Al-AlusiAl‑Mu'minun · 23:53–63

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:53–63

23:53Page 345

فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣

But they [i.e., the people] divided their religion among them into portions [i.e., sects] - each faction, in what it has,1 rejoicing.

﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِن أرْبابِها إنْ كانَتْ بِمَعْنى المِلَّةِ أوْ لَها وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الجَماعَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالأُمَّةِ أوَّلًا المِلَّةُ وعِنْدَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْها الجَماعَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِخْدامِ، والمُرادُ حِكايَةُ ما ظَهَرَ مِن أُمَمُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عِصْيانِهِمْ عَلى الأمْرِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وتَقْطَعُ بِمَعْنى قَطْعٍ كَتَقَدُّمٍ بِمَعْنى قِدَمَ والمُرادُ بِأمْرِهِمْ أمْرِ دِينِهِمْ إمّا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ عَلى جَعْلِ الإضافَةِ عَهْدِيَّةٍ أيْ قَطَعُوا أمْرَ دِينِهِمْ وجَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً مَعَ اتِّحادِهِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّقَطُّعِ التَّفَرُّقُ، و«أمَرَهُمْ» مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ فَتَفَرَّقُوا وتَحَزَّبُوا في أمْرِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أمْرَهُمْ﴾ عَلى هَذا نَصْبًا عَلى التَّمْيِيزِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ المُجَوَّزِينَ تَعْرِيفَ التَّمْيِيزِ ﴿بَيْنَهم زُبُرًا﴾ أيْ قَطْعًا جَمْعُ زَبُورٍ بِمَعْنى فُرْقَةٍ، ويُؤَيِّدُهُ

صفحة 42

أنَّهُ قُرِئَ «زُبَرًا» بِضَمُ الزّايِ وفَتْحِ الباءِ فَإنَّهُ مَشْهُورٌ ثابِتٌ في جَمْعِ زُبْرَةٍ بِمَعْنى قِطْعَةٍ وهو حالٌ مِن «أمْرِهِمْ» أوْ مِن واوِ ( تَقْطَعُوا ) أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ فَإنَّهُ مُضَمَّنُ مَعْنى جُعِلُوا، وقِيلَ: جَمْعُ زَبُورٍ بِمَعْنى كِتابٍ مِن زَبَرَتْ بِمَعْنى كَتَبَتْ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَقْطَعُوا المُضَمِّنَ مَعْنى الجَعْلِ أيْ قَطَعُوا أمْرَ دِينِهِمْ جاعِلِينَ لَهُ كُتُبًا.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿أمْرَهُمْ﴾ عَلى اعْتِبارِ تَقْطَعُوا لازِمًا أيْ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِمْ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ عِنْدَهم. وقِيلَ: إنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ في كُتُبٍ، وتَفْسِيرُ ﴿زُبُرًا﴾ بِكُتُبٍ رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ، ولا يَخْفى خَفاءُ المَعْنى عَلَيْهِ ولا يَكادُ يَسْتَقِيمُ إلّا بِتَأْوِيلٍ فَتَدَبَّرْ.

وقُرِئَ «زُبَرًا» بِإسْكانِ الباءِ لِلتَّخْفِيفِ كَرُسُلٍ في رُسُلٍ، وجاءَ ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ هُنا بِالفاءِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ اعْتَقِبِ الأمْرَ وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجاءَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ، وجاءَ هُنا ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِمّا جاءَ هُناكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءُ: 92] لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عُقَيْبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمُ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي تِلْكَ السُّورَةِ وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلُها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبٍ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صَفَتُهُ عَزَّ وجَلَّ قالَهُ أبُو حَيّانَ، وما ذَكَرَهُ أوَّلًا غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ، وما ذَكَرَهُ ثانِيًا قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَصِ السّابِقَةِ أوْ لِقِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْتِداءِ كَلامٍ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يُفِيدُ ذَلِكَ إلّا أنْ يُرادَ أنَّهُ وقَعَ في الحِكايَةِ لِهَذِهِ المُناسَبَةِ فَتَأمَّلْ.

﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مِن أُولَئِكَ المُتَحَزِّبِينَ ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اخْتارُوهُ ﴿فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ مُنْشَرِحُو الصَّدْرِ، والمُرادُ أنَّهم مُعْجَبُونَ بِهِ مُعْتَقِدُونَ أنَّهُ الحَقُّ، وفي هَذا مِن ذَمِّ أُولَئِكَ المُتَحَزِّبِينَ ما فِيهِ.

23:54Page 345

فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤

So leave them in their confusion for a time.

﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ خِطابٌ لَهُ ﷺ في شَأْنِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقْطَّعُوا في أمْرِ الدِّينِ الحَقِّ، والغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ وأصْلُها مِنَ السَّتْرِ والمُرادُ بِها الجَهالَةُ بِجامِعِ الغَلَبَةِ والِاسْتِهْلاكِ، وكَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في ضِمْنِ ما كانَ مِن أُمَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَوَزُّعُهم واقْتِسامُهم ما كانَ يَجِبُ اجْتِماعُهُ واتِّفاقُ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ وفَرَحُهم بِفِعْلِهِمُ الباطِلِ ومُعْتَقَدِهِمُ العاطِلُ قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: فَإذْ ذاكَ دَعْهم في جَهْلِهِمْ هَذا الَّذِي لا جَهْلَ فَوْقَهُ تَخْلِيَةً وخِذْلانًا ودَلالَةً عَلى اليَأْسِ مِن أنْ يُنْجَعَ القَوْلُ فِيهِمْ وضَمْنُ التَّسْلِيَةِ في ذِكْرِ الغايَةِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى حِينٍ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِذَلِكَ حِينَ قَتَلَهم وهو يَوْمُ بَدْرٍ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أوْ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ المُوجِبِ لِلْعَذابِ أوْ عَذابِهِمْ، وفي التَّنْكِيرِ والإبْهامِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ.

وجَوَّزَ أنْ يُقالَ: شَبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِن مُحاوَلَةِ الباطِلِ والِانْغِماسِ فِيهِ بِحالِ مَن يَدْخُلُ في الماءِ الغامِرِ لِلَعِبٍ والجامِعُ تَضْيِيعُ الوَقْتِ بَعْدَ الكَدْحِ في العَمَلِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى مِنوالِ سابِقِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ لَمّا جَعَلُوا فَرِحِينَ غُرُورًا جَعَلُوا لاعِبِينَ أيْضًا والأوَّلُ أظْهَرُ وقَدْ يُجْعَلُ الكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً بَلْ هو أوْلى عِنْدَ البُلَغاءِ كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبُو حَيْوَةَ والسِّلْمِيُّ «فِي غَمَراتِهِمْ»

عَلى الجَمْعِ لِأنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ غَمْرَةٌ.

23:55Page 345

أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥

Do they think that what We extend to them of wealth and children

﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾ أيِ الَّذِي نُعْطِيهِمْ إيّاهُ ونَجْعَلُهُ مَدَدًا لَهُمْ، فَما مَوْصُولَةٌ اسْمُ أنْ ولا يَضُرُّ كَوْنُها

صفحة 43

مَوْصُولَةً لِأنَّها في الإمامِ كَذَلِكَ لِسِرٍّ لا نَعْرِفُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ بَيانٌ لَها. وتَقْدِيمُ المالِ عَلى النَّبِيِّينَ مَعَ كَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنهُ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ.

23:56Page 345

نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦

Is [because] We hasten for them good things? Rather, they do not perceive.1

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ خَبَرُ أنَّ والرّاجِعُ إلى الِاسْمِ مَحْذُوفٌ أيْ أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ نُسارِعُ بِهِ لَهم فِيما فِيهِ خَيْرُهم وإكْرامُهم عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ وحَذْفِ هَذا العائِدِ لِطُولِ الكَلامِ مَعَ تَقَدُّمِ نَظِيرِهِ في الصِّلَةِ إلّا أنَّ حَذْفَ مِثْلِهِ قَلِيلٌ، وقالَ هِشامُ بْنُ مُعاوِيَةَ:

الرّابِطُ هو الِاسْمُ الظّاهِرُ وهو ( الخَيْراتِ ) وكَأنَّ المَعْنى نُسارِعُ لَهم فِيهِ ثُمَّ أظْهَرُ فَقِيلَ في الخَيْراتِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوِ زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَدَّهم بِذَلِكَ فَلا يُعابُ ولا يُنْكَرُ عَلَيْهِمُ اعْتِقادُ المَدَدِ بِهِ كَما يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما نَجْعَلُهُ مَدَدًا نافِعًا لَهم في الآخِرَةِ لَيْسَ المالَ والبَنِينَ بَلِ الِاعْتِقادُ والعَمَلُ الصّالِحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشُّعَراءُ: 88] وفِيهِ ما فِيهِ. وما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ ما مَوْصُولَةً هو الظّاهِرُ، ومَن جَوَّزَ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً وجَعَلَ المَصْدَرَ الحاصِلَ بَعْدَ السَّبْكِ اسْمَ أنْ وخَبَرَها ( نُسارِعُ ) عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةِ بِناءٍ عَلى أنَّ الأصْلَ أنْ نُسارِعَ فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ لَمْ يُوفِّ القُرْآنُ الكَرِيمُ حَقَّهُ، وكَذا مَن جَعَلَها كافَّةً كالكِسائِيِّ ونَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ، وجَوَّزَ عَلَيْهِ الوَقْفَ عَلى ( بَنِينَ ) مُعَلِّلًا بِأنَّ ما بَعْدَ يَحْسَبُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى وإنْ كانَ في تَأْوِيلِ مُفْرِدٍ وهو كَما تَرى، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «إنَّما نَمُدُّهُمْ» بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ «يَمُدُّهُمْ» بِالياءِ.

وقَرَأ السِّلْمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكَرَةَ «يُسارِعُ» بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُهُ ضَمِيرَهُ تَعالى فالكَلامُ في الرّابِطِ، عَلى ما سَمِعْتَ، وإنْ كانَ ضَمِيرُ المَوْصُولِ فَهو الرّابِطُ وعَنِ ابْنِ أبِي بَكَرَةَ المَذْكُورِ أنَّهُ قَرَأ «يُسارِعُ» بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ «نُسْرِعُ» بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ، وقُرِئَ عَلى ما في الكَشّافِ «يُسْرِعُ» بِالياءِ مُضارِعُ أسْرَعَ أيْضًا وفي فاعِلِهِ الِاحْتِمالانِ المُشارُ إلَيْهِما آنِفًا ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ عَطَفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ كَلّا لا نَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ لا يَشْعُرُونَ أيْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمُ الشُّعُورُ أنَّ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ حَتّى يَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا في ذَلِكَ هو اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ ومُبادَرَةٌ في الخَيْراتِ ومِن هُنا قِيلَ: مَن يَعْصِ اللَّهَ تَعالى ولَمْ يَرَ نُقْصانًا فِيما أعْطاهُ سُبْحانَهُ مِنَ الدُّنْيا فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَدْرِجٌ قَدْ مَكَرَ بِهِ، وقالَ قَتادَةُ: لا تَعْتَبِرُوا النّاسَ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ ولَكِنِ اعْتَبَرُوهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

23:57–58Page 345

إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧

Indeed, they who are apprehensive from fear of their Lord

وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨

And they who believe in the signs of their Lord

﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بَيْدَ أنَّ اسْتِمْرارَ الإشْفاقِ هُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَرَدُّدًا ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المُنَزَّلَةُ والمَنصُوبَةُ في الآفاقِ والأنْفُسِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ، والمُرادُ التَّصْدِيقُ بِمَدْلُولِها إذْ لا مَدْحَ في التَّصْدِيقِ بِوُجُودِها، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ دُونَ الِاسْمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ كُلَّما وقَفُوا عَلى آيَةٍ آمَنُوا بِها وصَدَّقُوا بِمَدْلُولِها.

23:59Page 345

وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩

And they who do not associate anything with their Lord

﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ فَيُخْلِصُونَ بِالعِبادَةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ فالمُرادُ نَفْيُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ

صفحة 44

كالرِّياءِ بِالعِبادَةِ كَذا قِيلَ، وقَدِ اخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّعْمِيمَ أيْ لا يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى شِرْكًا جَلِيًّا ولا خَفِيًّا ولَعَلَّهُ الأوْلى، ولا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ وصْفُهم بِالإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ مِمّا سَبَقَ وصْفَهَمْ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ومِمّا هُنا وصْفُهم بِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الأوَّلِ لِأنَّ أكْثَرَ الكُفّارِ مُتَّصِفُونَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانُ: 25، الزُّمَرُ: 38] ولا يَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإنَّهُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ لِلْإشْعارِ بِالعَلِيَّةِ وذَلِكَ العُنْوانُ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ عِلَّةً لِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ كَما لا يَخْفى.

23:60Page 346

وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠

And they who give what they give while their hearts are fearful1 because they will be returning to their Lord -

﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أيْ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا مِنَ الصَّدَقاتِ ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ خائِفَةٌ مِن أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم وأنْ لا يَقَعَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ فَيُؤاخِذُوا بِهِ. وقَرَأتْ عائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ والحَسَنُ والنَّخْعِيُّ

يَأْتُونَ ما آتَوْا مِنَ الإتْيانِ لا الإيتاءُ فِيهِما، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ ﷺ قَرَأ كَذَلِكَ

وأطْلَقَ عَلَيْها المُفَسِّرُونَ قِراءَةَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْنُونَ أنَّ المُحَدِّثِينَ نَقَلُوها عَنْهُ ﷺ ولَمْ يَرْوِها القُرّاءُ مِن طُرُقِهِمْ والمَعْنى عَلَيْها يَفْعَلُونَ مِنَ العِباداتِ ما فَعَلُوهُ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَّةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ قَوْلَ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أهُوَ الرَّجُلَ يَسْرِقُ ويَزْنِي ويَشْرَبُ الخَمْرَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَخافُ اللَّهُ تَعالى؟ قالَ: لا ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويَتَصَدَّقُ ويُصَلِّي وهو مَعَ ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَتَقَبَّلُ مِنهُ»، وجُمْلَةُ ( قُلُوبُهم وجِلَةٌ ) في القِراءَتَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في الصِّلَةِ الأوْلى، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ فِيها لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ وفي الثّانِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامُ التَّعْلِيلِيَّةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِوَجِلَةٍ أيْ خائِفَةٍ مِن عَدَمِ القَبُولِ وعَدَمِ الوُقُوعِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ لِأنَّهم راجِعُونَ إلَيْهِ تَعالى ومَبْعُوثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وحِينَئِذٍ تَنْكَشِفُ الحَقائِقُ ويَحْتاجُ العَبْدُ إلى عَمَلٍ مَقْبُولٍ لائِقٍ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةُ: 7، 8] .

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرٍ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ الَّتِي يَتَعَدّى بِها الوَجِلُ أيْ وجِلَةٍ مِن أنَّ رُجُوعَهم إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ مَناطَ الوَجِلِ أنْ لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم وأنْ لا يَقَعُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ فَيُؤاخِذُوا بِهِ حِينَئِذٍ لا مُجَرَّدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ بِقِراءَةِ الأعْمَشِ ( أنَّهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُخْبَرَ فِيها بِالوَصْفِ دُونَ الفِعْلِ المُضارِعِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِ الرُّجُوعِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ الثّابِتَةِ المُسْتَمِرَّةِ كَذا قِيلَ.

وجَوَّزَ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّجُوعِ المَذْكُورِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالعُبُودِيَّةِ، فَوَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلَيْهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ووَجْهُ تَعْلِيلِ الخَوْفِ مِن عَدَمِ القَبُولِ وعَدَمِ وُقُوعِ فِعْلِهِمْ كائِنًا ما كانَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِأنَّهم راجِعُونَ إلَيْهِ تَعالى بِالعُبُودِيَّةِ عَدَمَ وُجُوبِ قَبُولِ عَمَلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى حِينَئِذٍ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكٌ ولِلْمالِكِ أنْ يَفْعَلَ بِمُلْكِهِ ما يَشاءُ وظُهُورُ نَقْصِهِمْ كَيْفَ كانُوا عَنْ كَمالِهِ جَلَّ جَلالُهُ والنّاقِصُ مَظَنَّةُ أنْ لا يَأْتِي بِما يَلِيقُ بِالكامِلِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الكامِلُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي لا يَتَناهى كَمالُهُ ولا أراكَ تَرى في هَذا

صفحة 45

الوَجْهِ كَلَفًا سِوى كَلَفِ العَبْدِ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ المُواصَلاتِ الأرْبَعَ عَلى ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وغَيْرُهُ عِبارَةٌ عَنْ طائِفَةٍ واحِدَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِما ذَكَرَ في حَيِّزِ صَلاتِها مِنَ الأوْصافِ الأرْبَعَةِ لا عَنْ طَوائِفِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مُتَّصِفَةً بِواحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وبِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ إلَخْ، وإنَّما كَرَّرَ المَوْصُولَ إيذانًا بِاسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ بِفَضِيلَةٍ باهِرَةٍ عَلى حِيالِها وتَنْزِيلًا لِاسْتِقْلالِها مُنَزَّلَةً اسْتِقْلالِ المَوْصُوفِ بِها، وهَذا جارٍ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ ولِلْعَلّامَةِ الطِّيبِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لا أظُنُّكَ تَسْتَطِيبُهُ كَيْفَ وفِيِهِ القَوْلُ بِأنَّ الَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ والَّذِينَ يَأْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ هُمُ العاصُونَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو في غايَةِ البُعْدِ.

وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أنَّ الصِّفَةَ الرّابِعَةَ نِهايَةُ مَقاماتِ الصَّدِيقَيْنِ.

23:61Page 346

أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١

It is those who hasten to good deeds, and they outstrip [others] therein.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن ذَكَرَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بَعْدَ رُتْبَتِهِمْ في الفَضْلِ وهو مُبْتَدَأُ خَبَرِهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَإ وخَبَرِهِ خَبَرُ إنَّ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِبَيانِ مَن لَهُ المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ إثْرَ إقْناطِ الكَفّارِ عَنْها وإبْطالِ حُسْبانِهِمُ الكاذِبُ أيْ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما فَصَلَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ خاصَّةً دُونَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ يُسارِعُونَ في نَيْلِ الخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الخَيْراتُ العاجِلَةُ المَوْعُودَةُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 148] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [النَّحْلُ: 122] فَقَدْ أثْبَتَ لَهم ما نُفِيَ عَنْ أضْدادِهِمْ خَلا أنَّهُ غَيْرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أُولَئِكَ يُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ أسْنَدَ المُسارَعَةَ إلَيْهِمْ إيماءً إلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِنَيْلِ الخَيْراتِ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، وإيثارُ كَلِمَةٍ في عَلى كَلِمَةٍ إلى لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِ الخَيْراتِ لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها بِطَرِيقِ المُسارِعَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 133] ﴿وهم لَها﴾ أيْ لِلْخَيْراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَمِعْتَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سابِقُونَ﴾ وهو إمّا مُنَزِّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فاعِلُونَ السَّبْقِ أوْ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْ سابِقُونَ النّاسِ أوِ الكَفّارِ، وهو يَتَعَدّى بِاللّامِ وبِإلى فَيُقالُ: سَبَقَتْ إلى كَذا ولِكَذا، والمُرادُ بِسَبْقِهِمْ إلى الخَيْراتِ ظُفْرُهم بِها ونَيْلُهم إيّاها.

وجَعَلَ أبُو حَيّانَ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ الأوْلى، وقِيلَ سابِقُونَ مُتَعَدٍّ لِلضَّمِيرِ بِنَفْسِهِ واللّامُ مَزِيدَةٌ، وحُسْنُ زِيادَتِها كَوْنُ العامِلِ فَرْعِيًّا وتَقَدَّمَ المَعْمُولُ المُضْمَرُ أيْ وهم سابِقُونَ إيّاها، والمُرادُ بِسَبْقِهِمْ إيّاها لازِمٌ مَعْناهُ أيْضًا وهو النَّيْلُ أيْ وهم يَنالُونَها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عَجَّلَتْ لَهم في الدُّنْيا فَلا يَرُدُّ ما قِيلَ: إنْ سَبَقَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمُ السّابِقِ عَلى المَسْبُوقِ فَكَيْفَ يُقالُ: هم يَسْبِقُونَ الخَيْراتِ والِاحْتِياجُ إلى إرادَةِ اللّازِمِ عَلى هَذا الوَجْهِ أشَدُّ مِنهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ ولِهَذا مَعَ التِزامُ الزِّيادَةِ فِيهِ قِيلَ إنَّهُ وجْهُ مُتَكَلِّفٍ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَيْراتِ الطّاعاتِ وضَمِيرُ ﴿لَها﴾ لَها أيْضًا واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ والمَعْنى يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ والعِباداتِ أشَدُّ الرَّغْبَةِ وهم لِأجْلِها فاعِلُونَ السَّبْقِ أوْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسِ إلى الثَّوابِ أوْ إلى الجَنَّةِ، وجَوَّزَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالخَيْراتِ الطّاعاتُ أنْ يَكُونَ ﴿لَها﴾ خَبَرُ المُبْتَدَإ ( وسابِقُونَ ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْنى ﴿هم لَها﴾ أنَّهم مُعَدُّونَ لِفِعْلِ مِثْلِها مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، وهَذا كَقَوْلِكَ: لِمَن يَطْلُبُ مِنهُ حاجَةً

صفحة 46

لا تُرْجى مَن غَيْرِهِ: أنْتَ لَها وهو مِن بَلِيغِ كَلامِهِمْ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:

مُشْكِلاتٌ أُعْضِلَتْ ودَهَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ لَها

ورَجَّحَ هَذا الوَجْهَ الطَّبَرَيُّ بِأنَّ اللّامَ مُتَمَكِّنَةٌ في هَذا المَعْنى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما هو ظاهِرٌ في جَعْلِ ﴿لَها﴾ خَبْرا وإنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا في جَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْخَيْراتِ بِمَعْنى الطّاعاتِ، فَفي البَحْرِ نَقْلًا عَنْهُ أنَّ المَعْنى سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأوْجُهِ خِلافُ الظّاهِرِ وأنَّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ لِلْخَيْراتِ أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿لَها﴾ لِلْجَنَّةِ. ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ لِلْأُمَمِ وهو كَما تَرى. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ «يُسْرِعُونَ» مُضارِعُ أسْرَعَ يُقالُ: أسْرَعَتْ إلى الشَّيْءِ وسَرِعَتْ إلَيْهِ بِمَعْنًى واحِدٍ و«يُسارِعُونَ» كَما قالَ الزَّجّاجُ أبْلَغُ مِن يُسْرِعُونَ، ووَجَّهَ بِأنَّ المُفاعَلَةَ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ فَنَقْتَفِي حَثَّ النَّفْسِ عَلى السَّبْقِ لِأنَّ مَن عارَضَكَ في شَيْءٍ تَشْتَهِي أنْ تَغْلِبَهُ فِيهِ.

23:62Page 346

وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢

And We charge no soul except [with that within] its capacity, and with Us is a record which speaks with truth; and they will not be wronged.

﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِلتَّحْرِيضِ عَلى ما وصَفَ بِهِ أُولَئِكَ المُشارُ إلَيْهِمْ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ بِبَيانِ سُهُولَتِهِ وكَوْنِهِ غَيْرَ خارِجٍ عَنْ حَدِّ الوُسْعِ والطّاعَةِ أيْ عادَتِنا جارِيَةٌ عَلى أنْ لا نُكَلِّفَ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما في وُسْعِها وقَدْرِ طاقَتِها عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ بِمَعُونَةِ المَقامِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ أوْ لِلتَّرْخِيصِ فِيما هو قاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ أُولَئِكَ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ عِبادَهُ إلّا ما في وُسْعِهِمْ فَإنْ لَمْ يَبْلُغُوا في فِعْلِ الطّاعاتِ مَراتِبَ السّابِقِينَ فَلا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يَبْذُلُوا طاقَتَهم ويَسْتَفْرِغُوا وُسْعَهم. قالَ مُقاتِلٌ: مَن لَمْ يَسْتَطِعِ القِيامَ فَلْيُصَلِّ قاعِدًا ومَن لَمْ يَسْتَطِعِ القُعُودَ فَلِيَوْمِ إيماءً.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ تَتِمَّةٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أحْوالِ ما كَلَّفُوهُ مِنَ الأعْمالِ وأحْكامِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ الَّتِي يَقْرَؤُونَها عِنْدَ الحِسابِ حَسْبَما يُؤْذَنُ بِهِ الوَصْفُ بِهو كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثِيَةُ: 29] ( والحَقُّ ) المُطابِقُ لِلْواقِعِ والنُّطْقُ بِهِ مُجازٍ عَنْ إظْهارِهِ أيْ عِنْدِنا كِتابٌ يُظْهِرُ الحَقَّ المُطابِقَ لِلْواقِعِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ذاتًا ووَصْفًا ويُبَيِّنُهُ لِلنّاظِرِ كَما يُبَيِّنُهُ النُّطْقُ ويَظْهَرُهُ لِلسّامِعِ فَيَظْهَرُ هُناكَ جَلائِلُ الأعْمالِ ودَقائِقُها ويَتَرَتَّبُ عَلَيْها أجَزَيْتُها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ يَقْرَؤُونَها فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ الجَزاءِ وهو دُونُ القَوْلِ الأوَّلِ، وأُدَوِّنُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لِبَيانِ فَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدْلِهِ في الجَزاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ إثْرَ بَيانِ لُطْفِهِ سُبْحانَهُ في التَّكْلِيفِ وكَتْبِ الأعْمالِ عَلى ما هي عَلَيْهِ أيْ لا يُظْلَمُونَ في الجَزاءِ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عَذابٍ بَلْ يُجْزَوْنَ بِقَدْرِ أعْمالِهِمُ الَّتِي كَلَّفُوها ونَطَقَتْ بِها صَحائِفُها بِالحَقِّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِما قَبِلَ مِنَ التَّكْلِيفِ وكَتْبِ الأعْمالِ أيْ لا يَظْلِمُونَ بِتَكْلِيفِ ما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ ولا بِكَتْبِ بَعْضِ أعْمالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُ غَيْرِ السّابِقِينَ بِناءً عَلى قُصُورِها عَنْ دَرَجَةِ أعْمالِ السّابِقِينَ بَلْ يَكْتُبُ كُلٌّ مِنها عَلى مَقادِيرِها وطَبَقاتِها.

23:63Page 346

بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣

But their hearts are covered with confusion over this, and they have [evil] deeds besides that [i.e., disbelief] which they are doing,

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ ورُجُوعٌ إلى بَيانِ حالِ الكَفَرَةِ فالضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ أيْ بَلْ قُلُوبِ الكَفَرَةِ في غَفْلَةٍ وجَهالَةٍ مِن هَذا الَّذِي بَيْنَ في القُرْآنِ مِن أنَّ لَدَيْهِ تَعالى كِتابًا

صفحة 47

يَنْطِقُ بِالحَقِّ ويَظْهَرُ لَهم أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ فَيُجْزُونَ بِها كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ الكَرِيمِ وما بَيَّنَ فِيهِ مُطْلَقًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ:

إلى ما عَلَيْهِ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: إلى الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ، وقِيلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ والأوَّلُ أظْهَرُ ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ كَثِيرَةٌ ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرَ مِن كَوْنِ قُلُوبِهِمْ في غَمْرَةٍ مِمّا ذَكَرَ وهي فُنُونُ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها طَعَنُهم في القُرْآنِ الكَرِيمُ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالغَمْرَةِ الكَفَرَةُ والشَّكُّ وأنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَذْكُورِ، والمَعْنى لَهم أعْمالٌ دُونَ الكُفْرِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ كَهَذا إشارَةٌ إلى ما وصَفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ أيْ لَهم أعْمالٌ مُتَخَطِّيَةٌ لِما وصَفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ أيْ أضْدادِ ما وصَفُوا بِهِ مِمّا وقَعَ في حَيِّزِ الصِّلاتِ وهَذا غايَةُ الذَّمِّ لَهم ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ أيْ مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْها مُعْتادُونَ فِعْلِها ضارُّونَ بِها لا يُفْطَمُونَ عَنْها ( وعامِلُونَ ) عامِلٌ في الضَّمِيرِ قَبْلَهُ واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، هَذا وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ﴾ هم إلَخْ عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ وصْفِهِمْ: ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ونِهايَتُهُ ما أتى بِهِ هَؤُلاءِ المُشْفِقُونَ ولَدَيْنا كِتابٌ يَحْفَظُ أعْمالَهم يَنْطِقُ بِالحَقِّ فَلا يَظْلِمُونَ بَلْ يُوَفِّي عَلَيْهِمْ ثَوابَ أعْمالِهِمْ، ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالحِيرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ ) فَكَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ: وهم مَعَ ذَلِكَ الوَجِلِ والخَوْفِ كالمُتَحَيِّرِينَ في أعْمالِهِمْ أهِيَ مَقْبُولَةٌ أمْ مَرْدُودَةٌ ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ أيْ لَهم أيْضًا مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البَرْ سَوِيِّ ما هم عَلَيْهِ انْتَهى، قالَ الإمامُ: وهو الأوْلى لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامُ الى ما يَتَّصِلُ بِهِ مِن ذِكْرِ المُشْفِقِينَ كانَ أُولى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعُدَ مِنهُ خُصُوصًا وقَدْ يَرْغَبُ المَرْءُ في فِعْلِ الخَيْرِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّ أعْمالَهُ مَحْفُوظَةٌ كَما يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ يُوصَفُ المَرْءُ لِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِ عَمَلِهِ أوْرَدَهُ وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ، وهَذا عَلى هَذا إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجِلِهِمُ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن لَيْسَ قَلْبُهُ في غَمْرَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском