Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:34–46
23:34Page 344
وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤
And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.
﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فِيما ذَكَرَ مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ أيْ إنِ امْتَثَلْتُمْ بِأوامِرِهِ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ عُقُولُكم ومَغْبُونُونَ في آرائِكم حَيْثُ أذْلَلْتُمْ أنْفُسَكُمْ، واللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقِسْمِ وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القِسْمِ، ( وإذًا ) فِيما أمِيلُ إلَيْهِ ظَرْفِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ النِّسْبَةُ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ مِنَ الثُّبُوتِ أوْ بِالخَبَرِ واللّامِ لا تَمْنَعُ عَنِ العَمَلِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ.
قالَ أبُو حَيّانَ: ولَوْ كانَ هَذا هو الجَوابُ لَلَزِمَتِ الفاءُ فِيهِ بِأنْ يُقالَ: فَإنَّكم إلَخْ بَلْ لَوْ كانَ بِالفاءِ في تَرْكِيبٍ غَيْرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ جائِزًا إلّا عِنْدَ الفِراءِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَهُ وهو عِنْدُهم خَطَأٌ اْهْـ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ «إذا» هُنا لِلْجَزاءِ والجَوابِ وتَكَلُّفٌ لِذَلِكَ ولا يَدْعُو إلَيْهِ سِوى ظَنُّ وُجُوبِ اتِّباعِ المَشْهُورِ وأنَّ الحَقَّ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ مُنْحَصِرٌ فِيما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وفي هَمْعِ الهَوامِعِ وكَذا في الإتْقانِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ في هَذا البَحْثِ ما يَنْفَعُكَ مُراجَعَتُهُ فَراجِعْهُ.
23:35Page 344
أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥
Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?
﴿أيَعِدُكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُسَوَّقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِن زَجْرِهِمْ عَنِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارِ وُقُوعِ ما يَدْعُوهم لِلْإيمانِ بِهِ واسْتِبْعادِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ بِأنَّكُمْ، ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ ونَحْوُ وعَدْتُكَ الخَيْرَ ﴿إذا مِتُّمْ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ يُماتُ، وقُرِئَ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ ﴿وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ وكانَ بَعْضُ أجْزائِكم مِنَ اللَّحْمِ ونَظائِرُهُ تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً مُجَرَّدَةً عَنِ اللُّحُومِ والأعْصابِ، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِعَراقَتِهِ في الِاسْتِبْعادِ وانْقِلابِهِ مِنَ الأجْزاءِ البادِيَةِ أوْ وكانَ مُتَقَدِّمُوكم تُرابًا صِرْفًا ومُتَأخِّرُوكم عِظامًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِأنَّكُمُ الأوَّلُ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَبَرِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ وإذا ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْ أيَعِدُكم أنَّكم مُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً كَما كُنْتُمْ أوَّلًا إذا مُتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا.
واخْتارَ هَذا الإعْرابَ الفِراءُ والجُرْمِيُّ والمِبْرَدُ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الإخْراجِ وقْتَ المَوْتِ كَما لا يَخْفى خِلافًا لِما تَوَهَّمَهُ أبُو نِزارٍ المُلَقَّبُ بِمَلِكِ النُّحاةِ. ورَدَّهُ السَّخاوِيُّ ونَقْلَهُ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الأشْباهِ والمَنقُولِ عَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّ ﴿أنَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿أنَّكُمْ﴾ الأوَّلُ وفِيهِ مَعْنى التَّأْكِيدِ وخَبَرُ أنَّ الأُولى مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ أيْ أيَعِدُكم أنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُتُّمْ وهَذا الخَبَرُ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في إذا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ
صفحة 31
هُوَ الخَبَرُ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ الجُثَّةِ، وإذا أوَّلَ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ إنَّ إخْراجَكم إذا مُتُّمْ جازَ، وكانَ المِبْرَدُ يَأْبى البَدَلَ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ إذْ لَمْ يَذْكُرْ خَبَرَ أنَّ الأُولى.
وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنْ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَحْدُثُ إخْراجُكُمْ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُ ﴿أنَّكُمْ﴾ الأوَّلُ ويَكُونُ جَوابُ ﴿إذا﴾ ذَلِكَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ هو خَبَرُ أنْ ويَكُونُ عامِلًا في إذا، وبَعْضُهم يَحْكِي عَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ يَجْعَلُ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ فاعِلًا بِإذا كَما يَجْعَلُ الخُرُوجَ في قَوْلِكَ: يَوْمَ الجُمْعَةِ الخُرُوجُ فاعِلًا بِيَوْمٍ عَلى مَعْنى يَسْتَقِرُّ الخُرُوجُ يَوْمَ الجُمْعَةِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ ( وإذا مِتُّمْ ) خَبَرًا عَلى مَعْنى إخْراجِكم إذا مُتُّمْ وتُجْعَلُ الجُمْلَةُ خَبَرَ أنَّ الأُولى، قالَ في البَحْرِ: وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ لا تَكَلُّفٌ فِيهِ ونَسَبَهُ السَّخاوِيُّ في سَفَرِ السَّعادَةِ إلى المِبْرَدِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمُ الكَرِيمُ ما ذَكَرْناهُ عَنِ الفِراءِ ومِن مَعَهُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «أيَعِدُكم إذا مِتُّمْ» بِإسْقاطِ ﴿أنَّكُمْ﴾ الأُولى.
23:36Page 344
۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦
How far, how far, is that which you are promised.1
﴿هَيْهاتَ﴾ اسْمٌ لِبَعُدَ وهو في الأصْلِ اسْمُ صَوْتٍ وفاعِلُهُ مُسْتَتِرٌ فِيهِ يَرْجِعُ لِلتَّصْدِيقِ أوِ الصِّحَّةِ أوِ الوُقُوعِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَفْهَمُهُ السِّياقُ فَكَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ التَّصْدِيقِ أوِ الصِّحَّةِ أوِ الوُقُوعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَيْهاتَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ البُعْدِ، والغالِبُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَجِيئُها مُكَرَّرَةً وجاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ:
وهَيْهاتَ خَلَّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ بَيانٌ لِمَرْجِعِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ كَما في سَقْيًا لَهُ أيِ التَّصْدِيقُ أوِ الوُقُوعُ المُتَّصِفُ بِالبُعْدِ كائِنٌ لِما تُوعَدُونَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ:
وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
فَإنَّ إعْمالَ ضَمِيرِ المَصْدَرِ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ نادِرٌ جِدًّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِمَ يَثْبُتُ والبَيْتُ قابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ وهَذا كُلُّهُ مَعَ كَوْنِ الضَّمِيرِ بارِزًا فَما ظَنَّكَ إذا كانَ مُسْتَتِرًا، والقَوْلُ بِأنَّ الفاعِلَ مَحْذُوفٌ ولَيْسَ بِضَمِيرٍ مُسْتَتِرٍ وهو مَصْدَرٌ كالوُقُوعِ والتَّصْدِيقِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ المَصْدَرُ المَحْذُوفُ مُعَرَّفًا كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ البُعْدِ واللّامُ لِلْبَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ، فَعَلَ البُعْدَ ووَقَعَ ثُمَّ قِيلَ لِماذا؟ فَقِيلَ: لِما تُوعَدُونَ، وقِيلَ: فاعِلُ ﴿هَيْهاتَ﴾ ما تُوعَدُونَ واللّامُ سَيْفٌ خَطِيبٌ، وأيَّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ «هَيْهاتَ هَيْهاتَ ما تُوعَدُونَ» بِغَيْرِ لامٍ ورَدَّ بِأنَّها لَمْ تُعْهَدْ زِيادَتُها في الفاعِلِ، وقِيلَ: هَيْهاتَ بِمَعْنى البُعْدِ وهو مُبْتَدَأٌ مَبْنِيٌّ اعْتِبارًا لِأصْلِهِ خَبَرُهُ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أيِ البُعْدِ كائِنٌ لِما تُوعَدُونَ ونَسَبَ هَذا التَّفْسِيرَ لِلزَّجّاجِ.
وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ لِأنَّهُ لَمْ تُثْبِتْ مَصْدَرِيَّةُ ﴿هَيْهاتَ﴾ وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «هَيْهاتًا هَيْهاتًا» بِفَتْحِهِما مُنَوَّنَتَيْنِ لِلتَّنْكِيرِ كَما في سائِرِ أسْماءِ الأفْعالِ إذا نُوِّنَتْ فَهو اسْمُ فِعْلٍ نَكِرَةٌ، وقِيلَ:
هُوَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأحْمَرُ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ ﴿هَيْهاتَ﴾ اسْمًا مُتَمَكِّنًا مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ ( ولِما تُوعَدُونَ ) خَبَرُهُ والتَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْفِعْلِ والضَّمِّ لِلْبِناءِ مِثْلُ حُوبٍ في زَجْرِ الإبِلِ لَكِنَّهُ
صفحة 32
نُوِّنَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً اهْـ، وقِيلَ: هو اسْمٌ مُتَمَكِّنٌ مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ أيْ وقْعَ بَعْدُ، وعَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّها جَمَعٌ كَبَيْضاتٍ، وأخَذَ بَعْضُهم مِنهُ تَساوِي مُفْرَدَيْهِما في الرَّنَّةِ فَقالَ مُفْرَدُها هَيْهَةٌ كَبَيْضَةٍ. وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ ضَمَّها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ تَشْبِيهًا لَهُما بِقَبْلَ وبَعْدَ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِالكَسْرِ فِيهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. ورُوِيَ هَذا عَنْ عِيسى وهو لُغَةٌ في تَمِيمٍ وأسَدٍ وعَنْهُ أيْضًا وعَنْ خالِدِ بْنِ الياسِ أنَّهُما قَرَآ بِكَسْرِهِما والتَّنْوِينِ.
وقَرَأ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْرَجُ وعِيسى أيْضًا بِالإسْكانِ فِيهِما، فَمِنهم مَن يُبْقِي التّاءَ ويَقِفُ عَلَيْها كَما في مُسَلِّماتٍ، ومِنهم مَن يُبَدِّلُها هاءً تَشْبِيهًا بِتاءِ التَّأْنِيثِ ويَقِفُ عَلى الهاءِ، وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى الهاءِ لِاتِّباعِ الرَّسْمِ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ ﴿هَيْهاتَ﴾ بِالفَتْحِ تُكْتَبُ بِالهاءِ كَأرْطاةٍ وأصْلُها هَيْهَيْةٌ كَزَلْزَلَةٍ قُلِبَتِ الياءُ الثّانِيَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحُ ما قَبِلَها وكَذا هَيْهاتَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وهي عَلى هَذا اسْمٌ مُعْرَبٌ مُفْرَدٌ، ومَتى اعْتُبِرَتْ جَمْعًا كُتِبَتْ بِالتّاءِ وذَلِكَ إذا كانَتْ مَكْسُورَةً مُنَوَّنَةً أوْ غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ.
وقَرَأ «أيْهاهُ» بِإبْدالِ الهَزَّةِ مِنَ الهاءِ الأوْلى والوَقْفِ بِالسُّكُونِ عَلى الهاءِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ القِراءاتِ لُغاتٌ والمَعْنى واحِدٌ، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ ما يَزِيدُ عَلى أرْبَعِينَ لُغَةً وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ.
23:37Page 344
إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧
It [i.e., life] is not but our worldly life - we die and live, but we will not be resurrected.
﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾
أصْلُهُ إنَّ الحَياةَ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا ثُمَّ وضَعَ الضَّمِيرَ مَوْضِعَ الحَياةِ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مُتَأخِّرٍ وعَوْدُهُ كَذَلِكَ جائِزٌ في صُوَرٍ، مِنها إذا فُسِّرَ بِالخَبَرِ كَما هُنا كَذا قالُوا. واعْتَرَضَ بِأنَّ الخَبَرَ مَوْصُوفٌ فَتُلاحِظُ الصِّفَةَ في ضَمِيرِهِ كَما هو المَشْهُورُ في الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى مَوْصُوفٍ وحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ إنَّ حَياتَنا الدُّنْيا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا.
وأُجِيبُ بِأنَّ الضَّمِيرَ قَدْ يَعُودُ إلى المَوْصُوفِ بِدُونِ صِفَتِهِ، وهَذا في الآخِرَةِ يَعُودُ إلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن جِنْسِ الحَياةِ لِيُفِيدَ الحَمْلَ ما قَصَدُوهُ مِن نَفْيِ البَعْثِ فَكَأنَّهم قالُوا: لا حَياةَ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ خَطَأُ مَن قالَ: إنَّهُ كَشِعْرِي شِعْرِي، ومِن هَذا القَبِيلِ عَلى رَأْيِ قَوْلِهِمْ: هي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ، وقَوْلُهُ:
هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتُها تَتَحَمَّلُ ولِلدَّهْرِ أيّامٌ تَجُورُ وتَعْدِلُ
وفِي الكَشْفِ لَيْسَ المَعْنى النَّفْسُ النَّفْسُ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ الثّانِي حِينَئِذٍ تَفْسِيرًا والجُمْلَةُ بَعْدَها بَيانًا بَلِ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ أُشِيرُ إلَيْهِ ثُمَّ أخْبَرَ بِما بَعْدَهُ كَما في هَذا أخُوكَ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفَلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِما ادَّعَوْهُ مِن أنَّ الحَياةَ هي الحَياةُ الدُّنْيا وأرادُوا بِذَلِكَ يَمُوتُ بَعْضُنا ويُولَدُ بَعْضٌ وهَكَذا، ولَيْسَ المُرادُ بِالحَياةِ حَياةً أُخْرى بَعْدَ المَوْتِ إذْ لا تَصْلُحُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ لِلتَّفْسِيرِ ولا يُذَمُّ قائِلُها وناقَضَتْ قَوْلَهُمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ وقِيلَ: أرادُوا بِالمَوْتِ العَدَمَ السّابِقَ عَلى الوُجُودِ أوْ أرادُوا بِالحَياةِ بَقاءَ أوْلادِهِمْ فَإنَّ بَقاءَ الأوْلادِ في حُكْمِ حَياةِ الآباءِ ولا يَخْفى بَعْدَهُ، ومِثْلُهُ عَلى ما قِيلَ وأنا لا أراهُ كَذَلِكَ أنَّ القَوْمَ كانُوا قائِلِينَ بِالتَّناسُخِ فَحَياتُهم بِتَعَلُّقِ النَّفْسِ الَّتِي فارَقَتْ أبْدانَهم بِأبْدانٍ أُخَرَ عُنْصُرِيَّةً تَنَقَّلَتْ في الأطْوارِ حَتّى اسْتَعَدَّتْ لِأنْ تَتَعَلَّقَ بِها تِلْكَ النَّفْسُ المُفارِقَةُ فَزِيدٌ مَثَلًا إذا ماتَ تَتَعَلَّقُ نَفْسُهُ بِبَدَنٍ آخَرَ قَدِ اسْتَعَدَّ في الرَّحِمِ لِلتَّعَلُّقِ ثُمَّ يُولَدُ فَإذا ماتَ أيْضًا تَتَعَلَّقُ نَفْسُهُ بِبَدَنٍ آخَرَ كَذَلِكَ وهَكَذا إلى ما لا يَتَناهى، وهَذا مَذْهَبٌ لِبَعْضِ
صفحة 33
التَّناسُخِيَّةِ وهم مِلْيُونَ ونَحْلِيُّونَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عِمْرانَ: 55] عَلى قَوْلٍ فَإنَّ العَطْفَ فِيهِ بِالواوِ وهي لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحَياةُ الَّتِي عَنَوْها الحَياةَ قَبْلَ المَوْتِ ويُحْتَمَلُ أنَّهم قالُوا نَحْيا ونَمُوتُ إلّا أنَّهُ لَمّا حُكِيَ عَنْهم قِيلَ: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ لِيَكُونَ أوْفَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ ثُمَّ المُرادُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَحْنُ﴾ إلَخِ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وتَأْكِيدُهُ.
23:38–39Page 344
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨
He is not but a man who has invented a lie about Allāh, and we will not believe him."
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩
He said, "My Lord, support me because they have denied me."
﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما هو ﴿إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يَدَّعِيهِ مِن إرْسالِهِ تَعالى إيّاهُ وفِيما يَعِدُنا مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُنا ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ فِيما يَقُولُهُ، والمُرادُ أيْضًا اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وتَأْكِيدُهُ ﴿قالَ﴾ أيْ رَسُولِهِمْ عِنْدَ يَأْسِهِ مِن إيمانِهِمْ بَعْدَ ما سَلَكَ في دَعْوَتِهِمْ كُلَّ مَسْلَكٍ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ وانْتَقِمْ لِي مِنهم ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّايَ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ أوْ بَدَلَ تَكْذِيبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ آلِيَّةً وما مَوْصُولَةً كَما مَرَّ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
23:40Page 344
قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠
[Allāh] said, "After a little, they will surely become regretful."
﴿قالَ﴾ تَعالى إجابَةً لِدُعائِهِ وعِدَّةٌ بِما طَلَبَ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ عَنْ زَمانٍ قَلِيلٍ فَما صِلَةَ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ ( وقَلِيلٍ ) صِفَةٌ لِزَمانِ حَذْفٍ واسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْهُ ومَجِيئِهِ كَذَلِكَ كَثِيرٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (ما نَكِرَةٍ تامَّةٌ ( وقَلِيلٍ ) بَدَلًا مِنها، وأنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِقَلِيلٍ، و (عَنْ بِمَعْنى بُعْدٍ هُنا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ وتَعَلُّقُها بِكُلٍّ مِنَ الفِعْلِ والوَصْفِ مُحْتَمَلٌ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ تَوَسُّطِ لامُ القَسَمِ لِأنَّ الجارَ كالظَّرْفِ يَتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يَتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: جُمْهُورُ أصْحابِنا عَلى أنَّ لامَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُها مَعْمُولُ ما بَعْدَها سَواءً كانَ ظَرْفًا أمْ جارًّا ومَجْرُورًا أمْ غَيْرَهُما، وعَلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ والتَّقْدِيرُ عَمّا قَلِيلٌ تَنْصُرُ أوْ ما بَعْدَهُ أيْ يُصْبِحُونَ عَمّا قَلِيلٌ لِيُصْبِحُنَّ إلَخْ، ومَذْهَبُ الفِراءِ وأبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما في حَيِّزِ هَذِهِ اللّامِ عَلَيْها مُطْلَقًا، و«يُصْبِحُ» بِمَعْنى يَصِيرُ أيْ بِاللَّهِ تَعالى لَيِصِيرَنَّ نادِمِينَ عَلى ما فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ بَعْدَ زَمانٍ قَلِيلٍ وذَلِكَ وقْتَ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ومُعايَنَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: بَعْدَ المَوْتِ، وفي اللَّوامِحِ عَنْ بَعْضِهِمْ «لَتَصْبِحَنَّ» بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ فَلَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ القَوْلَ مِنَ الرَّسُولِ إلى الكُفّارِ بَعْدَ ما أُجِيبَ دُعاؤُهُ لَكانَ جائِزًا.
23:41Page 344
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
So the shriek1 seized them in truth,2 and We made them as [plant] stubble. Then away with the wrongdoing people.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أيْ صَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِمْ فَدَمَّرَهُمْ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ القَرْنَ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ظاهِرٌ، ومَن قالَ: إنَّهم قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْكَلُ ظاهِرِ هَذا عَلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ المُصَرِّحَ بِهِ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهم أهْلَكُوا بِرِيحٍ عاتِيَةٍ، وأجابَ بِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ مِنَ الرِّيحِ كَما رُوِيَ في بَعْضِ الأحادِيثِ، وفي ذِكْرِ كُلٍّ عَلى حِدَةٍ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلًّا لَوِ انْفَرَدَ لِتَدْمِيرِهِمْ لَكَفى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصَّيْحَةِ العُقُوبَةُ الهائِلَةُ والعَذابُ المُصْطَلِمُ كَما في قَوْلِهِ:
صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ أيْ بِالأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا مَدافِعَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ
صفحة 34
بِالحَقِّ﴾ [ق: 19] أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن قَوْلِكِ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ أوْ بِالوَعْدِ الصِّدْقِ الَّذِي وعَدَهُ الرَّسُولُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾ أيْ كَغُثاءِ السَّيْلِ وهو ما يَحْمِلُهُ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ البالِيَةِ ويَجْمَعُ عَلى أغْثاءٍ شُذُوذًا وقَدْ تَشَدَّدَ ثاؤُهُ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غَدْوَةٌ ∗∗∗ مِنَ السَّيْلِ والغُثاءِ فَلَكَّةُ مِغْزَلٍ
﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الإخْبارَ والدُّعاءَ، والبُعْدُ ضِدُّ القُرْبِ والهَلاكُ وفِعْلُهُما كَكَرَمَ وفَرَحَ والمُتَعارَفُ الأوَّلُ في الأوَّلِ والثّانِي في الثّانِي وهو مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ بَعُدُوا بُعْدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن كُلِّ خَيْرٍ أوْ مِنَ النَّجاةِ أوْ هَلَكُوا هَلاكًا، ويَجِبُ حَذْفُ ناصِبِ هَذا المَصْدَرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ فِيما إذا كانَ دِعائِيًّا كَما صَرَّحَ بِهِ في الدُّرِّ المَصُونِ، واللّامُ لِبَيانِ مَن دُعِيَ عَلَيْهِ أوْ أخْبَرَ بِبُعْدِهِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِبُعْدًا، وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إيذانًا بِأنَّ إبْعادَهم لِظُلْمِهِمْ.
23:42–43Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢
Then We produced after them other generations.
مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣
No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ بَعْدِ هَلاكِهِمْ ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾ هم عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ قَوْمٌ صالِحٍ وقَوْمُ لُوطٍ وقَوْمُ شُعَيْبٍ وغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ أيْ ما تَتَقَدَّمُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمُ المُهْلَكَةِ الوَقْتَ الَّذِي عُيِّنَ لِهَلاكِهِمْ فَمِن سَيْفِ خَطِيبٍ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّكِرَةِ الواقِعَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، وحاصِلُ المَعْنى ما تُهْلَكُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ مَجِيءِ أجَلِها ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ذَلِكَ الأجَلُ ساعَةً، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى ﴿أُمَّةٍ﴾ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
23:44Page 345
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤
Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْشَأْنا﴾ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَهم مُتَراخٍ عَنْ إنْشاءِ القُرُونِ المَذْكُورَةِ جَمِيعًا بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ إرْسالَ كُلِّ رَسُولٍ مُتَأخِّرٍ عَنْ إرْسالِ قَرْنٍ مَخْصُوصٍ بِذَلِكَ الرَّسُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ قَدْ أرْسَلَنا إلى كُلِّ قَرْنٍ مِنهم رَسُولًا خاصًّا بِهِ، والفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ لِلْمُسارِعَةِ إلى بَيانِ هَلاكِ أُولَئِكَ القُرُونِ عَلى وجْهٍ إجْمالِيٍّ، وتَعْلِيقُ الإرْسالِ بِالرُّسُلِ نَظِيرُ تَعْلِيقِ القَتْلِ بِالقَتِيلِ في مَن قَتَلَ قَتِيلًا ولِلْعُلَماءِ فِيهِ تَوْجِيهاتٌ ﴿تَتْرى﴾ مِنَ المُواتَرَةِ وهو التَّتابُعُ مَعَ فَصْلٍ ومُهْلَةٍ عَلى ما قالَهُ الأصْمَعِيُّ واخْتارَهُ الحَرِيرِيُّ في الدُّرَّةِ.
وفِي الصِّحاحِ المُواتَرَةِ المُتابَعَةِ ولا تَكُونُ المُواتَرَةُ بَيْنَ الأشْياءِ إلّا إذا وقَعَتْ بَيْنَها فَتْرَةٌ وإلّا فَهي مُدارَكَةٌ ومِثْلُهُ في القامُوسِ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: المُواتِرَةُ أنْ يَتْبَعَ الخَبَرُ الخَبَرَ والكِتابُ الكِتابَ فَلا يَكُونُ بَيْنَهُما فَصْلٌ كَثِيرٌ، ونُقِلَ في البَحْرِ عَنْ بَعْضٍ أنَّ المُواتَرَةَ التَّتابُعُ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وقِيلَ: هو التَّتابُعُ مُطْلَقًا، والتّاءُ الأُولى بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما في تُراثٍ وتُجاهٍ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الِاشْتِقاقُ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ والعَرَبِ عَلى عَدَمِ تَنْوِينِهِ فَألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ كَألِفِ دَعْوى وذِكْرى وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والمُرادُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ والرّاغِبُ وغَيْرُهُما ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا مُتَواتِرَيْنِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ والمُرادُ أرْسَلْنا مُتَواتِرَيْنِ.
وقِيلَ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ إرْسالًا مُتَواتِرًا، وقِيلَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَأرْسَلْنا لِأنَّهُ بِمَعْنى واتِرُنا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشُعْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والإمامُ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ «تِتْرًى» بِالتَّنْوِينِ وهو
صفحة 35
لُغَةُ كِنانَةَ، قالَ في البَحْرِ: ويَنْبَغِي عِنْدَ مَن يُنَوِّنُ أنْ تَكُونَ الألِفُ فِيهِ لِلْإلْحاقِ كَما في أرْطى وعَلْقى لَكِنَّ ألِفَ الإلْحاقِ في المَصادِرِ نادِرَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لا تُوجَدُ فِيها.
وقالَ الفِراءُ: يُقالُ تَتِرٌ في الرَّفْعِ وتَتِرٌ في الجَرِّ وتَتْرى في النَّصْبِ فَهو مِثْلُ صَبْرٌ ونَصْرٌ ووَزْنُهُ فِعْلٌ لا فَعَلى ومَتى قِيلَ تَتْرى بِالألِفِ فَألِفُهُ بَدَلُ التَّنْوِينِ كَما في صَبَرْتُ صَبْرًا عِنْدَ الوَقْفِ. ورَدَّ بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِيهِ إجْراءَ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ وعَلى مُدَّعِيهِ الإثْباتُ، وأيْضًا كَتْبُهُ بِالياءِ يَأْبى ذَلِكَ، وما ذَكَرْنا مِن مَصْدَرِيَّةِ ﴿تَتْرى﴾ هو المَشْهُورُ، وقِيلَ:
هُوَ جَمْعٌ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ وعَلى القَوْلَيْنِ هو حالٌ أيْضًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيَّنٌ لِمَجِيءِ كُلِّ رَسُولٍ لِأُمَّتِهِ ولَمّا صَدَرَ عَنْهم عِنْدَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، والمُرادُ بِالمَجِيءِ إمّا التَّبْلِيغُ وإمّا حَقِيقَةُ المَجِيءِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم كَذَّبُوهُ في أوَّلِ المُلاقاةِ، وإضافَةُ الرَّسُولِ إلى الأُمَّةِ مَعَ إضافَةِ كُلِّهِمْ فِيما سَبَقَ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِتَحْقِيقِ أنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ أُمَّتَهُ الخاصَّةَ بِهِ لا أنَّ كُلَّهم جاؤُوا كُلَّ الأُمَمِ ولِلْإشْعارِ بِكَمالِ شَناعَةِ المُكَذِّبِينَ وضَلالِهِمْ حَيْثُ كَذَّبُوا الرَّسُولَ المُعِينَ لَهُمْ، وقِيلَ: أضافَ سُبْحانَهُ الرَّسُولُ مَعَ الإرْسالِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ومَعَ المَجِيءِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ومَعَ المَجِيءِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ الَّذِي هو مَبْدَأُ الأمْرِ مِنهُ تَعالى والمَجِيءُ الَّذِي هو مُنْتَهاهُ إلَيْهِمْ ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ في الهَلاكِ حَسْبَما تَبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا في مُباشَرَةِ سَبَبِهِ وهو تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو ما يَتَحَدَّثُ بِهِ تَعَجُّبًا وتَلَهِّيًا كَأعاجِيبُ جُمَعُ أُعْجُوبَةٍ وهو ما يَتَعَجَّبُ مِنهُ أيْ جَعَلْناهم أحادِيثَ يَتَحَدَّثُ بِها عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّلَهِّي، ولا تُقالُ الأُحْدُوثَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ إلّا في الشَّرِّ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ ويُسَمِّيهِ الزَّمَخْشَرِيُّ اسْمَ جَمْعٍ، والمُرادُ إنّا أهْلَكْناهم ولَمْ يَبْقَ إلّا خَبَرُهُمُ ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اقْتَصَرَ هاهُنا عَلى وصْفِهِمْ بِعَدَمِ الإيمانِ حَسْبَما اقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ إجْمالًا، وأمّا القُرُونُ الأوَّلُونَ فَحَيْثُ نَقَلَ عَنْهم ما مَرَّ مِنَ الغُلُوِّ وتَجاوُزِ الحَدِّ في الكُفْرِ والعُدْوانِ وُصِفُوا بِالظُّلْمِ.
23:45Page 345
ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥
Then We sent Moses and his brother Aaron with Our signs and a clear authority1
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا﴾ أيْ بِالآياتِ المَعْهُودَةِ وهي الآياتُ التِّسْعُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْصِيلِها وما قِيلَ فِيهِ، ( وهارُونَ ) بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وتَعَرَضَ لِإخْوَتِهِ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ لِلْإشارَةِ إلى تَبَعِيَّتِهِ لَهُ في الإرْسالِ ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ حُجَّةٌ واضِحَةٌ أوْ مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ، والمُرادُ بِها عِنْدَ جَمْعِ العَصا، وإفْرادِها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في الآياتِ لِتَفَرُّدِها بِالمَزايا حَتّى صارَتْ كَأنَّها شَيْءٌ آخَرُ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها الآياتُ والتَّعاطُفُ مِن تَعاطُفِ المُتَحَدِّينَ في الماصَدَقَ لِتَغايُرِ مَدْلُولَيْهِما كَعَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ مَعَ اتِّحادِ الذّاتِ وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ آنِفًا أوْ هو مَن نابَ قَوْلُكُ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ والنَّسَمَةِ المُبارَكَةِ حَيْثُ جَرَّدَ مِن نَفْسِ الآياتِ سُلْطانٌ مُبِينٌ وعَطَفَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً، والإتْيانُ بِهِ مُفْرَدًا لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ أوْ لِلِاتِّحادِ في المُرادِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ التَّكالِيفُ الدِّينِيَّةُ وبِالسُّلْطانِ المُبِينِ المُعْجِزِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ وبِالسُّلْطانِ المُبِينِ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أصْلِ الدَّلالَةِ عَلى الصِّدْقِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ وهو كَما تَرى، ومُمْكِنٌ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالسُّلْطانِ تَسَلُّطُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المُحاوَرَةِ والِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ
صفحة 36
عَزَّ وجَلَّ وقُوَّةِ الجَأْشِ والإقْدامِ.
23:46Page 345
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦
To Pharaoh and his establishment, but they were arrogant and were a haughty people.
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ أشْرافِ قَوْمِهِ خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّ إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ وهو مِمّا أرْسَلا عَلَيْهِما السَّلامُ لِأجْلِهِ مَنُوطٌ بِآرائِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالمَلَإ قَوْمُهُ فَقَدْ جاءَ اسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى الجَماعَةِ مُطْلَقًا ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الِانْقِيادِ لِما أُمِرُوا بِهِ ودَعَوْا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَرْكِ تَعْذِيبِهِمْ، لَيْسَتِ الدَّعْوَةُ مُخْتَصَّةً بِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ وإطْلاقِهِمْ مِنَ الأُسَرِ فَفي سُورَةِ [النّازِعاتِ: 17- 19] ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ وأيْضًا فِيما نَحْنُ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمُ الاخْتِصاصِ.
﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُتَكَبِّرِينَ أوْ مُتَطاوِلِينَ بِالبَغْيِ والظُّلْمِ والمُرادُ كانُوا قَوْمًا عادَتُهُمُ العُلُوُّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences