَةٌ في عَدَمُ الحَمْلِ بِهَذا الجِنْسِ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِالتَّوالُدِ مِن نَوْعَيْنِ فالحَمْلُ مِنهُما مُغْنٍ عَنِ الحَمْلِ مِنهُ إذا كانَ الحَمْلُ لِئَلّا يَنْقَطِعَ النَّوْعُ كَما هو الظّاهِرُ فَيَحْتاجُ إلى خَلْقٍ جَدِيدٍ كَما خَلَقَ في ابْتِداءِ الأمْرِ. والآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الأمْرَ بِالإدْخالِ كانَ قَبْلَ صُنْعِهِ الفَلَكِ، وفي سُورَةِ [هُودٍ: 40] ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ فالوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِأمْرٍ آخَرَ تَنْجِيزَيٍّ ورَدٌّ عِنْدَ فَوَرانِ التَّنُّورِ الَّذِي نِيطَ بِهِ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ أوْ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الأمْرُ السّابِقُ بِعَيْنِهِ لَكِنَّ لَمّا كانَ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ قَبْلَ تَحَقُّقِ المُعَلِّقِ بِهِ في حَقِّ إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ جَعَلَ كَأنَّهُ إنَّما حَدَثَ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ فَحُكِيَ عَلى صُورَةِ التَّنْجِيزِ ﴿وأهْلَكَ﴾ قِيلَ عَطَفَ عَلى ﴿اثْنَيْنِ﴾ عَلى قِراءَةِ الإضافَةِ وعَلى ﴿زَوْجَيْنِ﴾ عَلى قِراءَةِ التَّنْوِينِ، ولا يَخْفى اخْتِلالُ المَعْنى عَلَيْهِ فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿فاسْلُكْ﴾ أيْ واسْلُكْ أهْلَكَ، والمُرادُ بِهِمْ أُمَّةُ الإجابَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَواءً كانُوا مِن ذَوِي قَرابَتِهِ أمْ لا وجاءَ إطْلاقُ الأهْلِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما حَمَلَ عَلَيْهِ هُنا دُونَ المَعْنى المَشْهُورِ لِيَشْمَلَ مَن آمَنَ مِمَّنْ لَيْسَ ذا قَرابَةٍ فَإنَّهم قَدْ ذَكَرُوا في سُورَةِ هُودٍ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، واخْتارَ بَعْضُهم حَمْلَ الأهْلِ عَلى المَشْهُورِ وإرادَةَ امْرَأتِهِ وبَنِيهِ مِنهُ كَما في سُورَةِ هُودٍ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا كَما كانَ هُناكَ، وعَدَمُ ذِكْرِ مَن آمَنَ لِلِاكْتِفاءِ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ ثَمَّتْ مَعَ دَلالَةِ ما في الِاسْتِثْناءِ وكَذا ما بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي إدْخالُهُ، وتَأْخِيرُ الأمْرِ بِإدْخالِ الأهْلِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عَمّا ذَكَرَ مِن إدْخالِ الأزْواجِ لِأنَّ إدْخالَ الأزْواجِ يَحْتاجُ إلى مُزاوَلَةِ الأعْمالِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإلى مُعاوَنَةِ أهْلِهِ إيّاهُ وأمّا هم فَإنَّما يَدْخُلُونَ بِاخْتِيارِهِمْ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ وغَيْرِهِ فَتَقْدِيمُهُ يُخِلُّ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والمُرادُ بِالقَوْلِ القَوْلُ بِالإهْلاكِ، والمُرادُ بِسَبْقِ ذَلِكَ تَحَقُّقُهُ في الأزَلِ أوْ كِتابَةُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ الدُّنْيا، وجِيءَ بِعَلى لِكَوْنِ السّابِقِ ضارًّا كَما جِيءَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنْبِياءُ: 101] لِكَوْنِ السّابِقُ نافِعًا ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ لا تُكَلِّمْنِي فِيهِمْ بِشَفاعَةٍ وإنْجاءٍ لَهم مِنَ الغَرَقِ ونَحْوِهِ، وإذا كانَ المُرادُ بِهِمْ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ فالإظْهارُ في مَقامُ الإضْمارِ لا يَخْفى وجْهُهُ ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِما يُنَبِّئُ عَنْهُ مِن عَدَمِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ لَهم أيْ إنَّهم مَقْضِيٌّ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ لا مَحالَةَ لِظُلْمِهِمْ بِالإشْراكِ وسائِرِ المَعاصِي ومِن هَذا شَأْنُهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْفَعَ لَهُ أوْ يُشَفِّعَ فِيهِ وكَيْفَ يَنْبَغِي ذَلِكَ وهَلاكُهُ مِنَ النِّعَمُ الَّتِي يُؤَمَّرُ بِالحَمْدِ عَلَيْها كَما يُؤْذِنُ بِهِ.
23:28Page 344
فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨
And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ مِن أهْلِكَ وأتْباعِكَ ﴿عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَإنَّ الحَمْدَ عَلى الإنْجاءِ مِنهم مُتَضَمِّنٌ لِلْحَمْدِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وإنَّما قِيلَ ما ذَكَرَ ولَمْ يَقُلْ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أهْلَكَ القَوْمَ الظّالِمِينَ لِأنَّ نِعْمَةَ الإنْجاءِ أتَمَّ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي المَسَرَّةُ بِمُصِيبَةِ
صفحة 28
أحَدٍ ولَوْ عَدُوًّا مِن حَيْثُ كَوْنِها مُصِيبَةً لَهُ بَلْ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ السَّلامَةِ مِن ضَرَرِهِ أوْ تَطْهِيرِ الأرْضِ مِن وسَخِ شَرَكِهِ وإضْلالِهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَمْدَ هُنا رَدِيفُ الشُّكْرِ فَإذا خَصَّ بِالنِّعْمَةِ الواصِلَةِ إلى الشّاكِرِ لا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُصِيبَةِ مِن حَيْثُ إنَّها مُصِيبَةٌ وهو ظاهِرٌ، وفي أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحَمْدِ عَلى نَجاةِ أتْباعِهِ إلى أنَّهُ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ أيْضًا.
23:29Page 344
وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩
And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"
﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي﴾ في الفَلَكِ ﴿مُنْزَلا﴾ أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ ﴿مُبارَكًا﴾ يَتَسَبَّبُ لِمَزِيدِ الخَيْرِ في الدّارَيْنِ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ مِن يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، والدُّعاءُ بِذَلِكَ إذا كانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فالمُرادُ إدامَةُ ذَلِكَ الإنْزالِ ولَعَلَّ المَقْصُودَ إدامَةُ البَرَكَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِالتَّوْفِيقِ لِلنُّزُولِ في أبْرَكِ مَنازِلِها لِأنَّها واسِعَةٌ، وإنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فالأمْرُ واضِحٌ، ورَوى جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا دُعاءُ أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَهُ عِنْدَ النُّزُولِ مِنَ السَّفِينَةِ فالمَعْنى رَبِّ أنْزَلَنِي مِنها في الأرْضِ مَنزِلًا إلَخْ، وأخَذَ مِنهُ قَتادَةُ. نَدَبَ أنْ يَقُولَ راكِبُ السَّفِينَةِ عِنْدَ النُّزُولِ مِنها ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي﴾ إلَخْ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الأوَّلُ إذِ العَطْفُ ظاهِرٌ في أنَّ القَوْلَيْنِ وقْتَ الِاسْتِواءِ. وأعادَ ( قُلْ ) لِتَعَدُّدِ الدُّعاءِ، والأوَّلُ مُتَضَمِّنٌ دَفْعِ مُضِرَّةٍ ولِذا قَدَّمَ وهَذا لِجَلْبِ مَنفَعَةٍ.
وأمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَشْفَعَ دُعاءَهُ ما يُطابِقُهُ مِن ثَنائِهِ عَزَّ وجَلَّ تَوَسُّلًا بِهِ إلى الإجابَةِ فَإنَّ الثَّناءَ عَلى المُحْسِنِ يَكُونُ مُسْتَدْعِيًا لِإحْسانِهِ، وقَدْ قالُوا: الثَّناءُ عَلى الكَرِيمِ يَعْنِي عَنْ سُؤالِهِ، وإفْرادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأمْرِ مَعَ شَرِكَةِ الكُلِّ في الِاسْتِواءِ لِإظْهارِ فَضْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ لا يَلِيقُ غَيْرُهُ مِنهم لِلْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والفَوْزِ بِعِزِّ الحُضُورِ في مَقامُ الإحْسانِ مَعَ الإيماءِ إلى كِبْرِيائِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخاطِبُ كُلَّ أحَدٍ مِن عِبادِهِ والإشْعارِ بِأنَّ في دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وثَنائِهِ مَندُوحَةٌ عَمّا عَداهُ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبانُ «مَنزِلًا» بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ أيْ مَكانَ نُزُولٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ «مَنزِلًا» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَنزِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرًا وأنْ يَكُونَ مَوْضِعَ نُزُولٍ.
23:30Page 344
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠
Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرَ مِمّا فَعَلَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِقَوْمِهِ ﴿لآياتٍ﴾ جَلِيلَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها أُولُو الأبْصارِ ويُعْتَبَرُ ذَوُو الِاعْتِبارِ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ إنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنِ انْ واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ إنَّ النّافِيَةَ ولَيْسَتْ إنَّ نافِيَةً واللّامُ بِمَعْنى إلّا والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ وإنَّ الشَّأْنَ كُنّا مُصِيبِينَ قَوْمِ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ وعِقابٍ شَدِيدٍ أوْ مُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادِنا لِنَنْظُرَ مَن يَعْتَبِرُ ويَتَذَكَّرُ، والمُرادُ مُعامِلِينَ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القَمَرُ: 15]
23:31–32Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١
Then We produced after them a generation of others.
فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢
And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ هم عادٌ أوْ ثَمُودُ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ هو هُودٌ أوْ صالِحٌ عَلَيْهِما السَّلامُ، والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وأيَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ هُودٍ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافُ: 69] وبِمَجِيءِ قِصَّةِ عادٍ بَعْدَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ وغَيْرِهِما واخْتارَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والطَّبَرِيُّ الثّانِي واسْتَدَلّا عَلَيْهِ بِذِكْرِ الصَّيْحَةِ آخِرَ القِصَّةِ والمَعْرُوفُ أنَّ قَوْمَ صالِحٍ هُمُ المُهْلِكُونَ بِها دُونَ قَوْمِ هُودٍ، وسَيَأْتِي الجَوابُ عَنْهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجَعَلَ القَرْنَ ظَرْفًا لِلْإرْسالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ
صفحة 29
فِي أُمَّةٍ﴾ [الرَّعْدُ: 30] لا غايَةَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ مَن أرْسَلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَأْتِهِمْ مِن غَيْرِ مَكانِهِمْ بَلْ إنَّما نَشَأ فِيما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، ( وأنِ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضْمَنَ الإرْسالَ مَعْنى القَوْلِ أيْ قُلْنا لَهم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وجَوَّزَ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً ولا مانِعَ مَن وصْلِها بِفِعْلِ الأمْرِ وقَبْلِها جارٌ مُقَدَّرٌ أيْ أرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ (ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ ) الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ المارِّ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
23:33Page 344
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣
And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.
﴿وقالَ المَلأُ﴾ أيِ الأشْرافِ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ بَيانٌ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ بِلِقاءِ ما فِيها مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ أوْ بِالمَعادِ أوْ بِالحَياةِ الثّانِيَةِ صِفَةً لِلْمَلَإ جِيءَ بِها ذَمًّا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّمْيِيزِ إنْ كانَ في ذَلِكَ القَرْنِ مَن آمَنَ مِنَ الأشْرافِ، وتَقْدِيمُ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ هُنا عَلى الصِّفَةِ مَعَ تَأْخِيرِهِ في القِصَّةِ السّابِقَةِ لِئَلّا يَطُولَ الفَصْلُ بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ لَوْ جِيءَ بِهِ بَعْدَ الصِّفَةِ وما في حَيِّزِها مِمّا تَعَلَّقَ بِالصِّلَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَوَهُّمِ تَعَلُّقِهِ بِالدُّنْيا أوْ يَفْصِلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَوْ جِيءَ بِهِ بَعْدَ الوَصْفِ وقَبْلَ العَطْفِ كَذا قِيلَ.
وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ جَعْلِ ﴿الَّذِينَ﴾ صِفَةً لِلْمَلَإ وإبْداءِ نُكْتَةٍ لِلتَّقْدِيمُ المَذْكُورِ مَعَ ظُهُورِ جَوازِ جَعْلِهِ صِفَةً لِقَوْمِهِ. ورَدَّ بِأنَّ الدّاعِيَ لِارْتِكابِهِ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ نَعَّمْناهم ووَسَّعْنا عَلَيْهِمْ فِيها عَلى الصِّلَةِ فَيَكُونُ صِفَةَ مَعْنى لِلْمَوْصُوفِ بِالمَوْصُولِ والمُتَعارَفِ إنَّما هو وصْفُ الأشْرافِ بِالمُتْرَفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ وكَذا الحالُ إذا لَمْ يَعْطِفْ وجَعَلَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( كَذَّبُوا ) وأنْتَ تَعْلَمُ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَعارَفَ إنَّما هو وصْفُ الأشْرافِ بِالمُتْرَفِينَ ولَئِنْ سَلَّمْنا فَوَصَفَهم بِذَلِكَ قَدْ يَبْقى مَعَ جَعْلِ المَوْصُولِ صِفَةً لِقَوْمِهِ بِأنْ يَجْعَلَ جُمْلَةَ ( أتْرَفْناهم ) حالًا مِن ﴿المَلأُ﴾ بِدُونِ تَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِتَقْدِيرِها أيْ قالَ المَلَأُ في حَقِّ رَسُولِنا ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلَخْ في حالِ إحْسانِنا عَلَيْهِمْ.
نِعْمَ الظّاهِرُ لَفْظًا جُمْلَةُ( أتْرَفْناهم )عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والأبْلَغُ مَعْنى جَعْلِها حالًا مِنَ الضَّمِيرِ لِإفادَتِهِ الإساءَةِ إلى مَن أحْسَنَ وهو أقْوى في الذَّمِّ، وجِيءَ بِالواوِ العاطِفَةِ في ﴿وقالَ المَلأُ﴾ هُنا ولَمْ يُجَأْ بِها بَلْ جِيءَ بِالجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا في مَوْضِعٍ آخَرَ لِأنَّ ما نَحْنُ فِيهِ حِكايَةٌ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ المَقالَتَيْنِ أعْنِي مَقالَةَ المُرْسَلِ ومَقالَةَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا حِكايَةَ المُقاوَلَةِ لِأنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا ما قالُوا بَعْضُهم لِبَعْضٍ وظاهِرُ إباءِ ذَلِكَ الِاسْتِئْنافِ وأمّا هُنالِكَ فَيَحِقُّ الِاسْتِئْنافُ لِأنَّهُ في حِكايَةِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ المُرْسَلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ واسْتِدْعاءِ مَقامُ المُخاطَبَةِ ذَلِكَ بَيْنَ كَذا في الكَشْفِ، ولا يَحْسِمُ مادَّةُ السُّؤالِ إذْ يُقالُ مَعَهُ: لِمَ حُكِيَ هُنالِكَ المُقاوَلَةُ وهُنا التَّفاوُتُ بَيْنَ المَقالَتَيْنِ ولَمْ يَعْكِسْ؟ ومِثْلُ هَذا يَرُدُّ عَلى مَن عَلَّلَ الذِّكْرَ هُنا والتَّرْكَ هُناكَ بِالتَّفَنُّنِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ لَوْ عَكَسَ بِأنْ تَرْكَ هُنا وذَكَرَ هُناكَ لَحَصَلَ التَّفَنُّنُ أيْضًا، وأنا لَمْ يَظْهَرْ لِي السِّرُّ في ذَلِكَ، وأمّا الإتْيانُ بِالواوِ هُنا والفاءِ في ﴿فَقالَ المَلأُ﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ قِيلَ: لَعَلَّهُ لِأنَّ كَلامَ المَلَإ هُنا لَمْ يَتَّصِلْ بِكَلامِ رَسُولِهِمْ بِخِلافِ كَلامِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِمْ ما هَذا إلَخْ مِنَ المُبالَغَةِ في تَوْهِينِ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَهْوِينِهِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ
صفحة 30
ما أجْهَلَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْمُماثَلَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ما الثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ إلَيْها ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ حُذِفَ مَعَ الجارِّ لِدَلالَةٍ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ الحَذْفُ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتُ في اسْتِيفاءِ الشَّرائِطِ، وحَسَنُهُ هُنا كَوْنُ ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فاصِلَةً.
وفِي التَّحْرِيرِ زَعَمَ الفِراءُ حَذْفَ العائِدِ المَجْرُورِ مَعَ الجارِّ في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والآيَةُ إمّا لا حَذْفَ فِيها أوْ فِيها حَذْفُ المَفْعُولِ فَقَطْ لِأنَّ ما إذا كانَتْ مَصْدَرِيَّةً لَمْ تَحْتَجْ إلى عائِدٍ وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فالعائِدُ المَحْذُوفُ ضَمِيرُ مَنصُوبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مُتَّصِلٌ بِالفِعْلِ والتَّقْدِيرُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ اهْـ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى قاعِدَةِ البَصْرِيِّينَ ويُفَوِّتُ عَلَيْهِ فَصاحَةَ مُعادَلَةِ التَّرْكِيبِ عَلى أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مُحَوَّجٌ إلى تَأْوِيلِ المُصَدِّرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ وبَعْدَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ لِصِحَّةِ المَعْنى ويَحْتاجُ إلى ذَلِكَ التَّكَلُّفِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أيْضًا إذْ لا يَشْرَبُ أحَدٌ مِن مَشْرُوبِهِمْ ولا مِنَ الَّذِي يَشْرَبُونَهُ وإنَّما يُشْرَبُ مِن فَرْدٍ آخَرَ مِنَ الجِنْسِ فَلا بُدَّ مِن إرادَةِ الجِنْسِ عَلى الوَجْهَيْنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences