Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
المؤمنون
Al-Mu'minun
The Believers · Meccan · 118 ayahs
صفحة 2
(سُورَةُ المُؤْمِنِينَ 23 )
مَكِّيَّةٌ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي البَحْرِ هي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، واسْتَثْنى مِنها كَما يُقالُ في الإتْقانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 64] إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُبْلِسُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 77] واسْتَشْكَلَ الحُكْمُ عَلى ما عَداهُ بِكَوْنِهِ مَكِّيًّا لِما فِيهِ مِن ذِكْرِ الزَّكاةِ وهي إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ ما ذُكِرَ فِيهِ يَدُلُّ عَلى فَرْضِيَّتِها يُقالُ: إنَّ الزَّكاةَ كانَتْ واجِبَةً بِمَكَّةَ والمَفْرُوضُ بِالمَدِينَةِ ذاتُ النَّصْبِ وسَتَسْمَعُ تَمامَ الكَلامِ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وهي كَما في كِتابِ العَدَدِ لِلدّانِي ومَجْمَعِ البَيانِ لِلطَّبَرْسِيِّ مِائَةٌ وثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً في الكُوفِيِّ ومِائَةٌ وسَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً في الباقِي، وقَدْ مَدَحَ النَّبِيُّ ﷺ العَشْرَ الأوَّلَ مِنها
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««كانَ إذا نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيُ نَسْمَعُ عِنْدَ وجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنا ساعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تَنْقُصْنا وأكْرِمْنا ولا تُهِنّا وأعْطِنا ولا تَحْرِمْنا وآثِرْنا ولا تُؤْثَرْ عَلَيْنا وارْضِ عَنّا وارْضِنا ثُمَّ قالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ» ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 1] حَتّى خَتَمَ العَشْرَ،»
ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ لِأنَّهُ تَعالى خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: يا ﴿أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [المُؤْمِنُونَ: 1. 22] ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحَجُّ: 77] فَناسَبَ أنْ يُحَقِّقَ ذَلِكَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ والفَلاحُ الفَوْزُ بِالمَرامِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ والإفْلاحُ الدُّخُولُ في ذَلِكَ كالإبْشارِ الَّذِي هو الدُّخُولُ بِالبِشارَةِ، وقَدْ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا وعَلَيْهِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مَصْرِفٍ وعَمْرِو بْنِ عَبِيدٍ «أفْلَحَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ( وقَدْ ) لِثُبُوتِ أمْرٍ مُتَوَقَّعٍ وتَحَقُّقِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا الفَلاحُ لِأنَّ قَدْ دَخَلَتْ عَلى فِعْلِهِ وهو مُتَوَقَّعُ الثُّبُوتِ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ الأخْبارَ بِثَباتِهِ وذَلِكَ لِأنَّ الفَلاحَ مُسْتَقْبَلٌ أبْرَزُ في مَعْرِضِ الماضِي مُؤَكِّدًا بِقَدْ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ فَيُفِيدُ تَحَقُّقَ البِشارَةِ وثَباتَها كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تَحَقَّقَ أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشَّمْسُ: 9] أنَّهُ جَوابُ القَسَمُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بِتَقْدِيرِ اللّامِ.
وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ «قَدْ أفْلَحَ» بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ وحَذْفِها لَفْظًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وهُما الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها والدّالُ السّاكِنَةُ بِحَسْبِ الأصْلِ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِحَرَكَتِها العارِضَةِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا «وقَدْ أفْلَحُوا» بِضَمُ الهَمْزَةِ والحاءِ وإلْقاءِ واوِ الجَمْعِ وهي مُخْرِجَةٌ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ هي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ مَرْدُودٌ، وعَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ يَقْرَأُ «قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ» فَقُلْتُ لَهُ:
أتَلْحَنُ؟ قالَ: نَعَمْ كَما لَحَنَ أصْحابِي، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مَرْجِعَ قِراءَتِي الرِّوايَةُ ومَتى صَحَّتْ في شَيْءٍ
صفحة 3
لا يَكُونُ لَحْنًا في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ كانَ كَذَلِكَ ظاهِرًا، وإثْباتُ الواوِ في الرَّسْمِ مَرْوِيٌّ عَنْ كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهٍ.
وفِي اللَّوامِحِ أنَّها حُذِفَتْ في الدُّرْجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحَمَلَتِ الكِتابَةَ عَلى ذَلِكَ فَهي مَحْذُوفَةٌ فِيها أيْضًا، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشُّورى: 24] وقَدْ جاءَ حَذْفُ الواوِ لَفْظًا وكِتابَةً والِاكْتِفاءُ بِالضَّمَّةِ الدّالَّةِ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ:
ولَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانَ حَوْلِي وكانَ مَعَ الأطِبّاءِ الأساةُ
وهُوَ ضَرُورَةٌ عِنْدِ بَعْضِ النُّحاةِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ قِيلَ إمّا المُصَدِّقُونَ بِما عَلِمَ ضَرُورَةَ أنَّهُ مِن دِينِ نَبِيِّنا ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ الجُسْمانِيِّ والجَزاءِ ونَظائِرِها.
23:2Page 342
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢
They who are during their prayer humbly intent
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ وما عَطَفَ عَلَيْهِ صِفاتٍ مُخَصَّصَةً لَهُمْ، وإمّا الآتُونَ بِفُرُوعِهِ أيْضًا كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ إضافَةَ الصَّلاةِ إلَيْهِمْ فَهي صِفاتٌ مُوَضَّحَةٌ أوْ مادِحَةٌ لَهُمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُؤَيِّدُ كَوْنَها مُخَصَّصَةً وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإضافَةَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالصَّلاةِ دُونَ المُصَلّى لَهُ عَزَّ وجَلَّ، والخُشُوعُ التَّذَلُّلُ مَعَ خَوْفٍ وسُكُونٍ لِلْجَوارِحِ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ خاشِعُونَ خائِفُونَ ساكِنُونَ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ، وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ،
وعَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ تَرْكُ الِالتِفاتِ، وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ.
وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ إعْظامُ المَقامِ وإخْلاصُ المَقالِ واليَقِينُ التّامُّ وجَمْعُ الِاهْتِمامِ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ تَرْكُ الِالتِفاتِ وهو مِنَ الشَّيْطانِ
فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ فَقالَ: «هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطانُ مِن صَلاةِ العَبْدِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ في مَرَضِهِ: «أقْعِدُونِي أقْعِدُونِي فَإنَّ عِنْدِي ودِيعَةً أوْدَعَنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَلْتَفِتُ أحَدُكم في صَلاتِهِ فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَفي غَيْرِ ما افْتَرَضَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ»».
وتَرْكُ العَبَثِ بِثِيابِهِ أوْ شَيْءٍ مِن جَسَدِهِ، وإنْكارُ مُنافاتِهِ لِلْخُشُوعِ مُكابَرَةٌ، وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ رَأى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ في صَلاتِهِ فَقالَ: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا خَشَعَتْ جَوارِحُهُ»»، وتَرْكُ رَفْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ وإنْ كانَ المُصَلِّي أعْمًى وقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْهُ،
فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَةَ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««لِيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يَرْفَعُونَ أبْصارَهم إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ أوْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ»»
وكانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ،
فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَرَيْنَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا صَلّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ فَنَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ فَطَأْطَأ رَأْسَهُ»، وتَرْكُ الِاخْتِصارِ وهو وضْعُ اليَدِ عَلى الخاصِرَةِ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ مَكْرُوهٌ،
وجاءَ عَنْهُ ﷺ ««الِاخْتِصارُ في الصَّلاةِ أصْلُ النّارِ»»
أيْ إنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اليَهُودِ في صَلاتِهِمِ اسْتِراحَةٌ وهم أهْلُ النّارِ لا أنَّ فِيها راحَةً كَيْفَ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفُ: 75] ومِن أفْعالِهِمْ أيْضًا فِيها التَّمَيُّلُ وقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْهُ.
أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ عَنْ أُمِّ رُومانَ والِدَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «رَآنِي أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أتَمَيَّلُ في صَلاتِي فَزَجَرَنِي زَجْرَةً كِدْتُ أنْصَرِفُ
صفحة 4
عَنْ صَلاتِي ثُمَّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا قامَ أحَدُكم في الصَّلاةِ فَلْيَسْكُنْ أطْرافُهُ لا يَتَمَيَّلُ تَمَيُّلَ اليَهُودِ فَإنَّ سُكُونَ الأطْرافِ في الصَّلاةِ مِن تَمامُ الصَّلاةِ»»
وقالَ في الكَشّافِ: مِنَ الخُشُوعِ أنْ يُسْتَعْمَلَ الآدابُ وذَكَرَ مِن ذَلِكَ تَوَقِّي كَفِّ الثَّوْبِ والتَّمَطِّي والتَّثاؤُبِ والتَّغْمِيضِ وتَغْطِيَةِ الفَمِ والسُّدْلِ والفَرْقَعَةِ والتَّشْبِيكِ وتَقَلَّبِ الحَصى، وفي البَحْرِ نَقْلًا عَنِ التَّحْرِيرِ أنَّهُ اخْتَلَفَ في الخُشُوعِ هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ اْهْـ، والصَّحِيحُ عِنْدَنا خِلافُهُ، نِعْمَ الحَقُّ أنَّهُ شَرَطَ القَبُولَ لا الإجْزاءَ.
وفِي المِنهاجِ وشَرْحِهِ لِابْنِ حَجَرٍ ويَسُنُّ الخُشُوعُ في كُلِّ صَلاتِهِ بِقَلْبِهِ بِأنْ لا يَحْضُرَ فِيهِ غَيْرُ ما هو فِيهِ وإنْ تَعَلَّقَ بِالآخِرَةِ وبِجَوارِحِهِ بِأنْ لا يَعْبَثَ بِأحَدِها، وظاهِرُ أنَّ هَذا مُرادُ النَّوَوِيِّ مِنَ الخُشُوعِ لِأنَّهُ سَيَذَّكَّرُ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ: ويَسُنُّ دُخُولَ الصَّلاةِ بِنَشاطٍ وفَراغِ قَلْبٍ إلّا أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لَهُ ولِذا خَصَّهُ بِحالَةِ الدُّخُولِ.
وفِي الآيَةِ المُرادُ كُلٌّ مِنهُما كَما هو ظاهِرٌ أيْضًا، وكانَ سَنَةً لِثَناءِ اللَّهِ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ عَلى فاعِلَيْهِ ولِانْتِفاءِ ثَوابِ الصَّلاةِ بِانْتِفائِهِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، ولِأنَّ لَنا وجْهًا اخْتارَهُ جَمْعٌ أنَّهُ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ لَكِنَّ في البَعْضِ فَيَكْرَهُ الِاسْتِرْسالَ مَعَ حَدِيثِ النَّفْسِ والعَبَثِ كَتَسْوِيَةِ رِدائِهِ أوْ عِمامَتِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِن تَحْصِيلِ سُنَّةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وقِيلَ يَحْرِمُ اْهْـ، ولِلْإمامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ مَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ قِيلَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وقِيلَ لِيَقْرُبَ ذِكْرُ الصَّلاةِ مِن ذِكْرِ الإيمانِ فَإنَّهُما أخَوانِ وقَدْ جاءَ إطْلاقُ
الإيمانِ عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةُ: 143] وقِيلَ لِلْحَصْرِ عَلى مَعْنى الَّذِينَ هم في جَمِيعِ صَلاتِهِمْ دُونَ بَعْضِها خاشِعُونَ، وفي تَقْدِيمِ وصْفِهِمْ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ عَلى سائِرِ ما يَذْكُرُ بَعْدَ ما لا يَخْفى مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الخُشُوعِ، وجاءَ أنَّ الخُشُوعَ أوَّلُ ما يَرْفَعُ مِنَ النّاسِ، فَفي خَبَرٍ رَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ أنَّ عِبادَةَ بْنَ الصّامِتِ قالَ: يُوشِكُ أنَّ تَدْخُلَ المَسْجِدَ فَلا تَرى فِيهِ رَجُلًا خاشِعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الخُشُوعُ وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الصَّلاةُ وتَنْتَقِضُ عُرى الإسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً» الخَبَرُ
﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ﴾ وهو ما لا يَعْتَدُّ بِهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالباطِلِ، وشاعَ في الكَلامُ الَّذِي يُورِدُ لا عَنْ رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ فَيَجْرِي مَجْرى اللِّغاءِ وهو صَوْتُ العَصافِيرِ ونَحْوُها مِنَ الطَّيْرِ وقَدْ يُسَمّى كُلُّ كَلامٍ قَبِيحٍ لَغْوًا، ويُقالُ فِيهِ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَغْوٌ ولَغا نَحْوُ عَيْبٍ وعابَ، وأنْشَدَ. عَنِ اللَّغا ورَفَثَ التَّكْلِيمَ.
﴿مُعْرِضُونَ﴾ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الحالَةِ الدّاعِيَةِ إلى الإعْراضِ عَنْهُ مَعَ ما فِيهِمْ مِنَ الِاشْتِغالِ بِما يَعْنِيهِمْ، وهَذا أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: لا يَلْهُونَ مِن وُجُوهٍ، جَعَلَ الجُمْلَةَ اسْمِيَّةً دالَّةً عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ المُفِيدِ لِتَقَوِّي الحُكْمِ بِتَكْرِيرِهِ، والتَّعْبِيرُ في المُسْنَدِ بِالِاسْمُ الدّالِّ كَما شاعَ عَلى الثَّباتِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِ المُفِيدُ لِلْحَصْرِ، وإقامَةُ الإعْراضِ مَقامَ التَّرْكِ لِيَدُلَّ عَلى تَباعُدِهِمْ عَنْهُ رَأْسًا مُباشَرَةً وتَسَبُّبًا ومَيْلًا وحُضُورًا فَإنَّ أصْلَهُ أنْ يَكُونَ
صفحة 5
فِي عَرْضِ أيِّ ناحِيَةٍ غَيْرِ عَرْضِهِ.
﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالزَّكاةِ المَعْنى المَصْدَرِيَّ- أعْنِي التَّزْكِيَةَ- لِأنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ فِعْلُهُمْ، وأمّا المَعْنى الثّانِي وهو القَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ المُزَكِّي فَلا يَكُونُ نَفْسُهُ مَفْعُولًا لَهم فَلا بُدَّ إذا أُرِيدَ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ فاعِلُونَ أوْ تَضْمِينٌ ﴿فاعِلُونَ﴾ مَعْنى مُؤَدُّونَ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ التَّبْرِيزِيُّ إلّا أنَّهُ تَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يُقالُ فَعَلْتُ الزَّكاةَ أيْ أدَّيْتُها، وإذا أُرِيدَ المَعْنى الأوَّلَ أدّى وصْفُهم بِفِعْلِ التَّزْكِيَةِ إلى أداءِ العَيْنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ، وهَذا أحَدُ الوُجُوهِ لِلْعُدُولِ عَنْ والَّذِينَ يُزَكُّونَ إلى ما في النَّظْمُ الكَرِيمِ.
وجَمِيعُ ما مَرَّ آنِفًا في بَيانِ أبْلَغِيَّةٍ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ مِن والَّذِينَ لا يُلْهُونَ جارٌّ هُنا سِوى الوَجْهِ الخامِسِ اتِّفاقًا والرّابِعُ عِنْدَ بَعْضٍ لِأنَّ المُقَدَّمَ مُتَعَلِّقٌ تَعَلُّقَ الجارِّ والمَجْرُورِ بِما بَعْدَهُ كَيْفَ واللّامُ زائِدَةٌ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ مِن وجْهَيْنِ، تَقْدِيمُ المَعْمُولِ، وكَوْنِ العامِلِ اسْمًا.
وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: يُمْكِنُ جَرَيانُ مِثْلِهِ حَيْثُ قَدَّمَ المَعْمُولَ مَعَ ضَعْفِ عامِلِهِ لا لِلتَّخْصِيصِ بَلْ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الفائِدَةِ، ويَجُوزُ اعْتِبارُ التَّخْصِيصِ الإضافِيِّ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْفاقِ فِيما لا يَلِيقُ، ووَصَفَهم بِذَلِكَ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لَمْ يَأْلُوا جُهْدًا بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وتَوْسِيطِ حَدِيثِ الإعْراضِ بَيْنَهُما لِكَمالِ مُلابَسَتِهِ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ وإلّا فَأكْثَرُ ما تَذْكُرُ هاتانِ العِبادَتانِ في القُرْآنِ مَعًا بِلا فاصِلٍ.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الزَّكاةَ هُنا بِمَعْنى العَمَلِ الصّالِحِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكَهْفُ: 81] واخْتارَ الرّاغِبُ أنَّ الزَّكاةَ بِمَعْنى الطَّهارَةِ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والمَعْنى والَّذِينَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ العِبادَةِ لِيُزَكِّيَهُمُ اللَّهُ تَعالى أوْ لِيُزَكُّوا أنْفُسَهُمْ، ونَقَلَ نَحْوَهُ الطَّيْبِيُّ عَنْ صاحِبِ الكَشْفِ فَقالَ: قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: مَعْنى الآيَةِ الَّذِينَ هم لِأجْلِ الطَّهارَةِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ عامِلُونَ الخَيْرِ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعْلى: 14، 15] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشَّمْسُ: 9] فَإنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنْ تَفْسِيرِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ ما أمْكَنَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ اقْتِرانَ ذَلِكَ بِالصَّلاةِ يُنادِي عَلى أنَّ المُرادَ وصْفُهم بِأداءِ الزَّكاةِ الَّذِي هو عِبادَةٌ مالِيَّةٌ، وتَنْظِيرُ ما نَحْنُ فِيهِ بِالآيَتَيْنِ بَعِيدٌ لِأنَّهُما لَيْسَتا مِن هَذا القَبِيلِ في شَيْءٍ، ورُبَّما يُقالُ: الفَصْلُ بَيْنَهُما يَشْعُرُ بِما اخْتارَهُ الرّاغِبُ ومَن حَذا حَذْوَهُ، وأيْضًا كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً والزَّكاةُ فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ يُؤَيِّدُهُ لِئَلّا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ بِما مَرَّ فَتَدَبَّرْ.
وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ في أعْلى مَراتِبِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمُ الَّذِينَ حُرِمُوا ذَوْقَ العَرَبِيَّةِ: ألّا قِيلَ مُؤَدُّونَ بَدَلَ ﴿فاعِلُونَ﴾ مِن مَحْضِ الجَهْلِ والحَماقَةِ الَّتِي أعْيَتْ مَن يُداوِيها فَإنَّهُ لَوْ فُرِضَ أنَّ القُرْآنَ وحاشا لِلَّهِ سُبْحانَهُ كَلامُ النَّبِيِّ ﷺ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي مَخَضَتْ لَهُ الفَصاحَةُ زُبْدَها وأعْطَتْهُ البَلاغَةُ مَقُودَها وكانَ ﷺ بَيْنَ مَصاقِعِ نُقّادٍ لَمْ يَأْلُوا جُهْدًا في طَلَبِ طَعْنٍ لِيَسْتَرِيحُوا بِهِ مِن طَعْنِ الصِّعادِ، وقَدْ جاءَ نَظِيرُ ذَلِكَ في كَلامِ أُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ قالَ:
المُطَعَّمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزِمَّةُ والفاعِلُونَ لِلزِّكْواتِ
ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا أعابُوهُ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا حَمْلَ الزَّكاةِ عَلى العَيْنِ وتَقْدِيرِ المُضافِ دُونَ الآيَةِ، وعَلَّلَ بِجَمْعِها وهو إنَّما يَكُونُ لِلْعَيْنِ دُونَ المَصْدَرِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ كَثِيرٌ مِنَ المَصادِرِ مَجْمُوعَةً كالظُّنُونِ والعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهي إذا اخْتَلَفَ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وقَدِ اخْتَلَفَتْ هاهُنا بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإنَّ إخْراجَ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وإخْراجَ الحَيَوانِ غَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ فَلْيُحْفَظْ.
23:5–6Page 342
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥
And they who guard their private parts
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦
Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -
صفحة 6
﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾
وصْفٌ لَهم بِالعِفَّةِ وهو وإنِ اسْتَدْعاهُ وصْفُهم بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ إلّا أنَّهُ جِيءَ بِهِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما تَقَدَّمَ وإنِ اسْتَدْعى وصْفُهم بِأصْلِ العِفَّةِ لَكِنْ جِيءَ بِهَذا لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ قُوَّتَهُمُ الشَّهَوِيَّةَ داعِيَةٌ لَهم إلى ما لا يَخْفى وإنَّهم حافِظُونَ لَها عَنِ اسْتِيفاءِ مُقْتَضاها وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ كَمالُ العِفَّةِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ كَما مَرَّ في نَظِيرِهِ، ( وعَلى ) مُتَعَلِّقٌ بِحافِظُونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى مُمْسِكُونَ عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ والإمْساكُ يَتَعَدّى بِعَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحْزابُ: 37] وذَهَبَ جَمْعٌ إلى اعْتِبارِ مَعْنى النَّفْيِ المَفْهُومِ مِنَ الإمْساكِ لِيَصِحَّ التَّفْرِيغُ فَكَأنَّهُ قِيلَ حافِظُونَ فُرُوجِهِمْ لا يُرْسِلُونَها عَلى أحَدٍ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَلْزَمُ ذَلِكَ الصِّحَّةُ العُمُومَ هُنا فَيَصِحُّ التَّفْرِيغُ في الإيجابِ، وفي الكَشْفِ الوَجْهِ أنْ يُقالَ: ما في الآيَةِ مِن قُبَيْلِ حَفِظْتُ عَلى الصَّبِيِّ مالَهُ إذا ضَبَطَهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ لا يَتَعَدّاهُ، والأصْلُ حافِظُونَ فُرُوجِهِمْ عَلى الأزْواجِ لا تَتَعَدّاهُنَّ ثُمَّ قِيلَ غَيْرُ حافِظِينَ إلّا عَلى الأزْواجِ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ، وعَلى هَذا تَضْمِينُ مَعْنى النَّفْيِ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ السِّياقِ واسْتِدْعاءِ الِاسْتِثْناءِ المُفْرَغِ ذَلِكَ ولَمْ يُؤْخَذْ مِمّا في الحِفْظِ مِن مَعْنى المَنعِ والإمْساكِ لِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِعْلاءِ يَمْنَعُهُ انْتَهى وفِيهِ ما فِيهِ.
ويا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ عُدَّ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ مانِعًا عَنْ ذَلِكَ مَعَ أنَّ كَوْنَ الإمْساكِ مِمّا يَتَعَدّى بِهِ أمْرٌ شائِعٌ، وقالَ الفِراءُ وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ: إنَّ ( عَلى ) هُنا بِمَعْنى مِن أيٍّ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما أنَّ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنْبِياءُ: 77] أيْ عَلى القَوْمِ، وقِيلَ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿حافِظُونَ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ حافِظُونَ لِفُرُوجِهِمْ في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ والِينَ وقَوّامِينَ عَلى أزْواجِهِمْ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةٍ فَماتَ عَنْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانَةٌ تَحْتَ فُلانٍ ولِذا سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلى ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشِرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلَيْهِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ.
واعْتَرَضَ بِأنَّهُما مُتَكَلِّفانِ ظاهِرًا فِيهِما العُجْمَةُ وأوْرَدَ عَلى الأخِيرِ أنَّ إثْباتَ اللَّوْمِ لَهم في أثْناءِ المَدْحِ غَيْرُ مُناسِبٍ مَعَ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِهِمْ، وكَوْنُ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ عِصْيانِهِمْ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى﴾ إلَخْ لا يَدْفَعُهُ كَما تَوَهَّمَ ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَلُومِينَ المَذْكُورِ بَعْدُ لَمّا قالَ أبُو البَقاءِ مِن أنَّ ما بَعْدُ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وأنَّ المُضافَ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، والمُرادُ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُهُمُ السِّرْياتِ، والتَّخْصِيصُ ذَلِكَ لِلْإجْماعِ عَلى عَدَمِ حَلِّ وطْءِ المَمْلُوكِ الذَّكَرِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُنَّ- بِما- عَلى القَوْلِ بِاخْتِصاصِها بِغَيْرِ العُقَلاءِ لِأنَّهُنَّ يُشْبِهْنَ السِّلَعَ بَيْعًا وشِراءً أوْ لِأنَّهُنَّ لِأُنُوثَتِهِنَّ المُنْبِئَةِ عَنْ قِلَّةِ عُقُولِهِنَّ جارِياتٍ مَجْرى العُقَلاءِ، وهَذا ظاهِرٌ فِيما إذا كُنَّ مِنَ الجَرْكَسِ أوِ الرُّومِ أوْ نَحْوِهِمْ فَكَيْفَ إذا كُنَّ مِنَ الزِّنْجِ والحَبَشِ وسائِرِ السُّودانِ فَلَعَمْرِي إنَّهُنَّ حِينَئِذٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن نَوْعِ البَهائِمِ فَما نَوْعُ البَهائِمِ مِنهُنَّ بِبَعِيدٍ، والآيَةُ خاصَّةً بِالرِّجالِ فَإنَّ التَّسَرِّيَ لِلنِّساءِ لا يَجُوزُ بِالإجْماعِ، وعَنْ قَتادَةَ قالَ تَسَرَّتِ امْرَأةٌ غُلامًا فَذَكَرَتْ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَسَألَها ما حَمَلَكِ عَلى هَذا؟ فَقالَتْ: كُنْتُ أرى أنَّهُ يَحِلُّ لِي ما يَحِلُّ لِلرِّجالِ مِن مَلْكِ اليَمِينِ فاسْتَشارَ عُمَرُ فِيها أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: تَأوَّلَتْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا جَرَمَ لا أحْلَّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبَدًا كَأنَّهُ عاقَبَها بِذَلِكَ ودَرَأ الحَدَّ عَنْها وأمَرَ العَبْدَ
صفحة 7
أنْ لا يَقْرُبَها، ولَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ.
وقالَ النَّخْعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يُبْقِيانِ عَلى نِكاحِهِما ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ مِن عَدَمِ حِفْظِ فُرُوجِهِمْ مِنَ المَذْكُوراتِ أيْ فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلى تَرْكِ حِفْظِها مِنهُنَّ.
وقِيلَ الفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ فَإنْ بَذَلُوا فُرُوجَهم لِأزْواجِهِمْ أوْ إمائِهِمْ فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلى ذَلِكَ، والمُرادُ بَيانُ جِنْسِ ما يَحِلُّ وطْؤُهُ في الجُمْلَةِ وإلّا فَقَدَ قالُوا: يُحَرَّمُ وطْءُ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمَظاهِرُ مِنها حَتّى يَكْفُرَ وهَذا مَجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها خِلافٌ عَلى ما في البَحْرِ،
وذَكَرَ الآمِدِيُّ في الأحْكامِ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ احْتَجَّ عَلى جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في المَلْكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences